حقوق الأبناء وأثرها في صلاح الفرد والمجتمع

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

إِنَّ نِعمَةَ الأَبنَاءِ مِن أَعظَمِ المِنَنِ الَّتِي امتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، فَهُم زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا، وَذُخرُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ. غَيرَ أَنَّ هَذِهِ النِّعمَةَ مَقرُونَةٌ بِمَسؤُولِيَّةٍ جَسِيمَةٍ وَأَمَانَةٍ عَظِيمَةٍ، إِذ جَعَلَ اللهُ الوَالِدَينِ رَاعِيَينِ وَمَسؤُولَينِ عَن رَعِيِّتِهِمَا.

فَالتَّربِيَةُ لَيسَت مُجَرَدَ عَاطِفَةٍ أَو رِعَايَةٍ مَادِيَّةٍ، بَل هِيَ غَرسٌ لِلعَقِيدَةِ، وَتَعلِيمٌ لِلدِّينِ، وَتَقوِيمٌ لِلسُّلُوكِ. وَالتَّربِيَةُ فِي حَقِيقَتِهَا غَرسُ اليَومِ الَّذِي يَحصُدُهُ الآبَاءُ وَالأَبنَاءُ غَدًا بَرَكَةً فِي الدُّنيَا وَصَدَقَةً جَارِيَةً فِي الآخِرَةِ.

مكانة التربية في الإسلام

الأبناء زينة وأمانة

الوَلَدُ أَمَانَةٌ عِندَ وَالِدَيهِ، قَلبُهُ جَوهَرَةٌ نَفِيسَةٌ خَالِيَةٌ عَنِ النُّقُوشِ، قَابِلٌ لِأَن يُنقَشَ فِيهِ الخَيرُ أَوِ الشَّرُّ.

فِإِذَا عُوِّدَ الخَيرَ نَشَأَ عَلَيهِ، وَسَعِدَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَشَارَكَ وَالِدَاهُ فِي الأَجرِ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَإِن عُوِّدَ الطِّفلُ الشَّرَّ وَأُهمِلَ إِهمَالَ البَهَائِمِ، أَي عُومِلَ مُعَامَلَةَ البَهَائِمِ، فَإِنَّهُ قَد يَسلُكُ طَرِيقًا لَا تُحمَدُ عُقبَاهُ، فَيَكُونَ بَعدَ بُلُوغِهِ مِن أَهلِ الآثَامِ، وَيَكُونَ الوِزرُ أَيضًا عَلَى القَيِّمِ عَلَيهِ الَّذِي تَرَكَ تَربِيَةَ أَولَادِهِ مِن غَيرِ تَعلِيمٍ لِلدِّينِ وَلَا تَوجِيهٍ.

وَصِيَانَةُ الأَولَادِ تَكُونُ بِتَأدِيبِهِم وَتَعلِيمِهِم أُمُورَ الدِّينِ مِمَّا فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَن يَتَعَلَّمُوهُ، وَتَعلِيمِهِم مَحَاسِنَ الأَخلَاقِ، وَبِحفظِهِم مِن قُرَنَاءِ السُّوءِ وَمَا أَكثَرَهُم فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.

النصوص الشرعية في وجوب التربية

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، [سورة التحريم:6].

فَقَد جَاءَ فِي تَفسِيرِ الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُوا أَنفُسَهُم وَأَهْلَهُمُ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ بِتَعَلُّمِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَعلِيمِ أَهلِيهِم ذَلِكَ، أَي مَعرِفَةِ الوَاجِبَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ.

ذَكَرَ القُشَيرِيُّ أَنَّ سَيدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَقِي أَنفُسَنَا، فَكَيفَ لَنَا بِأَهلِينَا؟ فَقَالَ: «تَنهَونَهُم عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ وَتَأمُرُونَهُم بِمَا أَمَرَ».اهـ

وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ بِإِسنَادٍ قَوِيٍّ عَن سَيِّدِنَا عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: «عَلِّمُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُمُ الخَيرَ».اهـ

وَمِن وَسَائِلِ هَذِهِ الوِقَايَةِ القِيَامُ بِحُقُوقِهِم، وَإِعَانَتُهُم عَلَى البِرِّ، فَقَد أَخرَجَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي حَقِّ الوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال «رَحِمَ اللهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ».

وَقَد تَرجَمَ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ: “بَابُ بِرِّ الأَبِ لِوَلَدِهِ”، وَسَاقَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: إِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ أَبرَارًا لِأَنَّهُم بَرُّوا الآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، كَمَا أَنَّ لِوَالِدِكَ عَلَيكَ حَقًّا كَذَلِكَ لِوَلَدِكَ عَلَيكَ حَقٌّ.اهـ

وَجَاءَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُو مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهلِ بَيتِ زَوجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِي مَسؤُولَةٌ عَنهُم، وَعَبدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَنهُ، أَلَا فَكُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ».

فَكَمَا أَنَّ الأَبَ يَخشَى عَلَى أَولَادِهِ مِن بَردِ الشِّتَاءِ وَحَرِّ الصَّيفِ فَلَا بُدَّ أَن يَخشَى عَلَيهِم مِن نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُحِيطَهُم بِالرِّعَايَةِ وَالتَّربِيَةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَسَوفَ يُسأَلُ عَن ذَلِكَ إِن هُوَ قَصَّرَ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا استَرعَاهُ، حَفِظَ أَم ضَيَّعَ؟ حَتَّى يَسأَلَ الرَجُلَ عَن أَهلِ بَيتِهِ»، أَخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

فَهِذِهِ النُّصُوصُ تُظهِرُ أَنَّ التَّربِيَةَ عِبَادَةٌ وَوَاجِبٌ شَرعِيٌّ، لَا مُجَرَّدَ خِيَارٌ تَربَوِيٌّ.

أسس تربية الأبناء

غرس العقيدة والإيمان منذ الصغر

مِن أَعظَمِ الحُقُوقِ أَن يُغرَسَ فِي قَلبِ الطِّفلِ الإِيمَانُ الصَّحِيحُ، إِذ إِنَّ مَن لَم يَتَعَلَّمِ الدِّينَ يَقَعُ فِي الحَرَامِ، وَرُبَّمَا فِي الكُفرِ، وَيَكُونُ مَآلُهُ فِي الآخِرَةِ إِن مَاتَ عَلَى الكُفرِ أَن يَدخُلَ النَّارَ خَالِدًا فِيهَا، لَا تَلحَقُهُ شَفَاعَةُ شَافِعٍ، وَلَيسَ لَهُ نَصِيرٌ، وَلَا يَرحَمُهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَهمَلَ تَعَلُّمَ عِلمِ الدِّينِ مِن أَهلِ المَعرِفَةِ الصَّادِقِينَ.

فَمِن هُنَا كَانَ دَورُ الأَهلِ فِي تَنشِئَةِ أَولَادِهِم تَنشِئَةً إِسلَامِيَّةً صَحِيحَةً، فَحِرصُكَ عَلَى أُمُورِ مَعِيشَتِهِم فِي الدُّنيَا لَيسَ أَولَى مِن حِرصِكَ عَلَى مَا يَنفَعُهُم فِي الآخِرَةِ، فَالأَولَى أَن تُتَابِعَهُم وَأَن تَحُثَّهُم عَلَى مَا يَنفَعُهُم فِي الآخِرَةِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مَن أَلَّفَ وَكَتَبَ الدُّرَرَ عَن تَربِيَةِ الأَولَادِ وَعَمَّا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، كَأمرِهِمَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَهُم أَبنَاءُ سَبعٍ، وَتعلِيمِهِمَا أُمُورَ الاعتِقَادِ الضَّرُورِيَّةِ، وَتَعلِيمِهِمَا: يَجِبُ كَذَا وَيَحرُمُ كَذَا، كَحُرمَةِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ.

قَالَ ﷺ: «مُرُوا أَولَادَكُم بِالصَّلَاةِ وَهُم أَبنَاءُ سَبعٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاودَ.

قَالَ الحَافِظُ الفَقِيهُ ابنُ الجَوزِيِّ فِي كِتَابِهِ “حِفظُ العِلمِ”: «إنَّ الوَلَدَ إِن صَارَ مُمَيِّزًا فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يُعلَّمُ شَىءٌ فِي العَقِيدَةِ، ثُمَّ شَىءٌ فِي الطَّهَارَةِ، ثُمَّ شَىءٌ مِنَ القُرءَانِ».

القدوة الصالحة

الأَبَوَانِ هُمَا المِرآةُ الأُولَى لِلأَبنَاءِ، فَحَالُ الوَالِدَينِ وَسُلُوكُهُمَا أَقوَى مِنَ الأَقوَالِ المُجَرَّدَةِ، فَالأَطفَالُ وَالفِتيَانُ وَالشُّبَّانُ يَأتُونَ إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ كُلَّ يَومٍ لِيَستَمِدُّوا مِن قُلُوبِهِم قُوَّةَ الإِيمَانِ، وَيَقتَبِسُوا مِن عُقُولِهم نُورًا يَهتَدُونَ بِهِ فِي ظَلَامِ هَذِهِ الحَيَاةِ، هُم كَالفَرخِ مِنَ الطَّيرِ الَّذِي ارتَمَى فِي حِضنِ أُمِّهِ، فَإِنِ اعتَنَيتُم بِهِم وَعَلَّمتُمُوهُمُ الدِّينَ ارتَفَعَ شَأنُهُم فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَإِن أَهمَلتُمُوهُم وَتَرَكتُمُوهُم وَشَأنَهُم فَغَالِبًا سَوفَ يَتَخَبَّطُونَ فِي دَيَاجِيرِ الحَيرَةِ وَالتَّجَارِبِ، كَالفَرخِ الَّذِي يُحاوِلُ عَبَثًا أَن يَطِيرَ فَيُكسَرُ جَنَاحُهُ، وَيَتَنَاثَرُ رِيشُهُ، فَيُصبِحَ فَرِيسَةً سَهلَةً لِأَنوَاعِ المُفتَرِسِينَ.

بعض قصص الصالحين في التربية

قصة سهل بن عبد الله التستري

نَقَلَت كُتُبُ التَّرَاجِمِ نَمَاذِجَ مُضِيئَةً مِن قِصَصِ الصَّالِحِينَ فِي التَّربِيَةِ، مِثلَ قِصَّةِ سَهلِ بنِ عَبدِ اللهِ التَّستُرِيِّ الوَلِيِّ العَارِفِ بِاللهِ تَعَالَى قَالَ: “كُنتُ وَأَنَا ابنُ ثَلَاثِ سِنِينَ أَقُومُ بِاللَّيلِ فَأَنظُرُ إِلَى صَلَاةِ خَالِي مُحَمَّدِ بنِ سَوَّارٍ، فَقَالَ لِي يَومًا: أَلَا تَذكُرُ اللهَ الَّذِي خَلَقَكَ؟ فَقُلتُ: كَيفَ أَذكُرُهُ؟ قَالَ: قُل بِقَلبِكَ عِندَ تَقَلُّبِكَ -أَي عِندَمَا تُرِيدُ أَن تَنَامَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: اللهُ يَرَانِي، قَالَ: فَقُلتُ ذَلِكَ لَيَالِيَ ثُمَّ أَعلَمتُهُ، فَقَالَ: قُل ذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ سَبعَ مَرَّاتٍ، فَقُلتُ ذَلِكَ ثُمَّ أَعلَمتُهُ، فَقَالَ: قُل ذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ إِحدَى عَشرَةَ مَرَّةً، فَقُلتُهُ، فَوَقَعَ فِي قَلبِي حَلَاوَتُهُ أَي لَذَّتُهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعدَ سَنَةٍ قَالَ لِي خَالِي: احفَظ مَا عَلَّمتُكَ وَدُم عَلَيهِ إِلَى أَن تَدخُلَ القَبرَ فَإِنَّهُ يَنفَعُكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَلَم أَزَل عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ، فَوَجَدتُ لِذَلِكَ حَلَاوَةً فِي سِرِّي أَي فِي قَلبِي، ثُمَّ قَالَ لِي خَالِي يَومًا: يَا سَهلُ، مَن كَانَ اللهُ يَرَاهُ أَيَعصِيهِ؟! إِيَّاكَ وَالمَعصِيَةَ، ثُمَّ بَعَثُوا بِي إِلَى الكُتَّابِ فَتَعَلَّمتُ القُرءَانَ وَحَفِظتُهُ وَأَنَا ابنُ سِتِّ أَو سَبعِ سِنِينَ، وَكُنتُ أَصُومُ الدَّهرَ، وَقُوتِي مِن خُبزِ الشَّعِيرِ بِغَيرِ مِلحٍ وَلَا أُدمٍ، ثُمَّ خَرَجتُ أَسِيحُ فِي الأَرضِ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعتُ إِلَى تُستَرٍ، وَكُنتُ أَقُومُ اللَّيلَ كُلَّهُ مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى”.اهـ قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: “فَمَا رَأيتُهُ أَكَلَ المِلحَ حَتَّى لَقِيَ اللهَ تَعَالَى”.

قصة الصبي الصالح الذي قال: “ما للعب خلقنا” 

رُوِيَ عَن أَحَدِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ قَالَ: بَينَمَا أَنَا ذَاتَ يَومٍ فِي بَعضِ شَوَارِعِ البَصرَةِ، وَإِذَا بِصِبيَانٍ يَلعَبُونَ بِالجَوزِ وَاللَّوزِ، وَإِذَا بِصَبِيٍّ يَنظُرُ إِلَيهِم وَيَبكِي، فَقُلتُ: هَذَا الصَّبِيُّ يَتَحَسِّرُ عَلَى مَا فِي أَيدِي الصِّبيَانِ وَلَا شَيءَ مَعَهُ فَيَلعَبُ بِهِ، فَقُلتُ لَهُ: أَي بُنَيَّ مَا يُبكِيكَ؟ أَشتَرِي لَكَ مِنَ الجَوزِ وَاللَّوزِ مَا تَلعَبُ بِهِ مَعَ الصِّبيَانِ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا عَمُّ مَا لِلَّعِبِ خُلِقنَا، فَقُلتُ: أَي بُنَيَّ، فَلِمَاذَا خُلِقنَا؟ قَالَ: لِلعِلمِ وَالعِبَادَةِ، قُلتُ: مِن أَينَ لَكَ هَذَا بَارَكَ اللهُ فِيكَ؟ قَالَ: مِن قَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنونَ:115]، قُلتُ لَهُ: أَي بُنَيَّ، إِنِّي أَرَاكَ حَكِيمًا فَعِظنِي وَأَوجِز، فَأَنشَأَ يَقُولُ:

أَرَى الدُّنيَا تُجَهَّزُ بِانطِلَاقِ *** مُشَمِّرَةً عَلَى قَدَمٍ وَسَاقِ

فَلَا الدُّنيَا بِبَاقِيَةٍ لِحَيٍّ *** وَلَا حَيٌّ عَلَى الدُّنيَا بِبَاقِي

كَأَنَّ المَوتَ وَالحَدَثَانِ فِيهَا *** إِلَى نَفسِ الفَتَى فَرَسَا سِبَاقِ

فَيَا مَغرُورًا بِالدُّنيَا رُوَيدًا *** وَمِنهَا خُذ لِنَفسِكَ بِالوِثَاقِ

فَقَامَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ ثُمَّ رَمَقَ السَّمَاءَ بِعَينِهِ وَأَشَارَ إِلَيهَا بِكَفَّيهِ وَدُمُوعُهُ تَنحَدِرُ عَلَى خَدَّيهِ، وَأَنشَأَ يَقُولُ: يَا مَن إِلَيهِ المُبْتَهَل يَا مَن عَلَيهِ المُتَّكَل، قَالَ: فَلَمَّا أَتَمَّ كَلَامَهُ خَرَّ مَغشِيًّا عَلَيهِ، فَرَفَعتُ رَأسَهُ إِلَى حِجرِي وَنفَضتُّ التُّرَابَ عَن وَجهِهِ بِكُمِّي، فَلَمَّا أَفَاقَ قُلتُ لَهُ: أَي بُنَيَّ، مَا نَزَلَ بِكَ وَأَنتَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ لَم يُكتَب عَلَيكَ ذَنبٌ؟! قَالَ: إِلَيكَ عَنِّي، إِنِّي رَأَيتُ وَالِدَتِي تُوقِدُ النَّارَ بِالحَطَبِ الكِبَارِ فَلَا يَتَّقِدُ لَهَا إِلَّا بِالصِّغَارِ، وَأَنَا أَخشَى أَنْ أَكُونَ مِمَّن هُوَ يَبلُغُ عَلَى الحَرَامِ وَمَوتِي عَلَى الحَرَامِ، فَوَقَعَ الرَّجُلُ عَلَى الأَرضِ مَغشِيًّا عَلَيهِ وَانصَرَفَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا أَفَقتُ نَظَرتُ إِلَى الصِّبيَانِ فَلَم أَرَهُ مَعَهُم، فَقُلتُ لَهُم: مَن يَكُونُ ذَلِكَ الغُلَامُ؟ قَالُوا: مَا عَرَفتَهُ؟ قُلتُ، لَا، قَالُوا: ذَلِكَ مِن أَولَادِ الحُسَينِ بنِ عَليِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم، فَقُلتُ: قَد عَجِبْتُ مِن أَينَ تَكُونُ هَذِهِ الثَّمَرةُ إِلَّا مِن تِلكَ الشَّجَرَةِ!

فَانظُرُوا إِلَى تِلكَ التَّربِيَةِ الَّتِي أَخرَجَت رِجَالًا جِبَالًا أَلَا يُحِبُّ الوَاحِدُ مِنَّا أَن يَكُونَ وَلَدُهُ مِثلَ هَؤُلَاءِ.

تعويد الأبناء على الاعتدال وعدم الترف

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ: «إِيَّاكَ وَالتَّنَعُمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللهِ لَيسُوا بِالمُتَنَعِّمِينَ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.

فَيَنبَغِي تَعوِيدُ الطِّفلِ عَلَى القَنَاعَةِ وَالاقتِصَادِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَلبَسِ، وَتَعلِيمُهُ آدَابَ المَائِدَةِ، كَالأَكلِ بِاليَمِينِ، وَذِكرِ اسمِ اللهِ، وَالأَكلِ مِمَّا يَلِيهِ، وَأَن لَا يُسرِعَ فِي الأَكلِ، وَأَن يُجِيدَ المَضغَ، وَأَن لَا يُوالِيَ بَينَ اللُّقَمِ، وَلَا يُلَطّخَ يَدَهُ وَثَوبَهُ، وَأَن يُعَوَّدَ الخُبزَ وَالمَاءَ فِي بَعضِ الأَحيَانِ حَتَّى لَا يَصِيرَ يَرَى اللَّحمَ حَتمًا -أَي لَا بُدَّ مِنهُ فِي الطَّعَامِ فَيَعُودَ لَا يَقبَلُ الطَّعَامَ إِلَّا مَعَ اللَّحمِ-، فَهَذَا يُساعِدُهُ عَلَى كَسرِ نَفسِهِ فِي المُستَقبَلِ. قَالَ ﷺ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِن بَطنِه، بِحَسبِ ابنِ ءادَمَ أُكُلَاتٌ (أَي لُقَمٌ) يُقِمنَ صُلبُهُ، فإَِن كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وثُلُثٌ لِشرابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. وَلَا يُحَبَّبُ إِلَيهِ الزِّينَةُ وَأَسبَابُ الرَّفَاهِيَةِ فَيُضَيّعَ الوَلَدُ عُمُرَهُ فِي طَلَبِهَا.

النشوء الصالح

الطِّفلُ يَنشَأُ عَلَى مَا يُرَبَّى عَلَيهِ؛ فَإِن اعتَادَ الطَّاعَةَ وَالجِدِّيَةَ تَرَسَّخَت فِي قَلبِهِ، فَيُعَلَّمُ الوَلَدُ طَاعَةَ وَالِدَيهِ وَمُعَلِّمِهِ وَمُؤَدِّبِهِ، وَأَنَّ المَوتَ يَقطَعُ نَعِيمَ الدُّنيَا فَهِيَ دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ، وَأَمَّا الآخِرَةُ فَهِيَ دَارُ المَقَرِّ، وَأَنَّ المَوتَ مُنتَظَرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَأَنَّ الكَيّسَ العَاقِلَ مَن تَزَوَّدَ مِنَ الدُّنيَا إِلَى الآخِرَةِ.

فَإِن كَانَ النُّشُوءُ صَالِحًا كَانَ هَذَا الكَلامُ عِندَ البُلُوغِ وَاقِعًا مُؤَثِّرًا نَاجِحًا يَثبُتُ فِي قَلبِهِ كَمَا يَثبُتُ النَّقشُ فِي الحَجَرِ، وَإِن وَقَعَ النُّشُوءُ بِخِلَافِ ذَلِكَ حَتَّى أَلِفَ الصَّبِيُّ اللَّعِبَ وَالفُحْشَ وَالوَقَاحَةَ وَشَرَهَ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالتَّزَيُّنَ وَالتَّفَاخُرَ نَبَا قَلبُهُ -أَي ابتَعَدَ عَن قَبُولِ الحَقِّ- نَبْوَةَ الحَائِطِ عَنِ التُّرَابِ اليَابِسِ أَي لَا يَعْلَقُ عَلَى الحَائِطِ.

أساليب التربية والتعليم

التربية بالحب والرحمة

العَدلُ بَينَ الأَبنَاءِ فِي العَطَاءِ يُبْعِدُ عَنهُمُ البُغضَ وَالحَسَدَ، فَقَد جَاءَ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انطَلَقَ بِي أَبِي يَحمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْهَدْ أَنِّي قَد نَحِلتُ النُّعمَانَ كَذَا وَكَذَا مِن مَالِي -أَي أَعطَيتُهُ قَدرًا مِنْ مَالِي-. فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَد نَحِلتَ مِثلَ مَا نَحِلتَ النُّعمَانَ». قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَن يَكُونُوا إِلَيكَ فِي البِرِّ سَوَاءً»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا».

وَكَذَلِكَ الرِّفقُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَبنَاءِ، وَلَا ضَيْرَ بِالشِّدَّةِ فِي بَعضِ الأَوقَاتِ لَكِنْ دُونَ غِلْظَةٍ وَجَفَاءٍ، وَأَن يَبقَى الأَهلُ عَلَى التَّوجِيهِ الحَسَنِ وَالنُّصْحِ وَالتَّعلِيمِ وَالتَّحذِيرِ مِنَ الشُّرُورِ، وَالحِرْصِ عَلَى اختِيَارِ الرُّفْقَةِ الصَّالِحَةِ وَإِبعَادِهِم عَنِ الرُّفْقَةِ السَّيِّئَةِ، وَأَن يُنَوِّعَ الأَهلُ فِي أَسَالِيبِ التَّربِيَةِ لِيَكُونَ لَهَا وَقْعٌ فِي النَّفْسِ. وَالإِحسَانِ إِلَيهِم وَهُم صِغَارٌ، وَتَوقِيرُهُم إِن بَلَغُوا سِنَّ مَن يُوَقَّرُ. وَبِأَن لَا يَطلُبَ مِنهُم مَا لَا يَقدِرُونَ عَلَيهِ. وَلَا يَطلُبُ مِنهُم مَا يَحرُمُ فِعلُهُ، فَضلًا عَنِ المَكرُوهِ. وَأَن يَقبَلَ مِن مُحسِنِهِم إِذَا أَحسَنَ، وَيَتَجَاوَزَ عَن إِسَاءَةِ مَن أَسَاءَ مِنهُم، وَالتَّغَاضِي عَن هَفَوَاتَهِم.

الحوار والتشجيع

يَنبَغِي عَلَى الأَهلِ تَنمِيَةُ القُدرَةِ لِدَى أَبنَاءِهِم عَلَى النِّقَاشِ وَالتَّعبِيرِ عَنِ الرَّأيِ، فَمِنَ المُهِمِّ تَشجِيعُ الطِّفلِ عَلَى الحِوَارِ وَالتَّحَدُّثِ وَالتَّعبِيرِ عَن نَفْسِهِ مُنذُ المَراحِلِ الأُولَى مِن عُمْرِهِ، وَهَذَا الأَمرُ الَّذِي يَزِيدُ مِن قُدرَتِهِ عَلَى التَّوَاصُلِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ الآخَرِينَ مُستَقبَلًا.

تَحفِيزُ الأَبنَاءِ عَلَى فِعلِ الأَشيَاءِ الحَسنَةِ، فَفِيهَا تَشجِيعٌ لِلطِّفلِ عَلَى فِعلِ الخَيرِ، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَن تَكُونَ المُكَافَأَةُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ جَيِّدٍ يَقُومُ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدّي إِلَى أَن يَرْبِطَ الطِّفلُ العَمَلَ الجَيِّدَ بِالحُصُولِ عَلَى مُكَافَأَةٍ، وَإِنَّمَا مُكَافَأتُهُ فِي بَعضِ المَوَاقِفِ كَأَدَائِهِ لِعَمَلٍ يَحتَاجُ إِلَى مَجهُودٍ كَبِيرٍ، أَوِ التَّفَوُّقِ فِي دِرَاسَتِهِ، إِذْ إِنَّ مُكَافَأةَ الطِّفلِ مِن وَقتٍ إِلَى ءاخَرَ يُعَدُّ طَرِيقَةً مُمَيَّزةً لِيُظْهِرَ الوَالِدَانِ امتِنَانَهُمَا لِلأَعمَالِ المُمَيَّزَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الطِّفلِ.

ضبط السلوك بين الثواب والعقاب

وَضعُ قَوَاعِدَ وَاضِحَةٍ لِلسُّلُوكِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الأَطفَالَ الَّذِينَ يَسِيرُونَ وَفْقَ قَوَاعِدَ وَحُدُودٍ وَاضِحَةٍ وَثَابِتَةٍ يَكُونُونَ أَكثَرَ تَحَمُّلًا لِلمَسؤُولِيَّةِ وَالتِزَامًا بِالآدَابِ. 

وَاستِعمَالُ العُقُوبَةِ المُنَاسِبَةِ دُونَ إِفرَاطٍ، فَمِنَ الأَهلِ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِتَأدِيبِ الطِّفلِ، وَيَتَجَاهَلُونَ ذَلِكَ عِندَمَا يُكَرِّرُ الطِّفلُ نَفْسَ الخَطَإِ مَرَّةً أُخرَى، وَهَذَا يُؤدِّي إِلَى عَدَمِ اكتِرَاثِ الطِّفلِ. مَعَ التَّركِيزِ عَلَى تَصحِيحِ السُّلُوكِ. وَالاعتِذَارُ مِنَ الأَبنَاءِ إِذَا أَخطَأَ الوَالِدَانِ، لِيَغرِسَ ذَلِكَ التَّوَاضُعَ عِندَهمُ وَالتَّرَاجُعَ عَنِ الخَطَإِ.

التربية بالقدوة والمشاركة

 اصطِحَابُ الأَبنَاءِ إِلَى مَجَالِسِ العِلمِ وَالخَيرِ، وَهَذَا مِمَّا يُنَوِّرُ فَهْمَهُ وَيَزِيدُ فِي عَقلِهِ، وَيَحمِلُهُ عَلَى تَقلِيدِ الأَكَابِرِ وَالتَّعَلُّمِ مِنهُم، وَيرفَعُهُ عَنِ الاستِغرَاقِ فِي اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ رِضوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم يَصْحَبُونَ أَولَادَهُم إِلَى مَجلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَتَعلِيمُهُم الرِّيَاضَاتِ النَّافِعَةِ كَالسِّبَاحَةِ وَالرِّمَايَةِ. فَقَد جَاءَ عَن أَبِي رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألِلوَلَدِ عَلَينَا حَقٌّ كَحَقِّنَا عَلَيهِم؟ قَالَ: «نَعَم، حَقُّ الوَلَدِ عَلَى الوَالِدِ أَن يُعَلِّمَهُ الكِتَابَةَ وَالسِّبَاحَةَ وَالرَّميَ، وَأَن يُوَرِّثَهُ طِيبً»، وَعَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَيءٍ لَيسَ مِن ذِكرِ اللهِ فَهُوَ لَهوٌ أَو سَهوٌ، إِلَّا أَربَعُ خِصَال»، وَذَكَرَ مِنهَا: «تَعلِيمُ السِّبَاحَةِ».

وَإشرَاكُهُم فِي المَسؤُولِيَّاتِ المُنَاسِبَةِ لِسِنِّهِم وَقُدُرَاتِهِم، وَاستِكتَامُهُم بَعضَ الأَسرَارِ؛ فَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَلعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ فَسَلَّمَ عَلَينَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبطَأتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَت: مَا حَبَسَكَ؟ قُلتُ: بَعَثنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَةٍ، فَقَالَت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَت: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا” رَوَاهُ مُسلِمٌ.

أخطاء شائعة في التربية

القسوة الزائدة

يَنبَغِي عَلَى الأَهلِ تَجَنُّبُ القَسوَةِ المُفْرِطَةِ مَعَ الأَولَادِ، فَقَد تُؤَدِّي إِلَى نَتَائِجَ سَلبِيَّةٍ حَيثُ يُصبِحُ سُلُوكُ الطِّفلِ أَسوَأَ مِمَّا كَانَ عَلَيهِ.

وَمِنَ المُهِمِّ أَيضًا أَن يَكُونَ تَعَامُلُ الأَزوَاجِ رَاقِيًا وَذَلِكَ بِعَدَمِ إِظهَارِ الخِلَافَاتِ الزَّوجِيَّةِ أَمَامَ الأَبنَاءِ وَعَدَمِ الصُّرَاخِ وَالكَلَامِ المُهِيْنِ وَنَحوِ ذَلِكَ لِأَنَّ الأَهلَ قُدوَةٌ لِأَولَادِهِم وَمِن أَخطَرِ الأَسَالِيبِ الَّتِي لَهَا أثَرٌ سَلبِيٌّ كَبِيرٌ عَلَى الأَطفَالِ أُسلُوبُ التَّعنِيفِ اللَّفظِيِّ وَالجَسَدِيِّ مِن سِبَابٍ وَشَتْمٍ وَضَرْبٍ مُبَرِّحٍ كَأُسْلُوبٍ لِتَقوِيمِ سُلُوكِ الطِّفلِ.

الدلال المفرط

يَنعَكِسُ حُبُّ بَعضِ الآبَاءِ لِأَبنَائِهِم فِي صُورَةِ حِمَايَةٍ زَائِدَةٍ تَجعَلُهُم يَنُوْبُوْنَ عَنِ الطِّفلِ فِي الأُمُورِ الَّتِي يَنبَغِي أَنْ يَقُومَ بِهَا وَحدَهُ، يَفعَلُونَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُصَابَ بِسُوْءٍ أَو أذًى أَو لِتَوفِيرِ سُبُلِ الرَّاحَةِ لَهُ، ويَرَوْنَ أَنَّ مُهِمّتَهُمُ الأَسَاسِيَّةَ هِيَ تَوفِيرُ سُبُلِ السَّعَادَةِ وَالرَّاحَةِ لِلطِّفلِ، وَهَذَا الأُسلُوبُ بِلَا شَكٍّ يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى الطِّفلِ وَشَخصِيَّتِهِ؛ فَيَكبَرُ الطِّفلُ بِشَخصِيَّةٍ اتِّكَالِيَّةٍ غَيرِ مُستَقِلَّةٍ وَيَعتَمِدُ عَلَى غَيرِهِ فِي القِيَامِ بِأُمُورِهِ وَيَتَّصِفُ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحَمُّلِ المَسؤُولِيَّةِ.

كَمَا أَنَّ المُغَالَاةَ فِي الرِّعَايَةِ وَالدَّلَالِ يَجعَلُ الطِّفلَ غَيرَ قَادِرٍ عَلَى بِنَاءِ عَلَاقَاتٍ نَاجِحَةٍ مَعَ الآخَرِينَ وَمُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِ تَجَارِبُ كَافِيَةٌ تُمَكِّنُهُ مِن مُوَاجَهَةِ الأَحدَاثِ الَّتِي قَدْ يَتَعَرَّضُ لَهَا.

كَما يَتَضَمَّنُ هَذَا الأُسلُوبُ تَلْبِيَةَ مَطَالِبِ الطِّفلِ جَمِيعِهَا مَهمَا كَانَتْ، مَعَ إِصرَارِ الطِّفلِ عَلَى تَلْبِيَةِ مَطالِبِهِ مَتَى أَرَادَ دُونَ مُرَاعَاةٍ لِلظُّرُوفِ الوَاقِعِيَّةِ، أَو عَدمِ تَوَفُّرِ الإِمكَانَاتِ.

ثمرات التربية الصالحة

 الوَلَدُ الصَّالِحُ يُبهِجُ وَالِدَيهِ وَيَكُونُ عَونًا لَهُمَا فَهُوَ بَرَكَةٌ فِي الدُّنيَا وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [سورة الكهف: ٤٦]. وَهُوَ كَذَلِكَ ذُخرٌ فِي الآخِرَةِ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَبِالتَّربِيَةِ الصَّالِحَةِ عِزَّةٌ لِلأُمَّةِ فَإِنَّ بِهَا تُخَرِّجُ أَجيَالًا قَادِرَةً عَلَى حَملِ الرِّسَالَةِ وَالدِّفَاعِ عَنِ القِيَمِ وَالعَادَاتِ.

الخاتمة

تَربِيَةُ الأَبنَاءِ لَيسَت أَمرًا ثَانَوِيًّا، بَل هِيَ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَقٌّ أَصِيلٌ لِلأَبنَاءِ عَلَى وَالِدَيهِم. وَهِيَ عَمَلِيَّةٌ شَامِلَةٌ تَشمَلُ تَعلِيمَ العَقِيدَةِ، وَغَرسِ القِيَمِ، وَتَربِيَةِ السُّلُوكِ، مَعَ القُدوَةِ الصَّالِحَةِ وَالرَّحمَةِ وَالحَزمِ. وَقَد أَثبَتَتِ النُّصُوصُ الشَّرعِيَّةُ وَأَقوَالُ العُلَمَاءِ أَنَّ صَلَاحَ الأَبنَاءِ ثَمَرَتُهُ صَلَاحُ الوَالِدَينِ وَالمُجتَمَعِ كُلِّهِ.

فَليَحرِصِ الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الأَمَانَةِ العَظِيمَةِ، وَلْيَعلَمُوا أَنَّ غَرسَ اليَومِ هُوَ حَصَادُ الغَدِ، وَأَنَّ مَن زَرَعَ الصَّلَاحَ فِي وَلَدِهِ جَنَى ثِمَارَهُ فِي دُنيَاهُ وَآخِرَتِهِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
  • سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  • سُنَنِ التِّرمِذِيِّ. 
  • المُستَدرَكِ لِلحَاكِمِ.
  • لَفتَةِ الكَبِدِ إِلَى نَصِيحَةِ الوَلَدِ لابنِ الجَوزِيِّ.
  • إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لِلغَزَالِيِّ.
  • حَدَائِقِ الأَولِياَءِ لِابنِ المُلَقِّنِ.