بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الزِّوَاجَ مِيثَاقًا غَلِيظًا، وَأَمَرَ بِإِقَامَتِهِ عَلَى السَّكِينَةِ وَالمَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ، وَحَثَّ الزَّوجَينِ عَلَى المُعَاشَرَةِ بِالمَعرُوفِ، فَالعِلَاقَةُ الزَّوجِيَّةُ فِي الإِسلَامِ لَيسَت مُجَرَدَ ارتِبَاطٍ دُنيَوِيٍّ بَينَ رَجُلٍ وَامرَأَةٍ، بَل هِيَ رَابِطَةٌ شَرعِيَّةٌ سَامِيَةٌ أَرَادَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَن تَكُونَ لَبِنَةَ أَسَاسٍ فِي بِنَاءِ الأُسرَةِ وَالمُجتَمَعِ، وَقَد امتَنَّ اللهُ تَعَالَى بِذِكرِهَا فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم:21].
فَقَد بُنِيَت الحَيَاةُ الزَّوجِيَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى المَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالتَّعَاوُنِ، وَعَلَى أَدَاءِ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوجَينِ، لِتَستَقِرَّ الأُسرَةُ وَتَثبُتَ دَعَائِمُهَا، وَتَبقَى بَعِيدَةً عَن التَّفَكُّكِ وَالانهِيَارِ. وَمِن هُنَا جَاءَتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ الَّتِي تَحُثُّ الزَّوجَةَ عَلَى القِيَامِ بِحُقُوقِ زَوجِهَا، وَتُبَيِّنُ عَظِيمَ مَنزِلَتِهِ عِندَهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِن حِفظٍ لِلبَيتِ وَصِيَانَةٍ لِلعِرضِ وَحِمَايَةٍ لِلمُجتَمَعِ مِنَ الانِحرَافِ وَالضَّيَاعِ.
الأسس الشرعية للعلاقة الزوجية
لَقَد جَاءَت نُصُوصُ القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ بِبَيَانِ الأَسَاسِ الَّذِي تَقُومُ عَلَيهِ الحَيَاةُ الزَّوجِيَةِ، وَهُوَ المُعَاشَرَةُ بِالمَعرُوفِ، وَالتِزَامُ كُلُّ طَرَفٍ بِمَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِن حُقُوقٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَبِيلٌ لِاستِقرَارِ الأُسرَةِ وَسَعَادَتِهَا.
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، [سورة النساء:19]
وَهَذَا أَمرٌ عَامٌّ يَشمَلُ حُسنَ المُعَامَلَةِ، وَجَمِيلَ المُصَاحَبَةِ، وَلُطفَ القَولِ وَالفِعلِ.
كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
وَمِن هُنَا، فَإِنَّ مَعرِفَةَ كُلٍّ مِنَ الزَّوجَينِ مَا لَهُ وَمَا عَلَيهِ مِنَ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ هُوَ الضَّمَانُ الأَكبَرُ لِاستِمرَارِ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ عَلَى المَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالبُعدِ عَنِ التَّنَافُرِ وَالاضطِرَابِ.
حقوق الزوج على زوجته
أولًا: الطاعة وحسن المعاشرة
مِن أَعظَمِ مَا أَمَرَت بِهِ الشَّرِيعَةُ أَن تُطِيعَ الزَّوجَةُ زَوجَهَا فِي غَيرِ مَعصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَن تُحسِنَ مُعَاشَرَتَهُ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا»، رَوَاهُ الحَاكِمُ.
فَالمَرأَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الَّتِي تُرَاعِي حَقَّ رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ، وَتَقُومُ بِحَقِّ زَوجِهَا، وَتَحرِصُ عَلَى حُسنِ عِشرَتِهِ، فَلَا تُعَانِدُهُ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي المَعرُوفِ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تُؤدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ اللَّهِ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا»، رَوَاهُ أَحمَدُ.
ثانيًا: الاستجابة لطلب الزوج
لَقَد بَيَّنَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَنَّ مِن حَقِّ الزَّوجِ عَلَى زَوجَتِهِ أَن تُلَبِيَّ دَعوَتَهُ إِلَى الاستِمتَاعِ بِهَا مَتَى طَلَبَ، مَا لَم يَمنَع مَانِعٌ شَرعِيٌّ كَالحَيضِ أَوِ النِّفَاسِ أَوِ الضَّرَرِ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِن دَعَا الرَّجُلُ امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَم تَأتِهِ، فَبَاتَ غَضبَانَ عَلَيهَا، لَعَنَتهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
وَقَالَ ﷺ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلتَأتِهِ وَإِن كَانَت عَلَى التَّنُّورِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيَانٌ لِعُظمِ حَقِّ الزَّوجِ فِي هَذَا البَابِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِهمَالِهِ مِن فَسَادِ العِشرَةِ وَتَكدِيرِ الحَيَاةِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى الوُقُوعِ فِي المُحَرَّمَاتِ أَو إِلَى الطَّلَاقِ.
كَمَا أَنَّ مِن تَمَامِ هَذَا البَابِ أَن تَتَزَيَّنَ الزَّوجَةُ لِزَوجِهَا بِمَا يُحِبُّ، وَتَتَجَمَّلَ لَهُ بِمَا يَلِيقُ، دَفعًا لِنَظَرِ زَوجِهَا إِلَى غَيرِهَا، وَصِيَانَةً لِلحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ مِنَ التَّصَدُّعِ وَالانحِرَافِ.
ثالثًا: إذن الزوج في بعض التصرفات
مِنَ الحُقُوقِ المُقَرَّرَةِ لِلزَّوجِ أَن لَا تَتَصَرَّفَ زَوجَتُهُ فِي بَعضِ الأُمُورِ إِلَّا بِإِذنِهِ، صِيَانَةً لِحَقِّهِ، وَرِعَايَةً لِحَاجَتِهِ، وَإِبقَاءً لِهَيبَتِهِ فِي البَيتِ.
• في إدخال الضيوف:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَأذَنُ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذنِهِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مَنعِ المَرأَةِ مِن إِدخَالِ أَحَدٍ إِلَى بَيتِ الزَّوجِ إِلَّا بِعِلمِهِ وَإِذنِهِ، حِفظًا لِلبَيتِ وَصِيَانَةً لِلعِرضِ.
• في الصيام:
قَالَ ﷺ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. وَبَيَّنَ العُلَمَاءُ أَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الزَّوجِ فِي الاستِمتَاعِ وَاجِبٌ عَلَى الفَورِ، أَمَّا صَومَ التَّطَوُّعِ فَنَافِلَةٌ، وَالوَاجِبَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِلَةِ.
• في الخروج من البيت أو السفر:
وَرَدَتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ فِي ضَرُورَةِ إِذنِ الزَّوجِ عِندَ خُرُوجِ الزَّوجَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِتَحقِيقِ مَقصُودِ الشَّرعِ فِي صِيَانَةِ الأُسرَةِ وَحِفظِ نِظَامِهَا.
رابعًا: تقديم حق الزوج على غيره
مِنَ الأُصُولِ المُقَرَّرَةِ أَنَّ الزَّوجَ أَحَقُّ النَّاسِ بِامرَأَتِهِ، وَطَاعَتُهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى طَاعَةِ سِوَاهُ، إِلَّا فِيمَا فِيهِ مَعصِيَةٌ للهِ تَعَالَى.
فَقَد ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا لَمَّا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَعظَمُ حَقًّا عَلَى المَرأَةِ؟ قَالَ: «زَوجُهَا»، قَالَت: فَأَيُّ النَّاسِ أَعظَمُ حَقًّا عَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: «أُمُّهُ» رَوَاهُ الحَاكِمُ.
فَهَذَا الحَدِيثُ أَصلٌ عَظِيمٌ فِي بَيَانِ مَنزِلَةِ الزَّوجِ وَوُجُوبِ تَقدِيمِ طَاعَتِهِ عَلَى غَيرِهِ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى الوَالِدَينِ، مَا دَامَ ذَلِكَ فِي المَعرُوفِ.
خامسًا: القناعة والرضا
مِن حَقِّ الزَّوجِ عَلَى زَوجَتِهِ أَن تَرضَى بِمَا قَسَمَ اللهُ مِن رِزقٍ، وَأَلَّا تُظهِرَ التَّبَرُّمَ وَالتَّأَفُّفَ عِندَ ضِيقِ ذَاتِ اليَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُكَدِّر صَفوَ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ.
وَقَد كَانَت كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ يَعِشنَ مَعَ أَزوَاجِهِنَّ فِي حَالِ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ صَبَرنَ وَاحتَسَبنَ، فَصَارَت بُيُوتُهُنَّ أَنمُوذَجًا فِي القَنَاعَةِ وَالرِّضَا.
وَمِن فَضَائِلِ الزَّوجَةِ الصَّالِحَةِ أَن تُعِينَ زَوجَهَا إِن كَانَت ذَاتُ مَالٍ، فَتُنفِقَ فِي بَيتِهِ وَتُشَارِكَ فِي تَربِيَةِ أَبنَائِهَا، طَلَبًا لِلأَجرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَيسَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيهَا، بَل مِن بَابِ الإِحسَانِ.
سادسًا: حسن العشرة والمعاملة
الزَّوجَةُ الصَّالِحَةُ مَأمُورَةٌ بِحُسنِ مُعَاشَرَةِ زَوجِهَا قَولًا وَفِعلًا، وَذَلِكَ يَشمَلُ:
• التَّزَيُّنُ وَالتَّجَمُّلُ: أَن تَتَزَيَّنَ لِزَوجِهَا بِمَا يُحِبُّ وَيَلِيقُ، وَلَا بُدَّ لِلزَّوجِ مِن أَن يُرَاعِيَ أَن يَكُونَ بِهَيأَةٍ تُحِبُّهَا الزَّوجَةُ كَذَلِكَ، فَقَد قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «إِنِّي لَأَتَزَيَّنُ لِامرَأَتِي كَمَا أُحِبُّ أَن تَتَزَيَّنَ لِي».
• حِفظُ السِّرِّ: فَلَا تُفشِي سِرَّ زَوجِهَا وَلَا تُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَينَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الخِيَانَةِ وَمِن أَسبَابِ فَسَادِ العِشرَةِ.
• الرِّفقُ فِي القَولِ وَالمُعَامَلَةِ: أَن تُلَيِّنَ لَهُ الكَلَامَ، وَتُخَاطِبُهُ بِلُطفٍ وَاحتِرَامٍ، وَتَبتَعِدَ عَنِ الغِلَظَةِ وَالحِدَّةِ، فَإِنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ أَسَاسُ الأُلفَةِ وَالمَوَدَّةِ.
• تَركُ الأَذَى بِاللِّسَانِ: جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ الحُورَ العِينَ يَقُلنَ لِنِسَاءِ الدُّنيَا إِذَا آذَينَ أَزوَاجَهُنَّ: «لَا تُؤذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِندَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَن يُفَارِقَكِ إِلَينَا». رَوَاهُ أَحمَدُ.
• الحَذَرُ مِنَ الغِيرَةِ المُفرِطَةِ: فَإِنَّ الغِيرَةَ إِذَا تَجَاوَزَت حَدَّهَا صَارَت سَبَبًا فِي خَرَابِ البُيُوتِ وَزَوَالِ الثِّقَةِ.
وَقَد أَوصَت بَعضُ العَالِمَاتِ تِلمِيذَاتِهِنَّ بِقَولِهِنَّ: «كُونِي لَهُ أَمَةً يَكُن لَكِ عَبدًا، وَاحفَظِي عَشرَ خِصَالٍ يَحفَظُ لَكِ الوُدَّ». وَهَذِهِ النَّصَائِحُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ تَأكِيدٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الشَّرعُ الحَنِيفُ.
وَمِن أَعظَمِ الشَّوَاهِدِ عَلَى هَذِهِ الآدَابِ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الصَّحَابِيَّةِ الجَلِيلَةِ أُمِّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا الَّتِي ضَرَبَت أَروَعَ مِثَالٍ فِي الصَّبرِ وَحُسنِ المُعَاشَرَةِ، فَلَم تُظهِر لِزَوجِهَا مَا يُكَدِّرُ عَلَيهِ عَيشُهُ عِندَ وَفَاةِ وَلَدِهَا، بَل أَخَّرَت إِخبَارَهُ حَتَّى لَا يُنَغِّصُ عَلَيهِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِن كَمَالِ عَقلِهَا وَرَجَاحَةِ رَأيِهَا وَحُسنِ عِشرَتِهَا لِزَوجِهَا. فَقَد رَوَى مُسلِمٌ أَنَّهُ مَاتَ ابنٌ لِأبِي طَلحَةَ مِن أُمِّ سُلَيمٍ، فَقَالَت لأهلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلحَةَ بابنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَت إِلَيهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَت لَهُ أَحسَنَ مَا كَانَت تَصَنَّعُ قَبلَ ذَلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أَن رَأَت أَنَّهُ قَد شَبِعِ وَأَصَابَ مِنهَا قَالَت: يَا أَبَا طَلحَةَ، أَرَايتَ لَو أَنَّ قَومًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُم أَهلَ بَيتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُم، ألَهُم أَن يَمنَعُوهُم؟ قَالَ: لَا، فَقَالَت: فَاحتَسِب ابنَكَ، قَالَ: فغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكتِنِي حَتَّى إِذَا تَلَطَّختُ ثُمَّ أَخبَرتِنِي بِابنِي، فَانطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيلَتِكُمَا».
سابعًا: شكر الزوج وعدم جحود فضله
مِن الحُقُوقِ العَظِيمَةِ عَلَى الزَّوجَةِ أَن تَشكُرَ زَوجَهَا عَلَى إِحسَانِهِ، وَأَلَّا تُنكِرَ فَضلَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِن كَمَالِ الدِّينِ وَحُسنِ العِشرَةِ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُرِيتُ النَّارَ، فَرَأَيتُ أَكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ» قيل: بِمَ يا رسول الله؟ قال: «بِكُفرِهِنَّ»، قيل: يَكْفُرنَ بالله؟ قال: «يَكفُرنَ العَشِيرَ، وَيَكْفرنَ الإِحسَانَ، لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا، قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، فَهَذَا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ خُطُورَةَ جُحُودِ الزَّوجَةِ لِإِحسَانِ زَوجِهَا، وَكَيفَ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
ثامنًا: التحذير من الأخطاء الكبرى
لَقَد حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِن أَخطَاءٍ تَهدِمُ البُيُوتَ وَتَقضِي عَلَى بَرَكَةِ الزِّوَاجِ، وَمِنهَا:
• الأَلفَاظُ الكُفرِيَّةُ عِندَ الغَضَبِ: فَإِنَّهَا تُذهِبُ بِالدِّينِ قَبلَ أَن تُذهِبَ بِالبَيتِ.
• التَّسَرُّعُ بِالطَّلَاقِ: وَهُوَ مِمَّا يَقطَعُ المِيثَاقَ الغَلِيظَ بِلَا تَدَبُّرٍ.
• اللَّعنُ وَالشَّتمُ وَالسَّبُ: وَهُوَ مِمِّا يَذهَبُ بِالمَوَدَّةِ، وَيَجعَلُ البَيتَ مَكَانًا لَا يُطَاقُ.
وَلِهَذَا كَانَ لِزَامًا عَلَى الزَّوجَينِ تَعَلُّمُ أَحكَامَ الدِّينِ المُتَعَلِّقَةِ بِالزِّوَاجِ، حَتَّى يُقِيمَا حَيَاتَهُمَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
التربية الصالحة للمرأة
مِنَ المُهِمِّ أَن تُرَبَى البَنَاتُ مُنذُ الصِّغَرِ عَلَى مَعرِفَةِ حُقُوقِ الزَّوجِ وَآدَابِ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ، حَتَّى يَدخُلنَ بُيُوتَ أَزوَاجِهِنَّ وَهُنَّ عَلَى بَصِيرَةٍ بِأَحكَامِ الشَّرعِ، فَإِنَّ صَلَاحَ المَرأَةِ صَلَاحٌ لِأُسرَتِهَا وَمُجتَمَعِهَا، وَفَسَادُهَا فَسَادٌ لِأُسرَتِهَا وَمُجتَمَعِهَا.
الخاتمة
وَبَعدَ هَذَا البَيَانِ يَتَّضِحُ أَنَّ حُقُوقَ الزَّوجِ عَلَى زَوجَتِهِ حُقُوقٌ عَظِيمَةٌ، جَاءَت بِهَا نُصُوصُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَرَعَاهَا العُلَمَاءُ بِالشَّرحِ وَالبَيَانِ.
وَقَد جَعَلَ الإِسلَامُ قِيَامَ الزَّوجَةِ بِهَذِهِ الحُقُوقِ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن أَيِّ أَبوَابِهَا شَاءَت، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرأَةُ خَمسَهَا، وَصَامَت شَهرَهَا، وَحَصَّنَت فَرجَهَا، وَأَطَاعَت زَوجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادخُلِي الجَنَّةَ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ شِئتِ» رَوَاهُ أَحمَدُ.
فَمَا أَعظَمَ هَذِهِ البِشَارَةَ لِلمَرأَةِ الصَّالِحَةِ، الَّتِي قَامَت بِحَقِّ رَبِّهَا، ثُمَّ بِحَقِّ زَوجِهَا، فَاستَحَقَّت رِضوَانَ اللهِ وَالجَنَّةَ دَارَ السَّلَامِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- مُسنَدِ أَحمَدَ.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحَيحِينِ لِلحَاكِمِ.
- تَفسِيرِ القُرطُبِيِّ.