بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
سورة التحريم: 6
أَي فَقِّهُوهُم وَأَدِّبُوهُم وَادعُوهُم إِلَى طَاعَةِ اللهِ، وَامنَعُوهُم عَنِ استِحقَاقِ العُقُوبَةِ بِإِرشَادِهِم وَتَعلِيمِهِم.
يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنْ يَقُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمُ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، وَهَذِهِ الوِقَايَةُ تَكُونُ بِتَعَلُّمِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِيهِمْ ذَلِكَ أَيْ مَعْرِفَةِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
رواه البخاري ومسلم
كيف أربي ولدي تربية إسلامية
قَد دَلَّنَا شَرعُنَا الحَنِيفُ عَلَى أُسُسِ تَربِيَةِ الأَولَادِ تَربِيَةً إِسلَامِيَّةً صَحِيحَةً، حَتَّى يَكبُرَ الوَلَدُ عَلَى التَّقوَى وَالصَّلَاحِ، نَذكُرُ مِن هَذِهِ الأُسُسِ:
تعليمهم علم الدِّين
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
سورة فاطر: 28
فَالعِلمُ يُورِثُ الخَشيَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِذَا وَرِثَتِ النَّفسُ الخَشيَةَ مِنَ اللهِ انقَادَت لِحُكمِ اللهِ فَالتَزَمَت بِمَا أَوجَبَ اللهُ وَانتَهَت عَمَّا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا هُوَ السَّبِيلُ إِلَى الوِقَايَةِ مِن جَهَنَّمَ.
وَأَهَمُّ مَسَائِلِ عِلمِ الدِّينِ عِلمُ أُصُولِ الدِّينِ أَو مَا يُعرَفُ بِاسمِ عِلمِ العَقِيدَةِ وَهُوَ العِلمُ المُشتَمِلُ عَلَى مَعرِفَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يَنبَغِي.
فَيَجِبُ أَن يُعَلِّمَ الوَلِيُّ الطِّفلَ مَثَلًا:
- أَنَّ اللهَ خَالِقُ هَذَا العَالَمِ لَا يُشبِهُ هَذَا العَالَمَ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
- وَأَنَّ اللهَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَذهَانِ لِأَنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌُ.
- وَأَنَّهُ مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ لَا يُشبِهُ ذَلِكَ.
- وَأَنَّ اللهَ لَيسَ جِسمًا كَبِيرًا وَلَيسَ جِسمًا صَغِيرًا بَل هُوَ خَالِقُ الأَجسَامِ وَخَالِقُ كُلِّ شَيءٍ.
- وَأَنَّهُ لَا يَدخُلُ شَيءٌ فِي هَذَا العَالَمِ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ وَعِلمِهِ وَقُدرَتِهِ.
- وَأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولٌ مِن عِندِ اللهِ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى.
- وَأَنَّهُ خَاتَمُ رُسُلِ اللهِ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ أَجمَعِينَ وَنَحوَ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الأِيمَانِ.
وَيُعَلِّمُهُ أَيضًا أَحكَامَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِشُرُوطِهِ، وَيُعَلِّمُهُ بَعضَ السُّنَنِ كَالسِّوَاكِ، وَيُعَلِّمُهُ حُرمَةَ بَعضِ الأَشيَاءِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُربِ الخَمرِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَيُعَلِّمُهُ أَخلَاقَ المُسلِمِينَ.
أمرهم بالصلاة
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
سورة طه: 132
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
“مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضرِبُوهُم عَلَى تَركِهَا وَهُم أَبنَاءُ عَشرٍ”
رواه أبو داود
فَيَجِبُ عَلَى الوَلِيِّ أَمرُ أَولَادِهِ بِالصَّلَوَاتِ الخَمسِ المَفرُوضَةِ إِذَا أَتَمَّ الوَلَدُ سَبعَ سِنِينَ هِجرِيَّةٍ، إِذَا حَصَلَ مِنهُمُ التَّميِيزُ، وَالتَّميِيزُ هُوَ أَن يَكُونَ الوَلَدُ قَد بَلَغَ مِنَ السِّنِّ إِلَى حَيثُ يَفهَمُ الخِطَابَ وَيَرُدُّ الجَوَابَ وَيَستَقِلُّ بِالأَكلِ وَالشُّربِ وَالاستِنجَاءِ.
وَيَكُونُ الأَمرُ بِالتَّشدِيدِ بِحَيثُ يُشعِرُهُ بِأَهَمِّيَّةِ الصَّلَاةِ، وَيَجِبُ عَلَى الوَلِيِّ أَن يَضرِبَ أَولَادَهُ المُمَيِّزِينَ عَلَى تَركِهَا إِذَا أَتَمَّ الوَلَدُ عَشرَ سِنِينَ هِجرِيَّةٍ، وَشَرطُ الضَّربِ أَن لَا يَكُونَ مُبَرِّحًا أَي غَيرَ مُؤَدٍّ لِلهَلَاكِ وَلَا يَكسِرَ عَظمًا وَلَا يُسِيلَ دَمًا.
أمرهم بصيام رمضان
يَجِبُ عَلَى الوَلِيِّ أَمرُ أَولَادَهُ المُمَيِّزِينَ بِالصِّيَامِ إِذَا أَتَمَّ الوَلَدُ سَبعَ سِنِينَ هِجرِيَّةٍ، وَضَربُهُم عَلَى تَركِ الصِّيَامِ إِذَا أَتَمَّ الوَلَدُ عَشرَ سِنِينَ هِجرِيَّةٍ، عَلَى مَا مَرَّ مِنَ التَّفصِيلِ فِي الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّه يُشتَرَطُ هُنَا أَن يَكُونَ الوَلَدُ قَادِرًا عَلَى الصِّيَامِ، بِحَيثُ لَو أَرَادَ الصِّيَامَ لَا يُلَاقِي مَشَقَّةً شَدِيدَةً لَا تُحتَمَلُ عَادَةً، أَمَّا مُجَرَّدُ التَّعَبِ مِنَ الجُوعِ وَالعَطَشِ فَلَا يُعتَبَرُ عُذرًا لِتَركِ أَمرِهِ بِالصِّيَامِ.
تربيتهم على الفضائل
مِنَ الفَضَائِلِ الَّتِي يَنبَغِي عَلَيهِ أَن يُعَلِّمَهُم إِيَّاهَا:
- يَجِبُ عَلَى الوَلِيِّ أَن يَأخُذَ أَولَادَهُ المُمَيِّزِينَ إِلَى صَلَاةِ الجُمُعَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ وَإِلَى الجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي بَعضِ الأَحيَانِ.
- وَيَنبَغِي عَلَيهِ أَن يُعَلِّمَهُم سُنَّةَ السِّوَاكِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
- وَأَن يُوقِظَ أَولَادَهُ فِي بَعضِ الأَوقَاتِ عَلَى صَلَاةِ الفَجرِ حَتَّى يَعتَادُوا عَلَى أَن يُصَلُّوا الفَجرَ حَاضِرًا في وَقتِهِ.
- وَيَنبَغِي عَلَيهِ أَن يُعَلِّمَهُم مُلَازَمَةَ العُلَمَاءِ وَحُضُورَ مَجَالِسِهِم وَالتَّخَلُّقَ بِأَخلَاقِهِم، وَيُعَلِّمُهُم الصِّدقَ وَالأَمَانَةَ وَالكَرَمَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ وَنَحوَ ذَلِكَ مِن مَكَارِمِ الأَخلَاقِ.
فائدة
ذَكَرَ العُلَمَاءُ أنَّهُ يَنبَغِي لِلوَلِيِّ تَأَمُّلُ حَالِ الوَلَدِ وَمَا هُوَ مُستَعِدٌّ لَهُ، وَمِمَّا يَنبَغِي مِنَ الآبَاءِ فِعلُهُ تِجَاهَ الأَبنَاءِ استِحضَارُ حُقُوقِهِم فِي الذِّهنِ، وعَرْضُهُم عَلَى الصَّالِحِينَ، وَتَربِيَتُهُم وَتَوجِيهُهُم إِلَى العِلمِ وَالعَمَلِ، وَإِحضَارُهُم إِلَى مَجَالِسِ العِلمِ، وَتَفخِيمُ أَمرِ العِلمِ فِي نُفُوسِهِم، وَالنَّفَقَةُ عَلَيهِم فِي تَعَلُّمِ العِلمِ النَّافِعِ، وَتَعلِيمِهِم أَدَبَ الكَلَامِ، وَبِرُّهُم وَرِعَايَةُ مَشَاعِرِهِم، وَتَعلِيمُهُم اختِيَارَ الأَصدِقَاءِ، وَيَنبَغِي أَن تَتَضَافَرَ جُهُودُ الأُسرَةِ وَالأَقَارِبِ عَلَى هَذِهِ الرِّعَايَةِ، وَعَدَمُ إِدخَالِ الغَمِّ عَلَيهِم، وَإِعَانَتُهُم عَلَى سُبُلِ الخَيرِ، وَمِنَ الإِعَانَةِ الإِحسَانُ إِلَيهِم وَهُم صِغَارٌ، وَتَوقِيرُهُم إِن بَلَغُوا سِنَّ مَن يُوَقَّرُ، وَأَلَّا يَطلُبَ مِنهُم مَا لَا يَقدِرُونَ عَلَيهِ، وَلَا يَطلُبَ مِنهُم مَا يَحرُمُ فِعلُهُ، فَضلًا عَن المَكرُوهِ.
وَفِي الخِتَامِ نَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَ أَولَادَنَا قُرَّةَ عَينٍ لَنَا وَيُنشِئَهُم نَشأَةً صَالِحَةً وَيُلحِقَهُم بِالصَّالِحِينَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ لِلدِّميَاطِيِّ الشَّافِعِيِّ.
- مُغنِي المُحتَاجِ لِلشِّربِينِيِّ.
- مَرَاقِي الفَلَاحِ لِلطَّحطَاوِيِّ الحَنَفِيِّ.