من هم الأرحام؟
الرَّحِم الأقاربُ كالجَدَّاتِ والأجدادِ والخالاتِ والعَمَّاتِ وأولادِهم والأخوالِ والأعمامِ وأولادِهم فأرحامُ الشَّخْصِ كُلُّ قرابةٍ له من جهةِ الأبِ ومن جهةِ الأُمِّ إنْ كانتْ قَرَابَةً تَرِثُ وإنْ كانتْ قَرَابَةً لا تَرِثُ.
حكم صلة الرحم
ليُعلم أن صلة الرحم واجبة.
المراد بالصلة
معنى الصِّلَةِ زِيارة الأرحام لمنِ استطاعَ ومراسلتُهم لمنْ لم يستطعْ والإحسانُ إلى المحتاجِ منهم إنِ استطاع، فمَنْ عَلِمَ أنَّ في رَحِمهِ مَنْ هُوَ فقيرٌ محتاجٌ وكانَ عندَه ما يَزِيدُ ويَفْضُلُ عن حاجاتهِ ولم يُسَاعِدْهُ مَعَ عِلْمهِ بحال رَحِمهِ فإنَّ هذا قاطعُ رَحِم.
كيف تكون صلة الرحم؟
إنَّ صلةَ الرَّحِمِ دَرَجَاتٌ، منها أنْ تكونَ صِلَتُكَ لرَحِمِكَ في أوقاتٍ متقاربةٍ ومنها أنْ تكونَ في أوقاتٍ متباعدةٍ بحيثُ لا يَشْعُرُ رَحِمُكَ بالجفاء لو تباعدتِ الأوقات. إنْ كانتْ صِلَتُكَ لرَحِمِكَ في أوقاتٍ متباعدةٍ إلى حَدٍّ لا يشعرُ رَحِمُكَ معهُ بالجفاء فقد حَصَلَتِ الصِّلَةُ، أمَّا إذا قَطَعْتَ مُدَّةً تُشْعِرُ رَحِمَكَ بأنكَ جَفَوْتَهُ فقد قَطَعْتَهُ ولم تَصِلَهُ.
عادةُ النَّاسِ في هذه الأيامِ جَرَتْ بالصِّلَةِ بالزِّيارة في رَمَضَانَ وفي الأعيادِ وفي أيامِ الحُزْنِ، الرَّحِمُ يراعي هذه الأوقاتِ أكثرَ من غيرِها لأنَّ من تَرَكَ الصِّلَةَ في هذه الأوقاتِ يكونُ أشعرَ رَحِمَهُ بالجفاء.
واعلمْ أنَّ رَحِمَكَ إنْ كنتَ تستطيعُ أنْ تزورَه فلا بُدَّ أنْ تَزُورَهُ ولا يكفي أنْ تُرْسِلَ السَّلامَ إليه من غيرِ أنْ تَزُورَه، إنما لوقتٍ من الزَّمَنِ يكفي إرسالُ السَّلامِ إليه، فإنْ كانَ ذلكَ الرَّحِمُ لا يُحِبُّ دُخُولَ هذا القريبِ بيتَه ولا يرضَى وكانَ هذا القريبُ يعلمُ أنه لا يرضَى فليسَ عليه أنْ يدخلَ، سَقَطَ عنه، لكنْ بقيَ أنْ يرسلَ إليه السَّلامَ أو يرسلَ إليه مكتوبًا، وأمَّا إنْ كانَ رَحِمُهُ يُحِبُّ دُخُولَهُ بيتَه وقُعُودَهُ عندَهُ فلا يكفي إرسالُ السَّلام للمُدَّةِ الطَّويلة، هذا في حال لم يَكُنْ للشَّخْصِ عذرٌ أمَّا إنْ كانَ له عذرٌ كأنْ كانَ في بلدٍ بعيد ولا يَسْهُلُ عليه أنْ يذهبَ لزيارةِ أقربائهِ لو غابَ مَثَلًا خمسَ سنين وهو يرسلُ إليه السَّلامَ فلا شىءَ عليه.
أدلة على وجوب صلة الرحم
من شعب الإيمان صِلة الأرحامِ لقوله تعالى:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ
سورة محمد
ويقول الله تعالى في سورة الرعد:
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
سورة الرعد
ورَوَى الطَّبَرَانيُّ والبَزَّارُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
قال رسول الله ﷺ
مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيَصِلْ رَحِمَه
وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام لأَحَدِ أصحابه:
قال رسول الله ﷺ
أَطْعِمِ الطَّعَامَ وصِلِ الأرحامَ وصَلِّ باللَّيْلِ والنَّاسُ نيامٌ تدخلِ الجَنَّةَ بسلامٍ
رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ في صحيحه بإسنادٍ صحيح
فصلة الرحم من وصايا رسول الله ﷺ فلنحرص عليها ولنبادر بفعلها لكسب الأجر من الله تعالى.
حكم قطع الرحم
قطيعةُ الرَّحِمِ من الكبائرِ بالإجماع.
كيف يحصل قطع الرحم؟
وهي من معاصي البَدَنِ وتحصلُ بإيحاشِ قلوبِ الأرحامِ وتنفيرِها إمَّا بتركِ الإحسانِ بالمالِ في حالِ الحاجةِ النَّازلةِ بهم أو تركِ الزِّيارَةِ بلا عُذْرٍ، ومن العذر أنه إن كان الواصل يصل رحمه بشىء من المال فلم يتيسر له أن يصل رحمه به فهذا معذور إن لم يكن له وسيلة غير هذه.
من الأعذار التي تسقط وجوب صلة الرحم
يجوزُ قَطْعُهُ إنْ كانَ فاسقًا يشربُ الخمرَ أو يتركُ الصَّلاةَ أو يزني وما أَشْـبَهَ ذلكَ ولكنْ هذا لا تَقْطَعُهُ إلَّا بعدَ إعلامهِ بالسَّببِ لِتَزْجُرَهُ عن مِثْلِ هذه الأفعال، أي قد يَتَأَثَّرُ لذلكَ فيتركُ ذلكَ الفسوقَ الذي من أجلهِ جفوتَه.
الإحسان إلى الرحم التي قطعت
ممَّا ينبغي للمؤمنِ أنْ يُحْسِنَ إلى رَحِمهِ التي أدبرتْ لأنَّ الله تعالى يحبُّ للمؤمنِ أنْ يَعْمَلَ المعروفَ مَعَ الذي لا يعرفُ له المعروفَ، فالمؤمنُ الذي يُحْسِنُ إلى رَحِمهِ الذي يُحْسِنُ إليه له أجرٌ أَقَلُّ من أجرِ الذي يُحْسِنَ إلى رَحِمهِ التي أدبَرَتْ لأنَّ هذا فيه كَسْرُ النَّفْسِ في طاعةِ الله والله يحبُّ كَسْرَ النَّفْسِ في طاعتهِ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ
ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من وصل رحمه إذا قطعت
رواه البخاري
ومن حبائل الشيطان قول بعضهم: (فلان ءاذاني لا أزورُه) (فلان لا يزورني فأنا أقطعه) بدعوى المعاملة بالمثل فإن هذا سبب للحرمان.
ولنذكر أنَّ ربنا عزَّ وجلَّ يقول:
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
سورة فصلت: 34
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} كدفع الغضب بالصبر، والجهل أي الطيش والغضب بالحِلم، والإساءةِ بالعفو والإحسان، فإن هذا يؤلف قلوبا ويغير أحوالا.
فوائد صلة الرحم
صلة الرحم من أسباب بسط الرزق
صلة الرحم من أسباب بسط الرزق وإطالة العمر لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ في الصَّحِيحَينِ: “مَن أحَبَّ أن يُبسَطَ لهُ فِي رِزقِهِ وأن يُنسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ فَليَصِل رَحمهُ“. والنَّسيئةُ في الأَثَرِ طولُ العُمُر.
وقد أخرجَ القُضَاعِيُّ في مسندِه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
قال رسول الله ﷺ
صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمُر
يعني كانَ في عِلْمِ الله تعالى أنه لولا هذه الصِّلَةُ ما كانَ عُمُرُهُ كذا، ولكنْ عَلِمَ الله تعالى بعِلْمهِ الأزليِّ أنه يَصِلُ رَحِمَهُ فيكونُ عُمُرُهُ أَزْيَدَ من ذلكَ بمشيئةِ الله، فيكونُ المعلومُ المحتومُ أنه يَصِلُ رَحِمَهُ ويعيشُ إلى هذه المُدَّة.
قال رسول الله ﷺ
مَنْ سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ له في عُمْرِهِ ويُوَسَّعَ لهُ في رِزْقهِ ويُدْفَعَ عنه مِيتَةُ السُّوْءِ فلْيَتَّقِ اللهَ ولْيَصِلْ رَحِمَه
رواه أحمدُ في مسندِه والبيهقيُّ في كتابهِ القضاء والقَدَر من حديث عليِّ بنِ أبي طالب رضيَ الله عنه
وبال قطيعة الرحم
قطيعةُ الرَّحِمِ من أسباب تعجيلِ العذاب في الدُّنيا قبلَ الآخرة
قال رسولُ الله ﷺ
ما مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أنْ يُعَجِّلَ اللهُ لصاحبهِ العُقُوبَةَ في الدُّنيا مَعَ ما يَدَّخِرُ له في الآخرةِ من البَغْيِ وقطيعةِ الرَّحِم
رواهُ التِّرْمِذِيُّ في سننه وصَحَّحَهُ
وفي روايةٍ عندَ أحمد: “ذنبانِ مُعَجَّلانِ لا يُؤَخَّرانِ البغيُ وقطيعةُ الرَّحِم“.
وجاء في حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ فِيهِمَا أيضًا عن أبِيهِ:
قال رسولُ الله ﷺ
لا يَدخُل الجَنَّةَ قَاطِعٌ
رواه البُخَارِيُّ ومسلم
أيْ لا يدخلُها مَعَ الأَوَّلين، معناه لا يدخلُ الجَنَّةَ إلَّا في ءاخِرِ مَنْ يدخلُها بعدَ أنْ يأخذَ نصيبَه من العذاب إن شاء الله له ذلك، هذا في غيرِ الكافرِ وأمَّا الكافرُ فلا يدخلُ الجَنَّةَ أبدًا، لا مَعَ الأَوَّلينَ ولا مَعَ الآخِرِين.
حال النبي ﷺ في صلته للرحم
وهذا رسول الله محمّد ﷺ أول ما نزل عليه جبريل بالوحي ذكر ما قد رءاه من نزول الملك عليه للسيدة خديجة فقالت له: (اثبت يا ابن عمّ وأبشر، إنك لتَصِلُ الرحم، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيف، وتُعينُ على النوائب) رواه البخاري.
ولما نزلت الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [سورة الشعراء: 214] صَعِدَ رسول الله ﷺ إلى جبل الصفا وجعل ينادي حتى يجتمعوا عليه فقال لهم: “يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أُغْنِي عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أُغنِي عنكم من الله شيئًا” إلى أن قال: “يا فاطمةُ بنت محمد سَلِينِي من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا” رواه البخاري. أي أنه بدأ بدعاء قبيلته وأقاربه من لم يؤمن منهم للإيمان بالله ومن ءامن للتمسك بالإيمان والطاعة إلى الممات.
بارك الله بك ونفع بك