الحمد لله الذي صرَّفَ الأمورَ بتدبيرِه، وعدَّلَ تركيبَ الخلقِ فأحسنَ في تصويرِه، وزيَّنَ صورةَ الإنسانِ بحُسْنِ تقويمِه وتقديره، وحرَسَه من الزيادة والنقصان عما شاء له في شكله ومقاديرهِ، وَجَعَلَ تَحْسِينَ الْأَخْلَاقِ حَسَبَ اجْتِهَادِ الْعَبْدِ وَتَشْمِيرِهِ، وَاسْتَحَثَّهُ عَلَى تَهْذِيبِهَا بِتَخْوِيفِهِ وَتَحْذِيرِهِ، وَسَهَّلَ عَلَى خواص عبادِه تهذيبَ الأخلاقِ بتوفيقِه وتيسيره، وامتنَّ عليهم بتسهيلِ صعبِه وعسيرِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَنَبِيِّهِ وحبيبِه، وصفيِّه وبشيرِه ونذيرِه، الذي كانت تلوح أنوارُ النبوة من بين أساريرِه، وتُعلَمُ حَقِيقَةُ الْحَقِّ مِنْ فِعْلِهِ وَتَبَاشِيرِهِ، وَعَلَى آلِهِ وأصحابِه الذين طهَّروا البلادَ من ظلمةِ الكفرِ ودياجيرِه، وحَصَرُوا مَادَّةَ الْإِلْحَادِ وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا بِقَلِيلِهِ وَلَا بِكَثِيرِهِ، أما بعد:
ما زلنا نشرح في طيات هذا الكتاب المبارك كتابِ رياض الصالحين للحافظ الفقيه اللغوي أبي زكريا يحيى بن شرف النوويِّ رحمه الله رحمة واسعة، وكنا في الدرس الماضي أنهينا كتاب المبادرة إلى الخيرات.
ولمَّا كانت المبادرةُ إلى الخيرات والثباتُ على الفضائل يَحتاجُ إلى كسرِ نفسٍ ومجاهدة لها أتبعَ الحافظُ النووي رحمه الله كتابَ المبادرة بكتابِ المجاهدةِ أي مجاهدةِ النفسِ والهوى، وهو أمر مهمٌّ للثبات على طريقِ الآخرةِ لطالب العلم ولا يقدِرُ عليه إلا من أراد الله به خيرا، فالنفسُ عادةً لها التواءاتٌ ومداخلُ تُهلِك العبدَ، فإذا لم يتبصَّرِ المسلمُ في خطورةِ الأمرِ وإذا لم يلتفتْ إلى نفسِه ليصلحَها فإنها ستهلكُه وقد قيل: أعدى أعدائك نفسُك التي بين جنبيك، ولهذا أكمل النووي رحمه الله في هذا الباب ليُذَكِّرَ طالب العلم أهميةَ مخالفةِ ومجاهدةِ نفسِه وأنه ينبغي أن يبدأ بإصلاحها عند البَدءِ بالتَّرقي في الدرجات والمقامات وعند البحث عن طريق الثبات إلى الخيرات.
قال النووي رحمه الله رحمة واسعة: بابُ المجاهدة: (قال الفيروزأبادي: الجهد بالفتح والضم: وهو الطَّاقة والمَشَقَّة. وقيل بالفتح: المشقَّة، وبالضمّ الْوُسْع. وقيل: الجهد: ما يَجْهَد الإِنسان. قوله تعالى {لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَي حَلفوا واجتهدوا في الحلفِ أَن يأْتوا به على أَبلغ ما في وُسْعهم.
والاجتهاد: أَخْذ النَّفس ببذل الطَّاقة، وتحمّلِ المشقَّة في العبادة. يقال جَهَدت رأْيي واجتهدت: أَتعبته بالفكر. والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوُسْع في مدافعة العدُوِّ. قال صلَّى الله عليه وسلَّم “المجاهِد مَن جاهد نفسه في طاعة الله” وكان إِذا رجع من الغَزْو يقول: “رجعنا من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر” وسأَله رجل عن الخروج إِلى الغَزْو فقال: “أَوالدَِاك في الأَحياءِ؟ قال: بلى. قال: ففيهما فجاهِدْ”. وقال الشاعر:
يَا مَنْ يُجَاهِدُ غَازِيًا أَعْدَاءَ
دِيْنِ اللهِ يَرْجُوْ أَنْ يُعَانَ وَيُنْصَرَا
هَلَّا غَشِيْتَ النِّفْسَ غَزْوًا إِنَّهَا
أَعْدَىْ عَدُوِّكَ كَيْ تَفُوْزَ وَتَظْفَرَا
مَهْمَا عَنَيْتَ جِهَادَهَا وَعِنَادَهَا
فَلَقَدْ تَعَاطَيْتَ الْجِهَادَ الْأَكْبَرَا
والمجاهدة ثلاثة أَضرب: مجاهدةُ العدوّ الظَّاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النَّفْس. وتدخل الأَضرب الثلاثة في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} وقد قال بعض السلف: “جاهدوا أَهواءَكم كما تجاهدون أَعداءَكم”. والمجاهدة تكون باليد واللِّسان. روى أحمد وأبو داود عن أنَسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُم». اهـ
وهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن من أنواع الجهاد أن يجاهد الشخص أعداء الدين بالبيان ورد الشُّبَهِ التي يوردها المخالفون لعقيدة أهل السنة والجماعة، فكم في هذه الأيام نجد الملاحدة والمنتسبين للدين وهم يقذفون الشُّبَهَ في قلوب أبناء المسلمين فيضلُ كثيرٌ من الجهال والعياذ بالله، صرنا إلى زمان نسمع فيه بمن يطعن بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وينسُب إلى رسول الله الخطأ في أمر التشريع، وصرنا إلى زمان يُكذَّبُ فيه النصُّ الصريح الثابت في القرآن والحديث المتواتر والمتفق على صحته، ألا ترون أناسا في هذه الأيام يكذبون بعذاب القبر ويقولون عنه خرافة وهو ثابت في القرآن والحديث المتواتر، نعم بلغت أحاديث عذاب القبر حدَ التواتر كما يقول الحافظ الكِتاني والزبيدي والسيوطي وغيرهم، ألا ترون هذه الأيام من طلع للناس ينسُب إلى الله تعالى القبائح والجسم والمكان وصفاتِ المخلوقين ويستدل بزعمه بآيات في كتاب الله عز وجل، سمعنا عن بعض هؤلاء المجسمة الذين تجرؤوا على عقيدة المسلمين بالتحريف يقولون عن الله إنه جالس على عرشه وإنه يوصف بصفات البشر فوصفوا الله بالملل والخداع والمكر الحقيقي والعياذ بالله، بعض هؤلاء المجسمة صار يقول عن الله إنه يوصف بحاسة الشم والعياذ بالله من الكفر، وصرنا إلى زمان نسمع فيه بعض أدعياء العلم يطعنون بالصحابة الكرام رضي الله عنه ويطعنون بالبخاري ومسلم وعلماء المذاهب الأربعة وعلماء الحديث الشريف وقال بعضهم عن البخاري ومسلم إنهما يهوديان، وطعنوا بما رواه البخاري ومسلم من أحاديث عذاب القبر وأحاديث الشفاعة ونزول عيسى وظهور المسيح الدجال وأحاديث المهدي، كل هؤلاء المخالفين الرد عليهم من فروض الدين وهو المقصود بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُم»، ولذلك قال شيخنا رحمه الله تعالى: «الْجِهَادُ قِسْمَانِ: جِهَادٌ بِالسِّنَانِ أَيْ السِّلَاحِ وَجِهَادٌ بِالْـبَيَانِ. الْجِهَادُ بِالْبَيَانِ الْيَوْمَ فِي إِمْكَانِنَا، الْجِهادُ بِالْبَيَانِ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ فَرْضٌ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي كَـثُرَ فِيهِ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّـنَّةِ. فَتَعلُّمُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِإِبْطَالِ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَفْرَضِ الْفُرُوضِ، أَهَمُّ مِن الاشتغال بالنَّوافِلِ، وَفِي هَذَا فَلْيَرْغَبِ الرَّاغِبُونَ وَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ») قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا (أَيْ جَاهَدُوا الْكُفَّارَ فِينَا. أَيْ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِنَا. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: (كان أبو سليمان الداراني مضرب المثل في العبادة من أهل الشام مثلما كان الحسن البصري بالبصرة وهو من أبرز علماء الصوفية الحقيقية في القرن الثالث الهجري وكان يلقب بعابد أهل الشام وزاهد العصر (140-205) اسمه عبد الرحمن بن عطية): قال: لَيْسَ الْجِهَادُ فِي الْآيَةِ قِتَالَ الْكُفَّارِ فَقَطْ بَلْ هُوَ نَصْرُ الدِّينِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَقَمْعُ الظَّالِمِينَ، وَعِظَمُهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِنْهُ مُجَاهَدَةُ النُّفُوسِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ. اهـ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِي طَاعَتِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ ثَوَابِنَا. لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (أَيْ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وقال النَّقَّاشُ: (وهو أبو بكر محمد بن الحسن (266-351 هـ) المقرئ، المعروف بالنقاش، الموصلي الأصل البغدادي المولد والمنشأ؛ كان عالما بالقرآن والتفسير) قال: يُوَفِّقُهُمْ لِدِينِ الْحَقِّ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: (هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد مصنف كتاب “الجامع” ولد سنة سبع وتسعين اتفاقا) قال: الْمَعْنَى لَنُخَلِّصَنَّ نِيَّاتِهِمْ وَصَدَقَاتِهِمْ وَصَلَوَاتِهِمْ وَصِيَامَهُمْ) وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (وَهُوَ سُبْحَانُهُ مَعَهُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةُ، وَالْحِفْظِ وَالْهِدَايَةِ، وَمَعَ الْجَمِيعِ بِالْإِحَاطَةِ وَالْقُدْرَةُ. وليس المعنى إن الله مع المحسنين حقيقة فالله تعالى لا يحل في شيء ولا ينحل منه شيء ولا يحل هو في شيء. فتَفْسِيرُ مَعِيَّةِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةِ فِى الْقُرْءَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْحَدِيدِ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ لا بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ كَمَا فِى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ لِلْمُفَسِّرِ اللُّغَوِىِّ الْحَافِظِ أَبِى حَيَّانَ الأَنْدَلُسِىِّ وَتَأْتِى الْمَعِيَّةُ أَيْضًا بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ أَيِ الحِفْظِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ فِى التَّاجِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَكِلا الْمَعْنَيَيْنِ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ فِى الآيَتَيْنِ الآنِفَتَىِ الذِّكْرِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِىُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَىْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ فَلا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعَالَمِ وَلا إِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ بِالْمَسَافَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنْ صِفَاتِ الْحَجْمِ وَالْحَجْمُ هُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الأَمْرَيْنِ مِنَ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَهُوَ حَادِثٌ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلا لَيْسَ بِحَادِثٍ وَقَدْ نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾) وروى ابن الجوزي عن فتح الموصلي (وهو فتح بن سعيد الموصلي – 220 للهجرة. من أقران بشر الحافي، وسري السقطي، كبير الشأن في باب الورع والمعاملات) قَالَ: خرجت حاجا فلما توسطت البادية إذا أنا بغلام صغير فقلت يا عجبا بادية بيداء وأرض قفراء وغلام صغير فأسرعت فلحقته فسلمت عَلَيْهِ ثم قلت يا بني إنك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام قَالَ يا عم قد مات من كان أصغر سنا مني فقلت وسع خطاك فَإِن الطريق بعيدة حتى تلحق المنزل فَقَالَ يا عم عليَّ المشي وعلى اللَّه البلاغ أما قرأت قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فقلت لَهُ مالي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة فَقَالَ يا عم زادي يقيني وراحلتي رجائي قلت سألتك عَنِ الخبز والماء. أزودك؟ فَقَالَ إليك عني هو يطعمنا ويسقينا قَالَ فتحٌ فما رأيت صغيرا أشد توكلا مِنْهُ ولا رأيت كبيرا أشد زهدا مِنْهُ)} (قال القشيري: معناه الذين زيّنوا ظواهرهم بالمجاهدات حسنت سرائرهم بالمشاهدات. الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى سرائرهم اللطائف.
ويقال الجهاد فيه: أولا بترك المحرّمات، ثم بترك الشّبهات، ثم بترك الفضلات، ثم بقطع العلاقات، والتنقّي من الشواغل في جميع الأوقات. ويقال بحفظ الحواسّ لله، وبِعَدِّ الأنفاس لله) [العنكبوت:69]
(وهذه الآية آخر آية من سورة العنكبوت فيها دليل لأهل السنة والجماعة في أن الله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويهدي عباده الطائعين، فالهداية والضلال بيد الله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وَالْهِدَايَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِبَانَةُ الْحَقِّ وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ، وَنَصْبُ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصِحُّ إِضَافَةُ الْهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ لِلَّهِ. قال تَعَالَى فِي رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أَيْ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ تَدُلُّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَتُبَيِّنُ لِلْخَلْقِ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ طَرِيقَ الْهُدَى، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْتَ تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَالرَّسُولُ لا يَمْلِكُ الْقُلُوبَ فَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذَا يُقَالُ لَهُ هِدَايَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ هُنَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ كَافِرًا، أَلَيْسَ الرَّسُولُ كَانَ يُحِبُّ لِأَبِي طَالِبٍ أَنْ يَهْتَدِيَ وَمَعَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ مَاتَ كَافِرًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الرَّسُولَ وَيُدَافِعُ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ مَا رَضِيَ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمَّا كَانَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ: »يَا عَمُّ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ« فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: إِنِّي عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ جَاءَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الرَّسُولِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ قَالَ: »اذْهَبْ فَوَارِهِ« جَهِّزْهُ لِلدَّفْنِ، وَالرَّسُولُ مَا خَرَجَ فِي جِنَازَتِهِ فَلَوْ كَانَ يُحِبُّهُ لِشَخْصِهِ كَانَ خَرَجَ فِي جِنَازَتِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ يُحِبُّ شَخْصَهُ بَلْ كَانَ كَارِهًا لَهُ مِنْ حَيْثُ كُفْرُهُ وَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ يُحِبُّ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وَأَنْبِيَاءُ اللَّهِ لا يُحِبُّونَ الْكَافِرِينَ لِأَنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُمْ، إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ اهْتِدَاءَهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أَيْ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْلُقَ الِاهْتِدَاءَ فِي قَلْبِ مَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ، فَمَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ لا تَهْدِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لا يَهْتَدِيَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ فِي الأَزَلِ يَهْتَدِي. الرَّسُولُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَهْتَدِيَ أَبُو طَالِبٍ لِأَنَّهُ قَرِيبُهُ وَلِأَنَّهُ حَمَاهُ وَلِأَنَّهُ كَانَ يُنَاضِلُ عَنْهُ، لَكِنَّ اللَّهَ مَا شَاءَ لَهُ الإِيـمَانَ فَمَاتَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَقَدْ سَأَلَ الْعَبَّاسُ الرَّسُولَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّكَ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يُحِبُّكَ وَيُنَاضِلُ عَنْكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ قَالَ: »إِنَّهُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ« رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَاهُ اللَّهُ جَعَلَ جَزَاءَهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ أَنَّ النَّارَ تَأْخُذُ مِنْهُ إِلَى الْقَدَمِ فَقَطْ، لا يَدْخُلُ الْمَكَانَ الَّذِي هُوَ بُعْدُهُ فِي النُّزُولِ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، الْكُفَّارُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مُسْلِمًا.
وَ أما قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أَيْ بَيَّنَّا لَهُمُ الْحَقَّ وَدَلَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَثَمُودُ قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَهُمْ قَوْمُ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، وَمَسَاكِنُهُمْ بَعْدَ الْمَدِينَةِ بِثَلاثِمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ تَقْرِيبًا إِلَى جِهَةِ الشَّامِ، فَثَمُودُ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ طَرِيقَ الْخَيْرِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ صَالِحًا فَبَيَّنَ لَهُمْ طَرِيقَ الْهُدَى طَرِيقَ الإِسْلامِ فَكَذَّبُوهُ، وَكَفَرُوا بِنَبِيِّهِمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْحَقِّ ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أَيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِطُغْيَانِهِمْ، أَمَرَ جِبْرِيلَ فَصَاحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أَيِ اخْتَارُوا الضَّلالَ وَلَمْ يَقْبَلُوا الإِيـمَانَ.
وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، أَيْ خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/125] وَالإِضْلالُ خَلْقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلالِ. فَالْعِبَادُ مَشِيئَتُهُمْ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾)
وَقالَ تَعَالَى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] (الْيَقِينَ الْمَوْتُ. أَمَرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بِعِبَادَتِهِ. وَأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فائدة قول:” حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” وَكَانَ قَوْلُهُ:” وَاعْبُدْ رَبَّكَ” كَافِيًا فِي الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ. قِيلَ لَهُ: الْفَائِدَةُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ:” وَاعْبُدْ رَبَّكَ” مُطْلَقًا ثُمَّ عَبَدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مُطِيعًا، وَإِذَا قَالَ” حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” كَانَ مَعْنَاهُ لَا تُفَارِقْ هَذَا حَتَّى تَمُوتَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ الْمَوْتُ حَدِيثُ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ”. رواه الْبُخَارِيُّ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ يَقِينًا أَشْبَهَ بِالشَّكِّ مِنْ يَقِينِ أكثر النَّاسِ بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ، يَعْنِي كَأَنَّهُمْ فِيهِ شَاكُّونَ. وَقَدْ رَوَى جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ لَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ”)
(وهذه الآية أيضًا فيها أمرٌ بالثبات على الإيمان إلى آخر العمر والتحذير من الارتداد عن الحق وهذا يحتاج إلى مجاهدة نفس وإلا فالنفس غالبا ما تهلك صاحبها، نعوذ بالله من النقصان بعد الزيادة، ومن الحور بعد الكور، وهذا أمر حذر منه الشرع الحنيف بأن ينقلب الشخص عن دينه بسبب سوء عمله وقبح نيته وفعله، ولْيَنْتَبِهِ الشخص إلى نفسه ولْيُتَابِعْهَا ولا يَلحَقَنَّ هواها فتهْلِكَهُ والعياذُ بالله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بخواتيمها”. فهنيئا لمن خُتِمَ له بالإيمان والسعادة والويل لمن خُتِمَ له بالكفر والشقاوة. وَلْيُعْلَمْ أن من الناس من يعاقبهم الله تعالى بسوء الخاتمة بسبب شؤم المعاصي.
يروى أن أحد العلماء واسمه الفضيل بن عياض كان له تلميذ وكان هذا التلميذ يحتضر على فراش الموت فوقف الفضيل عنده وصار يلقنه الشهادتين عند الاحتضار يقول له “قل لا إله إلا الله” فلا يستطيع هذا التلميذ أن ينطق بها. “قل لا إله إلا الله” فلا ينطق حتى قال هذا التلميذ “إني بريء منها” ومات على الكفر والعياذ بالله. الفضيل بن عياض خاف وارتعب وصار يبكي من خشية الله، ثم رأى هذا التلميذ في المنام وإذا به يجر إلى جهنم فقال له الفضيل “ويلك ماذا فعلت؟” قال له “يا أستاذي أنا كنت أستغيب إخواني وكنت أحسدهم فوصلت إلى هذه المرحلة ومت على الكفر”.
ومما يروى: كان أحد المشايخ قوي الحجة سريع البديهة لكن لم يكن صادق النية فأرسل لمناظرة الرهبان (كفار) في بلاد الروم فكسرهم بالحجة والبرهان فخشوا منه أن يسلم الناس على يده فطلبوا من ملكهم أن يزيّن له ابنته ويغريه بها فتضعف نفسه فيطلب الزواج منها فلا يُعطى طلبه حتى يخرج عن دينه، وحصل ذلك فافتتن بها وخرج عن دينه لكن سرعان ما ابتلاه الله بمرض سئم منه أولئك الكفرة الفجرة ورَمَت به تلك المرأة خارج قصرها واشتد المرض ومرت الأيام وما زال يقاسي ما يقاسي حتى مرَّ رجُل من بغداد بقربه فقال له “وكأني رأيتك قبل ذلك أأنت العالم الفلاني الذي كان يدرس في بغداد؟” فقال “أنا هو” فقال له “ما حصل لك” فقص عليه قصته ثم بعد ذلك قال له ذلك الرجل “ما يمنعك أن تعود للإسلام” فسكت، فقال “أما زلت تحفظ شيئا من كتاب الله؟” فقال “ءاية واحدة” فقال له “ما هي” فأجاب المرتد (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَروا لَو كَانُواْ مُسلِمِينَ). ثم مات. رَبَّنا لا تُزِغ قُلُوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لَدُنكَ رَحمَةً إنك أنت الوهاب. اللَّهُمَّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا وثبتنا على الإسلام) وَقالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ (أَيِ ادْعُهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، لِيَحْصُلَ لَكَ مَعَ الصَّلَاةِ مَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: أَيِ اقْصِدْ بِعَمَلِكَ وَجْهَ رَبِّكَ،) وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8] أي انْقَطِعْ إِلَيْه (التَّبَتُّلُ: الِانْقِطَاعُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيِ انْقَطِعْ بِعِبَادَتِكَ إِلَيْهِ، وَلَا تُشْرِكْ بِهِ غَيْرَهُ. يُقَالُ: بَتَلْتُ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعْتُهُ، وَمِنْهُ مَرْيَمُ الْبَتُولُ لِانْقِطَاعِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ لِلرَّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطَاعِهِ عَنِ النَّاسِ، وَانْفِرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ عَنِ النَّاسِ وَالْجَمَاعَاتِ. وَالتَّبَتُّلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ: هُوَ سُلُوكُ مَسْلَكَ النَّصَارَى فِي تَرْكِ النِّكَاحِ وَالتَّرَهُّبِ فِي الصَّوَامِعِ، على العقيدة الفاسدة اما العزلة لسبب فلا مانع منها
قال ابن الجوزي: وعليكَ بالعُزلةِ فهِي أصلُ كُلِّ خيرٍ (هذا الكلام يُذكرُ مع قيود، فأحيانا الاختلاطُ بالناسِ أفضلُ إذا احتيجَ لتعليمِهم والتعلمِ منهم أو إلى الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر، وقد روى السيوطيُّ فقال: قال النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ وَلَعنَ آخِرُ هذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَنْشُرْهُ، فَإنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَوْمَئِذٍ كَكَاتِمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ».اهـ
قال المناويُّ في شرحِ هذا الحديث: قال الغزاليُّ: والعلماءُ أطباءُ الدينِ فعليهِم أن يتكفلَ كلُّ عالمٍ منهم بِقُطْرِهِ أو محلَّتِهِ فيأمرَ بالمعروفِ وينهَى عنِ المنكرِ ويعلِّمَهم أمرَ دينِهم ويميزَ البدعةَ مِن السنةِ ومَا يضرُّهم عمَّا ينفعُهُم وما يشقِيهم عما يسعدُهم ولا يصبرُ حتى يُسألَ، بل يتصدَّى للدعوةِ بنفسِه لأنهم ورثةُ الأنبياءِ والأنبياءُ ما تركوا الناسَ على جهلِهم بل كانوا ينادونَهم في مجامِعِهم ويدورونَ على دورِهم فإن مُرضاءَ القلوبِ لا يعرفونَ مرضَهم فهذا فرضٌ على العلماءِ. اهـ
وحكيَ أن الأستاذَ ابنَ فورك قصدَ الانفرادَ للتعبدِ فبينما هو في بعضِ الجبالِ سمعَ صوتًا ينادي: يا أبا بكرٍ إذ قد صرتَ من حججِ اللهِ على خلقِه تتركُ عبادَ اللهِ فرجعَ وكان سببَ صحبتِه للخلقِ. وقال الأستاذُ أبو إسحاقَ لعبَّادِ جبلِ لبنانَ: يا أكلةَ الحشيشِ تركتُم أمةَ محمدٍ ﷺ في أيدِ المبتدعةِ واشتغلتُم ههنا بأكلِ الحشيشِ؟
وَقالَ تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة:7] (الذَّرَّةُ لَا زِنَةَ لَهَا) وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهُوَ مِثْلُ قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: 40]. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الذَّرَّ: أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَمَا عَلِقَ بِهَا مِنَ التُّرَابِ فَهُوَ الذر، وَقيل: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لما نزل وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [الإنسان: 8] كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْتِيهِ السَّائِلُ، فَيَسْتَقِلُّ أَنْ يُعْطِيَهُ التَّمْرَةَ وَالْكِسْرَةَ وَكَانَ الْآخَرُ يَتَهَاوَنُ بِالذَّنْبِ الْيَسِيرِ، كَالْكَذْبَةِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَوْعَدَ اللَّهُ النَّارَ عَلَى الْكَبَائِرِ، فَنَزَلَتْ تُرَغِّبُهُمْ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يُعْطُوهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أن يكثُر، ويحذرهم الْيَسِيرَ مِنَ الذَّنْبِ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ. وقد قيل:
إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًا
وَزْنَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ
وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرًّا
وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضًا جَزَاهُ
هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي
فِي إِذَا زُلْزِلَتْ وَجَلَّ ثَنَاهُ
قال القرطبي: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ أَحْكَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَصَدَقَ. وَرَوَى كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَتَيْنِ أَحْصَتَا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالصُّحُفِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَدْيَنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ قَالَ: فِي الْحَالِ قَبْلَ الْمَآلِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّي هَذِهِ الْآيَةَ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ، كَمَا فِي صَّحِيحِ البخاري. وَفِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ مِسْكِينًا اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ، فَقَالَتْ لِإِنْسَانٍ: خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ويعجب، فقال: أَتَعْجَبُ! كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ. وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِتَمْرَتَيْنِ، فَقَبَضَ السَّائِلُ يَدَهُ، فَقَالَ لِلسَّائِلِ: وَيَقْبَلُ اللَّهُ مِنَّا مَثَاقِيلَ الذَّرِّ، وَفِي التَّمْرَتَيْنِ مَثَاقِيلُ ذَرٍّ كَثِيرَةٍ.
وَكَانَ يَزِيْدُ بْنُ الْكُمَيْتِ -وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ- يَقُوْلُ: كَانَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ شَدِيْدَ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ، فَقَرَأَ بِنَا الْمُؤَذِّنُ لَيْلَةً فِيْ عِشَاءِ الْآخِرَةِ “إِذَا زُلْزِلَتِ” وَأَبُوْ حَنِيْفَةَ خَلْفَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَخَرَجَ النَّاسُ نَظَرْتُ إِلَىْ أَبِيْ حَنِيْفَةَ وَهُوَ جَالِسٌ يُفَكِّرُ وَيَتَنَفَّسُ، فَقُلْتُ: أَقُوْمُ لَا يَشْتَغِلُ قَلْبُهُ بِيْ، فَلَمَّا خَرَجْتُ تَرَكْتُ الْقِنْدِيْلَ وَلَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلَّا زَيْتٌ قَلِيْلٌ، فَجِئْتُ وَقدْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ قَائِمٌ قَدْ أَخَذَ بِلِحْيَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ يَقُوْلُ: يَا مَنْ يَجْزِيْ بِمِثْقَالِ ذَرَّةِ خَيْرٍ خَيْرًا، وَيَا مَنْ يَجْزِيْ بِمِثْقَالِ ذَرَّةِ شَرٍّ شَرًّا، أَجِرِ النُّعْمَانَ عَبْدَكَ مِنَ النَّارِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهَا مِنَ السُّوْءِ، وَأَدْخِلْهُ فِيْ سِعَةِ رَحْمَتِكَ، قَالَ: فَأَذَّنْتُ فَإِذَا الْقِنْدِيْلُ يَزْهَرُ وَهُوَ قَائِمٌ، فَلَمَّا دَخَلْتُ قَالَ لِيْ: اُكْتُمْ عَليَّ مَا رَأَيْتَ، وَرَكَعَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ وَجَلَسَ حَتَّى أَقَمْتُ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى مَعَنَا الْغَدَاةَ عَلَى وُضُوْءِ أَوَّلِ اللَّيْلِ)
وَقالَ تَعَالَى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] (رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ اتَّخَذَ حَيْسًا- يَعْنِي تَمْرًا بِلَبَنٍ- فَجَاءَهُ مِسْكِينٌ فَأَخَذَهُ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا يَدْرِي هَذَا الْمِسْكِينُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَكِنَّ رَبَّ المسكين يعلم مَا هُوَ. وَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً أَيْ مِمَّا تَرَكْتُمْ وَخَلَّفْتُمْ، وَمِنِ الشُّحِّ وَالتَّقْصِيرِ. (وَأَعْظَمَ أَجْراً) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْجَنَّةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ أَجْرًا، لِإِعْطَائِهِ بِالْحَسَنَةِ عَشْرًا) وَقالَ تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273] (ذكر النووي رحمه الله هذه الآية والتي فيها ذكر الإنفاق لأن هذا يحتاج إلى كسر نفس ومخالفة هوًى، فالنفس تتعلق كثيرا باحتواء المال وزيادته، وتمام الآية يوضح المقصود منها، فقد قال تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. فهؤلاء الفقراء المذكورون في هذه الآية وصفهم أنهم لا يسألون الناس إلحافا، قَالَ الطَّبَرِيُّ وَالزَّجَّاجُ: إِنَّ الْمَعْنَى لَا يَسْأَلُونَ الْبَتَّةَ، وهذا على أنهم متعففون عن الْمَسْأَلَةِ عِفَّةً تَامَّةً، وَيَكُونُ التَّعَفُّفُ صِفَةً ثَابِتَةً لَهُمْ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَاحًا وَلَا غَيْرَ إِلْحَاحٍ.
وينبغي على الموسر أن يبحث عن حاجات إخوانه من المسلمين فيقضيها لهم من غير تمنُّنٍ بل ابتغاء الأجر من الله تعالى، فالله تعالى جعل للفقير حقا من مال الغني، ولا ينتظر الموسر أخاه الفقير حتى يتعرض لذل الطلب فيطلب من الناس، وقد حُكِيَ أنّهُ جاءَ رجُلٌ إلى صديقِه يَطلُب منهُ المالَ لحاجةٍ نَزلَت به فأَعطاهُ ما طلَبَ فلَمّا انصرَف قعَدَ الذي أَعطاهُ المالَ يَبكِي فظَنّتْه زَوجتُه يَبكِي لأجْل المالِ الذي دفَعَه فقالت لهُ كُنّا اعتَذَرْنا لهُ بعُذْرٍ مِنَ الأعْذار أي حتى لا تَدفَع لهُ المال، فقال لها ما لهذا بكَيتُ إنما بكَيتُ لأني أَحْوَجتُه أن يَطلُبَ مِني. يعني كان يَنبغي أن أتفَقّدَ حَالَه وأقضِي له حاجتَه ولا أُحوجَه لأن يطلُبَ مني.اهـ
روى ابن أبي شيبة عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لَبِيدٌ:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ
وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ
يَتَحَدَّثُونَ مَخَانَةً وَمَلَامَةً
وَيُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ
قَالَ: ثُمَّ تَقُولُ عَائِشَةُ: فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ لَبِيدٌ مَنْ نَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ؟!
قَالَ: وَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَتْ عَائِشَةُ مَنْ نَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ؟!
قَالَ مَعْمَرٌ: فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ الزُّهْرِيُّ مَنْ نَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ
فأقول لكم أحبابي: يا مَن أغناك الله مِن فَضله هلا نظرتَ في حاجة أخيكَ وقضَيتَ لهُ حاجتَه حتى لا تُحوجَه لأنْ يَطلبَ منك، يا مَن أغناك الله مِن فضله هلا شَكرت ربّك على ما أعطاك، يا مَن أغناك الله مِن فضلِه ألا تعلم أنّ مَن عنده عِفّة نفس يشُقّ عليه الطّلب كثيرا ولو كانَ محتاجًا، يا مَن أغناك الله من فضله ألم تعلَم أن رسول الله قال لبلال رضي الله عنه أنفِق بلال ولا تخشَ مِن ذي العرش إقلالا، ألم تعلَم أن رسول الله كان يعطي عطاءَ من لا يخاف الفاقة وأنه كان لا يرُدّ طالبَ حاجة، يا من أغناك الله من فضله ألم تعلم أنّ الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار، يا من أغناك الله من فضله ألم تعلم أن الصّدقة سبب لمغفرةِ الذنوب ودفعِ البلاء وقضاءِ الحاجات ولتكونَ تحت ظل العرش يوم القيامة، يا من أغناك الله من فضله ألم تعلم أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، فيا أيها الأغنياء هلا سارَعتم في النظر في حوائج إخوانكم الفقراء ولم تحوجوهم للطلب منكم، ألم تعلموا أيها الأغنياء أنه ما نقص مال من صدقة) والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وروي أنه جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا عُمَرَ الْخَيْرِ، جُزِيتَ الْجَنَّةَ إِنَّ بَنَاتِي عُرَاةً فَاكْسُهُنَّهْ أَقْسِمْ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ فَقَالَ عُمَرُ: “وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا؟ “قَالَ: إِذًا أَبَا حَفْصٍ لأَذَهْبَنَّهُ. قَالَ: “فَإِذَا ذَهَبْتَ يَكُونُ مَاذَا؟ “قَالَ: يَكُونُ عَنْ حَالِي لَتَسْأَلَنَّهُ يَوْمَ تَكُونُ الأُعْطِيَاتُ ثَمَّهْ, وَالْوَاقِفُ الْمَسْئُولُ بَيْنَهُنَّهْ, إِمَّا إِلَى نَارٍ وَإِمَّا إِلَى جَنَّةْ. فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: “يَا غُلامُ، أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ لا لِشِعْرِهِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ”.