بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله معطي الجزيلَ لمنْ أطاعه ورَجَاه، وشديدِ العقاب لمن أعرضَ عن ذكره وعصاه، اجْتَبَى من شاء بفضلِهِ فقرَّبَه وأدْناه، وأبْعَدَ مَنْ شاء بعَدْلِه فولَّاه ما تَولَّاه، أنْزَل القرآنَ رحمةً للعالمين ومَنَارًا للسّالِكين فمنْ تمسَّك به نال منَاه، ومنْ تعدّى حدوده وأضاع حقُوقَه خسِر دينَه ودنياه، أحْمدُه على ما تفضَّل به من الإِحسانِ وأعطاه، وأشْكره على نِعمهِ الدينيةِ والدنيويةِ وما أجْدَرَ الشاكرَ بالمزيدِ وأوْلاه،
وأشهد أنْ لا إِله إلَّا الله وحده لا شريك له الكاملُ في صفاتِهِ المتعالي عن النُّظَراءِ والأشْباه، وأشهد أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي اختاره على البشر واصْطفاه، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابه والتابعينَ لهم بإِحسانٍ ما انْشقَّ الصّبحُ وأشْرقَ ضِياه، وسلَّم تسليمًا.
أما بعد:
فقد وصلنا في شرح أذكار سيدنا رسول الله ﷺ إلى الأذكار التي يقولها إذا طلعت الشمس:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ
هو الآن سيورِدُ الذّكر الذي يُسنّ قوله عند طلوع الشّمس، وأنبهكم إلى حرمة الصّلاة عند طلوع الشمس، فقد قال علماء الشّافعية أنّه هُنَاكَ خَمسَةُ أَوقَاتٍ لا يُصَلَّى فِيهَا إِلَّا صَلاةٌ لَهَا سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا كَالفَائِتَةِ أَو مُقَارِنٌ لَهَا كَصَلاةِ الكُسُوفِ وَالِاستِسقَاءِ، أَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي سَبَبُهَا مُتَأَخِّرٌ عَنهَا أَو لَا سَبَبَ لَهَا كَصَلَاةِ النَّفلِ المُطلَقِ فَلَا تُصَلَّى فِي هَذِهِ الأَوقَاتِ.
ما هي هذه الأوقات؟
- بَعدَ أَدَاءِ صَلاةِ الصُّبحِ المَفرُوضَةِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ.
- عِندَ ابتِدَاءِ طُلُوعِ الشَّمسِ حَتَّى يَكتَمِلَ طُلُوعُهَا وَتَرتَفِعَ قَدرَ رُمحٍ فِى رَأيِ العَينِ وَهُوَ سَبعَةُ أَذرُعٍ تَقرِيبًا – أَي بَعدَ الشُّرُوقِ بِحَوَالَي ثُلُثِ سَاعَةٍ -.
- إِذَا استَوَتِ الشَّمسُ أَي إِذَا صَارَت فِي وَسَطِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُولَ عَن وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهَذَا الوَقتُ يُسَمَّى وَقتَ الاستِوَاءِ وَهُوَ وَقتٌ لَطِيفٌ لا يَسَعُ الصَّلاةَ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ التَّكبِيرَةُ فِيهِ لَمْ تَنعَقِدِ الصَّلاةُ، وَيُستَثنَى مِن ذَلِكَ يَومُ الجُمُعَةِ فَلا تُكرَهُ الصَّلاةُ فِيهِ فِي وَقتِ الِاستِوَاءِ.
- بَعدَ أَدَاءِ صَلاةِ العَصرِ حَتَّى يَكتَمِلَ غُرُوبُ الشَّمسِ.
- عِندَ اقتِرَابِ الغُرُوبِ لِلشَّمسِ بِأَن تَصفَرَّ الشَّمسُ حَتَّى يَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا.
يُستَثنَى مِمَّا تَقَدَّمَ حَرَمُ مَكَّةَ المَسجِدُ وَغَيرُهُ فَلا تُكرَهُ الصَّلاةُ فِيهِ فِى هَذِهِ الأَوقَاتِ كُلِّهَا سَوَاءٌ صَلَّى سُنَّةَ الطَّوَافِ أَم غَيرَهَا.
حكم الصلاة في هذه الأوقات:
قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ تَحرُمُ الصَلاةُ في هَذِهِ الأَوقَاتِ إِذَا كَانَت لَا سَبَبَ لَهَا أَو لَهَا سَبَبٌ مُتَأَخِّرٌ، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ لَا تَحرُمُ، بَل تُكرَهُ، وَالمُعتَمَدُ القَولُ بِالتَّحرِيمِ، لَكِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الأَوقَاتِ لَا تَنعَقِدُ وَلَا تَصِحُّ سَوَاءً قُلنَا بِالتَّحرِيمِ أَو بِالكَرَاهَةِ.
نَصُّ الحَدِيثِ:
رَوَى ابْنُ السُّنِّىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ مَنْ يَرْقُبُ لَهُ طُلُوعَ الشَّمْسِ فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِطُلُوعِهَا قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لَنَا هَذَا الْيَوْمَ وَأَقَالَنَا مِنْ عَثَرَاتِنَا». قَالَ الْحَافِظُ: هَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ.
الشّرح والتعليق على هذا الحديث:
رَوَى ابْنُ السُّنِّىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِقَالَ السُّيُوْطِيُّ فِيْ بَيَانِهِ أَنْوَاعَ الْحَدِيْثِ:
- النَّوْعُ السَّادِسُ: الْمَرْفُوعُ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا، أَوْ تَقْرِيرًا لَا يَقَعُ مُطْلَقُهُ عَلَى غَيْرِهِ مُتَّصِلًا كَانَ، أَوْ مُنْقَطِعًا بِسُقُوطِ الصَّحَابِيِّ مِنْهُ، أَوْ غَيْرِهِ.
- النَّوْعُ السابِعُ: الْمَوْقُوفُ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلًا لَهُمْ، أَوْ فِعْلًا، أَوْ نَحْوَهُ أَيْ تَقْرِيرًا مُتَّصِلًا كَانَ إِسْنَادُهُ، أَوْ مُنْقَطِعًا.اهـ
إِذًا فَالْمَرْفُوْعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَوْقُوْفُ عَلَى الْصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يُسَمَّى حَدِيْثًا بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيْثِ، فَإِذَا أَطْلَقُوا لَفْظَ الْحَدِيْثِ فَإِنَّهُمْ يُرِيْدُوْنَ الْمَرْفُوْعَ وَالْمَوْقُوْفَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ مُقْتَصَرًا عَلَى الْمَرْفُوْعِ إِلَى الْنَّبِيِّ ﷺ، كَمَا يَتَبَيَّنُ لَنَا مِمَّا سَبَقَ مِنَ الْنُّقُوْلِ.
قَالَ أحد الصالحين رَحِمَهُ اللهُ: الْأَثَرُ الْمَوْقُوْفُ عَلَى الصَّحَابَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَدِيْثِ، هَذَا مَذْكُوْرٌ فِيْ كُتُبِ اصْطِلَاحِ الْحَدِيْثِ، وُجِدَ ذَلِكَ فِيْ عِبَارَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الذِيْ هُوَ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِيْنَ مِنَ السَّلَفِ حِفْظًا لِلْحَدِيْثِ، حَفِظَ مِنَ الْحَدِيْثِ مَا لَا يُرْوَىْ مِنَ الْعَدِيْدِ لِغَيْرِهِ، الْأَثَرُ الذِيْ هُوَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الرَّسُوْلِ وَلَا مِنْ فِعْلِ الرَّسُوْلِ ﷺ يُسَمَّى حَدِيْثًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيْثِ كَمَا يُسَمَّى مَا يُرْوَىْ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ تَقْرِيْرِهِ حَدِيْثًا، هَذَا الذِيْ يَعْرِفُهُ عُلَمَاءُ الْحَدِيْث.اهـ
فَلَفْظُ الْحَدِيْثِ لَيْسَ مَقْصُوْرًا عَلَىْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيْثِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَىْ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ كَمَا نَقَلَ عَنْهُ السُّيُوْطِيُّ فِيْ تَدْرِيْبِ الرَّاوِي وَابْنُ الصَّلَاحِ فِيْ مُقَدِّمَتِهِ فِيْ عُلُوْمِ الْحَدِيْث، وَفِيْ كِتَابِ فَتَاوَىْ الرَّمْلِيِّ مَا نَصُّهُ: “سُئِلَ عَنْ تَعْرِيْفِ الْأَثَرِ؟ فَأَجَابَ: إِنَّ تَعْرِيْفَ الْأَثَرِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ هُوَ الْحَدِيْثُ سَوَاءٌ أَكَانَ مَرْفُوْعًا أَوْ مَوْقُوْفًا وَإِنْ قَصَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَىْ الْمَوْقُوْفِ.اهـ
أَنَّهُ جَعَلَ يعني أنّه أمر شخصا أن يفعل له المذكور بعد ذلك مَنْ يَرْقُبُ لَهُ طُلُوعَ الشَّمْسِ فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِطُلُوعِهَا قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ صحّ في الحديث عن أبي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِم الأشْعريِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للَّه تَمْلأَ الْميزانَ وسُبْحَانَ الله والحَمْدُ للَّه تَمْلآنِ – أَوْ تَمْلأ – مَا بَيْنَ السَّموَات وَالأَرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاس يَغْدُو، فَبِائِعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها، أَوْ مُوبِقُهَا)) رواه مسلم. «وَالْحَمْدُ للَّه تَمْلأَ الْميزانَ» الحَمْدُ للهِ مَعْناهُ هذه الكَلِمَة الطِّيبَة، ثَوابُها يَمْلأُ مِيزانَ الحَسَناتِ لِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَة.
فِى اللغَة، كَلِمَةُ “الحَمْد” مَعْناها الثّناء بِاللِّسان عَلَى الجَمِيل الاخْتِيارِيّ. أَنْ تَثْنِيَ بِلِسانِك بِهذا العُضُو وَهذه الجارِحَة عَلَى مَنْ تَفَضَّلَ عَلْيك بِإِحْسان ليسَ واجِبًا عَلَيْهِ تُجاهَك، هذا يُسَمَّى فِى لُغَةِ العَرَب: “الحَمْد”. الحَمْدُ شَىءٌ مُخْتَصٌّ بِاللِّسان، لا تُطْلَقُ عادَةً كَلِمَةُ الحَمْد عَلَى الثّناءِ بِغَيرِ اللسان.
فَإِنْ كانَ رَدُّ الإِحْسان واجِبًا عَلَى الشَّخْص، فَلا يُسَمَّى حَمْدًا، يَعْنِى لَوْ أَنَّكَ مَثَلًا أَقْرَضْتَ إِنْسانًا مالًا، أَنتَ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ، ثُمَّ حِينَ اسْتَطاعَ أَنْ يَرُدَّ لَكَ الدَّيْن، رَدَّهُ لَك. رَدُّ الدَّيْنِ لَك واجِبٌ عَلَيْهِ لأَنَّ هذا المال فِى الحَقِيقَة مالُكَ وَيَلْزَمُهُ فِى الشّرع أَنْ يَرُدَّ هذا الدَّيْنَ إِلَيْكَ. فِإِذًا رَدُّهُ هذا المالَ إِلَيْكَ، هذا لا يُسَمَّى جَمِيلًا اخْتِيارِيًّا إِنّما هُوَ واجِبٌ عَلَيْه، فَإِنْ أَثْنَى هُوَ عَلَيْكَ بِلِسانِهِ لا يُسَمَّى حَمْدًا لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ هذا القَرْضَ لَكَ.
حَتّى يُسَمَّى حَمْدًا لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا وَثَناءً بِاللسان عَلَى الجَمِيل الاخْتِيارِيّ، يَعْنِى عَلَى الإِحسان والنِّعَم التي يَفْعَلُها الإِنسانُ باخْتِيارِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ تَكُونَ واجِبَةً عَلَيْهِ. هذا كُلُّهُ مِنْ حَيثُ اللغَةُ.
أَمّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ إِذا قالَ الواحِدُ مِنّا: “الحَمْدُ لله”، أَي الثَّناءُ باللسان ثابِتٌ للهِ تعالَى لأِنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَى عِبادِهِ جَمِيعِهِم بِالنِّعَم التي لا تَدْخُلُ تَحْتَ إِحْصائِنا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ إِحْسانُهُ إِلَيْنا أَوْ إِنْعامُهُ عَلَيْنا واجِبًا عَلَيْهِ سُبحانَهُ لأَنَّ اللهَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَىء البَتَّةَ!
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الَّذِى وَهَبَ لَنَا هَذَا الْيَوْمَ أي أحيانًا ووهبنا عمرا في هذا اليوم، فالله تعالى هو الوهّاب يهَب ما يشاء لمن يشاء، الوَهَّابُ: هُوَ الَّذِي يَجُودُ بِالعَطَاءِ مِن غَيرِ استِثَابَةٍ، أَي يُثِيبُ الطَّائِعِينَ فَضلًا مِنهُ وَكَرَمًا، فَاللهُ تَعَالَى وَهَّابٌ وَهُوَ مِنَ الفِعلِ يَهَبُ، وَ”وَهَّابٌ” صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، فَاللهُ تَعَالَى يُثِيبُ الطَّائِعِينَ فَضلًا مِنهُ وَكَرَمًا، وَالمَعنَى أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَرجُو مِن عِبَادِهِ ثَوَابًا أَو مَنفَعَةً، قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 57]،
دَعَا سَيِّدُنَا سُلَيمَانُ رَبَّهُ بِأَن يَرزُقَهُ مُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعدِهِ كَمَا أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة ص/ الآية 35-39]، فَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ القُرطُبِيُّ: وَحَاشَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَكُونَ سُؤَالُهُ طَلَبًا لِنَفسِ الدُّنيَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ وَالأَنبِيَاءُ أَزهَدُ خَلقِ اللهِ فِيهَا، وَإنَّمَا سَأَلَ مَملَكَتَهَا للهِ، كَمَا سَأَلَ نُوحٌ دَمَارَهَا وَهَلَاكَهَا للهِ؛ فَكَانَا مَحمُودَينِ مُجَابَينِ إِلَى ذَلِكَ، فَأُجِيبَ نُوحٌ فَأُهلِكَ مَن عَلَيهَا، وَأُعطِيَ سُلَيمَانُ المَملَكَةَ،
وَأَقَالَنَا مِنْ عَثَرَاتِنَا قال الفيومي: وَيُقَالُ لِلزَّلَّةِ عَثْرَةٌ لِأَنَّهَا سُقُوطٌ فِي الْإِثْمِ. قال ابن الأثير: ورد في الحديث: «مَنْ أَقَال نادِمًا أَقَاله اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّم» وَفِي رِوَايَةٍ «أَقَاله اللَّهُ عَثْرتَه» أَيْ وافَقَه عَلَى نَقْض الْبَيْعِ وَأَجَابَهُ إِلَيْهِ. يُقَالُ: أَقَالَهُ يُقِيله إِقالة، وتَقَايَلَا إِذَا فَسَخا الْبَيْعَ، وَعَادَ المَبيعُ إِلَى مَالِكِهِ والثمنُ إِلَى المَشْتري، إِذَا كَانَ قَدْ نَدِم أحدُهما أَوْ كِلاهما.
الباب الذي بعده:
بَابُ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ
رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ قَالَ:«اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا».
الشرح والتعليق على هذا الباب والحديث المذكور فيه:
بَابُ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ أي بماذا يدعو وأي ذكر يذكر من يريد النوم، وفي هذا إشارة إلى أن العبد المؤمن ينبغي أن يكون دائم الذكر لربّه عزّ وجلّ في كلّ أوقاته حتى آخر يومه.
رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: أَتَى فِرَاشَهُ وَمَرْقَدَهُ مِنَ اللَّيْلِ أَيْ: فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ أَيْ: كَفَّهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ تَحْتَ رَأْسِهِ إِشْعَارًا بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَنْ تَذَكَّرَ ذَلِكَ خَفَّ نَوْمُهُ وَطَابَ يَوْمُهُ. وفي رواية: «خدّه الأيمن»، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَنَامُ عَلَى جَنبِهِ الأَيمَنِ وَيُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأنِهِ كُلِّهِ. وَلِيُعَلِّمَ أُمَّتَهُ، وَلِأَنَّ النَّومَ أَخُو المَوتِ، وَهَذِهِ الهَيئَةُ عِندَ النَّزعِ وَفِي القَبرِ حَالَ الوَضعِ، وَهِيَ الأَفضَلُ فِي هَيئَةِ الصَّلَاةِ لِلعَاجِزِ عَنِ الصَّلَاةِ قَاعِدًا.اهـ وَقَالَ الشِّهَابُ الرَّملِيُّ: وَلَعَلَّ سَبَبَ هَذِهِ الكَيفِيَّةِ لِيَتَذَكَّرَ وَضعَهُ فِي القَبرِ وَحِيدًا.اهـ
ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ بذكر اسمك، وقيل: أَي؛ عَلَى ذِكرِي لِاسمِكَ مَعَ اعتِقَادِي تَعظِيمَكَ وَتَفَرُّدَكَ بِالأُلُوهِيَّةِ أَنَامُ وَأَستَيقِظُ مِن نَومِي.اهـ أَمُوتُ وَأَحْيَا أَيْ: أَنَامُ وَأَسْتَيْقِظُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بِاسْمِكَ الْمُمِيتِ أَمُوتُ وَبِاسْمِكَ الْمُحْيِي أَحْيَا، أَوْ بِذِكْرِ اسْمِكَ أَحْيَا مَا حَيِيتُ وَعَلَيْهِ أَمُوتُ، وقيل: أَي مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِ اللهِ المُحيِي المُمِيتِ أَنَامُ وَأَستَيقِظُ.
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يذكر هذا الذّكر في آخر اليوم عند النّوم حتى يذكرنا بأننا سنموت ونفارق هذه الدنيا، وكلّ هذا بخلق الله وبمشيئته عزّ وجلّ، فهو القائل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك/ الآية 1-2]، فَلَا يَحْصُلْ شَيْءٌ وَلَا تَتَحَرَّكْ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَحْصُلْ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ وَلَا غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَالْوَاحِدُ مِنَّا إِذَا اسْتَحْضَرَ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ انْقِضَاءِ نَهَارِهِ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ كُلِّهِ لِلَّهِ وَتَذَكُّرِ أَنَّهُ سَيُفَارِقُ هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا، فَيَسْتَعِدُّ الْعَبْدُ لِدُنُوِّ الْأَجَلِ، وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فيما رواه البزار وابن حبان: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»، وَهُوَ الْمَوْتُ، فَيَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آخِرِهِ وَكَيْفَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَلْيَحْرِصْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَلِهَذَا أُذَكِّرُكُمْ بِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَأَنْ يُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى النَّاسِ ما يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» رواه الطبراني. اهـ
وَالْإِيمَانُ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الْمُؤْمِنُ هُوَ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، الْمُؤْمِنُ هُوَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، وُجُودًا مُنَزَّهًا عَنِ التَّقَطُّعِ وَالزَّوَالِ، الْمُؤْمِنُ مَنْ عَظَّمَ خَالِقَهُ وَنَزَّهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، الْمُؤْمِنُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، الْمُؤْمِنُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، اللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنَّا غَنِيٌّ عَنِ الْمَلَائِكَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَلَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا إِلَى الْإِنْسِ وَلَا إِلَى الْجَانِّ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعَرْشِ فَلَا يُوصَفُ بِالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ عَلَى الْعَرْشِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ أَي بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا اعْتَبَرَ وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْكُفَّارِ انْزَجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ بِصِفَاتِهِ لَيْسَ كَالْبَشَرِ.
وَلِهَذَا: عَظُمَ خَوْفُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنَ الْخَاتِمَةِ فَإِنَّ الْقَلْبَ مُتَقَلِّبٌ لَا يَخْلُو عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَلَا يَنْفَكُّ عَنْ فُتُورٍ يَعْتَرِيهِ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللهُ بِحِفْظِهِ. فَيَنْبَغِي عَلَى الْوَاحِدِ مِنَّا بَعْدَ هَذَا أَنْ يُفَكِّرَ فِي كَيْفِيَّةِ انْتِهَاءِ الْحَيَاةِ الْأُولَى وَابْتِدَاءِ الْحَيَاةِ الْأُخْرَى، وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمَوْتُ، نَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ حُسْنَ الْعَمَلِ وَحُسْنَ الْخِتَامِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ نُكْثِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِأَنْوَاعِهَا قَبْلَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَدُنُوِّ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ مَوْقِفٌ شَدِيدٌ إِلَّا عَلَى مَنْ هَوَّنَهُ اللهُ عَلَيْهِ،
قَالَ الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْعَبْدِ الْمِسْكِينِ كَرْبٌ وَلَا هَوْلٌ وَلَا عَذَابٌ سِوَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ بِمُجَرَّدِهَا لَكَانَ جَدِيرًا بِأَنْ يَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ وَيَتَكَدَّرَ عَلَيْهِ سُرُورُهُ وَيُفَارِقَهُ سَهْوُهُ وَغَفْلَتُهُ وَحَقِيقًا بِأَنْ يُطَوِّلَ فِيهِ فِكْرَهُ وَيُعَظِّمَ لَهُ اسْتِعْدَادَهُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي كُلِّ نَفَسٍ بِصَدَدِهِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كَرْبٌ بِيَدِ سِوَاكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَغْشَاكَ،
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ أَمْرٌ لَا تَدْرِي مَتَى يَلْقَاكَ اسْتَعِدَّ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْجَأَكَ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ كَانَ فِي أَعْظَمِ اللَّذَّاتِ وَأَطْيَبِ مَجَالِسِ اللَّهْوِ فَانْتَظَرَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَيَضْرِبَهُ خَمْسَ خَشَبَاتٍ لَتَكَدَّرَتْ عَلَيْهِ لَذَّتُهُ وَفَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ، وَهُوَ فِي كُلِّ نَفَسٍ بِصَدَدِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ بِسَكَرَاتِ النَّزْعِ وَهُوَ عَنْهُ غَافِلٌ، فَمَا لِهَذَا سَبَبٌ إِلَّا الْجَهْلُ وَالْغُرُورُ. وَاعْلَمْ أَنَّ شِدَّةَ الْأَلَمِ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ لَا يَعْرِفُهَا بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا مَنْ ذَاقَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذُقْهَا فَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا إِمَّا بِالْقِيَاسِ إِلَى الْآلَامِ الَّتِي أَدْرَكَهَا، وَإِمَّا بِالِاسْتِدْلَالِ بِأَحْوَالِ النَّاسِ فِي النَّزْعِ عَلَى شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ.
فَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَا رُوحَ فِيهِ فَلَا يُحِسُّ بِالْأَلَمِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ الرُّوحُ فَالْمُدْرِكُ لِلْأَلَمِ هُوَ الرُّوحُ، فَمَهْمَا أَصَابَ الْعُضْوَ جُرْحٌ أَوْ حَرِيقٌ سَرَى الْأَثَرُ إِلَى الرُّوحِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَأَلَّمُ، وَالْأَلَمُ يَتَفَرَّقُ إِلَى اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ.
وَالنَّزْعُ عِبَارَةٌ عَنْ أَلَمٍ نَزَلَ بِنَفْسِ الرُّوحِ فَاسْتَغْرَقَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الرُّوحِ الْمُنْتَشِرِ فِي أَعْمَاقِ الْبَدَنِ إِلَّا وَقَدْ حَلَّ بِهِ الْأَلَمُ. فَلَوْ أَصَابَتْهُ شَوْكَةٌ فَالْأَلَمُ الَّذِي يَجِدُهُ إِنَّمَا يَجْرِي فِي جُزْءٍ مِنَ الرُّوحِ يُلَاقِي ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّوْكَةُ، وَإِنَّمَا يَعْظُمُ أَثَرُ الِاحْتِرَاقِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ النَّارِ تَغُوصُ فِي سَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، فَلَا يَبْقَى جُزْءٌ مِنَ الْعُضْوِ الْمُحْتَرِقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِلَّا وَتُصِيبُهُ النَّارُ، فَتَحُسُّهُ الْأَجْزَاءُ الرُّوحَانِيَّةُ الْمُنْتَشِرَةُ فِي سَائِرِ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ. لِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ الْمَوْتَ لَأَشَدُّ مِنْ ضَرْبٍ بِالسَّيْفِ وَنَشْرٍ بِالْمَنَاشِيرِ وَقَرْضٍ بِالْمَقَارِيضِ.
وَيَوَدُّ لَوْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِرَاحَةِ بِالْأَنِينِ وَالصِّيَاحِ وَالِاسْتِغَاثَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ بَقِيَتْ فِيهِ قُوَّةٌ سَمِعْتَ لَهُ عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ وَجَذْبِهَا خُوَارًا وَغَرْغَرَةً مِنْ حَلْقِهِ وَصَدْرِهِ، وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَأَزْبَدَ حَتَّى كَأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ التُّرَابُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ فِطْرَتِهِ، وَقَدْ جُذِبَ مِنْهُ كُلُّ عِرْقٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَالْأَلَمُ مُنْتَشِرٌ فِي دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، حَتَّى تَرْتَفِعَ الْحَدَقَتَانِ إِلَى أَعَالِي أَجْفَانِهِ، وَتَتَقَلَّصَ الشَّفَتَانِ وَيَتَقَلَّصَ اللِّسَانُ إِلَى أَصْلِهِ، وَتَخْضَرَّ أَنَامِلُهُ، ثُمَّ يَمُوتُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ تَدْرِيجًا، فَتَبْرُدُ أَوَّلًا قَدَمَاهُ، ثُمَّ سَاقَاهُ، ثُمَّ فَخِذَاهُ، وَلِكُلِّ عُضْوٍ سَكْرَةٌ بَعْدَ سَكْرَةٍ، وَكُرْبَةٌ بَعْدَ كُرْبَةٍ، حَتَّى يُبْلَغَ بِهَا إِلَى الْحُلْقُومِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، وَيُغْلَقُ دُونَهُ بَابُ التَّوْبَةِ، وَتُحِيطُ بِهِ الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ.
فَإِذَا عَايَنَ الْمَلَائِكَةَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَبْدُو لَهُ وَجْهُ مَلَكِ الْمَوْتِ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ طَعْمِ مَرَارَةِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ عِنْدَ تَرَادُفِ سَكَرَاتِهِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَسْتَعِيذُونَ مِنْهُ وَلَا يَسْتَعْظِمُونَهُ لِجَهْلِهِمْ بِهِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَغَصَّتَهُ وَأَلَمَهُ فَقَالَ: هُوَ قَدْرُ ثَلَاثِمِائَةِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ. وَسُئِلَ ﷺ عَنِ الْمَوْتِ وَشِدَّتِهِ فَقَالَ: «إِنَّ أَهْوَنَ الْمَوْتِ بِمَنْزِلَةِ حَسَكَةٍ فِي صُوفٍ فَهَلْ تَخْرُجُ الْحَسَكَةُ مِنَ الصُّوفِ إِلَّا وَمَعَهَا صُوفٌ» رواه ابن أبي الدنيا. وَدَخَلَ ﷺ عَلَى مَرِيضٍ ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا يَلْقَى، مَا مِنْهُ عِرْقٌ إِلَّا وَيَأْلَمُ لِلْمَوْتِ عَلَى حِدَّتِهِ» رواه الطبراني والبزار.
وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ: الْمَوْتُ أَفْظَعُ هَوْلٍ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ نَشْرٍ بِالْمَنَاشِيرِ، وَقَرْضٍ بِالْمَقَارِيضِ، وَقَلْيٍ فِي الْقُدُورِ، وَلَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ رَجَعَ فَأَخْبَرَ أَهْلَ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ مَا تَلَذَّذُوا بِعَيْشٍ وَلَا بِنَوْمٍ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا بَقِيَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ دَرَجَاتِهِ شَيْءٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ شُدِّدَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ لِيَبْلُغَ بِسَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ دَرَجَتَهُ فِي الْجَنَّةِ.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يُسْأَلُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى: كَيْفَ تَجِدُونَ الْمَوْتَ؟ فَلَمَّا مَرِضَ قِيلَ لَهُ: فَأَنْتَ كَيْفَ تَجِدُهُ؟ فَقَالَ: كَأَنَّ السَّمَاوَاتِ مُطْبِقَةٌ عَلَى الْأَرْضِ وَكَأَنَّ نَفَسِي يَخْرُجُ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ.
وفي الحديث: مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعَالِجُ كَرْبَ الْمَوْتِ وَسَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَإِنَّ مَفَاصِلَهُ لَيُسَلِّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، تَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ تُفَارِقُنِي وَأُفَارِقُكَ.
فَهَذِهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، وَهُمُ الْمُنْهَمِكُونَ فِي الْمَعَاصِي، وَتَتَوَالَى عَلَيْهِمْ مَعَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ بَقِيَّةُ الدَّوَاهِي، فَإِنَّ دَوَاهِي الْمَوْتِ ثَلَاثَةٌ:
الْأُولَى: شِدَّةُ النَّزْعِ.
الدَّاهِيَةُ الثَّانِيَةُ: مُشَاهَدَةُ صُورَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ وَدُخُولُ الرَّوعِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ عَلَى الْقَلْبِ، فَلَوْ رَأَى صُورَتَهُ الَّتِي يَقْبِضُ عَلَيْهَا رُوحَ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ النَّاسُ لَمْ يُطِيقُوا رُؤْيَتَهُ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا خَرَجَ أَغْلَقَ الْأَبْوَابَ، فَأَغْلَقَ ذَاتَ يَوْمٍ وَخَرَجَ فَأَشْرَفَتِ امْرَأَتُهُ فَإِذَا هِيَ بِرَجُلٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَتْ: مَنْ أَدْخَلَ هَذَا الرَّجُلَ، لَئِنْ جَاءَ دَاوُدُ لَيَلْقَيَنَّ مِنْهُ عَنَاءً، فَجَاءَ دَاوُدُ فَرَآهُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي لَا أَهَابُ الْمُلُوكَ وَلَا يُمْنَعُ مِنِّي الْحُجَّابُ. فَقَالَ: فَأَنْتَ وَاللَّهِ إِذَنْ مَلَكُ الْمَوْتِ. وَزُمِّلَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَانَهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِجُمْجُمَةٍ فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ فَقَالَ: تَكَلَّمِي بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنَا مَلِكٌ زَمَانَ كَذَا وَكَذَا، بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مُلْكِي عَلَيَّ تَاجِي وَحَوْلِي جُنُودِي وَحَشَمِي عَلَى سَرِيرِ مُلْكِي، إِذْ بَدَا لِي مَلَكُ الْمَوْتِ، فَزَالَ مِنِّي كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ، ثُمَّ خَرَجَتْ نَفْسِي إِلَيْهِ، فَيَا لَيْتَ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الْجُمُوعِ كَانَ فُرْقَةً، وَيَا لَيْتَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْأُنْسِ كَانَ وَحْشَةً. فَهَذِهِ يُلْقَاهَا الْعُصَاةُ وَيُكْفَاهَا الْمُطِيعُونَ.
وَأَمَّا الْمُطِيعُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَجْمَلِهَا، فَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ لَهُ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَإِذَا خَرَجَ أَغْلَقَهُ، فَرَجَعَ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا بِرَجُلٍ فِي جَوْفِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: مَنْ أَدْخَلَكَ دَارِي؟ فَقَالَ: أَدْخَلَنِيهَا رَبُّهَا أَيْ مَالِكُهَا. فَقَالَ: أَنَا رَبُّهَا أَيْ مَالِكُهَا. فَقَالَ: أَدْخَلَنِيهَا مَنْ هُوَ أَمْلَكُ بِهَا مِنِّي وَمِنْكَ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ. قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي الصُّورَةَ الَّتِي تَقْبِضُ فِيهَا رُوحَ الْمُؤْمِنِ، أَيْ كَامِلِ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَعْرَضَ عَنِّي ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِشَابٍّ، فَذَكَرَ مِنْ حُسْنِ وَجْهِهِ وَحُسْنِ ثِيَابِهِ وَطِيبِ رِيحِهِ، فَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، لَوْ لَمْ يَلْقَ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَّا صُورَتَكَ، كَانَ حَسْبُهُ. وَمِنَ الْأَهْوَالِ مُشَاهَدَةُ الْمَلَكَيْنِ الْحَافِظَيْنِ. قَالَ وُهَيْبٌ: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ حَتَّى يَتَرَاءَى لَهُ مَلَكَاهُ الْكَاتِبَانِ عَمَلَهُ، فَإِنْ كَانَ مُطِيعًا قَالَا لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، فَرُبَّ مَجْلِسِ صِدْقٍ أَجْلَسْتَنَا، وَعَمَلٍ صَالِحٍ أَحْضَرْتَنَا. وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا قَالَا لَهُ: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، فَرُبَّ مَجْلِسِ سُوءٍ أَجْلَسْتَنَا، وَعَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ أَحْضَرْتَنَا، وَكَلَامٍ قَبِيحٍ أَسْمَعْتَنَا، فَلَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا. فَذَلِكَ شُخُوصُ بَصَرِ الْمَيِّتِ إِلَيْهِمَا، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا أَبَدًا.
وَالدَّاهِيَةُ الثَّالِثَةُ: مُشَاهَدَةُ الْعُصَاةِ مَوَاضِعَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَخَوْفُهُمْ قَبْلَ الْمُشَاهَدَةِ، فَإِنَّهُمْ فِي حَالِ السَّكَرَاتِ قَدْ تَخَاذَلَتْ قُوَاهُمْ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِلْخُرُوجِ أَرْوَاحُهُمْ، وَلَنْ تَخْرُجَ أَرْوَاحُهُمْ مَا لَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَ مَلَكِ الْمَوْتِ بِإِحْدَى الْبِشَارَتَيْنِ؛ إِمَّا: أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بِالنَّارِ، أَوْ أَبْشِرْ يَا وَلِيَّ اللَّهِ بِالْجَنَّةِ.
وَمِنْ هَذَا كَانَ خَوْفُ أَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَنْ يَخْرُجَ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ مَصِيرُهُ، وَحَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ» رواه ابن أبي الدنيا.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». وَقَالُوا: كُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِذَاكَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا فُرِّجَ لَهُ عَمَّا هُوَ قَادِمٌ عَلَيْهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
وَدَخَلَ مَرْوَانُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ. فَبَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْكِي حُزْنًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا جَزَعًا مِنْ فِرَاقِكُمْ، وَلَكِنْ أَنْتَظِرُ إِحْدَى الْبُشْرَيَيْنِ مِنْ رَبِّي: بِجَنَّةٍ أَمْ بِنَارٍ.
وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا رَضِيَ عَنْ عَبْدٍ قَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ فَأْتِنِي بِرُوحِهِ لِأُرِيحَهُ، إِنِّي وَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ. فَيَنْزِلُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَعَهُمْ قُضْبَانُ الرَّيْحَانِ وَأُصُولُ الزَّعْفَرَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُبَشِّرُهُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بُشْرَى صَاحِبِهِ، وَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفَّيْنِ لِخُرُوجِ رُوحِهِ، مَعَهُمُ الرَّيْحَانُ. فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ صَرَخَ. قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ: مَا لَكَ يَا سَيِّدَنَا؟ فَيَقُولُ: أَمَا تَرَوْنَ مَا أُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدُ مِنَ الْكَرَامَةِ؟ أَيْنَ كُنْتُمْ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: قَدْ جَهَدْنَا بِهِ، فَكَانَ مَحْفُوظًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا فِي لِقَاءِ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَتْ رَاحَتُهُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَوْمُ الْمَوْتِ يَوْمُ سُرُورِهِ وَفَرَحِهِ وَأَمْنِهِ وَعِزِّهِ وَشَرَفِهِ. فَخَوْفُ سُوءِ الْخَاتِمَةِ قَطَعَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ، وَهُوَ مِنَ الدَّوَاهِي الْعَظِيمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وروى أحمد في مسنده عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ». وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّ فِيهَا عِظَةٌ».
وكان مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ:
| أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُهَــــا: | فَأَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَــــرْ؟ | |
| وَأَيْـــنَ الْمُذِلُّ بِسُلْطَانِــهِ | وَأَيْنَ الْعَزِيــزُ إِذَا مَا قَدَرْ؟ | |
| وَأَيْنَ الْمُلَبِّي إِذَا مَا دَعَـا | وَأَيْنَ الْغَنِيُّ إِذَا مَا افْتَخَـرْ؟ |
قَالَ: فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ:
| تَفَانَوْا جَمِيعًا فَمَا مُخْبــــــِرٌ | وَبَادُوا جَمِيعًــا وَبَادَ الْخَبَرْ | |
| تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَــاتُ الثَّرَى | فَتُبْلَى مَحَاسِنُ تِلْكَ الصُّوَرْ | |
| فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا | أَمَالَكَ فِيمَنْ مَضَى مُعْتَبَرْ؟ |
وَقِيلَ لِبَعْضِ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ: مَا أَبْلَغُ الْعِظَاتِ؟ قَالَ: النَّظَرُ إِلَى مَحِلِّ الأَمْوَاتِ.
وَنَظَرَ ابْنُ السَّمَّاكِ إِلَى الْمَقْبُرَةِ، فَقَالَ لا يَغُرَّنَّكُمْ سُكُونُ أَهْلِ هَذِهِ الْقُبُورِ، فَمَا أَكْثَرَ الْمَغْمُومِينَ فِيهَا، وَلا يَغُرَّنَّكُمُ اسْتِوَاؤُهَا، فَمَا أَشَدَّ تَفَاوُتِهِمْ فِيهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ قِيلَ لَهُمُ: امْحُوا مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا شِئْتُمْ، وَزِيدُوا فِي حَسَنَاتِكُمْ مَا شِئْتُمْ لَمَحَوْا ذُنُوبَهُمْ وَزَادُوا حَسَنَاتِهِمْ أَضْعَافَهَا، وَقَدْ أُعْطِينَا نَحْنُ ذَلِكَ أفَلا نَغْتَنِمُهُ، يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَهْدِمَ خَطَايَا سَبْعِينَ سَنَةً فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَوَقَفَ الْفُضَيْلُ الرِّقَاشِيُّ عَلَى الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ الَّتِي نَطَقَ بِالْخَرَابِ فَنَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، مُحِلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، لا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الإِخْوَانِ، وَلا يَتَزَاوَرُونَ تَزَاوُرَ الْجِيرَانِ، قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَهُمُ الْجَنْدَلُ وَالثَّرَى، عَلَيْكُمْ مِنَّا السَّلامُ وَمِنْ رَبِّكُمُ الإِكْرَامُ.
وقال ابن الجوزي رحمه الله: إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْهُدَى فَيَسِيرُ الْمَوَاعِظِ يُقْنِعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ النُّزْهَةَ فَالْكَثِيرُ لا يَكْفِي وَلا يَنْجَعُ.
والله تعالى أعلم وأحكم