المحتويات
- المقدمة
- الآيات
- التفسير
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾
- بعض الآيات التي تدل على أن الله منزه عن اتخاذ الولد
- تنزيه الله عن مشابهة المخلوق
- الخاتمة
- المصادر
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
نَفَى اللهُ تَعَالَى عَن نَفسِهِ فِي كَثِيرٍ مِن ءَايَاتِ القُرءَانِ الكَرِيمِ أَن يَكُونَ مُشَابِهًا لِلمَخلُوقَاتِ بِأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يُشبِهُ شَيئًا، لَا يُشبِهُ الإِنسَانَ وَلَا الشَّجَرَ وَلَا الحَجَرَ وَلَا البَهَائِمَ وَلَا المَلَائِكَةَ وَلَا الجِنَّ وَلَا النُّورَ وَلَا الظَّلَامَ وَلَا الهَوَاءَ وَلَا الغُيُومَ وَلَا غَيرَ ذَلِكَ مِنَ المَخلُوقَاتِ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَلَيسَ الشَّبَهُ هُنَا مُقتَصِرًا عَلَى الشَّبَهِ بِالْمُمُاثَلَةِ الْكُلِّيَّةِ وَنَحوِ ذَلِكَ، بَل نَفيُ مُشَابَهَةِ اللهِ لِلمَخلُوقِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ وُجُوهِ المُشَابَهَةِ، وَلَوْ مِنْ جِهَةِ صِفَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالأَعضَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ، وَلَا يُوصَفُ بِاللَّونِ لِأَنَّهُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ، وَلَا يُوصَفُ بِالمَكَانِ لِأَنَّهُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ الزَّمَانُ لِأَنَّهُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ.
وَمِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي يَجِبُ نَفيُهَا عَنِ اللهِ تَعَالَى هِيَ اتِّخَاذُ الوَلَدِ، فَقَد نَفَى اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَن نَفسِهِ فِي عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الآيَاتِ، وَشَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وَعَظَّمَ عِقَابَ مَن يَمُوتُ عَلَى هَذَا القَولِ، لِأَنَّ اتِّخَاذَ الوَلَدِ مِن صِفَاتِ النَّقصِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَمِن أَكبَرِ وَأَظهَرِ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَفِي مَا يَلِي تَفسِيرُ بَعضِ الآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى هَذَا:
الآيات
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾
سورة مريم (88 – 95)
التفسير
بَيِّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَاتِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ الْوَلَدُ، لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، خَاضِعٌ ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، وَجَمِيعُ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبِيدُهُ، وَهُوَ رَبُّهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، غَنِيٌّ عَمَّا عَدَاهُ، وَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَالْوَلَدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَشَابِهَينِ مُتَنَاسِبَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا عَدِيلَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾
يَعْنِي كُلَّ مَن زَعَمَ أَنَّ للهِ وَلَدًا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى مِنَ الضَّلَالِ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾
أَيْ مُنْكَرًا عَظِيمًا، كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصَّحَاحِ: الْإِدُّ وَالْإِدَّةُ الدَّاهِيَةُ وَالْأَمْرُ الْفَظِيعُ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾
أَيْ يَتَشَقَّقْنَ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾
أَيْ تَتَصَدَّعُ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَدْمًا، أَيْ تَسْقُطُ بِصَوْتٍ شَدِيدٍ، وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: الْهَدُّ الْهَدْمُ وَالْهَدَّةُ الْخُسُوفُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: هُوَ الْهَدْمُ الشَّدِيدُ كَحَائِطٍ يُهَدُّ بِمَرَّةٍ، يُقَالُ: هَدَّنِي الْأَمْرُ وَهَدَّ رُكْنِي أَيْ كَسَرَنِي وَبَلَغَ مِنِّي، وَيُقَالُ: وَهَدَّ الْبِنَاءَ يَهُدُّهُ هَدًّا كَسَرَهُ وَضَعْضَعَهُ، وَهَدَّتْهُ المُصِيبَةُ أَي أَوهَنَت رُكنَهُ، وَانهَدَّ الجَبَلُ أَيِ انْكَسَرَ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾
رُوِيَ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ وَخَلَقَ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ، لَمْ تَكُ فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ يَأْتِيهَا بَنُو آدَمَ إِلَّا أَصَابُوا مِنْهَا مَنْفَعَةً وَكَانَ لَهُمْ مِنْهَا مَنْفَعَةٌ، فَلَمْ تَزَلِ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ كَذَلِكَ حَتَّى تَكَلَّمَ فَجَرَةُ بَنِي آدَمَ تِلْكَ الْكَلِمَةَ الْعَظِيمَةَ، وهي قَوْلُهُمْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا.
فَلَمَّا قَالُوهَا اقْشَعَرَّتِ الْأَرْضُ وَشَاكَ الشَّجَرُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْشَعَرَّتِ الْجِبَالُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَشْجَارِ، وَالْبِحَارِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحِيتَانِ، فَصَارَ مِنْ ذَلِكَ الشَّوْكُ فِي الْحِيتَانِ وَفِي الْأَشْجَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيضًا وَكَعبٌ: فَزِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ (أَيِ الإِنسَ وَالجِنَِ)، وَكَادَتْ أَنْ تَزُولَ، وَغَضِبَتِ الْمَلَائِكَةُ، فَاسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ، وَشَاكَ الشَّجَرُ، وَاكْفَهَرَّتِ الْأَرْضُ وَجَدَبَتْ، حِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَقَدْ كَادَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْنَا السَّاعَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَصَدَقَ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ عَظِيمٌ سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْبَارِئَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَضُرُّهُ كُفْرُ الْكَافِرِ وَلَا يَنفَعُهُ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِ وَلَا يَزِيدُ هَذَا فِي مُلْكِهِ كَمَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ مُلكِهِ لَمَا جَرَى شَيءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَكِنَّهُ الْقُدُّوسُ الْحَكِيمُ الْحَلِيمُ، فَلَمْ يُبَالِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾
نَفَى عَنْ نَفْسِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الْوَلَدَ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَقْتَضِي الْجِنْسِيَّةَ وَالْحُدُوثَ، وَهُوَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَلَا يُوصَفُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا مِنْ وَالِدٍ، وَهَذَا الوَالِدُ أَيضًا يَكُونُ لَهُ وَالِدٌ وَأَصْلٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَيَتَقَدَّسُ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾
كَلِمَةُ (إِنْ) نَافِيَةٌ بِمَعْنَى (مَا)، أَي مَا كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا وَهُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُقِرًّا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ خَاضِعًا ذَلِيلًا، فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَدًا لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، تَعَالَى وَتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾
أَيْ عَلِمَ عَدَدَهُمْ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾
هَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا قَبلَهُ، أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ الأُستَاذُ أَبُو إِسحَاقَ الإِسفَرَايِينِيُّ: وَمِنْهَا (أَي مِن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى) الْمُحْصِي، وَيَخْتَصُّ بِأَنَّهُ لَا تَشْغَلُهُ الْكَثْرَةُ عَنِ الْعِلْمِ، مِثْلَ ضَوْءِ النُّورِ وَاشْتِدَادِ الرِّيحِ وَتَسَاقُطِ الْأَوْرَاقِ، فَيَعْلَمُ عِنْدَ ذَلِكَ أَجْزَاءَ الْحَرَكَاتِ فِي كُلِّ وَرَقَةٍ، وَكَيْفَ لَا يَعْلَمُ وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، [سورة الملك: 14].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾
أَيْ كُلُّهُم سَيَأتِي وَاحِدًا لَا نَاصِرَ لَهُ وَلَا مَالَ مَعَهُ لِيَنفَعَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، [سورة الشعراء: 88، 89]، فَلَا يَنْفَعُهُ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ.
وَنِسْبَةُ الْوَلَدِ إِلَى اللهِ كَمَا قَالَتِ الْيَهُوْدُ وَغَيْرُهُمْ وَالْعِياذُ بِاللهِ شَتْمٌ للهِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِيْ صَحِيْحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أُرَاهُ يَقُولُ اللهُ: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي»
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ، يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، [سورة التوبة:30].
بعض الآيات التي تدل على أن الله منزه عن اتخاذ الولد
- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، [سورة الأنعام: 100، 101].
- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، [سورة الإخلاص].
- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، [سورة البقرة: 116، 117].
- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، [سورة الزُّخرُف: 19].
- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، [سورة الصافات: 149 ـ 160].
- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، [سورة الأنبياء: 26 ـ 29].
- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، [سورة يونس: 68، 69، 70].
فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ تَشْمَلُ الرَّدَّ عَلَى سَائِرِ الْفِرَقِ، الَّذِينَ ادَّعَوْا وَزَعَمُوا بِلَا عِلْمٍ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
تنزيه الله عن مشابهة المخلوق
هَذَا النَّكِيرُ الشَّدِيدُ عَلَى مَن قَالَ بِهَذِهِ المَقَالَةِ الشَّنِيعَةِ وَالتَّهدِيدُ وَالوَعِيدُ لِمَن يَمُوتُ عَلَيهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّيءَ عَظِيمٌ وَالقَولَ بِهِ فَظِيعٌ، وَمَا هَذَا القَولُ إِلَّا تَشبِيهٌ للهِ بِخَلقِهِ بِنِسبَةِ الوَلَدِ لَهُ وَالمَادِّيَّةِ وَالِانحِلَالِ اللَّذَينِ هُمَا مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَفِيهِ نِسبَةُ الجِسمِ للهِ تَعَالَى وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الكُفرِ، لِأَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِن شَيءٍ وَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَيءٌ هُوَ مَا كَانَ مِن قَبِيلِ الأَجسَامِ، وَالجِسمِيَّةُ مِن أَكبَرِ صِفَاتِ المَخلُوقِ وَالحَادِثَاتِ، وَمِن أَكبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الحُدُوثِ، فَالشَّمسُ وَالقَمَرُ وَالأَصنَامُ وَالبَقَرُ وَالحَجَرُ وَالنَّارُ وَغَيرُ ذَلِكَ مِمَّا عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ لَا يَصلُحُ لِلأُلُوهِيَّةِ لِأَنَّهُ جِسمٌ مَخلُوقٌ حَادِثٌ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ، فَلَو كَانَ جِسمًا لَكَانَ مِثلَ هَذِهِ الأَشيَاءِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَإِنَّ مِن أَصرَحِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَأَنَّهُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَاتِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، [سورة الشورى: 11]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، [سورة الإخلاص: 4]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، [سورة مريم: 65]، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ هَل تَعلَمُ لَهُ وَلَدًا أَو نَظِيرًا أَو مِثلًا.
الخاتمة
إِنَّ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَبَيَانِ تَنَاقُضِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَكَثْرَةِ جَهْلِهِمْ، وَقَدْ تَنَوَّعَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاطِلَ كَثِيرُ التَّشَعُّبِ وَالِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ، وَأَمَّا الْحَقُّ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، [سورة النساء: 82].
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يَتَّحِدُ وَيَتَّفِقُ، وَالْبَاطِلَ يَخْتَلِفُ وَيَضْطَرِبُ، فَحَكَمَ اللهُ تَعَالَى بِضَلَالِهِمْ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ، وَعَدَمِ الْفَوْزِ بِدَارِ الْقَرَارِ، وَالْخِزْيِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْهَوَانِ وَالْعَارِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [سورة المائدة: 73].
ثُمَّ دَعَاهُمْ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْكِبَارِ، وَالْعَظَائِمِ الَّتِي تُوجِبُ النَّارَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة المائدة: 74].
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ يَزْعُمُ أَنَّ لِي وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمَّ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ“، رواه البخاري.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ“، رواه البخاري.
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ: وقولُه في الحديثِ ((أَصْبَرُ)) أَفْعَلُ تفضيل مِنَ الصبرِ، ومِنْ أسمائِه الحسنى سبحانَه وتعالى الصبورُ: ومعناهُ الذي لا يعاجِلُ العصاةَ بالعقوبةِ، وهوَ قريبٌ مِنْ معنى الحليمِ، والمرادُ بالأذى أذى رسلِه وصالحي عبادِه، لاستحالةِ تعلقِ أذى المخلوقينَ بهِ، لكونِه صفةَ نقصٍ وهوَ منزهٌ عنْ كلِّ نقصٍ، ولا يؤخرُ النقمةَ قهرًا بلْ تفضُّلًا، وتكذيبُ الرسلِ في نفيِ الصاحبةِ والولدِ() عنِ اللهِ أذىً لهم، فأضيفَ الأذى للهِ تعالى للمبالغةِ في الإِنكارِ عليهم والاستعظامِ لمقالَتِهِم.
وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، [سورة هود: 102]، رواه البخاري.
وَهَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، [سورة الحج: 48].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، [سورة لقمان: 24].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، [سورة يونس: 69، 70].
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- تَفسِيرِ القُرطُبِيِّ.
- فَتْحِ الْبَارِي لِابنْ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ.