المحتويات
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
عِنْدَمَا يَسْتَيْقِظُ الأَطفَالُ فِي صَبَاحِ العِيد، يَشْعُرُونَ أَنَّ الْيَوْمَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الأَيَّام، فَالْبُيُوتُ مُمْتَلِئَةٌ بِالْفَرَحِ، وَالْمَلَابِسُ الْجَدِيدَةُ مُعَلَّقَةٌ تَنْتَظِرُ أَصْحَابَهَا، وَرَائِحَةُ الْحَلَوِيَّاتِ تَمْلَأُ الْمَكَان، فَبَعْدَ أَيَّامٍ جَمِيلَةٍ عِشْنَاهَا فِي شَهرِ رَمَضَانَ نَصُومُ وَنُصَلِّي وَنَفْعَلُ الْخَيْرَ، جَاءَ الْعِيدُ لِيَكُونَ يَوْمَ فَرَحٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَعدَ أَيَّامِ تِسعِ ذِي الحِجَّةِ وَمَا كَانَ فِيهَا مِن تَسَابُقٍ لِلخَيرَاتِ وَالمَبَرَّاتِ يَأتِي عِيدُ الأَضحَى وَمَا فِيهِ مِن شَعَائِرَ مُبَارَكَةٍ.وَلَكِنَّ الْعِيدَ لَيْسَ فَرَحًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَيْضًا يَوْمٌ نُظْهِرُ فِيهِ أَجْمَلَ أَخْلَاقِنَا، فَنُسَلِّمُ عَلَى النَّاسِ بِلُطْفٍ، وَنُفْرِحُ مَنْ حَوْلَنَا، وَنَحْتَرِمُ الْكِبَارَ، وَنُسَاعِدُ الْمُحْتَاجِينَ.
فَمَا هِيَ هَذِهِ الآدَابُ الَّتِي يَجْمُلُ بِهَا الْمُسْلِمُ فِي يَوْمِ الْعِيد؟ هَيَّا لِنَتَعَلَّمَهَا مَعًا.
الاغتسال ولبس أجمل الثياب
- يُسَنُّ الِاغتِسَالُ لِلعِيدِ، وَوَقتُهُ مِن نِصفِ اللَّيلِ، وَذَلِكَ لِفِعلِ الصَّحَابَةِ، فَقَد كَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَذهَبُ إِلَى المُصَلَّى حَتَّى يَغتَسِلَ.
- وَيُسَنُّ التَزَيُّنُ، بِأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَأَجمَلِهَا وَيَختَارُ الأَبيَضَ مِنَ اللِّبَاسِ، لِفعِلِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَقَد كَانَ يَلبَسُ أَجمَلَ شَيءٍ عِندَهُ مِنَ الثِّيَابِ فِي يَومِ العِيدِ.
- وَالتَطَيُّبُ.
- وَالتَسَوُّكُ.
- وَإِزَالَةُ نَحْوِ ظُفْرٍ وَرِيحٍ كَرِيهٍ.
الأكل
فِي عِيدِ الفِطرِ السُّنَّةُ الأَكلُ قَبلَ الخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ العِيدِ وَفِي عِيدِ الأَضحَى بَعدَ الصَّلَاةِ، فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّى -وَكَانَ هَذَا فِي عِيدِ الفِطرِ-.
الخروج إلى صلاة العيد باكرا
سُنَّ بُكُورٌ لِصَلَاةِ العِيدِ بَعدَ الصُّبحِ لِيَأخُذَ مَجلِسَهُ وَيَنتَظِرَ الصَّلَاةَ. وَوَقتُ التَّبكِيرِ يَكُونُ بَعدَ صَلَاةِ الفَجرِ.
الذهاب من طريق والعودة من طريق آخر
يَذهَبُ لِلصَّلَاةِ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، وَيَرجِعُ فِي آخَرَ قَصِيرٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَذْهَبُ فِي أَطْوَلِ الطَّرِيقَيْنِ تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ وَيَرْجِعُ فِي أَقْصَرِهِمَا، كَمَا رَوَاهُ ابنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَصَدَّقُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا أي فُقَرَاءِ الطَّرِيقَينِ، وَقِيلَ: لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ.
التكبير
سُنَّ أَنْ يُكَبِّرَ بِرَفعِ صَوتٍ فِي الطَّرِيقِ إِلَى المُصَلَّى وَفِِي المَنَازِلِ وَالأَسوَاقِ وَغَيرِهِمَا، وَفِي رَفْعِ الصَّوْتِ إظْهَارُ شِعَارِ الْعِيدِ، وَذَلِكَ لِفِعلِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَد كَانَ يُكَبِّرُ عِندَ خُرُوجِهِ مِن بَيتِهِ إِلَى أَن يَصِلَ إِلَى المُصَلَّى وَيُصَلِّي؛ فَقَد كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخرُجُ يَومَ الفِطرِ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأتِيَ المُصَلَّى، وَحَتَّى يَقضِيَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قَضَى الصَّلَاةَ قَطَعَ التَّكبِيرَ.
وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ، أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكرَةً وَأَصِيلًا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إله إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ.
صلاة العيد
- وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
- وتُشرَعُ جَمَاعَةً أَو فُرَادَى، لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالمُقِيمِ وَالمُسَافِرِ.
- وَتَكُونُ الصَّلَاةُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ.
ووقتها
بَعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ إلى الزوال، وَسُنَّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قدر رُمْحٍ.
كيفيتها
هِيَ رَكعتَانِ، وَالْأَكْمَلُ أَنْ يُكَبِّرَ رَافِعًا يَدَيْهِ فِي رَكعَةٍ أُولَى بَعْدَ دُعَاءِ افْتِتَاحٍ سَبْعًا غَيرَ تَكبِيرَةِ الإِحرَامِ، وَفِي ثَانِيَةٍ قَبْلَ تَعَوُّذٍ خَمْسًا غَيرَ تَكبِيرَةِ القِيَامِ، وَهَذَا قَبلَ القِرَاءَةِ.
وَيُستَحَبُّ أَن يَقُولَ بَينَ كُلِّ تَكبِيرَتَينِ: سُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ اللهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاللهُ أَكْبَرُ.
ما يُستحب في الصلاة
- رَفعُ اليَدَينِ مَعَ كُلِّ تَكبِيرَةٍ.
- وَضعُ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى تَحتَ الصَّدرِ بَينَ كُلِّ تَكبِيرَتَينِ.
- قِرَاءَةُ سُورَةِ “ق” أَو “الأَعلَى” فِي الرَّكعَةِ الأُولَى، وَ”القَمَرِ” أَوِ “الغَاشِيَةِ” فِي الثَّانِيَةِ، جَهرًا.
- الخُطبَتَانِ بَعدَ الصَّلَاةِ، وَيُكَبِّرُ الإِمَامُ فِي أَوَّلِ الخُطبَةِ الأُولَى تِسعَ تَكبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبعًا.
تهنئة المُسلمين بعضهم البعض بالعيد
وَذَلِكَ لِفعلِ الصَّحَابَةِ؛ فَقَد كَانُوا إِذَا رَأَوا بَعضَهُم يَومَ العِيدِ يَقُولُونَ:
«تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنكَ».
صلة الرحم وزيارة الأقارب
فِي يَومِ العِيدِ يَحرِصُ النَّاسُ عَلَى زِيَارَةِ الأَقَارِبِ، وَيَصِلُونَ أَرحَامَهُم، مِثلُ الجَدِّ وَالجَدَّةِ وَالأَعمَامِ وَالعَمَّاتِ وَأَولَادِهِم وَالأَخوَالِ وَالخَالَاتِ وَأَولَادِهِم، فَالزِّيَارَاتُ وَصِلَةُ الأَرحَامِ تَجعَلُ القُلُوبَ مُتَقَارِبَةً، وَتَزِيدُ المَحَبَّةَ بَينَ أَفرَادِ العَائِلَةِ.
إدخال الفرح والسرور على الفقراء
العِيدُ لَيسَ فَرَحًا لِأَنفُسِنَا فَقَط، بَل هُوَ فَرَحٌ لِلجَمِيعِ، لِذَلِكَ يُعطِي المُسلِمُونَ زَكَاةَ الفِطرِ لِلفُقَرَاءِ قَبلَ صَلَاةِ العِيدِ، حَتَّى يَستَطِيعُوا هُم أَيضًا أَن يَفرَحُوا بِهَذَا اليَومِ الجَمِيلِ، فَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَصَدَّقُ عَلَى الفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَلقَاهُم فِي طَرِيقِهِ إِلَى الصَّلَاةِ.
وَفِي عِيدِ الأَضحَى تُذبَحُ الأَضَاحِي تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتُوَزَّعُ عَلَى المُسلِمِينَ فَيَكُونُ فِيهَا إِطعَامٌ لِلفَقِيرِ وَصِلَةٌ لِلأَرحَامِ وَشَدٌّ لِرَوَابِطِ التَّكَافُلِ بَينَ النَّاسِ فِي مُجتَمَعَاتِ المُسلِمِينَ.
احترام الكبير والشفقة على الصغير
مِنَ الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي يَنبَغِي أَنْ تُعَلَّمَ لِلصِّغَارِ وَالكِبَارِ مَا أَوصَى بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ وَحَرصَ عَلَى تَعلِيمِهِ لِلمُسلِمِينَ وَهُوَ احْتِرَامُ الكَبِيرِ وَالشَّفَقَةُ وَالرَّحمَةُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَنَبذُ التَّكَبُّرِ عَلَى بَعضِنَا البَعضِ، فَعَن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبيرِنَا». حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقالَ التِّرمِذِيُّ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
بِرُّ الوالدين والجد والجدة
لَا يَنحَصِرُ بِرُّ الوَالِدَينِ وَالإِحسَانُ إِلَيهِمَا فِي العِيدِ، وَلَكِنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَكثَرَ وَأَكثَرَ وَيُحرَصُ فِيهِ عَلَى غَرسِ هَذِهِ الأَخلَاقِ وَالآدَابِ الإِسلَامِيَّةِ فِي قُلُوبِ الصِّغَارِ وَلَا سِيَّمَا بِرُّ الوَالِدَينِ وَالجَدِّ وَالجَدَّةِ وَالأَعمَامِ وَالعَمَّاتِ وَالأَخوَالِ وَالخَالَاتِ، وَالعِيدُ فُرصَةٌ لِغَرسِ هَذِهِ القِيَمِ لِمَا فِيهِ مِنَ اجتِمَاعِ الأَقَارِبِ غَالِبًا وَتَزَاوُرُهُمْ فِيهِ.
زيارة القبور والدعاء للأموات
مِنَ الأَعمَالِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا بَعضُ النَّاسِ فِي أَيَّامِ العِيدِ زِيَارَةُ القُبُورِ، فَيَذهَبُونَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ أَقَارِبِهِم وَأَحِبَّتِهِم الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ اللهُ، فَيُسَلِّمُونَ عَلَيهِم وَيَدعُونَ لَهُم بِالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ.
وَهَذِهِ الزِّيَارَةُ تُذَكِّرُنَا بِأَن نَدعُوَ لِمَن رَحَلُوا عَنَّا، وَأَن نَسأَلَ اللهَ أَن يَرحَمَهُم وَيَجعَلَ قُبُورَهُم رَوضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، كَمَا تُعَلِّمُنَا أَنَّ الحَيَاةَ قَصِيرَةٌ، وَأَنَّ عَلَينَا أَن نَعمَلَ الخَيرَ دَائِمًا.
خاتمة
وَفِي نِهَايَةِ حَدِيثِنَا عَن آدَابِ العِيدِ، نَتَذَكَّرُ أَنَّ العِيدَ يَومُ فَرَحٍ وَشُكرٍ للهِ تَعَالَى، نُظهِرُ فِيهِ المَحَبَّةَ، وَنَصِلُ فِيهِ أَرحَامَنَا، وَنُدخِلُ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِ النَّاسِ، كَمَا يُمكِنُ أَن نُذَكِّرَ أَنفُسَنَا بِالدُّعَاءِ لِمَن سَبَقُونَا بِالمَوتِ، فَنَزُورَ قُبُورَهُم بِهُدُوءٍ وَأَدَبٍ، وَنَسأَلَ اللهَ لَهُمُ المَغفِرَةَ وَالرَّحمَةَ. فَلنَجعَل عِيدَنَا عِيدَ خَيرٍ وَطَاعَةٍ، مَلِيئًا بِالابتِسَامَةِ وَالرَّحمَةِ، بَعِيدًا عَن كُلِّ مَا يُغضِبُ اللهَ، حَتَّى يَكُونَ عِيدُنَا مُبَارَكًا بِحَقٍّ. عِيدُكُم مُبَارَكٌ، وَتَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنكُم صَالِحَ الأَعمَالِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.