شرح حديث بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء | اسم الله الأعظم

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيمِ فَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ، الْعَظِيمِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَن، رَفَعَ إِدْرِيسَ إِلَى أَعَالِي الْجِنَانِ، وَنَجَّى نُوحًا وَأَهْلَكَ كَنْعَانَ، وَسَلَّمَ الْخَلِيلَ بِلُطْفِهِ يَوْمَ النِّيرَانِ، وَيُوسُفَ مِنَ الْفَاحِشَةِ حِينَ الْبُرْهَانِ، وَبَعَثَ شُعَيْبًا إِلَى مَدْيَنَ يَنْهَى عَنِ الْبَخْسِ وَالْعُدْوَانِ، وَيُنَادِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَلَكِنْ صُمَّتِ الآذَانُ ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾، [سورة الأعراف:85].

أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ محمدٍ الَّذِي فَاقَ دِينُهُ الأَدْيَانَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أبي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي كَانَ يَخافُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَعَلَى زَوْجِ الابْنَتَيْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ وَسَيِّدِ الشُّجْعَانِ، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرا، 

أما بعد:

وصلنا في شرح أذكار النبي ﷺ في الصباح والمساء إلى:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلا فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَىْءٌ». وَفِى رِوَايَةٍ: «لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاءٍ».

رَسُولُ اللهِ ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ معناه أتحصّن باسم الله، وعند قول القائل: “بسم الله”، كُلُّ فَاعِلٍ يَبدَأُ فِعلَهُ بِاسمِ اللهِ يُضمِرُ فِعلًا بِحَسَبِ مَا يُرِيدُ أَن يَفعَلَ؛ أَي أَبتَدِئُ أَو أَقرَأُ أَو أَتلُو مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا أَنَّ المُسَافِرَ إِذَا حَلَّ وَارتَحَلَ فَقَالَ باِسمِ اللهِ كَانَ المَعنَى بِاسمِ اللهِ أَحُلُّ وَبِاسمِ اللهِ أَرتَحِلُ، وَكَذَا الذَّابِحُ يَقُولُ بِاسمِ اللهِ أَذبَحُ، إذًا كُلُّ فَاعِلٍ يَبدَأُ فِعلَهُ بِاسمِ اللهِ يُضمِرُ فِعلًا بِحَسَبِ مَا يُرِيدُ أَن يَفعَلَ، فَفِيهِ تَعلِيمٌ لِلعِبَادِ كَيفَ يَتَبَرَّكُونَ بِاسمِ خَالِقِهِم عَزَّ وَجَلَّ وَكَيفَ يَستَعِينُونَ بِهِ، وَيُعَظِّمُونَهُ. 

وكَلِمَةُ (اسمٍ) مُشتَقَّةٌ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الرِّفعَةُ؛ لِأَنَّ التَّسمِيَةَ تَنوِيهٌ بِالمُسَمَّى وَإِشَادَةٌ بِذِكرِهِ، 

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُسلِمٍ: قَالَ الكُتَّابُ مِن أَهلِ العَرَبِيَّةِ إِذَا قِيلِ: (‌بِاسمِ ‌اللهِ) تَعَيَّنَ كَتبُهُ بِالأَلِفِ، وَإِنَّمَا تُحذَفُ الأَلِفُ إِذَا كُتِبَ (بِسمِ ‌اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ) بِكَمَالِهَا. اهـ 

وكَأَنَّ القَارِئَ لِلبسملة يَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا أَستَعِينُ بِكَ مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِكَ الأَعظَمِ وَأَنتَ يَا رَبِّ مَوصُوفٌ بِأَنَّكَ رَحمَنٌ رَحِيمٌ، فَهَذَا الدُّعَاءُ وَالجَهدُ مِنِّي بِتَوفِيقِكَ وَعَلَيكَ التُّكلَانُ وَبِكَ الِاستِعَانَةُ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، فَأَنتَ القَائِلُ سُبحَانَكَ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، [سورة الزمر:63]، وَهَذِهِ المَعَانِي مِن خُلَاصَةِ التَّوحِيدِ وَالِاعتِمَادِ وَالتَّوَجُّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ المَخلُوقَاتِ سُبحَانَهُ. 

فائدة:

الِابتِدَاءُ بِالبَسمَلَةِ سُنَّةٌ غَيرُ وَاجِبٍ – فِي غَيرِ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ – فِي كُلِّ أَمرٍ لَهُ شَرَفٌ شَرعًا سِوَى مَا وَرَدَ فِيهِ غَيرُهَا، كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تُبدَأُ بِالتَّكبِيرِ، وَالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يُبدَأُ بِالحَمدَلَةِ، وَمَا كَانَ غَيرَ قُربَةٍ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ حَرُمَ ابتِدَاؤُهُ بِالبَسمَلَةِ، فَلا يَجُوزُ البَدءُ بِهَا عِندَ شُربِ الخَمرِ، بَل قَالَ بَعضُ الحَنَفِيَّةِ: إِنَّ بَدءَ شُربِ الخَمرِ بِهَا كُفرٌ، لَكِنَّ الصَّوَابَ التَّفصِيلُ وَهُوَ أَن يُقَالَ: مَن كَانَ يَقصِدُ بِهَا التَّبَرُّكَ فِي شُربِ الخَمرِ كَفَرَ، وَإِن كَانَ القَصدُ السَّلَامَةَ مِن ضَرَرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ وَلَيسَ كُفرًا، وَالبَدءُ بِالبَسمَلَةِ عِندَ المَكرُوهِ مَكرُوهٌ.

وكان النّبي ﷺ في أول الأمر قبل نزول البسملة يُصَدِّر كتابه: “باسمك اللهم”، حتى نزلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، [سورة هود:41]، فكتب “بسم الله”، حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾، [سورة الإسراء:110]، فكتب “بسم الله الرحمن”، حتى نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، [سورة النمل:30]، فكتبها تامّة كاملة.

اسم الله الأعظم:

وَلِيُعلم أنّ اسمَ اللهِ الأَعظَمَ “اللهُ” وَهُوَ كَذَلِكَ لَيسَ مَخفِيًّا، يَقُولُ الإِمَامُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ رَحِمَهُ اللهُ: وَأَكثَرُ العُلَمَاءِ أَجمَعُوا عَلَى أَنَّ لَفظَ الجَلَالَةِ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، يَقُولُ: فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ المُقَدَّسِ المُستَحِقِّ لِجَمِيعِ المَحَامِدِ، عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ مَعنَاهُ: يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. 

فِي عِدَّةِ كُتُبٍ فِي فِقهِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمِنهَا الإِقنَاعُ فِي حَلِّ أَلفَاظِ أَبِي شُجَاعٍ يَقُولُ هَذَا فِي المُقَدِّمَةِ عِندَ شَرحِ بِاسمِ اللهِ: وَعِندَ المُحَقِّقِينَ ـ يَتَكَلَّمُ عَنِ اسمِ اللهِ (اللهُ) ـ يَقُولُ: وَعِندَ المُحَقِّقِينَ أَنَّهُ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ وَقَد ذُكِرَ فِي القُرآنِ العَزِيزِ فِي 2360 مَوضِعًا، فَكَيفَ لَا يَكُونُ اسمُ اللهِ الأَعظَمَ؟ اللهُ.

 ثُمَّ فِي حَاشِيَةِ السِّندِيِّ عَلَى سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَهُوَ يَذكُرُ اسمَ اللهِ الأَعظَمَ المُفرَدَ يَقُولُ: كَمَا عَلَيهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ العُلَمَاءِ وَالجُمهُورُ عَلَى أَنَّهُ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ الجِيلَانِيُّ: الِاسمُ الأَعظَمُ هُوَ اللهُ، فَهَذَا أَيضًا هُوَ قَولُ البَازِ الأَشهَبِ الإِمَامِ شَيخِ الطَّرِيقَةِ القَادِرِيَّةِ الشَّيخِ عَبدِ القَادِرِ الجِيلَانِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ.

 ومِن بَرَكَاتِ وَخَصَائِصِ هَذَا الِاسمِ أَنَّ الَّذِي يُكثِرُ مِن ذِكرِهِ يَصِيرُ عِندَهُ قُوَّةُ يَقِينٍ، مِن بَرَكَاتِ هَذَا الذِّكرِ مَن قَالَ يَا اللهُ، دَاوَمَ عَلَى قَولِ ذَلِكَ كُلَّ يَومٍ، يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، بِهَذِهِ الصِّيغَةِ رَزَقَهُ اللهُ اليَقِينَ وَيَسَّرَ اللهُ تَعَالَى مَقَاصِدَهُ المَحمُودَةَ، يَا اللهُ، هَذَا مِن خَصَائِصِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ المُفرَدِ، اللهُ، اللهُ، جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَدعِيَةِ. 

إِذَا أَرَدتَ أَن تَدعُوَ فَبَعدَ حَمدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَبلَ أَن تُسَمِّيَ حَاجَتَكَ قُل وَرَدِّد: يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، شَيخُنَا ذَاتَ مَرَّةٍ قَالَ: إِن شِئتَ أَوصِلهَا إِلَى مِائَتَينِ قَبلَ أَن تُسَمِّيَ حَاجَتَكَ، كُنتَ عِندَ الكَعبَةِ، رَزَقَنَا اللهُ الحَجَّ المَبرُورَ، أَم كُنتَ عِندَ رَسُولِ اللهِ، رَزَقَنَا اللهُ زِيَارَةَ الرَّسُولِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَو كُنتَ تَدعُو اللهَ تَعَالَى خَالِيًا، أَينَمَا كُنتَ فَابدَأ دُعَائَكَ بِحَمدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ قَبلَ أَن تُسَمِّيَ حَاجَتَكَ قُل: يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، مَعَ الِاستِحضَارِ.

هناك أحاديث ذكر فيها سيدنا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اسم الله الأعظم: 

الأول: “الله” لأنّ كلّ الأسماء تُنسب إليه، ﴿وَللهِ الأَسمَاءُ الحُسنَى﴾، [سورة الأعراف:180]، تقول:

الله هو الرحمن

الله هو الرحيم

الله الحيّ القيوم

الله ذو الجلال والإكرام، فكلّ الأسماء تُنسَب إليه.

لفظ الجلالة الله: إذا ناديت باسم “الرحمن”، تحذف الألف واللام فتقول: “يا رحمن” بدون الألف واللام، وإذا ناديت باسم “التّوّاب”، كذلك تحذف الألف واللام فتقول: “يا توّاب”، و”الغفور”، تقول: “يا غفور”، و “الرّزّاق”، كذلك تقول: “يا رزّاق”.

أمّا “الله” فتقول: “يا الله” لا تحذف الألف واللام.

الثاني: “الرحمن” 

الثالث: “ذو الجلال والإكرام

ولذلك العلماء قالوا: اسم الله الأعظم “ذو الجلال والإكرام”، اللهم إنّي أسألك السّتر يا ذا الجلال والإكرام.

الرابع: “الحيّ القيّوم” لأنّ سيّدنا النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الحديث الذي راوه الحاكم في المستدرك: («إِنَّ ‌اسْمَ ‌اللَّهِ ‌الْأَعْظَمَ ‌فِي ‌ثَلَاثِ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطَهَ». قال تعالى: ﴿اللهُ لَا إلهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾، [سورة البقرة:255]، وقال تعالى: ﴿اللهُ لَا إلهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾، وقال تعالى: قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ للحَيِّ القَيُّومُ﴾، [سورة طه:111]، فقالوا اسم الله الأعظم: الحيّ القيّوم.

الخامس: “الأحد الصّمد” فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: “‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ”، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» رواه الترمذي.

فلمّا تدعو الله قل: اللهم إنّي أسألك يا الله يا رحمن يا ذا الجلال والإكرام يا حيّ يا قيوم يا أحد يا صمد أن تُصلِّ وتسلّم وتبارك على سيدنا محمّد، واطلب ما تريد.

الَّذِى لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ يحتمي العبد مما يحصل له من الحوادث الدنيوية التي تضرّه بالله وباسمه سبحانه فهو أعزّ ما نحتمي به، مع اعتقاد أنّ كلّ شيء بتقدير الله عزّ وجلّ، نأخذ بالأسباب مع اعتقاد أنّ كلّ ما سيصيبنا هو بقدر الله عزّ وجلّ، إذا قدَّر الله نزول هذا البلاء علينا فإنّه لا بدّ أن ينزل، ولا يمنع وصول هذا البلاء إلينا أحد من خلق الله، 

في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حصل كما تعرفون طاعون عمواس، فقد روى الطبري في تاريخه أنّه لَمَّا كَانَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ قَدِمَ عمرُ الشَّامَ، لقيه أُمَرَاءُ الأَجنَادِ فِيهِم أَبُو عُبَيدَةَ بنُالجَرَّاحِ، فَأَخبَرُوهُ بِالوَبَاءِ وَشِدَّتِهِ، وَكَانَ مَعَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنصَارُ، فَجَمَعَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَالأَنصَارَ فَاستَشَارَهُم، فَاختَلَفُوا عَلَيهِ، فَمِنهُمُ القَائِلُ: خَرَجتَ لِوَجهِ اللهِ فَلَا يَصُدَّكَ عَنهُ هَذَا، وَمِنهُمُ القَائِلُ: إِنَّهُ بَلَاءٌ وَفَنَاءٌ فَلَا نَرَى أَن تَقدَمَ عَلَيهِ. فَقَالَ لَهُم: قُومُوا، ثُمَّ أَحضَرَ مُهَاجِرَةَ الفَتحِ مِن قُرَيشٍ فَاستَشَارَهُم، فَلَم يَختَلِفُوا عَلَيهِ وَأَشَارُوا بِالعَودِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهرٍ. فَقَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ: نَعَم نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيتَ لَو كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطتَ وَادِيًا لَهُ عُدوَتَانِ، إِحدَاهُمَا مُخصِبَةٌ وَالأُخرَى جَدبَةٌ، أَلَيسَ إِن رَعَيتَ الخَصِبَةَ رَعَيتَهَا بِقَدَرِ اللهِ وَإِن رَعَيتَ الجَدبَةَ رَعَيتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ فَسَمِعَ بِهِم عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ» فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعتُم بِهَذَا الوَبَاءِ بِبَلَدٍ فَلَا تَقدَمُوا عَلَيهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ وَأَنتُم بِهِ فَلَا تَخرُجُوا فِرَارًا مِنهُ)[1]. فَانصَرَفَ عُمَرُ بِالنَّاسِ إِلَى المَدِينَةِ. اهـ

فَسَرَّ الإمام الشَّافِعِيُّ الْقَدَرَ بِالْمَشِيئَةِ:

يتبيّن من كلّ هذا أنّه لا يمنع نفاذ مشيئة الله أحد، فالله سبحانه قادر على خلقه، وهذا معنى قول أهل السنة أنّ الله فعّال لما يريد، وَفي تحقيق هذه المعاني رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ:

مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَــمْ أَشَـــأْ وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَـــمْ يَكُــنْ
خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ
عَلَــى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ وَهَذَا أَعَنْـــتَ وَذَا لَـــــمْ تُعِــــنْ
فَمِنْهُمْ شَقِـــيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيــدٌ وَهَــــذَا قَبِيـــحٌ وَهَــــذَا حَسَــنٌ

هَذِهِ الأَبْيَاتُ رَوَاهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ رُوَاةِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ فَسَرَّ الشَّافِعِيُّ الْقَدَرَ فِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ بِالْمَشِيئَةِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ لِلْقَدَرِ عَلَى وَجْهِ الْبَسْطِ وَالتَّوَسُّعِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَّصِفٌ بِمَشِيئَةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لا تَتَغَيَّرُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ، لا يَطْرَأُ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَجَعَلَ لِلْعِبَادِ مَشِيئَةً حَادِثَةً تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ. يَقُولُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مناجيا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

“مَا شِئْتَ” أَيْ يَا رَبَّنَا “كَانَ” أَيْ مَا سَبَقَتْ بِهِ مَشِيئَتُكَ فِي الأَزَلِ لا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ “وَإِنْ لَمْ أَشَأْ” أَيْ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ أَنَا أَيْ أَنَا الْعَبْدُ حُصُولَهُ؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ نَافِذَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ حَادِثَةٌ، فَكُلُّ مَشِيئَةٍ فِي الْعِبَادِ حَصَلَتْ فَإِنَّمَا حَصَلَتْ فِينا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ فِي الأَزَلِ أَنْ نَشَاءَ فَتَنَفَّذَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِينَا أَنْ نَشَاءَ، ثُمَّ مُرَادُنَا الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُنَا لا يَحْصُلُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ حُصُولَ هَذَا الْمُرَادِ وَتَحَقُّقَهُ. فَمَشِيئَةُ اللَّهِ نَافِذَةٌ لا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لا يَتَحَقَّقُ شَىْءٌ مِنْ مُرَادَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ مِمَّا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَتَحَقَّقَ وَيَحْصُلَ لَكَانَ ذَلِكَ عَجْزًا وَالْعَجْزُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الإِلَهِ أَنْ تَكُونَ مَشِيئَتُهُ نَافِذَةً فِي كُلِّ الْمُرَادَاتِ، مِنْ خَصَائِصِ الإِلَهِ أَنْ تَكُونَ مَشِيئَتُهُ نَافِذَةً لا تَتَخَلَّفُ، أَيْ لا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ مَا شَاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ فِي الْوُجُودِ، فَيَجِبُ عَقْلًا وَشَرْعًا نَفَاذُ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَيْ تَحَقُّقُ مُقْتَضَاهَا. قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ” مَعْنَاهُ إِنْ أَنَا شِئْتُ حُصُولَ شَىْءٍ بِمَشِيئَتِي الْحَادِثَةِ إِنْ أَنْتَ يَا رَبِّي لَمْ تَشَأْ حُصُولَهُ بِمَشِيئَتِكَ الأَزَلِيَّةِ لا يَحْصُلُ؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ نَافِذَةٌ لا تَتَخَلَّفُ أَمَّا مَشِيئَةُ الْعَبْدِ فَحَادِثَةٌ، مِنْهَا مَا هُوَ نَافِذٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ نَافِذٍ أَيْ مِنْهَا مَا يَتَحَقَّقُ وَمِنْهَا مَا لا يَتَحَقَّقُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ”، مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبْرِزُ عِبَادَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ، لا عَلَى خِلافِ عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ، لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْعِلْمِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحِيلٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ.

 وَقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنّ”، فِي هَذَا الْكَلامِ حِكْمَةٌ كَبِيرَةٌ، أَيْ أَنَّ سَعْيَ الْفَتَى – أَيِ الشَّابِّ – وَالْمُسِنِّ – أَيِ الْعَجُوزِ – كُلٌّ سَعْيُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَيْ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، هَذَا الْفَتَى الَّذِي هُوَ ذُو قُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَهَذَا الْمُسِنُّ الَّذِي هُوَ ذُو عَجْزٍ وَضَعْفٍ كُلٌّ مِنْهُمَا لا يَحْصُلُ شَىْءٌ مِنْهُ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالنَّوَايَا وَالْقُصُودِ وَالإِدْرَاكَاتِ إِلَّا عَلَى حَسَبِ عِلْمِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ، كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْعِلْمِ يَجْرِيَانِ أَيْ يَتَقَلَّبَانِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ الأَزَلِيَّةِ، وَيَعْمَلانِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ وَيَتَصَرَّفَانِ وَيَسْعَيَانِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ. 

شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلا فِى السَّمَاءِ ومثل هذا ما روي في موطأ مالك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا الْتَفَتَ النبي ﷺ رَآهُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَلَا أعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إِذَا قُلْتَهُنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلَى، قَالَ جِبْرِيلُ: فَقُلْ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ التِي لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمن شَرِّ مَا ذَرَئ فِي الأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ، ‌إِلَّا ‌طَارِقًا ‌يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ».اهـ فالله تعالى يصرف الضرَّ إن نزل من السماء أو كان في الأرض لا يقدر على خلق السلامة إلا الله عزّ وجلّ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ الله تعالى هُوَ العَالِمُ بِالسَّرَائِرِ وَالخَفِيَّاتِ الَّتِي لَا يُدرِكُهَا عِلمُ المَخلُوقَاتِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى اللهُ عَارِفًا، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، [سورة الأنعام:59]، وَعِلمُهُ تَعَالَى عِلمٌ وَاحِدٌ لَا ابتِدَاءَ لَهُ؛ أَي صِفَةٌ وَاحِدَةٌ، خِلَافًا لِمَن قَالَ إِنَّ عِلمَهُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ المَعلُومَاتِ – حَاشَا للهِ – فَإِنَّ كَثرَةَ مُتَعَلَّقَاتِ الصِّفَةِ لَا تَجعَلُ الصِّفَةَ مُتَكَثِّرَةً. 

صفة العلم لله تعالى:

اتَّفَقَ المُسلِمُونَ جَمِيعُهُم عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ المَعلُومَاتِ المَوجُودَاتِ مِنهَا وَالمَعدُومَاتِ فَهُوَ سُبحَانَهُ يَعلَمُ دَبِيبَ[2] النَّملَةِ السَّودَاءِ عَلَى الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ[3] فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ، وَيَعلَمُ حَرَكَةَ الذَّرِّ[4]  فِي جَوِّ الهَوَاءِ وَيَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى[5] وَيَعلَمُ هَوَاجِسَ الضَّمَائِرِ[6] وَحَرَكَاتِ الخَوَاطِرِ[7] وَخَفِيَّاتِ السَّرَائِرِ[8] كُلُّ ذَلِكَ يَعلَمُهُ بِعِلمٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ لَم يَزَل مُتَّصِفًا بِهِ فِي الأَزَلِ، لَا بِعِلمٍ مُتَجَدِّدٍ حَاصِلٍ فِي ذَاتِهِ بِالحُلُولِ وَالِانتِقَالِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَفِي مَعنَى ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ الصُّوفِيُّ اليَمَنِيُّ عَبدُ الرَّحِيمِ بنُ أَحمَدَ البُرَعِيُّ:

يَرَى حَرَكَـاتِ النَّمــلِ فِي ظُلَــمِ الدُّجَـى  وَلَم يَخفَ إِعلَانٌ عَلَيهِ وَإِسرَارُ
وَيُحصِي عَدِيدَ النَّملِ وَالقَطرَ وَالحَصَى وَمَا اشتَمَلَت بَحـرٌ عَلَيهِ وَأَنهَارُ

هذا الشاعر رحمه الله هُوَ عَبدُ الرَّحِيمِ بنُ أَحمَدَ البُرَعِيُّ صَاحِبُ القَصِيدَةِ الشَّهِيرَةِ فِي مَدحِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَطلَعُهَا: 

يَا رَاحِلِيـــــنَ إِلَى مِنَى بِقِيَادِ  هَيَّجتُمُ يَومَ الرَّحِيلِ فُؤَادِي

تُوُفِّيَ سَنَةَ 803هـ.اهـ 

فالله تعالى يسمع كل المسموعات بلا آلة ولا احتياج ولا حدوث، وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء.

لَا يَجُوزُ القَولُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ:

 ولَا يَجُوزُ القَولُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ وَأَنَّهُ مَا خَرَجَ مِنَ الدُّنيَا إِلَّا وَهُوَ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى مِن فَسَادِ هَذَا المُعتَقَدِ، فَالقَائِلُ بِهِ سَاوَى بَينَ الخَالِقِ وَالمَخلُوقِ فِي صِفَةِ العِلمِ، وَالآيَاتُ القُرآنِيَّةُ وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا المُعتَقَدَ الشَّاذَّ عَنِ الحَقِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، [سورة الأحقاف:9]، فَالرَّسُولُ ﷺ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ لَا يَعلَمُ جَمِيعَ تَفَاصِيلِ مَا يَفعَلُهُ اللهُ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، فَكَيفَ يَتَجَرَّأُ مُتَجَرِّئٌ عَلَى قَولِ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ يَعلَمُهُ اللهُ وَالعِيَاذُ بَاللهِ تَعَالَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَىْءٌ» إذًا معنى الحديث إجمالا: أتحصّن أو أحتمي باسم العزيز الذي يحتمي باسمه عن كلّ سوء وهو السّميع لأحوال الكائنات العليم بها في سائر أزمنتها فلا يقع فيها شي إلا بقَدَرٍ أزلي. وَفِى رِوَايَةٍ: «لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاءٍ» مثلُ بلاءٍ مفاجئة كوقعِ سقف عليهِ. 

اللهُ خالقُ الأسبابِ والمسَبَّبات، فالأسبابَ لا تخلُق مُسَبّباتها:

قال أهلُ الحقّ أهلُ السّنّة والجمَاعة: لمّا كانَ اللهُ تبَارك وتعالى منفَردًا بالخلق أي الإحداثِ منَ العدَم إلى الوجود لا يُشَاركه في ذلكَ شَىءٌ لا مِن ذَوي الأرواح ولا مِنَ الجمَاداتِ ولا مِنَ الأسبابِ العاديّة، لا يُشاركُ الله تعالى شىءٌ في خَلق شىء مِن مَنفَعةٍ أو مضَرّةٍ أو عَينٍ أو أثَرٍ لما علِموا مِن قول الله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، [سورة فاطر:3]، وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾، [سورة الأنعام:101]، وقوله: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾، [سورة الرعد:16]، وقول رسوله الكريم ﷺ: «إنّ اللهَ صَانعُ كلّ صانِع وصَنعَتِه» رواه الحاكم والبيهقي. فعلِمنا أنّ الأسبابَ العاديّةَ ليسَت خَالقةً لشَىء مِن مُسبَّباتها بل اللهُ خالقُ الأسبابِ والمسَبَّبات، وهذا الترَابُط بينَ الأسبابِ والمسَبَّبات أمرٌ أَجرَى اللهُ بهِ العادةَ أي أنّ اللهَ تَعالى يَخلُق المسبَّب عندَ وجودِ السّبَب فكلاهما أي السّبب والمسبَّب يَستنِدُ في وجودِه وحصُولِه ووقُوعِه إلى إيجادِ الله تعالى، وكثيرٌ منَ الناس يقِفُونَ في تَفكِيرهِم عندَ الظّاهِر فيَقضُون ويَحكُمون بأنّ هذه الأسبابَ هيَ تَخلُق المسَبَّبات وهذا خلافُ الحقيقةِ وهو شرك بالله، لو كانتِ الأسبابُ تَخلُق المسَبَّبات لوَجَب حصُولُ المسبَّب عندَ كُلّ سبَب والواقعُ خِلافُ ذلك، نجِدُ كثِيرًا منَ الأسباب تُستَعمَل ولا يُوَجَدُ إثْرَها المسبَّب فبذلكَ يُعلَم أنّ الأسبابَ بقدَر اللهِ والمسَبَّباتِ بقَدَر الله فإنْ سبَق في مشيئة الله وعِلمِه الأزليّين وجود هذا المسبَّب إثْر السّبَب كان ذلكَ حتمًا حصولُه، لأنّ اللهَ شاءَ وعلِمَ أنّ هذا السبَب يَحصُل إثْرُه المسبَّب لا محَالَة مِن ذلك، أمّا إنْ لم يكن سبَق في عِلم الله ومشيئتِه حُصول المسبَّب إثْر هذا السّبَب فلا يحصُل ذلك المسبَّب. وورد فيما يَشهَد لهذا حديثًا في صحيح ابنِ حِبّان أن رسولَ الله ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ ‌دَاءٍ ‌دَوَاءً، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ»)، وعن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «لكُلّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدّاءِ برَأ بإذنِ الله عزّ وجَلّ»رواه ومسلم. 

فالأسبابُ مِن أدويةٍ وغيرِها لا تُوجِبُ في طَبعِها، بذاتها، حصولَ المسبَّب وشاهدُ الواقع يَشهَدُ بذلك، نَرى كثيرًا منَ النّاس يتَداوَون بدواءٍ واحِد وأمرَاضُهم مُتّحِدة فيتَعافى بعضٌ منهُم ولا يتَعافى الآخَرُون فلو كانَ الدّواءُ هو يَخلُق الشّفاء، المسبَّب الذي هو الشّفاء، لكان كلُّ واحِد يَستَعمِل ذلكَ الدّواءَ يتَعافى حتمًا ولم يكن هناكَ حصولُ الشّفاء لبَعض وعدَم حصولِه لبَعض، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فإذَا أُصِيبَ دَواءُ الدّاءِ برَأ بإذنِ الله» فبذلكَ نَعلَمُ أنّ الأدويةَ وجُودها بتقدير الله والشّفاء بتَقدير الله ليسَت الأدويةُ تَخلُق الشّفاء بحيثُ لا يتَخلَّف عندَ استِعمال أيّ دواءٍ حصُول الشّفاء إثْره، كذلكَ سائرُ الأسباب العاديّة النّارُ ليسَت مُوجِبَة لحصولِ الاحتراق إنّما الله تعالى شاءَ أن يَحصُلَ إثْر مماسّةِ النّارِ للشّىء الاحتراق، فإذا حصَلت مماسّةُ النار لشَىء ولم يحصُل الاحتراقُ علِمنا بأنّ المانعَ مِن حصُولِ الاحتراق إثْر مماسّة النارِ هو أنّه سبَقَ في عِلم الله ومشيئته الأزليَّين أنّه لا يحصل الاحتراقُ إثرَ مماسّة النّار لهذا الشىء.

الله تبارك وتعالى خلَق ألوانًا وأشكالًا مِن ذوات الأرواح جعَل في بعضِها ما لم يجعل في الآخَر، مِن هذا الطّير المسمّى السّمَندَل ويقالُ له السّمَنْد بلا لام، ويقالُ له السَّمنْدَل بالسّين هذا معروفٌ أنّه لا يَحصُل له احتراقٌ، جِلدُه لا يَحترق بالنار، وهو هذا الحيوان في حياتِه يَدخُل النار ويتَهنأ فيها وهو عزيزُ الوجود، يقولُ ابنُ خَلّكَان في تاريخه عن اللغويّ المشهور عبد اللطيف البغدادي، هذا من أئمّة اللغة، يقول: شاهَدتُ قِطعة مِن جِلدِ السّمَندل أُهدِيَت إلى الملِك الظّاهِر بنِ الملِك الصّالح صلاحِ الدّين عَرض ذراع في طُول ذِراعَين، صارُوا يَغمِسُونها في الزّيت ثم يُشعلُونها فتَنشَعِل النّار ثمّ تنطفئ النارُ وتَبقَى تلكَ القِطعة بَيضاءَ نقِيّة، وهذا الحيوانُ كغَيرِه مِن الحيواناتِ مؤلَّف مِن لحم ودم وعَظم، فلو كانت النارُ تَخلُق الإحراقَ بطَبْعها لم يحصُل تخَلّف الإحراق للسمندَل إذا مسّتْه النار، بل كان يحترقُ كما يحترقُ غيرُه، قال بعضُ الشّعراء مِن شعَراء الأندلس وهو جابرُ بنُ صَابر المِنجَنيقي وهو من شعراءِ القرن السابع:

قُــــل لمــنْ يَدّعِي الفخَــــــارَ                  دَعِ الفَخْر لِذِي الكِبْرِ والجَبـرُوتِ
نَســجُ داودَ لم يُفِدْ ليلةَ الغَــارِ                    وكـــــانَ الفخَــــارُ للعَنكَبُـــــوتِ

معناه ليلةَ كانَ رسولُ الله ﷺ في الغار هو وأبو بكر حمَاهما الله تعالى بنَسْج العنكبوت فكانَ الفَضلُ لنسج العَنكبوت ولم يكن هذا الفَضلُ لنَسج داود، نسجُ داودَ هو الدّرْع، معناه الله تعالى لم يحمِهما بنَسْج داود بل حماهما بنَسج العنكبوت وهو منَ الخَلْق الضعيف. قال:

مُزِيـــــلٌ فَضِيلَة اليَاقُــــوتِ وبقـــاءُ السّمَنْد في لهبِ النّارِ
وكذاكَ النّعامُ يَستَمرئ الجَمْرَ                      وما الجمـــرُ للنّعامِ بقُـــوتِ

المعنى أنّ الياقوتَ إذا لم يؤثّر بهِ النارُ فلَيس ذلكَ أمرًا مُستَغرَبا لأنّه حجَرٌ أمّا السّمَند فهو مِن لحم ودم. يعني أنّ عدَم احتراقِ السّمَند في لهب النّار يدُلّ على أنّ لهُ مِيْزَة ليسَت لليَاقُوت، فالحاصِل أنّهُ يجِبُ اعتقادُ أنّ الأسبابَ لا تخلُق مُسَبّباتها بل اللهُ يَخلُق المسبَّبات إثْرَ الأسباب؛ أي أنّه تعالى هو خالقُ الأسباب وخالقُ مُسبَّباتها وعلى هذا المعنى يُشهَر ما شاعَ وانتشَر على ألسنة المسلمين في أثناءِ أدعِيَتِهم: “يا مُسَبّبَ الأسباب” معناهُ أنّ اللهَ تعالى هو الذي خلَق في الأسبابِ حصُولَ مسَبَّباتها إثرَ استعمالها وهذا مِن كلام التّوحيد الذي هو اشتهر وفشَى على ألسنة المسلِمين علمائهم وعوامّهِم وهو يرجِعُ إلى تَوحيدِ الأفعال؛ أي أنّ الله تبارك وتعالى هو الذي فِعْلُه لا يتَخَلّف أثَرُه، إذا شاءَ حصُولَ شَىء إثْرَ مُزَاولةِ شَىء حصَلَ لا محَالةَ، لا بُدّ، فكمَا أنّ اللهَ تبارك وتعالى هو خالقُ المسَبَّبات إثْرَ استعمالِ الأسباب فهوَ خَالقُ العبادِ حَركاتِهم وسَكناتِهم لا خالقَ لشَىءٍ مِن ذلكَ غَيرُه.

الحديث الذي بعده:

وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى ثَلاثَ مَرَّاتٍ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا. كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرْضِيَهُ».

 ورد في روايات أخرى، فعن سعدِ بنِ أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن قال حين يسمعُ المؤذِّنَ وأنا أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، رضيتُ بالله ربّا وبمحمدٍ رسولًا وبالإسلامِ دينًا غُفِرَ له ذَنْبُهُ». وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير: «مَن قالَ إذا أصبحَ: رضيتُ باللهِ ربّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيّا، فأنا الزعيمُ لآخذُ بيدِهِ حتى أدخِلَهُ الجنةَ». 

عندما نقول هذا الذّكر الوارد عن النّبيّ ﷺ صباحًا ومساءً نتذكّر أكبر نعمة أنعم الله بها علينا وهي نعمة الإسلام وأننا نثبت عليه ونرضى به ونسأل الله أن يثبتنا عليه، قال مولانا الشيخ رضي الله تعالى عنه: الدِّينُ أكبَرُ نِعَم الله، أكبرُ نِعَم الله هو الإيمانُ والإسلام، هذا رأسُ مالِ الإنسان.اهـ 

فيا فوزَنا بدينِ الإسلامِ العظيمِ، الدّينِ الذي رضيَهُ اللهُ تعالى لعبادِهِ وأَمَرَنا باتباعِهِ وبالثباتِ عليه، فما أعظم أن نتمسّك بهذا الدّينِ العظيمِ نثبت عليه إلى المَمَاتِ فنكون من الفائزين الغانمين، فكم من الصّحابة والعلماء والأنبياء عُذِّبوا ليتركوا هذا الدّين ولكنّهم صبروا طلبًا للأجر والثّواب من الله عزّ وجلّ. نسأل الله أن يثبتنا على دين الإسلام كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرْضِيَهُ» ليس معناه أنّ الله يجب عليه شيء بل وعدًا منه سبحانه، 

الله لا يجب عليه شيء:

فإنّه قد تقرّر في عقائد المسلمين أنّه لَا يَجِبُ عَلَى اللهِ شَىْءٌ: مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الأصلح للعبد ليس بواجبٍ على الله تعالى، فالله تبارك وتعالى يفعل في ملكه ما يشاء فلا يجب عليه شيء. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة. 

وذهب جمهور المعتزلة  إلى أنّه يجب على الله فعل الأصلح لعباده، وهذا كفر، لأن القول بإيجاب شىء على الله يُنافي وصفه بالربوبية، وإنّما يتصوّر الوجوب على مَن له ءامر وناهٍ، والله لا ءامر له ولا ناهٍ، بل هو الآمر الناهي سبحانه ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ﴾، [سورة الأنبياء:23]، ولو كان يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده لخلقنا في الجنة، ولو كان يجب على الله فعل الأصلح لما خلق في بعض عباده الكفر والمعصية لأنّها ليست الأصلح لهم، وقد دلّت ءايات كثيرة على أنّ الله هو خالق أفعال العباد خيرًا كانت أو شرًّا. قال إسماعيل بن عبد الباقي الحنفي توفي سنة 1121هـ: “وإنما قلنا إنّ الوجوب عليه ينافي الألوهية لأنّ الوجوب عليه حكم من الأحكام، ولا يثبت الحكم بدون الحاكم، ولا حاكم عليه تعالى، فلا وجوب عليه أيضًا، ولأنّ القول بوجوب الأصلح عليه يوجب إبطال منّته على عباده في الهداية لهم في الصّحة والرّزق لأنَّ مَن أدّى حقًّا واجبًا عليه لا مِنّة له على المؤدّى عليه وهو باطل لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، [سورة آل عمران:164]، وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، [سورة الحجرات:17].

والله تبارك وتعالى يثيب الطائع فضلًا منه ويعاقب العاصي عدلًا منه من غير أن يجب عليه شىء، والمعتزلة قالت بهذه المقالة الشنيعة لاعتقادهم أنّ الله لو لم يكن واجبًا عليه مراعاة الأصلح لكان ظالـمًا، وهذا مردود لأنّ الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾، [سورة فصلت:46]، ولأنّ الظّلم هو التصرّف في ملك الغير بما لا يرضاه، ويقال مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنّهي، والله تبارك وتعالى يتصرّف في ملكه كما يريد ولا ءامر ولا ناهي له، قال رسول الله ﷺ:«لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ» رواه أحمد والطبراني وغيرهم. أصل الرّضا بالله وبنبيه وبدينه المذكور في هذا الحديث أي الإيمان بالله، يكون باعتقاد أنّه موجود من غير أن يُشبَّهَ بِشىء من خلقه والدّليل على ذلك من القرءان الكريم قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، [سورة الشورى:11]، والله تعالى هو خالقُ كل شيء؛ الأجسام الكثيفةِ، وهي ما يمكن ضبطه باليد كالحجر والشجر والإنسان، والأجسام اللطيفةِ، وهو ما لا يمكن ضبطه باليد كالرّيح والرّوح والنّور والظّلام والجن والملائكة فالله لا يشبه شيئًا من خلقه فلا يجوز أن يكون حجمًا كثيفًا ولا حجمًا لطيفًا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِمِقدَارٍ﴾، [سورة الرعد:8]، معناه: كلّ شيء خلقه الله على قدر معين من الحجم، فحبّة الخردل لها حجم صغير، وحبة القمح أكبر منها، ثم حبّة العنب أكبر، ثم العرش أكبر جسم خلقه الله من حيث الحجم، والجسم لا يخلق الجسم فثبت أنّ الله ليس جسمًا. ثمّ لا يجوز على الله أن يتصف بصفات الأجرام كالحركة والسّكون والكون في الجهة والمكان، فلا يجوز أن يقال إنّ الله موجود في السماء أو قاعد على العرش أو مستقر فوق العرش أو محاذيه؛ لأنّ كلّ هذا من صفات الأجسام، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي السّلفي في عقيدته التي ذكر أنّها بيان عقيدة أهل السّنة والجماعة:

“ومنْ وَصَفَ الله بِمَعنى منْ مَعَانِي البَشَر فَقَدْ كَفَرْ”

وقد مضى على وفاة الطحاوي أكثر من ألف سنة. ومعاني البشر معناه: صفاتهم كالجوارح والأعضاء والشكل واللون والتغير من حال إلى حال والانفعال والانتقال من مكان إلى ءاخر. الله تعالى هو خالق الأماكن والجهات فلا يجوز عليه أن يسكنها كان موجودًا قبل خلقها بلا مكان ولا جهة ولا يزال موجودًا بعد خلقها بلا مكان ولا جهة؛ لأنّ الله يغيّر في خلقه وهو سبحانه وتعالى لا يتغيّر.

والله تعالى أعلم وأحكم


[1] حديث عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رواه الطبراني في المعجم الكبير

[2] الدَّبِيبُ هُوَ السَّيرُ اللَّيِّنُ

[3] يُقَالُ: صَخرَةٌ صَمَّاءُ إِذَا لَم يَكُن فِيهَا خَرقٌ وَلَا مَنفَذَ

[4] الذَّرُّ: النَّملُ الأَحمَرُ الصَّغِيرُ، وَاحِدَتُهَا ذَرَّةٌ، وَقِيلَ الذَّرُّ أَجزَاءُ الهَبَاءِ فِي الكَوَّةِ وَكُلُّ جُزءٍ مِنهَا ذَرَّةٌ وَلَا يَكُونُ لَهَا وَزنٌ

[5] السِّرُّ: هُوَ مَا أَسرَرتَهُ لِغَيرِكَ، وَأَخفَى: هُوَ مَا أَخطَرتَهُ بِبَالِكَ وَأَسرَرتَهُ فِي نَفسِكَ

[6] الهَاجِسُ الخَاطِرُ

[7] مَا يَخطُرُ فِي القَلبِ مِن تَدبِيرٍ أَو أَمرٍ

[8] مَا أَكَنَّتهُ القُلُوبُ مِنَ العَقَائِدِ وَالنِّيَّاتِ