حكم استعمال جلود الحيوانات في اللباس والصلاة بها

حكم استعمال جلود الحيوانات في اللباس والصلاة بها

مَا حُكمُ الِانتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيتَةِ، وَهَل يَجُوزُ استِعمَالُ جُلُودِ الحَيَوَانَاتِ فِي صِنَاعَةِ المَلَابِسِ، وَهَل تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهَا؟

الجواب

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

الجِلدُ الطَّبِيعِيُّ المَأخُوذُ مِنَ الحَيَوَانِ عَلَى نَوعَينِ:

  1. الأَوَّلُ هُوَ جِلدُ الحَيَوَانِ المَأكُولِ المُذَكَّى ذَكَاةً شَرعِيَّةً، أَي ذُبِحَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الإِسلَامِيَّةِ، فَهَذَا طَاهِرٌ يُمكِنُ الِاستِفَادَةُ مِنهُ بَعدَ تَنظِيفِهِ بِدُونِ حَرَجٍ فِي الثِّيَابِ وَغَيرِهَا، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ.
  2. وَالثَّانِي هُوَ جِلدُ المَيتَةِ وَلَو كَانَت مَيتَةَ مَأكُولٍ، أَي وَلَو كَانَ جِلدَ حَيَوَانٍ مَأكُولٍ لَكِن لَم يُذبَح عَلَى الطَّرِيقَةِ الإِسلَامِيَّةِ، فَهَذَا الجِلدُ نَجِسٌ لَا بُدَّ مِن تَطهِيرِهِ حَتَّى يُمكِنَ استِعمَالُهُ وَحَتَّى تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ.

وَيَكُونُ تَطهِيرُهُ بِعَمَلِيَّةٍ تُسَمَّى الدِّبَاغَ، بَعدَهَا يُمكِنُ استِعمَالُهُ وَالِاستِفَادَةُ مِنهُ بِدُونِ حَرَجٍ فِي الثِّيَابِ وَغَيرِهَا، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، إِلَّا جِلدَ الكَلبِ وَالخِنزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنهُمَا أَي فِيمَا لَو تَزَاوَجَ كَلبٌ وَخِنزِيرٌ أَو مِن أَحَدِهِمَا أَي فِيمَا لَو تَزَاوَجَ كَلبٌ أَو خِنزِيرٌ مَعَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فَلَا يَطهُرُ جِلدُهُ بِالدِّبَاغِ.

طريقة الدباغ

كَيْفِيَّةُ الدَّبْغِ أَنْ يُنْزَعَ فُضُولُ الْجِلْدِ أَيِ الأَوسَاخُ الَّتِي عَلَى الجِلدِ مِمَّا يُعَفِّنُهُ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ، وَتَكُونُ إِزَالَتُهُ بِشَىْءٍ حِرِّيفٍ أَي شَيءٍ لَاذِعٍ مِثلِ زَرقِ الحَمَامِ أَي رَوثِهِ، وَالعَفْصِ وَهُوَ ثَمَرٌ مَعْرُوفٌ كَالْبُنْدُقَةِ يُدْبَغُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْحِرِّيفُ نَجِسًا كَرَوثِ الحَمَامِ كَفَى فِي الدَّبْغِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الجِلدُ طَاهِرَ العَينِ لَكِنَّهُ قَد يَكُونُ مُتَنَجِّسًا لِذَلِكَ يُغسَلُ بِالمَاءِ الطَّاهِرِ بَعدَ الدَّبغِ.

ثُمَّ بَعدَ الدَّبغِ يُمكِنُ استِعمَالُ الجِلدِ فِي صِنَاعَةِ المَلَابِسِ أَو غَيرِهَا وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا إِلَّا فِيمَا استُثنِيَ وَهُوَ جِلدُ الكَلبِ وَالخِنزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنهُمَا أَو مِن أَحَدِهِمَا.

زيادة بيان في الأجزاء الطاهرة من الحيوان والأجزاء النجسة

عَظْمُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا نَجِسٌ، إِذِ الْمَيْتَةُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ، وَالمَيتَةُ هِيَ الحَيَوَانُ الَّذِي زَالَت حَيَاتُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ.

وَلَيسَ مِنَ المَيتَةِ جَنِينُ الحَيَوَانِ الْمُذَكَّى، كَأَن ذُبِحَت شَاةٌ حَامِلٌ ثُمَّ خَرَجَ جَنِينُهَا مِنْ بَطْنِهَا مَيْتًا، فَهُوَ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ مُذَكًّى لِأَنَّ ذَكَاتَهُ فِى ذَكَاةِ أُمِّهِ، إِلَّا الآدَمِىَّ وَالسَّمَكَ وَالْجَرَادَ فَإِنَّ مَيْتَتَهَا طَاهِرَةٌ.

وَإِذَا انفَصَلَ جُزْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ فِى حَيَاتِهِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَيْتَتِهِ، فَيَكُونُ هَذَا الجُزءُ مِنَ الحَيَوَانِ نَجِسًا إِلَّا فِي الآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالجَرَادِ فَهُوَ طَاهِرٌ، فَلَوِ انقَطَعَت رِجلُ شَاةٍ فَهِيَ نَجِسَةٌ لَا يَجُوزُ أَكلُهَا، وَلَوِ انْفَصَلَتْ أَلْيَةُ الشَّاةِ وَيَدُ الْبَقَرَةُ وَرِجْلُ الذِّئْبِ وَأُذُنُ الْحِمَارِ عَنْ أَصْلِهَا فِى حَالِ حَيَاتِهِ كَانَتْ نَجِسَةً، وَيَلتَحِقُ بِهِ الشَّعَرُ كَالمُنفَصِلِ مِن نَحوِ القِطَّةِ فَهُوَ نَجِسٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ مَيتَةَ القِطَّةِ نَجِسَةٌ، بِخِلافِ زِعْنِفَةِ السَّمَكِ وَجَنَاحِ الْجَرَادِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَا انْفَصَلَ مِنْ حَىٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ

رواه الحاكم وغيره

وَرِيقُ الْحَيَوَانِ وَعَرَقُهُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا هُوَ كَالرَّشْحِ فَهُوَ طَاهِرٌ، سَوَاءً كَانَ الحَيَوَانُ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَهُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ.

أَمَّا شَعَرُ الْمَأْكُولِ وَصُوفُهُ وَرِيشُهُ فَإِنِ انْفَصَلَ فِى حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ ذَكَاتِهِ فَطَاهِرٌ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾

سورة النحل: 80

فَجَاءَت هَذِهِ الآيَةُ فِي مَقَامِ الِامتِنَانِ، فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهَا.

وَأَمَّا شَعَرُ الْمَأْكُولِ وَصُوفُهُ وَرِيشُهُ الْمُنْفَصِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا ذَكَاةٍ فَنَجِسٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  2. فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا.
  3. شَرحِ ابنِ قَاسِمٍ الغَزِّيِّ عَلَى مَتنِ أَبِي شُجَاعٍ.
  4. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا.
  5. المِصبَاحِ المُنِيرِ لِلإِمَامِ الفَيُّومِيِّ.