أَحكَامُ النَّظَرِ وَأَثَرُ غَضِّهِ فِي حِفظِ القَلبِ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مُقَدِّمَةٌ

أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِغَضِّ الأَبصَارِ وَحِفظِ الفُرُوجِ، وَجَعَلَ غَضَّ البَصَرِ مِن أَسبَابِ زَكَاءِ النَّفسِ وَصَلَاحِ القَلبِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزكَى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصنَعُونَ﴾ [سورة النور: ٣٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُل لِلمُؤمِنَاتِ يَغضُضنَ مِن أَبصَارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [سورة النور: ٣١].

وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ مِن أَقرَبِ الوَسَائِلِ إِلَى المُحَرَّمِ، اقتَضَتِ الشَّرِيعَةُ تَحرِيمَهُ، وَأَبَاحَتهُ فِي مَوضِعِ الحَاجَةِ، وَفِي غَضِّ البَصَرِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ تَعُودُ عَلَى القَلبِ وَالنَّفسِ بِالخَيرِ.

حُكمُ النَّظَرِ وَعَورَةُ المَرأَةِ مَعَ مَحَارِمِهَا

يَحِلُّ مَعَ المَحرَمِيَّةِ أَوِ الجِنسِيَّةِ نَظَرُ مَا عَدَا مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ إِذَا كَانَ بِغَيرِ شَهوَةٍ.

وَمِقدَارُ عَورَةِ المَرأَةِ مَعَ مَحَارِمِهَا مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ، فَالسُّرَّةُ لَيسَت مِنَ العَورَةِ، وَالرُّكبَةُ لَيسَت مِنَ العَورَةِ.

وَمِنَ المَحَارِمِ: الأُصُولُ وَالفُرُوعُ، كَالأَبِ مَعَ ابنَتِهِ وَحَفِيدَتِهِ، وَالأُمِّ مَعَ ابنِهَا وَحَفِيدِهَا؛ وَالعَمُّ وَالخَالُ مَعَ بِنتِ أَخِيهِمَا أَو أُختِهِمَا وَحَفِيدَتِهَا، وَالعَمَّةُ وَالخَالَةُ مَعَ ابنِ أَخِيهِمَا أَو أُختِهِمَا وَحَفِيدِهِمَا.

وَأَبُو الزَّوجِ، وَإِن عَلَا، يُعَدُّ مَحرَمًا لِزَوجَةِ ابنِهِ، وَكَذَلِكَ زَوجُ البِنتِ يُعَدُّ مَحرَمًا لِأُمِّهَا وَإِن عَلَت.

عَورَةُ المُسلِمَةِ أَمَامَ المَرأَةِ

كَذَلِكَ العَورَةُ مَعَ اتِّحَادِ الجِنسِ؛ أَي عَورَةُ المَرأَةِ مَعَ المَرأَةِ، فَهَذَا القَدرُ مِن بَدَنِهَا، إِذَا كَانَت مُسلِمَةً، وَأَمَّا أَمَامَ غَيرِ المُسلِمَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلمُسلِمَةِ أَن تَكشِفَ مِن جَسَدِهَا إِلَّا مَا تَكشِفُهُ عِندَ العَمَلِ فِي البَيتِ عَادَةً، كَالرَّأسِ وَالسَّاعِدِ وَالعُنُقِ وَنِصفِ السَّاقِ.

العورة مع اتحاد الجنس

وَإِذَا اتَّحَدَ الجِنسُ فَالعَورَةُ بِالنِّسبَةِ لِلرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ عِندَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسبَةِ لِلمَرأَةِ المُسلِمَةِ مَعَ المَرأَةِ المُسلِمَةِ، فَهِيَ مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ، وَلَا فَرقَ بَينَ أَن تَكُونَ هَذِهِ المَرأَةُ ابنَتَهَا أَو أُمَّهَا أَو غَيرَهُمَا، فَالحُكمُ وَاحِدٌ.

عَورَةُ الرَّجُلِ 

عَورَةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ، وَيَحِلُّ النَّظَرُ بِلَا شَهوَةٍ لِمَا سِوَى العَورَةِ.

النَّظَرُ إِلَى الصَّغِيرِ

وَيَحِلُّ النَّظَرُ مَعَ الصِّغَرِ مِنهُمَا أَو مِن أَحَدِهِمَا، لَكِنَّ الصِّغَرَ المُعتَبَرَ هُوَ الَّذِي لَا يُشتَهَى مَعَهُ المَنظُورُ إِلَيهِ عِندَ ذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ. ويَحِلُّ النَّظَرُ إلى الصَّبيِّ أو الصَّبيةِ اللَّذَينِ دُونَ سِنِّ التَّميِيزِ إلى مَا عَدَا فَرجِ الأُنثَى، فقَد حَرَّمَ بَعضُهُم النَّظَرَ إلى فَرجِ الأُنثَى الصَّغِيرَة التي لا تُشتَهى أيضًا لغَيرِ الأمِّ ونَحوِها كالأبِ وأجَازَ بَعضُهُم ذلكَ أيضًا لغَيرِ الأمّ وهوَ الصَّوابُ، والفَرقُ عندَ مَن فرَّقَ بينَ نَحوِ الأمِّ وغَيرِها في النَّظَرِ إلى فَرجِ الأُنثَى أنَّ فَرجَ الأنثَى أَفحَشُ نظَرًا مِن فَرجِ الذَّكَرِ.

ويَجُوزُ للأَبوَينِ كَشفُ عَورَتِهما أمَامَ طِفلِهِما غَيرِ الممَيِّز، أمّا بَعدَ التَّميِيزِ فَلا يجُوزُ، وقالَ بَعضُ الحنَابِلَةِ يَجُوزُ النَّظَرُ إلى فَخِذِ البِنتِ إلى التّاسِعَةِ وبَعضُهُم قال إلى السّابِعَة أي بلَا شَهوَةٍ أمَّا إلى الفَرجِ فَلا يَجُوزُ بَعدَ التّميِيز.

وَالطِّفلُ الصَّغِيرُ قَبلَ التَّميِيزِ، كَابنِ سَنَةٍ أَو سَنَتَينِ أَو ثَلَاثٍ، لَا عَورَةَ لَهُ. فَإِذَا مَيَّزَ الطِّفلُ حَرُمَ عَلَى الأَبِ وَالأُمِّ النَّظَرُ إِلَى عَورَتِهِ المُغَلَّظَةِ -السَّوأَتَينِ-، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَو أُنثَى، بِلَا ضَرُورَةٍ.

أَمَّا لِلضَّرُورَةِ كَالعِلَاجِ، مِن نَحوِ التَّحمِيلَةِ مَثَلًا، فَيَجُوزُ، وَأَمرُ الِاستِنجَاءِ تُعَلِّمُهُ مِن غَيرِ أَن تَنظُرَ إِلَى عَورَتِهِ.

فَائِدَةٌ:

يَجُوزُ أن يُقَالَ للطِّفلِ المُمَيّزِ الذي يَكشِفُ سَوأتَيه عَيبٌ غَطِّ سَوأَتَكَ، ومَعنَاهُ هَذا جِنسُه عَيبٌ ولَيسَ مَعنَاهُ عَيبٌ علَيكَ، كمَا يُقَالُ لِلطِّفلِ إذَا أرَادَ أن يَأكُلَ لحمَ خِنزِيرٍ حَرام، ليسَ مَعنَاهُ حَرامٌ علَيكَ إنّما مَعنَاهُ هَذا جِنسُهُ حَرَام.

النَّظَرُ عِندَ العِلَاجِ

بِشَرطِ أَن يَكُونَ هُنَاكَ مَن يَمنَعُ حُصُولَ الخَلوَةِ.

فَيُشتَرَطُ فِي جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى المَرأَةِ أَن لَا تَكُونَ هُنَاكَ امرَأَةٌ تُعَالِجُ، وَفِي جَوَازِ نَظَرِ المَرأَةِ لِلرَّجُلِ أَن لَا يَكُونَ هُنَاكَ رَجُلٌ يُعَالِجُهُ.

قَالَ البُلقِينِيُّ: «إِن كَانَتِ العِلَّةُ فِي الوَجهِ سُومِحَ بِذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي المُعَامَلَةِ، وَإِن كَانَت فِي غَيرِهِ فَإِن كَانَتِ امرَأَةً فَيُعتَبَرُ وُجُودُ امرَأَةٍ مُسلِمَةٍ، فَإِن تَعَذَّرَت فَصَبِيٌّ مُسلِمٌ غَيرُ مُرَاهِقٍ، فَإِن تَعَذَّرَ فَصَبِيٌّ غَيرُ مُرَاهِقٍ كَافِرٌ، فَإِن تَعَذَّرَ فَامرَأَةٌ كَافِرَةٌ، فَإِن تَعَذَّرَ فَأَجنَبِيٌّ مُسلِمٌ، فَإِن تَعَذَّرَ فَأَجنَبِيٌّ كَافِرٌ».

فَيُفهَمُ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلمَرأَةِ المُسلِمَةِ أَن تَذهَبَ إِلَى طَبِيبٍ مَعَ وُجُودِ طَبِيبَةٍ مُسلِمَةٍ إِن كَانَ فِي ذَهَابِهَا إِلَيهِ كَشفُ عَورَةٍ، إِلَّا إِذَا كَانَ هَذَا الطَّبِيبُ أَمهَرَ مِنَ الطَّبِيبَةِ، أَو أُجرَتُهُ أَرخَصَ، أَو نَحوَ ذَلِكَ.

الأَصلُ فِي النَّهيِ عَنِ النَّظَرِ

الأَصلُ فِي النَّهيِ عَنِ هَذَا النَّظَرِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزكَى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصنَعُونَ﴾ [سورة النور:٣٠].

وَقَد أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَن يَأمُرَ المُؤمِنِينَ بِغَضِّ أَبصَارِهِم، وَحِفظِ فُرُوجِهِم، وَأَن يُعَلِّمَهُم أَنَّهُ مُشَاهِدٌ لِأَعمَالِهِم، مُطَّلِعٌ عَلَيهَا: ﴿يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر:١٩].

وَلَمَّا كَانَ مَبدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جُعِلَ الأَمرُ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلَى حِفظِ الفَرجِ، فَإِنَّ الحَوَادِثَ مَبدَؤُهَا مِنَ البَصَرِ، كَمَا أَنَّ مُعظَمَ النَّارِ مِن مُستَصغَرِ الشَّرَرِ، فَتَكُونُ نَظرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطرَةً، ثُمَّ خُطوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُتبِعِ النَّظرَةَ النَّظرَةَ، فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى وَلَيسَت لَكَ الأُخرَى» رَوَاهُ أَحمَدُ.

وَقَالَ ﷺ: «غُضُّوا أَبصَارَكُم، وَاحفَظُوا فُرُوجَكُم» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. 

وَقَالَ ﷺ: «إِيَّاكُم وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيتُم إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ، وَنَهيٌ عَنِ المُنكَرِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

النَّظرَةُ أَصلُ عَامَّةِ الحَوَادِثِ

النَّظَرُ أَصلُ عَامَّةِ الحَوَادِثِ الَّتِي تُصِيبُ الإِنسَانَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

كُلُّ الحَوَادِثِ مَبدَاهَا مِنَ النَّظَرِ          وَمُعظَمُ النَّارِ مِن مُستَصغَرِ الشَّرَرِ

كَم نَظرَةٍ بَلَغَت فِي قَلبِ صَاحِبِهَا كَمَبلَغِ السَّهمِ بَينَ القَوسِ وَالوَتَرِ

وَالعَبدُ مَا دَامَ ذَا طَرفٍ يُقَلِّبُهُ             فِي أَعيُنِ العِينِ مَوقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ

يَسُرُّ مُقلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهجَتَهُ               لَا مَرحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ

النَّظَرُ وَزَنَى العَينِ

جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «كُتِبَ عَلَى ابنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَينَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاستِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطشُ، وَالرِّجلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلبُ يَهوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرجُ وَيُكَذِّبُهُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

فَبَدَأَ بِزِنَى العَينِ؛ لِأَنَّهُ أَصلُ زِنَى اليَدِ وَالرِّجلِ وَالقَلبِ وَالفَرجِ، وَجَعَلَ الفَرجَ مُصَدِّقًا لِذَلِكَ إِن حَقَّقَ الفِعلَ، أَو مُكَذِّبًا لَهُ إِن لَم يُحَقِّقهُ.

وَهَذَا الحَدِيثُ مِن أَبيَنِ الأَشيَاءِ عَلَى أَنَّ العَينَ تَعصِي بِالنَّظَرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ زِنَاهَا.

النَّظرَةُ الأُولَى وَالنَّظرَةُ الثَّانِيَةُ

سُئِلَ البَعضُ فِي رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى امرَأَةٍ نَظرَةً، فَعَلِقَ حُبُّهَا بِقَلبِهِ، وَاشتَدَّ عَلَيهِ الأَمرُ، فَقَالَت لَهُ نَفسُهُ: هَذَا كُلُّهُ مِن أَوَّلِ نَظرَةٍ، فَلَو أَعَدتَ النَّظَرَ إِلَيهَا لَرَأَيتَهَا دُونَ مَا فِي نَفسِكَ، فَسَلَوتَ عَنهَا، فَهَل يَجُوزُ لَهُ تَعَمُّدُ النَّظَرِ ثَانِيًا لِهَذَا المَعنَى؟

فَكَانَ الجَوَابُ: لَا يَجُوزُ هَذَا لِعَشَرَةِ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ سُبحَانَهُ أَمَرَ بِغَضِّ البَصَرِ، وَلَم يَجعَل شِفَاءَ القَلبِ فِيمَا حَرَّمَهُ عَلَى العَبدِ.

الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَن نَظَرِ الفَجأَةِ، وَقَد عَلِمَ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي القَلبِ، فَأَمَرَ بِمُدَاوَاتِهِ بِصَرفِ البَصَرِ، لَا بِتَكرَارِ النَّظَرِ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الأُولَى لَهُ، وَلَيسَت لَهُ الثَّانِيَةُ، وَمُحَالٌ أَن يَكُونَ دَاؤُهُ مِمَّا لَهُ، وَدَوَاؤُهُ مِمَّا لَيسَ لَهُ.

الرَّابِعُ: أَنَّ الظَّاهِرَ قُوَّةُ الأَمرِ بِالنَّظرَةِ الثَّانِيَةِ لَا تَنَاقُصُهُ، وَالتَّجرِبَةُ شَاهِدَةٌ بِهِ.

الخَامِسُ: أَنَّهُ رُبَّمَا رَأَى مَا هُوَ فَوقَ الَّذِي فِي نَفسِهِ، فَزَادَ عَذَابُهُ.

السَّادِسُ: أَنَّ إِبلِيسَ عِندَ قَصدِهِ لِلنَّظرَةِ الثَّانِيَةِ يَقُومُ فِي رَكَائِبِهِ، فَيُزَيِّنُ لَهُ مَا لَيسَ بِحَسَنٍ لِتَتِمَّ البَلِيَّةُ.

السَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُعَانُ عَلَى بَلِيَّتِهِ إِذَا أَعرَضَ عَن امتِثَالِ أَوَامِرِ الشَّرعِ، وَتَدَاوَى بِمَا حَرَّمَهُ عَلَيهِ.

الثَّامِنُ: أَنَّ النَّظرَةَ الأُولَى سَهمٌ مَسمُومٌ مِن سِهَامِ إِبلِيسَ، وَمَعلُومٌ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَشَدُّ سُمًّا، فَكَيفَ يَتَدَاوَى مِنَ السُّمِّ بِالسُّمِّ؟

التَّاسِعُ: أَنَّ صَاحِبَ هَذَا المَقَامِ فِي مَقَامِ مُعَامَلَةِ الحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَركِ مَحبُوبٍ، فَإِذَا كَانَ تَركُهُ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ غَرَضَهُ، فَأَينَ مُعَامَلَةُ اللَّهِ سُبحَانَهُ بِتَركِ المَحبُوبِ لِأَجلِهِ؟

العَاشِرُ: أَنَّ الأَمرَ يَتَبَيَّنُ بِضَربِ مَثَلٍ مُطَابِقٍ لِلحَالِ، فَإِذَا دَخَلَتِ الفَرَسُ فِي دَربٍ ضَيِّقٍ، عَسُرَ إِخرَاجُهَا، فَكَذَلِكَ النَّظرَةُ إِذَا أَثَّرَت فِي القَلبِ، فَإِن عَجِلَ الحَازِمُ وَحَسَمَ المَادَّةَ مِن أَوَّلِهَا سَهُلَ عِلَاجُهُ، وَإِن كَرَّرَ النَّظَرَ وَنَقَّبَ عَن مَحَاسِنِ الصُّورَةِ، وَنَقَلَهَا إِلَى قَلبٍ فَارِغٍ، فَنَقَشَهَا فِيهِ؛ تَمَكَّنَتِ المَحَبَّةُ.

وَكُلَّمَا تَوَاصَلَتِ النَّظَرَاتُ كَانَت كَالمَاءِ يَسقِي الشَّجَرَةَ، فَلَا تَزَالُ تَنمُو حَتَّى يُفسِدَ القَلبَ، وَيُعرِضَ عَنِ الفِكرِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَخرُجَ بِصَاحِبِهِ إِلَى المِحَنِ، وَيُوجِبَ ارتِكَابَ المَحظُورَاتِ، وَيُلقِيَ القَلبَ فِي التَّلَفِ.

النَّظَرُ سَهمٌ مَسمُومٌ

النَّظرَةُ سَهمٌ مَسمُومٌ مِن سِهَامِ إِبلِيسَ، وَمَعلُومٌ أَنَّ السَّهمَ شَأنُهُ أَن يَسرِيَ فِي القَلبِ، فَيَعمَلَ فِيهِ عَمَلَ السُّمِّ الَّذِي يُسقَاهُ المَسمُومُ، فَإِن بَادَرَ وَاستَفرَغَهُ، وَإِلَّا قَتَلَهُ وَلَا بُدَّ.

وَقَد قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «الشَّيطَانُ مِنَ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي بَصَرِهِ وَقَلبِهِ، وَذَكَرِهِ، وَهُوَ مِنَ المَرأَةِ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي بَصَرِهَا، وَقَلبِهَا، وَعَجُزِهَا».

وَنَظرَةُ الفَجأَةِ هِيَ النَّظرَةُ الأُولَى الَّتِي تَقَعُ بِغَيرِ قَصدٍ مِنَ النَّاظِرِ، فَمَا لَم يَعتَمِدهَا القَلبُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيهَا، فَإِذَا نَظَرَ الثَّانِيَةَ تَعَمُّدًا أَثِمَ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عِندَ نَظرَةِ الفَجأَةِ أَن يَصرِفَ بَصَرَهُ، وَلَا يَستَدِيمَ النَّظَرَ.

فَوَائِدُ غَضِّ البَصَرِ

الفَائِدَةُ الأُولَى: تَخلِيصُ القَلبِ مِن أَلَمِ الحَسرَةِ

فَإِنَّ مَن أَطلَقَ نَظَرَهُ دَامَت حَسرَتُهُ؛ فَأَضَرُّ شَيءٍ عَلَى القَلبِ إِرسَالُ البَصَرِ، فَإِنَّهُ يُرِيهِ مَا يَشتَدُّ طَلَبُهُ، وَلَا صَبرَ لَهُ عَنهُ، وَلَا وُصُولَ لَهُ إِلَيهِ، وَذَلِكَ غَايَةُ أَلَمِهِ وَعَذَابِهِ.

وَقِيلَ:

وَكُنتَ مَتَى أَرسَلتَ طَرفَكَ رَائِدًا                  لِقَلبِكَ يَومًا أَتعَبَتكَ المَنَاظِرُ

رَأَيتَ الَّذِي لَا كُلُّهُ أَنتَ قَادِرٌ.                    عَلَيهِ وَلَا عَن بَعضِهِ أَنتَ صَابِرُ

وَالنَّظرَةُ تَفعَلُ فِي القَلبِ مَا يَفعَلُ السَّهمُ فِي الرَّمِيَّةِ، فَإِن لَم تَقتُلهُ جَرَحَتهُ، وَهِيَ بِمَنزِلَةِ الشَّرَارَةِ مِنَ النَّارِ تُرمَى فِي الحَشِيشِ اليَابِسِ، فَإِن لَم تُحرِقهُ كُلَّهُ أَحرَقَت بَعضَهُ.

الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُورِثُ القَلبَ نُورًا وَإِشرَاقًا

يُورِثُ غَضُّ البَصَرِ القَلبَ نُورًا وَإِشرَاقًا يَظهَرُ فِي العَينِ، وَفِي الوَجهِ وَالجَوَارِحِ، كَمَا أَنَّ إِطلَاقَ البَصَرِ يُورِثُهُ ظُلمَةً تَظهَرُ فِي وَجهِهِ وَجَوَارِحِهِ.

وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مُطَابِقٍ لِهَذَا، وَهُوَ قَولُهُ: «النَّظرَةُ الأُولَى خَطأٌ، وَالثَّانِيَةُ عَمدٌ، وَالثَّالِثَةُ تُدَمِّرُ، وَنَظَرُ المُؤمِن فِي مَحَاسِنِ المَرأة سَهمٌ مِن سِهَامِ إِبلِيسَ مَسمُومٌ مَن تَرَكَهَا مِن خَشيَةِ اللهِ، وَرَجَاءَ مَا عِندَهُ آتَاهُ اللهُ بِذَلِكَ عِبَادةً تَبلُغُهُ لَذَّتهَا». رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ.

الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: صِحَّةُ الفِرَاسَةِ

غَضُّ البَصَرِ يُورِثُ صِحَّةَ الفِرَاسَةِ، فَإِنَّهَا مِنَ النُّورِ وَثَمَرَاتِهِ، وَإِذَا استَنَارَ القَلبُ صَحَّتِ الفِرَاسَةُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنزِلَةِ المِرآةِ الَّتِي تَظهَرُ فِيهَا المَعلُومَاتُ كَمَا هِيَ.

وَقَالَ شُجَاعُ الكَرمَانِيُّ: «مَن عَمَرَ ظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَبَاطِنَهُ بِدَوَامِ المُرَاقَبَةِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحَارِمِ، وَكَفَّ نَفسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَأَكَلَ مِنَ الحَلَالِ؛ لَم تُخطِئ فِرَاسَتُهُ».

وَاللَّهُ سُبحَانَهُ يَجزِي العَبدَ عَلَى عَمَلِهِ بِمَا هُوَ مِن جِنسِهِ، فَمَن غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحَارِمِ؛ عَوَّضَهُ اللَّهُ سُبحَانَهُ إِطلَاقَ نُورِ بَصِيرَتِهِ، وَمَن أَطلَقَ بَصَرَهُ فِي المَحَارِمِ؛ حَبَسَ اللهُ عَنهُ بَصِيرَتَهُ.

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فَتحُ طُرُقِ العِلمِ

يَفتَحُ غَضُّ البَصَرِ لَهُ طُرُقَ العِلمِ وَأَبوَابَهُ، وَيُسَهِّلُ عَلَيهِ أَسبَابَهُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ نُورِ القَلبِ، فَإِنَّهُ إِذَا استَنَارَ ظَهَرَت فِيهِ حَقَائِقُ المَعلُومَاتِ، وَانكَشَفَت لَهُ بِسُرعَةٍ.

وَمَن أَرسَلَ بَصَرَهُ تَكَدَّرَ عَلَيهِ قَلبُهُ، وَأَظلَمَ، وَانسَدَّ عَلَيهِ بَابُ العِلمِ وَطُرُقُهُ.

الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: قُوَّةُ القَلبِ وَثَبَاتُهُ

يُورِثُ غَضُّ البَصَرِ قُوَّةَ القَلبِ وَثَبَاتَهُ وَشَجَاعَتَهُ، فَيَجعَلُ اللَّهُ سُبحَانَهُ لَهُ سُلطَانَ البَصِيرَةِ مَعَ سُلطَانِ الحُجَّةِ.

وَيُوجَدُ فِي المُتَّبِعِ لِهَوَاهُ مِن ذُلِّ القَلبِ وَضَعفِهِ، وَمَهَانَةِ النَّفسِ وَحَقَارَتِهَا، مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِمَن آثَرَ هَوَاهُ عَلَى رِضَاهُ.

وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنَّهُم وَإِن هَملَجَت بِهِمُ البِغَالُ، وَطَقطَقَت بِهِمُ البَرَاذِينُ؛ إِنَّ ذُلَّ المَعصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِم، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُذِلَّ مَن عَصَاهُ».

الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: سُرُورُ القَلبِ وَانشِرَاحُهُ

يُورِثُ غَضُّ البَصَرِ القَلبَ سُرُورًا وَفَرحَةً وَانشِرَاحًا أَعظَمَ مِنَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ الحَاصِلِ بِالنَّظَرِ، وَذَلِكَ لِقَهرِهِ عَدُوَّهُ بِمُخَالَفَتِهِ، وَمُخَالَفَةِ نَفسِهِ وَهَوَاهُ.

وَقَد قِيلَ: «وَاللَّهِ لَلَذَّةُ العِفَّةِ أَعظَمُ مِن لَذَّةِ الذَّنبِ!».

الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَخلِيصُ القَلبِ مِن أَسرِ الشَّهوَةِ

غَضُّ البَصَرِ يُخَلِّصُ القَلبَ مِن أَسرِ الشَّهوَةِ، فَإِنَّ الأَسِيرَ هُوَ أَسِيرُ شَهوَتِهِ وَهَوَاهُ.

وَمَتَى أَسَرَتِ الشَّهوَةُ وَالهَوَى القَلبَ تَمَكَّنَ مِنهُ عَدُوُّهُ، وَسَامَهُ سُوءَ العَذَابِ.

الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: سَدُّ بَابٍ مِن أَبوَابِ جَهَنَّمَ

غَضُّ البَصَرِ يَسُدُّ عَنهُ بَابًا مِن أَبوَابِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّ النَّظَرَ بَابُ الشَّهوَةِ الحَامِلَةِ عَلَى مُوَاقَعَةِ الفِعلِ، وَتَحرِيمُ الرَّبِّ تَعَالَى وَشَرعُهُ حِجَابٌ مَانِعٌ مِنَ الوُصُولِ.

فَمَتَى هَتَكَ الحِجَابَ ضَرِيَ عَلَى المَحظُورِ، وَلَم تَقِف نَفسُهُ مِنهُ عِندَ غَايَةٍ، فَغَضُّ البَصَرِ يَسُدُّ عَنهُ هَذَا البَابَ.

الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَقوِيَةُ العَقلِ

غَضُّ البَصَرِ يُقَوِّي العَقلَ وَيَزِيدُهُ وَيُثَبِّتُهُ، فَإِنَّ إِطلَاقَ البَصَرِ وَإِرسَالَهُ لَا يَحصُلُ إِلَّا مِن خِفَّةِ العَقلِ وَطَيشِهِ وَعَدَمِ مُلَاحَظَتِهِ لِلعَوَاقِبِ، فَإِنَّ خَاصَّةَ العَقلِ مُلَاحَظَةُ العَوَاقِبِ.

وَقِيلَ:

وَأَعقَلُ النَّاسِ مَن لَم يَرتَكِب سَبَبًا               حَتَّى يُفَكِّرَ مَا تَجنِي عَوَاقِبُهُ

الفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: تَخلِيصُ القَلبِ مِنَ الغَفلَةِ

يُخَلِّصُ غَضُّ البَصَرِ القَلبَ مِنَ الشَّهوَةِ وَرَقدَةِ الغَفلَةِ، فَإِنَّ إِطلَاقَ البَصَرِ يُوجِبُ استِحكَامَ الغَفلَةِ عَنِ اللَّهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، وَيُوقِعُ فِي سَكرَةِ العِشقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمرُكَ إِنَّهُم لَفِي سَكرَتِهِم يَعمَهُونَ﴾ [سُورَةُ الحِجرِ:٧٢].

خَاتِمَةٌ

يَتَبَيَّنُ مِن هَذَا أَنَّ غَضَّ البَصَرِ مِنَ الأَسبَابِ الَّتِي تَحفَظُ القَلبَ وَتَصُونُهُ، وَأَنَّ النَّظَرَ مِن أَقرَبِ الوَسَائِلِ إِلَى المُحَرَّمِ، فَالنَّظرَةُ قَد تَكُونُ بَدَايَةً لِخَطرَةٍ، ثُمَّ خُطوَةٍ، ثُمَّ خَطِيئَةٍ.

وَفِي غَضِّ البَصَرِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ؛ مِنهَا تَخلِيصُ القَلبِ مِن أَلَمِ الحَسرَةِ، وَإِيرَاثُهُ النُّورَ وَالإِشرَاقَ، وَصِحَّةُ الفِرَاسَةِ، وَفَتحُ طُرُقِ العِلمِ، وَقُوَّةُ القَلبِ وَثَبَاتُهُ، وَالسُّرُورُ وَالِانشِرَاحُ، وَالتَّخلِيصُ مِن أَسرِ الشَّهوَةِ، وَسَدُّ بَابٍ مِن أَبوَابِ جَهَنَّمَ، وَتَقوِيَةُ العَقلِ، وَتَخلِيصُ القَلبِ مِنَ الغَفلَةِ.

فَغَضُّ البَصَرِ حِفظٌ لِلقَلبِ، وَصَونٌ لِلنَّفسِ، وَطَرِيقٌ إِلَى النُّورِ وَالبَصِيرَةِ، وَاللَّهُ سُبحَانَهُ يَجزِي العَبدَ عَلَى عَمَلِهِ بِمَا هُوَ مِن جِنسِهِ؛ فَمَن غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحَارِمِ، عَوَّضَهُ اللَّهُ سُبحَانَهُ إِطلَاقَ نُورِ بَصِيرَتِهِ.

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

مُسنَدِ أَحمَدَ لِلإِمَامِ أَحمَدَ ابنِ حَنبَلٍ.

مَجمَعِ البَحرَينِ فِي زَوَائِدِ المُعجَمَينِ الأَوسَطِ وَالصَّغِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ.

أَسنَى المَطَالِبِ لِزَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.

رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلنَّوَوِيِّ.

النَّظَرِ فِي أَحكَامِ النَّظَرِ لِلحَافِظِ ابنِ القَطَّانِ المَالِكِيِّ.