المحتويات
- مقدمة
- فَضَائِلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَثَرُهَا فِي تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ
- فَرْضِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ الكَرِيمِ
- فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ
- التحذير من ترك الصلاة
- مَوقِفُ جُمهُورِ الفُقَهَاءِ مِنْ تَارِكِ الصَّلَاةِ
- مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ عَمْدًا
- فائدة ونصيحة
- الخاتمة
- المصادر
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي افتَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى عِبَادِهِ رَحمَةً بِهِم وَإِحسَانًا إِلَيهِم، وَجَعَلَهَا عِمَادَ الدِّينِ وَأعظَمَ أَعمَالِ الإِسلَامِ بَعدَ الشَّهَادَتَينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي قَالَ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَعظَمُ العِبَادَاتِ وَأَولَاهَا بَعدَ الشَّهَادَتَينِ، فَرَضَهَا اللهُ تَعَالَى لَيلَةَ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ؛ تَعظِيمًا لِشَأنِهَا وَرَفعًا لِقَدرِهَا.
وَقَدِ امتَلَأَت نُصُوصُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَبَيَانِ فَضلِهَا العَظِيمِ، وَمَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلمُحَافِظِينَ عَلَيهَا مِنَ الأَجرِ وَالثَّوَابِ، فَهِيَ نُورٌ فِي القُلُوبِ، وَرَاحَةٌ لِلنُّفُوسِ، وَسَبَبٌ لِلفَلَاحِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [سُورَةُ العَنكَبُوتِ:45].
وَفِي المُقَابِلِ جَاءَ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي حَقِّ تَارِكِهَا وَالمُتَهَاوِنِ بِهَا، لِأنَّ تَركَ الصَّلَاةِ لَيسَ ذَنبًا هَيِّنًا، بَل هُوَ مِن أَعظَمِ الذُّنُوبِ، وَقَد عَدَّهُ كَثِيرٌ مِن أَهلِ العِلمِ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ الخُسرَانِ. وَمِن شُؤمِ تَركِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُورِثُ قَسوَةَ القَلبِ، وَضِيقَ الصَّدرِ، وَذَهَابَ البَرَكَةِ، وَيُعَرِّضُ تَارِكَهَا لِسَخَطِ اللهِ تَعَالَى فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. [سُورَةُ مَريَم:59]
وَلِذَلِكَ كَانَتِ العِنَايَةُ بِأَمرِ الصَّلَاةِ مِن أَعظَمِ مَا يَنبَغِي أَن يَعتَنِيَ بِهِ المُسلِمُ، إِذ بِهَا صَلَاحُ دِينِهِ، وَاستِقَامَةُ حَيَاتِهِ، وَفَوزُهُ بِرِضَا رَبِّهِ وَجَنَّتِهِ.
فَضَائِلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَثَرُهَا فِي تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ
- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ». رَوَاهُ أَحمَدُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيرُهُم، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَ مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيءٌ. قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»، رواه مُسلِمٌ.
الدَّرَنُ: الوَسَخُ.
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهَرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْغَمْرُ: المَاءُ الكَثِيرُ.
وقَوْلُهُ ﷺ: عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، إِشَارَةٌ إِلَى سُهُولَتِهِ وَقُرْبِ تَنَاوُلِهِ.
- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ» أَي مَا لَمْ تُرْتَكَبِ الْكَبَائِرُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَانًا، فَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الكَعبَةِ -أَيْ أُمِرَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الكَعبَةِ فِي الصَّلَاةِ-، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ بِالَّذِينَ مَاتُوا وَهُم يُصَلُّونَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ؟، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ [سورة البقرة: 143].
قَالَ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَلَيسَ مِنَ العِبَادَاتِ بَعدَ الإِيمَانِ الرَّافِعِ لِلكُفرِ عِبَادَةٌ سَمَّاهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيمَانًا إِلَّا الصَّلَاةُ. وَسَمَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ تَركَهَا كُفرًا.
فَرْضِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ الكَرِيمِ
- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: ١٠٣]
- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التَّوْبَةِ: ١٨].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة الْبَقَرَةِ: ٢٣٨].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة الْبَقَرَةِ: ٢٧٧].
وَغَيرُهَا الكَثِيرُ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَرضِيَّتِهَا وَفَضْلِهَا.
فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ
مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ وَمُبَايَنَتِهَا لِسَائِرِ الْأَعْمَالِ أَنَّ اللهَ أَوجَبَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ قَبلَ إِيجَابِهَا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمِنْ ذَلِكَ:
- قَولُهُ تعالى لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعَبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: ١٤]
- وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٨٧].
- وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: ٣٧].
- وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: ٣١].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: ٧٣].
التحذير من ترك الصلاة
تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى بِالْعَذَابِ مَنْ أَضَاعَهَا أَوْ تَهَاوَنَ فِيهَا بِأَنْ أَخرَجَهَا عَن وَقتِهَا تَكَاسُلًا مِنهُ فَصَلَّاهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا أَوْ كَانَ مُرَائِيًا بِهَا.
- فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [سُورَةُ مَريَم: ٥٩] أي أَضَاعُوهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا، وَالغِيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ فِيهِ صَدِيدُ أَهلِهَا.
- وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون:٤-٥] وهُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا.
- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ أَنَّهُم يَسْأَلُونَ أَهْلَ النَّارِ تَوْبِيخًا لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الْمُدَّثِّرِ: ٤٢-٤٦].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [سورة الْقِيَامَةِ: ٣١-٣٢].
مَوقِفُ جُمهُورِ الفُقَهَاءِ مِنْ تَارِكِ الصَّلَاةِ
تَارِكُ الصَّلَاةِ إِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، خَارِجٌ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُخَالِطِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً يَبْلُغُهُ فِيهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ تَكَاسُلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا، كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ:
• فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ، بَلْ يَفْسُقُ وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ.
• وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
• وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ، بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ.
الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ
: مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٨].
مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».
أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ وَمَوَاقِفُهُمْ
١. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ (مَوْلُودٌ سَنَةَ ٢٢٧ﻫ) فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بَيَانُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ».
٢. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَالِكِيُّ (٤٢٢ﻫ) فِي الإِشْرَافِ عَلَى نُكَتِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ: «إِذَا اعْتَقَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ ثُمَّ تَرَكَهَا كَسَلًا يُقْتَلُ وَلَا يَكْفُرُ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ، وَلِأَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ قَدْ كَفَرَ».
فَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ قَوْلُهُ ﷺ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وَأَقَلُّ مَا يُوجِبُهُ هَذَا اللَّفْظُ وُجُوبَ الْقَتْلِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ أَحَدُ نَوْعَيِ التَّكْلِيفِ، فَجَازَ أَنْ يُقْتَلَ فِي مُخَالَفَتِهِ كَالنَّهْيِ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْبَدَنِ، فَلَمْ يَكْفُرْ بِتَرْكِهَا مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا كَالْحَجِّ.
وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ وَنَعْتَقِدُهُ وَنُوقِنُ بِصِحَّتِهِ وَنَتَّبِعُهُ أَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِي ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَر: ١٧-١٨].
وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا لَيْسَ بِكُفْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي تَارِكِهَا عَمْدًا وَهُوَ مُقِرٌّ بِفَرْضِهَا أَنْ يُقْتَلَ إِذَا أَبَى فِعْلَهَا عَلَى ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أَدِلَّةُ هَذَا الْقَوْلِ
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ وَأَوْلَاهَا بِالِاتِّبَاعِ، لِوُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ: (وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ).
فَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَسْبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: مَا كَفَرْنَا بَعْدَ إِيمَانِنَا، وَلَا كُنَّا شَحِحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا.
وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أُمِرَ بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْحُكْمِ لَهُ بِالْإِيمَانِ لِإِقْرَارِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيُحْكَمُ بِهِ لِمَنْ أَظْهَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُبْطِنُهُ.
أَدِلَّةُ كُلِّ فَرِيقٍ
– احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ»، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
– وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ بِحَدِيثِ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ.
– وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النِّسَاءِ: ٤٨]، وَبِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَقَوْلِهِ ﷺ: «لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
– وَاحْتَجُّوا عَلَى قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥]، وَبِقَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
– وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ ﷺ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عُقُوبَةَ الْكَافِرِ وَهِيَ الْقَتْلُ، أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُؤُولُ بِهِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ أَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
موقف القائلين بالتكفير والرد عليهم
وَأَمَّا الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ، مِثْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ تَوْبَةَ تَارِكِ الصَّلَاةِ مِنْ تَرْكِهَا رُجُوعٌ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِقْلَاعِ عَمَّا خَرَجَ بِهِ مِنْهَا، وَفِي رَأْيِهِمْ يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ مَا أَضَاعَهُ فِي مُدَّةِ كُفْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَمُخَالِفٌ لِعَقِيدَةِ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺمِنْ كَوْنِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ هِيَ عَلَامَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو إِلَيْهَا، ثُمَّ يَدْعُو إِلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَلِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ رَاجِعٌ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ.
فَالَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ أَفْتَى النَّاسَ بِسُقُوطِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ الْمَتْرُوكَةِ عَمْدًا قَدْ أَخْطَأَ خَطَأً بَيِّنًا؛ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِقَوْلٍ بَاطِلٍ عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، لِابْتِنَائِهِ عَلَى رَأْيٍ بَاطِلٍ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَهُوَ التَّكْفِيرُ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ.
مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ عَمْدًا
قَالَ الْإِمَامُ الْمَازَرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: «اتَّفَقَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا».
تَقْرِيرُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَإِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ
«إِنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ الْمَفْرُوضَاتِ مِنَ العِبَادَاتِ العَمَلِيَّةِ فِي الدِّينِ، وَقَدْ نَوَّهَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَحَثَّ عَلَى أَدَائِهَا، وَحَذَّرَ مِنْ إِضَاعَتِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الْمَاعُونِ: ٤-٥].
وَمِنْ عِنَايَةِ الشَّرْعِ بِهَا أَنَّهُ جَعَلَ حُكْمَ وُجُوبِهَا ثَابِتًا فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَفْعَلَهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ إِيَّاهَا أَدَاءً وَهُوَ إِيقَاعُهَا فِي وَقْتِهَا، أَمْ كَانَ قَضَاءً وَهُوَ إِيقَاعُهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا. فَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا يُصَلِّيهَا مَتَى ذَكَرَهَا، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ.
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً أَوْ صَلَاتَيْنِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا.
كَيْفِيَّةُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ
إِنَّ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ الْمَفْرُوضَةِ وَاجِبٌ لِقَولِهِ ﷺ: «مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا؛ فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» فَإِن كَانَ قَد تَرَكَهَا بِغَيْرِ عُذرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ وِإِلَّا نُدِبَ وَإِن فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اسْتُحِبَّ قَضَاؤُهَا مُرَتَّبًا.
فَيُصَلِّي مِنَ الْفَوَائِتِ بِمِقْدَارِ مَا فَاتَهُ، بِأَنْ يُحْصِيَ الْمُدَّةَ الَّتِي فَاتَتْهُ فِيهَا الصَّلَوَاتِ، وَيَقْضِي بِمِقْدَارِهَا.
سؤال:
أَنَا أَعْرِفُ أَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ أَسَاسِيٌّ، وَأَعْرِفُ مَا هِيَ عُقُوبَةُ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَأَنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَكِنْ مُشْكِلَتِي أَنَّنِي أُقَصِّرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَلِّيَ كُلَّ وَقْتٍ وَلَكِنَّنِي لَا أَفْعَلُ، وَدَائِمًا كُلَّ يَوْمٍ فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَنْدَمُ كَثِيرًا لِأَنِّي لَمْ أُصَلِّ، وَأَعْزِمُ أَلَّا أَقْطَعَ وَقْتَ غَدٍ، وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي يَجْعَلُنِي أُقَصِّرُ، وَالنَّدَمُ بِدَاخِلِي عَظِيمٌ عَلَى كُلِّ فَرْضٍ لَمْ أُصَلِّهِ، فَمَاذَا أَفْعَلُ؟
الْجَوَابُ:
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، [سورة آل عمران:31].
عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ لِلْإِنْسَانِ هِيَ اتِّبَاعُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ اتِّبَاعًا كَامِلًا فَهُوَ مِنْ أَحِبَّاءِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ جَاهَدَ نَفْسَهُ وَقَهَرَهَا عَلَى أَدَاءِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَكَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: «إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعٌ».
فائدة ونصيحة
مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فِي الْقَبْرِ وَالْآخِرَةِ فَلْيَتَعَلَّمْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ؛ لِيَعْرِفَ مَا يُصَحِّحُ عَقِيدَتَهُ وَطَهَارَتَهُ وَصَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الْمَالِ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْجَوَارِحِ كَاللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالْبَطْنِ وَالرِّجْلِ وَالْأُذُنِ، وَكَيْفِيَّةَ التَّوْبَةِ وَشُرُوطَهَا. ثُمَّ لْيَعْمَلْ بِمَا تَعَلَّمَ، وَلْيُؤَدِّ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. فَاللَّهُ تَعَالَى قَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ، فَمَهْمَا عَاشَ الْوَاحِدُ مِنَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ، وَحَثَّنَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالْعَمَلِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَهَذَا حَالُ الْعُقَلَاءِ الْأَذْكِيَاءِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَكْيَسِ النَّاسِ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ»، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُخَالِفَ نَفْسَكَ بِعَزْمٍ إِنْ أَمَرَتْكَ بِالمَعْصِيَةِ، وَأَنْ تُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا.
الخاتمة
فِي خِتَامِ هَذَا الْبَحْثِ يَتَبَيَّنُ لَنَا عِظَمُ مَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ، فَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ. وَلَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِهَا وَعِظَمِ شَأْنِهَا، وَجَاءَتِ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تُرَغِّبُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَتُحَذِّرُ مِنَ التَّهَاوُنِ بِهَا أَوْ تَرْكِهَا.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَأَنَّ الْمُسَارَعَةَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ، والعَاقِلُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ، وَاسْتَعَدَّ لِلِقَاءِ رَبِّهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ نُورًا لِقَلْبِهِ وَسَبَبًا لِاسْتِقَامَةِ حَيَاتِهِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُحَافِظِينَ عَلَى الصَّلَاةِ، الْخَاشِعِينَ فِيهَا، الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهَا بِقُلُوبٍ صَادِقَةٍ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا تَقْصِيرَنَا وَزَلَلَنَا، وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِالْخَيْرِ وَالرِّضْوَانِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- مُوَطَّأِ مَالِكٍ.
- مُسنَدِ أَحمَدَ.
- التَّبصِرَةِ فِي أُصُولِ الفِقهِ لِأَبِي إِسحَاقَ الشِّيرَازِيِّ.
- الحَاوِي الكَبِيرِ لِلمَاوَردِيِّ.
- المَسَالِكُ فِي شَرحِ مُوَطَّأِ مَالِكٍ