آداب الحياة الزوجية وأسباب صلاح الذرية في الإسلام

حلية البشر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الشَّرَائِعَ رَحْمَةً وَحِكْمَةً طَرِيقًا وَسُنَنًا، وَأَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ لَا لِحَاجَتِهِ بَلْ لَنَا، يَغْفِرُ الذُّنُوبَ لِكُلِّ مَنْ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَدَنَا، وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 69]، أَحْمَدُهُ عَلَى فَضَائِلِهِ سِرًّا وَعَلَنًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَرْجُو بِهَا الْفَوْزَ بِدَارِ النَّعِيمِ وَالْهَنَا، 

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي رَفَعَهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَدَنَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْقَائِمِ بِالْعِبَادَةِ رَاضِيًا بِالْعَنَا، وَعَلَى عُمَرَ الْمُجِدِّ فِي ظُهُورِ الْإِسْلَامِ فَمَا ضَعُفَ وَلَا وَنَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي رَضِيَ بِالْقَدَرِ وَقَدْ حَلَّ فِي الْفَنَاءِ الْفَنَا، وَعَلَى عَلِيٍّ الْقَرِيبِ فِي النَّسَبِ وَقَدْ نَالَ الْمُنَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الْأُمَنَا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، 

أَمَّا بَعْدُ:

 فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:

بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْبِنَاءِ بِزَوْجِهِ

الشَّرْحُ:

معنى البناء بالزوجة لغة وشرعا

بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْبِنَاءِ بِزَوْجِهِ الابْتِنَاء والبِنَاء: الدُّخول بِالزَّوْجَةِ. وَالأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بنَى عَلَيْهَا قُبَّة ليَدْخُل بِهَا فِيهَا، فَيُقَالُ بَنَى الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ.اهـ 

قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَيِ الزِّفَافِ وَقِيلَ لَهُ: بِنَاءٌ لِأَنَّهُمْ يَبْنُونَ لِمَنْ يَتَزَوَّجُ قُبَّةً يَخْلُو بِهَا مَعَ الْمَرْأَةِ. ثُمَّ أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى التَّزْوِيجِ.اهـ 

زواج النبي ﷺ بالسيدة عائشة رضي الله عنها

وَقَدْ وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ فِي أَحَادِيثِهِ ﷺ وَأَقوَالِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ هِشَامِ بنِ عُروَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ)).اهـ 

وَكَانَ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الْبِنَاءُ بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَيْ دُخُولُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا، وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ، 

وَقِيلَ: بَنَى بِهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَقْتَهَا بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ، وَكَانَ عَقْدُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَبْعٍ. وَبَنَى بِهَا ﷺ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ أَيْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ، فَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ))، قَالَتْ: ((فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَوُعِكْتُ [أَيْ أَصَابَهَا أَلَمُ الْحُمَّى] شَهْرًا فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً [أَيْ بَلَغَ طُولُهُ إِلَى الْأُذُنَيْنِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بِالْمَرَضِ]، فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ[وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ] وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ، حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي، فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ [قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِيُّ: “وَالْمُرَادُ هُنَا عَلَى أَفْضَلِ حَظٍّ وَبَرَكَةٍ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ”]، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي [أَيْ زَيَّنَّهَا]، فَلَمْ يَرُعْنِي [أَيْ لَمْ يُفَاجِئْنَنِي، أي لَمْ أَشْعُرْ] إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ضُحًى فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((ضَحَا)) أَيْ ظَهَرَ.

تَبرِئَةُ النَّبِيِّ  مِنْ طَعْنِ الطَّاعِنِينَ فِيْهِ:

حكم تزويج الصغيرة في الإسلام

وَقَدْ تَجَرَّأَ بَعْضُ الْجُهَّالِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَدْعِيَاءِ الْمَشْيَخَةِ وَمَنْ يُسَمَّوْنَ “رُعَاةَ حُقُوقِ الطِّفْلِ” عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ وَتَجْرِيمِ مَنْ يَنْكِحُ بِنْتًا صَغِيرَةً وَيَدْخُلُ بِهَا وَهِيَ دُونَ السِّتَّ عَشْرَةَ سَنَةً أَوِ الثَّمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَيَصِفُ بَعْضُهُمْ وَطْءَ مَنْ كَانَتْ دُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ دُونَ الثَّمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً بِأَنَّهُ انْتِهَاكٌ لِحُقُوقِهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الزَّوَاجُ حَصَلَ بِرِضَا أَبِيهَا، فَلَا يَقِفُونَ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ بَلْ يُطْلِقُونَ الْعِنَانَ لِأَلْسِنَتِهِمْ طَاعِنِينَ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مُتَكَلِّفِينَ رَأْيًا يُصَادِمُ الْإِسْلَامَ. 

وَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ تَزْوِيجُ الْبِنْتِ الصَّغِيرَةِ الْعَاقِلَةِ فِي أَيِّ سِنٍّ كَانَتْ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُسَلَّمُ لِلزَّوْجِ لِيَطَأَهَا إِلَّا فِي سِنٍّ تَحْتَمِلُ فِيهِ الْوَطْءَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا أَسْلَفْنَا أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ السُّفَهَاءِ يَطْعَنُونَ فِي ذَلِكَ وَيَغْمِزُونَ مِنْ قَنَاةِ تَضْعِيفِ سَنَدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ الْحَافِظُ ابْنُ بَطَّالٍ (ت 449هـ) وَنَصُّ عِبَارَتِهِ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ: “أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْآبَاءِ تَزْوِيجُ الصِّغَارِ مِنْ بَنَاتِهِمْ وَإِنْ كُنَّ فِي الْمَهْدِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَزْوَاجِهِنَّ الْبِنَاءُ بِهِنَّ إِلَّا إِذَا صَلَحْنَ لِلْوَطْءِ وَاحْتَمَلْنَ الرِّجَالَ، وَأَحْوَالُهُنَّ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ خَلْقِهِنَّ وَطَاقَتِهِنَّ”.

الحكمة من تعدد زوجات النبي ﷺ

 وَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ، فَلَمْ يَتَزَوَّجْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ إِلَّا خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ثُمَّ بَعْدَ أَنْ صَارَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ تَزَوَّجَ بِغَيْرِهَا، فَعَدَّدَ ﷺ الزِّوَاجَ فِي خِلَالِ الْعَشْرِ سَنَوَاتِ الَّتِي قَضَاهَا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ تِسْعٌ، وَكَانَ غَرَضُهُ ﷺ نَشْرَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مِنْ طَرِيقِ النِّسَاءِ لِأَنَّ تَعَلُّمَ النِّسَاءِ مِنَ النِّسَاءِ أَسْرَعُ لِلنِّسَاءِ وَأَقْرَبُ إِلَى نُفُوسِهِنَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُهُنَّ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ مِنَ الرِّجَالِ. 

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – وَهِيَ أَجْمَلُ نِسَائِهِ وَأَحْدَثُهُنَّ سِنًّا – حَدَّثَتْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَذْهَبُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي قَسْمِهَا لِيَزُورَ الْمَقَابِرَ وَيَدْعُوَ لِأَهْلِهَا، وَكَانَ دَوْرُ عَائِشَةَ لَيْلَةً مِنْ تِسْعِ لَيَالٍ حِينَ بَلَغَ عَدَدُ زَوْجَاتِهِ تِسْعًا وَقَدْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، وَكَانَ لَا يَلْزَمُ الْفِرَاشَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَهَا بَلْ كَانَ يَتَهَجَّدُ مَرَّتَيْنِ وَيَتْرُكُهَا فِي فِرَاشِهَا.

رَوَى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَقُلْ: أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ)).

الشَّرْحُ:

رَوَى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ يُقَالُ عِندَ دُخُولِهِ عَلَى أَهْلِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ تَعَالَى، وَيَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهَا أَوَّلَ مَا يَلْقَاهَا، وَيَقُولَ: بَارَكَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي صَاحِبِهِ. اهـ 

قَالَ الشُّرَّاحُ: أَيْ يَذْكُرُ اسْمَهُ تَعَالَى بِأَيِّ صِيغَةٍ كَانَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ، وَأَوْلَاهُ الْبَسْمَلَةُ، وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ قَوْلُهُ ﷺ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ)).اهـ

معنى كلمة ناصية ومذهب أهل السنة في آيات الصفات وأحاديثها

فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا فِي الصِّحَاحِ: النَّاصِيَةُ: الشَّعْرُ الْكَائِنُ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ. اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مُقَدَّمُ الرَّأْسِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ شَعْرٌ أَمْ لَا، مَعْنَاهُ: لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، وَلِيَدْعُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ. 

وَالْأَخْذُ إِذَا أُطلِقَ عَلَى الْمَخلُوقِ بِهَذَا السِّيَاقِ يُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعنَى،

 وَيُرَادُ بِهِ أَيضًا الْإِنجَاءُ وَالْإِنقَاذُ، فَيُقَالُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: أَخَذَ فُلَانٌ بِيَدِي أَيْ أَنقَذَنِي وَنَجَّانِي،

وَإِذَا أُطلِقَ عَلَى اللهِ يُرَادُ بِهَ مَعنًى لَائِقٌ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا فِي الْقُرآنِ الْكَرِيمِ حَيثُ يَقُولُ سُبحَانَهُ حِكَايَةً عَن هُودٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود/ الآية 56]، قَالَ الْقُرطُبِيُّ: أَيْ يُصَرِّفُهَا كَيفَ يَشَاءُ، وَيَمنَعُهَا مِمَّا يَشَاءُ، أَيْ فَلَا تَصِلُونَ إِلَى ضُرِّي. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَالِكُهَا وَالْقَادِرُ عَلَيهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُحيِيهَا ثُمَّ يُمِيتُهَا، وَالْمَعنَى مُتَقَارِبٌ. 

وَالنَّاصِيَةُ قُصَاصُ الشَّعرِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأسِ. وَكَانُوا إِذَا أَسَرُوا أَسِيرًا وَأَرَادُوا إِطلَاقَهُ وَالْمَنَّ عَلَيهِ جَزُّوا نَاصِيَتَهُ لِيُعرَفُوا بِذَلِكَ فَخرًا عَلَيهِ، فَخَاطَبَهُم بِمَا يَعرِفُونَهُ فِي كَلَامِهِم. 

وَأَوَّلَ الْبُخَارِيُّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سُورَةُ هُودٍ/ الآية 56]، أَيْ: فِي مُلكِهِ وَسُلطَانِهِ، أَوَّلَ الْأَخذَ بِنَاصِيَةِ الدَّوَابِّ بِالتَّصَرُّفِ بِالْمُلكِ وَالسُّلطَانِ؛ لِأَنَّ الْمَعنَى الظَّاهِرَ لَا يَلِيقُ بِاللهِ، وَهُوَ إِمسَاكُ نَوَاصِي الدَّوَابِّ بِالْجَسِّ وَاللَّمسِ، فَاللهُ لَا يَجُسُّ وَلَا يَمَسُّ. اهـ

وَلَا بُدَّ مِن تَأوِيلِ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ عَلَى مَعنًى لَائِقٍ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِإِثبَاتِ التَّنزِيهِ وَنَفيِ التَّشبِيهِ عَن رَبِّ الْعِزَّةِ سُبحَانَهُ.

وَمِثلُهُ مَا رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ، وَلَا يَقبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِن كَانَت تَمرَةً، فَتَربُو فِي كَفِّ الرَّحمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعظَمَ مِنَ الجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ أَو فَصِيلَهُ)). اهـ

قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكرُ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعنَاهُ حُسنُ الْقَبُولِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَولُهُ ﷺ: «وَلَا يَقبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» الْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُنَا الْحَلَالُ. 

قَولُهُ ﷺ: «إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِن كَانَت تَمرَةً فَتَربُو فِي كَفِّ الرَّحمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعظَمَ مِنَ الجَبَلِ» قَالَ الْمَازِرِيُّ: قَد ذَكَرنَا استِحَالَةَ الْجَارِحَةِ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَشِبهَهُ إِنَّمَا عُبِّرَ بِهِ عَلَى مَا اعتَادُوا فِي خِطَابِهِم لِيَفهَمُوا، فَكَنَّى هُنَا عَن قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِأَخذِهَا فِي الكَفِّ، وَعَن تَضعِيفِ أَجرِهَا بِالتَّربِيَةِ.

وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْيَمِينِ هُنَا عَن جِهَةِ الْقَبُولِ وَالرِّضَا.

وَقَد قِيلَ فِي تَربِيَتِهَا وَتَعظِيمِهَا حَتَّى تَكُونَ أَعظَمَ مِنَ الجَبَلِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَعظِيمُ أَجرِهَا وَتَضعِيفُ ثَوَابِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ نَحوُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَمحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُربِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ/ الآية 276].

قَولُهُ ﷺ: ((كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ أَو فَصِيلَهُ)) قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: الْفَلُوُّ الْمُهرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ فُلِّيَ عَن أُمِّهِ أَيْ فُصِلَ وَعُزِلَ، وَالْفَصِيلُ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ مِن إِرضَاعِ أُمِّهِ.اهـ

وَكَذَلِكَ كُلُّ آيَةٍ فِيهَا هَذِهِ الْأَلفَاظُ مِثلُ: الْقَبضِ وَالْبَسطِ وَالْإِمسَاكِ وَالْأَخذِ، إِذَا وَرَدَت فِي الْقُرآنِ وَالْحَدِيثِ وَأُطلِقَت عَلَى اللهِ لَا يُرَادُ مِنهَا مَعنَى الْمُبَاشَرَةِ وَالْمَسِّ، فَهَذَا غَيرُ لَائِقٍ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرضُ جَمِيعًا قَبضَتُهُ يَومَ الْقِيَامَةِ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ/ الآية 67]، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَهُ يَدًا جَارِحَةً يَقبِضُ بِهَا عَلَى الْأَرضِ كَمَا قَد يَتَوَهَّمُ بَعضُ النَّاسِ، بَل قَالَ الطَّبَرِيُّ وَابنُ فُورَكَ: إِنَّهَا فِي مَقدُورِهِ. 

وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ/ الآية 67]، كَذَلِكَ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَهُ يَدٌ يَطوِي بِهَا السَّمَاوَاتِ يَومَ الْقِيَامَةِ، بَل قَالَ ابنُ فُورَكَ: ذُكِرَتِ الْيَمِينُ لِلمُبَالَغَةِ فِي الِاقتِدَارِ.

لماذا رغب الشرع في صاحبة الدين؟

وَلْيَقُلْ أَيْ هَذَا الزَّوجُ أَسْأَلُكَ أَدْعُوكَ أَن تَرزُقَنِي هَذَا المَذكُورَ مِنْ خَيْرِهَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَرأَةِ، وَهُوَ يُفِيدُ التَّبعِيضَ، وَالْمَطلُوبُ كُلُّ خَيرِهَا، ثُمَّ الْمُرَادُ مِن خَيرِهَا كَونُهَا طَيِّبَةَ الذَّاتِ بِقَرِينَةِ قَولِهِ: ((وَخَيرَ مَا جَبَلتَهَا عَلَيهِ)) أَيْ خَلَقتَهَا وَطَبَعتَهَا عَلَيهِ، أَيْ مِنَ الْأَفعَالِ وَالصِّفَاتِ وَخَيْرِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ أَىْ خَيْرِ الأَخْلاقِ، أَيْ: خَلَقْتَهَا وَطَبَعْتَهَا عَلَيهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ أَيْ: خَلَقْتَهَا وَطَبَعْتَهَا عَلَيهِ مِنَ الأَخلَاقِ.

 بَعضُ النِّسَاءِ اللهُ خَلَقَ فِيهَا أَطبَاعًا حَسَنَةً مُستَقِيمَةً، وَهَذِهِ الَّتِي يَرغَبُ فِيهَا الْأَزوَاجُ وَيُحِبُّ أَن يَرَاهَا عَلَيهِ، فَلَو كَانَت مِن حَيثُ الْمَنظَرِ لَيسَت جَمِيلَةً وَلَكِنَّهَا حَسَنَةُ الْخُلُقِ تَجِدُ مَن يَرغَبُ فِيهَا وَيُسَارِعُ إِلَى خِطبَتِهَا، وَبِالْمُقَابِلِ بَعضُ النِّسَاءِ تَرَاهَا جَمِيلَةً جِدًّا وَلَكِنَّ أَخلَاقَهَا وَطِبَاعَهَا سَيِّئَةٌ، فَهَذِهِ يَنفُرُ مِنهَا أَغلَبُ الرِّجَالِ وَلَا تَجِدُ مَن يَرغَبُ بِهَا، وَلَو تَزَوَّجَت تَرَاهَا عَادَةً لَا تَستَمِرُّ فِي الزَّوَاجِ لِأَنَّ زَوجَهَا لَم يَحتَمِلهَا. وَالَّذِي يَضبِطُ كُلَّ هَذَا هُوَ شَرعُ اللهِ، صَاحِبَةُ الدِّينِ هِيَ الَّتِي تُقَدِّمُ حُكمَ الشَّرعِ عَلَى شَهوَةِ النَّفسِ فَتَعِيشُ سَعِيدَةً وَتَكسِبُ آخِرَتَهَا وَدُنيَاهَا، وَلِذَلِكَ رَغَّبَ الشَّرعُ الْحَنِيفُ فِي خِطبَةِ صَاحِبَةِ الدِّينِ.

يُروَى عَن يَحيَى بنِ يَحيَى النَّيسَابُورِيِّ قَالَ: كُنتُ عِندَ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، إِذ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَشكُو إِلَيكَ مِن فُلَانَةَ – يَعنِي امرَأَتَهُ – أَنَا أَذَلُّ الْأَشيَاءِ عِندَهَا وَأَحقَرُهَا. فَأَطرَقَ سُفيَانُ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: لَعَلَّكَ رَغِبتَ إِلَيهَا لِتَزدَادَ عِزًّا؟ فَقَالَ: نَعَم يَا أَبَا مُحَمَّدٍ. قَالَ: مَن ذَهَبَ إِلَى الْعِزِّ ابتُلِيَ بِالذُّلِّ، وَمَن ذَهَبَ إِلَى الْمَالِ ابتُلِيَ بِالفَقرِ، وَمَن ذَهَبَ إِلَى الدِّينِ يَجمَعُ اللهُ لَهُ الْعِزَّ وَالْمَالَ مَعَ الدِّينِ.

ثُمَّ أَنشَأَ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ: كُنَّا إِخوَةً أَربَعَةً: مُحَمَّدٌ وَعِمرَانُ وَإِبرَاهِيمُ وَأَنَا، فَمُحَمَّدٌ أَكبَرُنَا، وَعِمرَانُ أَصغَرُنَا، وَكُنتُ أَوسَطَهُم. فَلَمَّا أَرَادَ مُحَمَّدٌ أَن يَتَزَوَّجَ رَغِبَ فِي الْحَسَبِ، فَتَزَوَّجَ مَن هِيَ أَكبَرُ مِنهُ حَسَبًا فَابتَلَاهُ اللهُ بِالذُّلِّ، وَعِمرَانُ رَغِبَ فِي الْمَالِ فَتَزَوَّجَ مَن هِيَ أَكثَرُ مِنهُ مَالًا فَابتَلَاهُ اللهُ بِالفَقرِ، أَخَذُوا مَا فِي يَدَيهِ وَلَم يُعطُوهُ شَيئًا. فَبَقِيتُ فِي أَمرِهِمَا، فَقَدِمَ عَلَينَا مَعمَرُ بنُ رَاشِدٍ فَشَاوَرتُهُ وَقَصَصتُ عَلَيهِ قِصَّةَ إِخوَتِي، فَذَكَّرَنِي حَدِيثَ يَحيَى بنِ جَعدَةَ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا.

فَأَمَّا حَدِيثُ يَحيَى بنِ جَعدَةَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((تُنكَحُ الْمَرأَةُ لِأَربَعٍ: لِمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. 

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَعظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيسَرُهُنَّ مُؤنَةً)). فَاختَرتُ لِنَفسِي الدِّينَ وَتَخفِيفَ الظَّهرِ اقتِدَاءً بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَمَعَ اللهُ لِيَ الْعِزَّ وَالْمَالَ مَعَ الدِّينِ. اهـ

وَالْمَرأَةُ الصَّالِحَةُ تُعِينُ زَوجَهَا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. 

وَقِيلَ: كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ فَقِيرٌ وَلَهُ زَوجَةٌ صَالِحَةٌ، فَقَالَت: لَيسَ عِندَنَا شَيءٌ، فَخَرَجَ إِلَى الْحَرَمِ فَوَجَدَ كِيسًا فِيهِ أَلفُ دِينَارٍ، فَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَخبَرَ زَوجَتَهُ بِذَلِكَ فَقَالَت لَهُ: لُقطَةُ الْحَرَمِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّعرِيفِ. فَخَرَجَ فَسَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي: مَن وَجَدَ كِيسًا فِيهِ أَلفُ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: أَنَا وَجَدتُهُ. فَقَالَ: هُوَ لَكَ وَمَعَهُ تِسعَةُ آلَافِ دِينَارٍ. أَيْ كَانَ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ الْمُنَادِي هَذَا الْمَالُ، فَقَالَ لَهُ: أَتَهزَأُ بِي؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، وَلَكِن أَعطَانِي رَجُلٌ مِن أَهلِ الْعِرَاقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَقَالَ: اطرَح مِنهَا أَلفًا فِي الْحَرَمِ ثُمَّ نَادِ عَلَيهَا، فَإِن رَدَّهَا مَن وَجَدَهَا فَادفَع الْجَمِيعَ إِلَيهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ. اهـ

أخلاق النبي ﷺ مع أزواجه

وَالدُّعَاءُ لِلزَّوجَةِ عَلَى هَذَا الوَجهِ مِن حُسنِ التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوجَةِ، وَهُوَ خُلُقٌ حَثَّ عَلَيهِ الشَّرعُ الحَنِيفُ، وَهَكَذَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ، فَقَد رُوِيَ عَن عَمرَةَ قَالَت: سَأَلتُ عَائِشَةَ: كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَلَا بِنِسَائِهِ؟ قَالَت: ((كَانَ كَرَجُلٍ مِن رِجَالِكُم غَيرَ أَنَّهُ كَانَ مِن أَكرَمِ النَّاسِ وَأَحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ ضَاحِكًا بَسَّامًا)). اهـ

وَكَانَ ﷺ يُدَارِي نِسَاءَهُ وَيَحتَمِلُ مَا يَظهَرُ مِنهُنَّ مِنَ الغَيرَةِ، وَهُوَ شَيءٌ خَلَقَهُ اللهُ فِي النِّسَاءِ غَالِبًا، وَلَكِن هُنَا أُنَبِّهُ عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ، فَتَقُولُ الوَاحِدَةُ مِنهُنَّ أَنَا أَغَارُ، وَبِسَبَبِ هَذَا تَرَاهَا تَقَعُ فِي إِسَاءَةِ الظَّنِّ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ. نَعَم، نَعلَمُ أَنَّ الغَيرَةَ شَيءٌ خَلَقَهُ اللهُ فِي النِّسَاءِ، لَكِن لَيسَ هَذَا مُبِيحًا لَهَا أَن تَغتَابَ وَتُسِيءَ الظَّنَّ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَتَتَتَبَّعَ العَورَاتِ. نِسَاءُ النَّبِيِّ كُنَّ يَغَرنَ لَكِن لَا يَقَعنَ فِي الفَوَاحِشِ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ بِسَبَبِ غَيرَتِهِنَّ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

وَفِي البُخَارِيِّ عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: ((مَا غِرتُ عَلَى امرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ  كَمَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثرَةِ ذِكرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيهَا، وَقَد أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَن يُبَشِّرَهَا بِبَيتٍ لَهَا فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ)). اهـ

وَفِي البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جُلُوسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((بَينَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُنِي فِي الجَنَّةِ، فَإِذَا امرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصرٍ، فَقُلتُ: لِمَن هَذَا؟ قَالَ: هَذَا لِعُمَرَ، فَذَكَرتُ غَيرَتَهُ فَوَلَّيتُ مُدبِرًا)) فَبَكَى عُمَرُ وَهُوَ فِي المَجلِسِ، ثُمَّ قَالَ: أَوَعَلَيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَغَارُ. اهـ

معنى الغيرة في اللغة والشرع

وَفِي تَعرِيفِ الغَيرَةِ قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وَغَيرُهُ: هِيَ مُشتَقَّةٌ مِن تَغَيُّرِ القَلبِ وَهَيَجَانِ الغَضَبِ بِسَبَبِ المُشَارَكَةِ فِيمَا بِهِ الِاختِصَاصُ، وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ بَينَ الزَّوجَينِ. هَذَا فِي حَقِّ الآدَمِيِّ، 

وَأَمَّا فِي حَقِّ اللهِ فَقَالَ الخَطَّابِيُّ: أَحسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ مَا فُسِّرَ بِهِ فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَغَيرَةُ اللهِ أَن يَأتِيَ المُؤمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ)). قَالَ ابنُ العَرَبِيِّ: التَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى اللهِ بِالدَّلَالَةِ القَطعِيَّةِ، فَيَجِبُ تَأوِيلُهُ بِلَازِمِهِ كَالوَعِيدِ أَو إِيقَاعِ العُقُوبَةِ بِالفَاعِلِ وَنَحوِ ذَلِكَ. اهـ

وَأَشَدُّ الآدَمِيِّينَ غَيرَةً رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ يَغَارُ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَا يَنتَقِمُ لِنَفسِهِ.اهـ

الباب الذي بعده:

بَابُ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ

الشَّرْحُ:

بيان مقصد الزواج الأول

بَابُ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ الجِمَاعُ بَينَ الأَزوَاجِ هُوَ المَقصِدُ الأَوَّلُ مِن مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ، وَلِذَلِكَ شَرَعَ الشَّرعُ لِلمُسلِمِ أَن يَقُولَ ذِكرًا عِندَ جِمَاعِ زَوجَتِهِ، وَهُوَ مَا سَنَشرَحُهُ وَنَتَكَلَّمُ عَنهُ إِن شَاءَ اللهُ.

وَقَالَ الفُقَهَاءُ: مِن مَقَاصِدِ الجِمَاعِ إِخرَاجُ المَنِيِّ الَّذِي يَضُرُّ بَقَاؤُهُ عَادَةً، وَمِن مَقَاصِدِ الجِمَاعِ نَيلُ اللَّذَّةِ وَالشَّهوَةِ وَتَكثِيرُ النَّسلِ.

وَكَانَ بَعضُ الأَطِبَّاءِ يَرَونَ الجِمَاعَ مِن أَسبَابِ حِفظِ الصِّحَّةِ.

وَكَذَلِكَ أُبَيِّنُ أَنَّ المَرأَةَ تُثَابُ لَو تَزَيَّنَت لِزَوجِهَا لِتُعِفَّهُ وَتُعِفَّ نَفسَهَا مِنَ الحَرَامِ، وَلَو لَم يَطلُب مِنهَا ذَلِكَ، فَإِن جَلَبَ لَهَا شَيئًا وَطَلَبَ مِنهَا التَّزَيُّنَ فَصَارَ هَذَا وَاجِبًا عَلَيهَا؛ لِأَنَّ مَقصُودَهُ أَن يُعِفَّ نَفسَهُ. 

اللهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِ الشَّهوَةَ وَالمَيلَ لِزَوجَتِهِ، فَإِن قَصَّرَت هِيَ فِي هَذَا يَلحَقُهُ هُوَ الضَّرَرُ، وَيَلحَقُهَا هِيَ كَذَلِكَ ضَرَرُ المَعصِيَةِ وَالتَّقصِيرِ وَغَيرُ ذَلِكَ، وَلَيسَ فِي هَذَا مَنقَصَةٌ لَهَا، بَل جَعَلَ لَهَا الشَّرعُ ثَوَابًا بِذَلِكَ كَمَا بَيَّنتُ.

فَفِي حَدِيثِ ابنِ حِبَّانَ وَغَيرِهِ عَن أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((فِي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجرٌ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيتُم لَو وَضَعَهَا فِي الحَرَامِ أَكَانَ عَلَيهِ فِيهِ وِزرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ)). اهـ

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَيُولَدُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يُصِبْهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا)).

الشَّرْحُ:

حكم امتناع الزوجة عن فراش زوجها بغير عذر شرعي

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَي لَوْ أَنَّ أَيَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مُتَزَوِّجٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ أَيْ أَتَى زَوجَتَهُ لِجِمَاعِهَا، فَالأَهلُ تُطلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الزَّوجَةُ، وَتُطلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الأَولَادُ وَالزَّوجَةُ أَحيَانًا.

وَلَا يَنبَغِي لِلمَرأَةِ أَن تُقَصِّرَ فِي تَلبِيَةِ زَوجِهَا فِي طَلَبِهِ جِمَاعَهَا بِلَا عُذرٍ، فَتَكُونَ عَاصِيَةً فَاسِقَةً نَاشِزَةً، وَالعِيَاذُ بِاللهِ. فَإِنَّهُ مِن حُقُوقِ الزَّوجِ عَلَى زَوجَتِهِ أَن تُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ اللهُ، وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الاِستِمتَاعِ، وَأَلَّا تَمتَنِعَ عَنهُ إِذَا طَلَبَهَا لِغَيرِ ضَرُورَةٍ شَرعِيَّةٍ، كَأَن تَكُونَ فِي حَالَةِ حَيضٍ أَو كَانَ يَلحَقُهَا ضَرَرٌ.

فَإِن لَم يَكُن لَهَا عُذرٌ شَرعِيٌّ لَيسَ لَهَا أَن تَمنَعَهُ نَفسَهَا، بَل عَلَيهَا مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ إِن امتَنَعَت مِن ذَلِكَ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ﷺ: ((إِذا دَعَا الرَّجُلُ امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَم تَأتِهِ فَبَاتَ غَضبَانٌ عَلَيهَا لَعَنَتهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَإِنَّمَا أَمَرَ الشَّرعُ بِتَلبِيَةِ رَغبَةِ الزَّوجِ وَإِطَاعَتِهِ فِي الفِرَاشِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ وَلَا سِيَّمَا الشَّابَّ إِن لَم يَجِد ذَلِكَ فِي زَوجَتِهِ قَد يُحِيلُهُ ذَلِكَ إِلَى الوُقُوعِ بِالحَرَامِ، أَو يَتَعَكَّرُ صَفوُهُ فَيُكَدِّرُ سَعَادَتَهَا. لِذَلِكَ أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ المَرأَةَ أَن تَستَجِيبَ لِطَلَبِ الزَّوجِ حَتَّى لَو كَانَت تَعمَلُ عَمَلًا، خَشيَةَ أَن تَقَعَ الفِتنَةُ وَحَتَّى تَستَمِرَّ رَوَابِطُ المَحَبَّةِ بَينَ الزَّوجَينِ، قَالَ ﷺ: ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلتَأتِهِ وَإِن كَانَت عَلَى التَّنُّورِ)) رَوَاهُ الترمذي وَالنَّسَائِيُّ.

وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيخَانِ وَفِيهِ: ((وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدعُو امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَتَأبَى عَلَيهِ – أَيْ مِن غَيرِ عُذرٍ- إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا)) الحَدِيثَ، فَيُحمَلُ أَيضًا عَلَى المَلَائِكَةِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالَّتِي هِيَ أَشهَرُ مِن هَذِهِ، وَهِيَ: ((لَعَنَتهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ)) رَوَاهَا ابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُ.

بركة الذكر في صلاح الذرية

قَالَ أَيْ هَذَا المُجَامِعُ: بِسْمِ اللَّهِ أَيْ: مُسْتَعِينًا بِهِ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا أَيْ: بَعِّدْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا أَيْ: حِينَئِذٍ مِنَ الْوَلَدِ فَيُولَدُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ أَيْ بِسَبَبِ هَذَا الجِمَاعِ لَمْ يُصِبْهُ الشَّيْطَانُ أَيْ: مِنَ الشَّيَاطِينِ، أَوْ مِنْ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَبَدًا)).

قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حُسْنِ خَاتِمَةِ الْوَلَدِ بِبَرَكَةِ ذِكْرِ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ وُجُودِ نُطْفَتِهِ فِي الرَّحِمِ. 

فَهَذَا المَذكُورُ فِي الحَدِيثِ يُبَيِّنُ شِدَّةَ اعتِنَاءِ الشَّرعِ الحَنِيفِ بِأَن يَكُونَ الوَلَدُ صَالِحًا مُعتَنًى بِهِ، وَهَكَذَا يَكُونُ قُرَّةَ عَينٍ لِوَالِدَيهِ. فَمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [سُورَةُ الفُرقَانِ/ الآية 74]، أَيِ اجعَل أَزوَاجَنَا وَذُرِّيَّتَنَا مِنَ الصَّالِحِينَ حَتَّى تَقَرَّ أَعيُنُنَا وَتَفرَحَ بِذَلِكَ، فَقُرَّةُ العَينِ فِي الأَزوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ أَن يَرَاهُمُ الإِنسَانُ مُطِيعِينَ للهِ تَعَالَى. وَلِذَلِكَ كَانَ هَذَا مِن دُعَاءِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَد أَخبَرَ اللهُ عَن سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي دُعَائِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [سُورَةُ إِبرَاهِيمَ/ الآية 35]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [سُورَةُ إِبرَاهِيمَ/ الآية 40]، وَهَذَا زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ يَقُولُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ/ الآية 38].

وَإِنَّ مَن كَانَ عِندَهُ مَشرُوعٌ تِجَارِيٌّ فَرَآهُ يَزدَهِرُ، أَو زَرَعَ بُستَانًا فَجَاءَ وَقتُ ظُهُورِ الثَّمَرِ وَحَصَادِهِ، يَفرَحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَستَفِيدُ فِي الدُّنيَا مِن نَجَاحِ عَمَلِهِ، فَكَيفَ بِمَن نَجَحَ فِي إِصلَاحِ بَيتِهِ وَنَفسِهِ وَأَهلِهِ وَأَولَادِهِ، يَنظُرُ إِلَى مُسلِمِينَ صَالِحِينَ مِن صُلبِهِ، تَعَلَّمُوا الصَّلَاحَ مِنهُ، فَهُم بَارُّونَ بِهِ فِي الدُّنيَا، وَيَرجُو أَن يَنتَفِعَ بِهِم بَعدَ مَوتِهِ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثٍ))، وَذَكَرَ مِنهَا: ((وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ)) رَوَاهُ مُسلِمٌ. 

وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَلَا أُخبِرُكَ بِخَيرِ مَا يَكنِزُ المَرءُ – خَيرِ مَا يَكُونُ عِندَهُ؟ – المَرأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيهَا سَرَّتهُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. يَفرَحُ بِالنَّظَرِ إِلَيهَا. وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ الزَّوجَةَ الصَّالِحَةَ)) رَوَاهُ الطبراني.

كَمَا أَنَّ نَجَاحَ المَشرُوعِ يَتَطَلَّبُ تَخطِيطًا وَعَمَلًا، وَالشَّجَرُ يَحتَاجُ لِعِنَايَةٍ وَمُتَابَعَةٍ حَتَّى يُثمِرَ، فَإِصلَاحُ البَشَرِ يَحتَاجُ لِعَمَلٍ أَكثَرَ، فَإِنَّهُم يُصَارِعُونَ هَوَى النَّفسِ وَوَسَاوِسَ الشَّيطَانِ، وَتُغرِيهِمُ المَلَذَّاتُ وَالشَّهَوَاتُ، وَإِصلَاحُهُم يَحتَاجُ إِلَى عَمَلٍ دَؤُوبٍ مُنَظَّمٍ مُستَنِدٍ إِلَى قَوَاعِدَ سَلِيمَةٍ. وَمِن أَوَّلِ هَذَا الطَّرِيقِ أَن تَختَارَ شَرِيكَ حَيَاةٍ مُهَيَّأً لِإِرسَاءِ هَذِهِ القَوَاعِدِ مَعَكَ. نَعَم أَنتَ لَستَ كَامِلًا، وَلَا أَقُولُ لَكَ لَا تَختَر إِلَّا مَن كَانَ كَامِلًا، فَكُلُّنَا مُقَصِّرُونَ وَكُلُّنَا فِينَا نَقصٌ.

لَو أَرَدتَ أَن تَزرَعَ هَل تَختَارُ أَرضًا فِيهَا بَعضُ العُيُوبِ لَكِن تَرجُو أَنَّهَا بِبَعضِ الإِصلَاحِ تَصِيرُ تُخرِجُ الثَّمَرَ الطَّيِّبَ، أَم أَرضًا صَحرَاءَ قَاحِلَةً بَعِيدَةً عَن إِخرَاجِ الثَّمَرِ؟ وَلِذَلِكَ نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا بِالنِّسبَةِ لِلطَّرَفَينِ الرَّجُلِ وَالمَرأَةِ، فَقَالَ ﷺ لِطَرَفِ المَرأَةِ: ((إِذَا جَاءَكُم مَن تَرضَونَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ)) رَوَاهُ الطبراني. وَقَالَ ﷺ لِطَرَفِ الرَّجُلِ: ((تُنكَحُ المَرأَةُ لِأَربَعٍ))، أَيْ تُقصَدُ المَرأَةُ بِالنِّكَاحِ عَادَةً لِأَربَعِ أَشيَاءَ مِن عَادَةِ النَّاسِ أَن يَرغَبُوا فِي النِّسَاءِ لِإِحدَاهَا، ((لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا))، كُلُّ هَذِهِ الأَشيَاءِ يَقصِدُهَا بَعضُ النَّاسِ فِي نِكَاحِ المَرأَةِ، لَكِن نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى صِفَةٍ وَحَثَّ عَلَى طَلَبِهَا فَقَالَ ﷺ: ((وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

هَذِهِ عِبَارَةٌ تَستَعمِلُهَا العَرَبُ لِلحَثِّ عَلَى الشَّيءِ. فَإِذَا حَصَلَ هَذَا يَكُونُ الأَمرُ بَينَهُمَا بِإِذنِ اللهِ قَائِمًا عَلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُحِ وَالتَّذكِيرِ بِالخَيرِ، فَيَعِيشَانِ حَيَاتَهُمَا وَيَعمَلَانِ وَيَهتَمَّانِ بِالأَولَادِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَسكَنِ وَالمَلبَسِ. فَالزَّوجَانِ فِي البَيتِ لَيسَا كَالمُصَلِّينَ فِي المَسجِدِ لَا يَشغَلُهُم إِلَّا الصَّلَاةُ، لَكِن يَبقَى عِندَهُم – مَعَ انشِغَالِهِم بِأُمُورِ الدُّنيَا – مُرَاعَاةٌ لِأَمرِ الدِّينِ، وَسَعيٌ لِاستِثمَارِ هَذِهِ العَلَاقَةِ بَينَهُمَا فِيمَا يَجِدَانِ بِهِ السَّعَادَةَ بِإِذنِ اللهِ فِي الحَيَاةِ وَبَعدَ المَوتِ.

التناصح والتذكير بالخير بين الزوجين

وَقَد رَسَمَ لَنَا الدِّينُ صُورَةً مُشرِقَةً لِزَوجَينِ وَجَدَ فِيهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ ﷺ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّى، وَأَيقَظَ امرَأَتَهُ فَصَلَّت))، كَلَامُنَا لَيسَ فِي الصَّلَاةِ الوَاجِبَةِ، إِنَّمَا مَا كَانَ مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ. قَامَ هُوَ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّى، وَأَيقَظَ امرَأَتَهُ فَصَلَّت، ((فَإِن أَبَت نَضَحَ فِي وَجهِهَا المَاءَ))، فَيَرُشُّ بِلُطفٍ فِي وَجهِهَا المَاءَ حَتَّى تَستَيقِظَ، فَالمُرَادُ التَّلَطُّفُ مَعَهَا وَالسَّعيُ فِي قِيَامِهَا لِطَاعَةِ رَبِّهَا، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ/ الآية 2]. قَالَ ﷺ: ((رَحِمَ اللهُ امرَأَةً قَامَت مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّت، وَأَيقَظَت زَوجَهَا فَصَلَّى، فَإِن أَبَى نَضَحَت فِي وَجهِهِ المَاءَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

فَتَخَيَّل أَن يَكُونَ هَذَا أَمرًا عَادِيًّا بَينَ الزَّوجَينِ أَنَّهُمَا يَقُومَانِ فِي اللَّيلِ لِلصَّلَاةِ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى مُستَوًى عَالٍ مِنَ التَّفَاهُمِ وَالتَّعَاوُنِ وَالسُّكُونِ بَينَهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَى فَهمٍ مُشتَرَكٍ مِن حَيَاةِ الإِنسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا وَالحِكمَةِ فِي صَرفِ الوَقتِ فِيهَا.

حَتَّى نَصِلَ إِلَى مِثلِ هَذِهِ الصُّورَةِ الجَمِيلَةِ البَهِيَّةِ هُنَاكَ أَشيَاءُ كَثِيرَةٌ تَسبِقُ هَذَا الأَمرَ تَمهِيدًا لَهُ، فَإِذَا كَانَ بَينَ الرَّجُلِ وَالمَرأَةِ نِزَاعَاتٌ طُولَ اليَومِ، وَالخِتَامُ كَانَ بِمُشكِلَةٍ قَبلَ النَّومِ، وَانتَهَى الأَمرُ بِتَولِيَةِ كُلٍّ مِنهُمَا الآخَرَ ظَهرَهُ فِي الفِرَاشِ، هَل تَظُنُّ أَنَّ هَذَينِ بَعدَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ سَيَقُومَانِ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيلِ مَعًا؟ إِذَا كُنتَ تَنتَظِرُ أَن تَنَامَ زَوجَتُكَ حَتَّى تَرتَاحَ مِن تَذَمُّرِهَا الدَّائِمِ، وَهِيَ تَنتَظِرُ أَن تَنَامَ أَنتَ حَتَّى تَرتَاحَ مِن صُرَاخِكَ المُستَمِرِّ، هَل تَظُنُّ أَنَّكُمَا سَتَستَيقِظَانِ مَعًا فِي اللَّيلِ لِلصَّلَاةِ؟

لَيسَ مَعنَى هَذَا أَنَّ الزَّوجَينِ المُسلِمَينِ لَا يَكُونُ بَينَهُمَا إِلَّا الصَّلَاةُ وَذِكرُ اللهِ مَعًا، وَلَا يَتَعَلَّقُ قَلبُ الوَاحِدِ مِنهُمَا بِالآخَرِ، وَكُلُّ كَلَامِهِمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الزَّوجَينِ المُسلِمَينِ لَا مَشَاعِرَ عِندَهُمَا إِلَّا الخَوفُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يُفَكِّرَانِ بِأَيِّ شَيءٍ إِلَّا بِأَمرِ الآخِرَةِ، لَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ، بَل هُنَاكَ عَاطِفَةٌ مُمَيَّزَةٌ بَينَهُمَا.

فَانظُر مَعِي إِلَى مَا رَوَتهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا حَيثُ قَالَت: استَأذَنَت هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ، وَهِيَ أُختُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا زَوجَةِ النَّبِيِّ ﷺ، تُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَت عَائِشَةُ: فَعَرَفَ استِئذَانَ خَدِيجَةَ عِندَمَا سَمِعَ صَوتَ هَالَةَ، ذَكَّرَهُ ذَلِكَ بِخَدِيجَةَ، فَارتَاحَ لِذَلِكَ وَسَرَحَ وَقَالَ: ((اللهم هَالَةَ)) – اللهم اجعَلهَا هَالَةَ  رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. حَرَّكَتهُ ذِكرَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، فَهِيَ الَّتِي نَصَرَتهُ وَعَاوَنَتهُ فِي دَعوَتِهِ الشَّرِيفَةِ وَخَفَّفَت عَنهُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سُورَةُ الرُّومِ/ الآية 21].

فَهَنِيئًا لِمَن أَحسَنَ الِاختِيَارَ وَسَعِدَ فِي دُنيَاهُ وَآخِرَتِهِ.

سبب صراخ المولود عند الولادة

وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ اللهَ حَفِيظٌ يَحفَظُ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ مِن أَذَى الشَّيَاطِينِ مَا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)). ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 36]. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: «هَذِهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَظَاهِرُ الحَدِيثِ اختِصَاصُهَا بِعِيسَى وَأُمِّهِ، وَاختَارَ القَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ جَمِيعَ الأَنبِيَاءِ يَتَشَارَكُونَ فِيهَا». اهـ

وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((كُلُّ إِنسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلكُزُهُ الشَّيطَانُ بِحِضنَيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِن مَريَمَ وَابنِهَا، أَلَم تَرَ إِلَى الصَّبِيِّ حِينَ يَسقُطُ كَيفَ يَصرُخُ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((ذَلِكَ حِينَ يَلكُزُهُ الشَّيطَانُ بِحِضنَيهِ)) تثنية “حِضْن”، وهو الجنب أو الخاصرة من جانبي البدن.

وَمَعنَاهُ كَمَا قَالُوا فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِن كَلَامِ القَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ الأَنبِيَاءَ يَتَشَارَكُونَ فِي هَذِهِ الفَضِيلَةِ، فَهُم مَحفُوظُونَ بِإِذنِ اللهِ.

والله تعالى أعلم وأحكم