بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله معطي الجزيلَ لمنْ أطاعه ورَجَاه، وشديدِ العقاب لمن أعرضَ عن ذكره وعصاه، اجْتَبَى من شاء بفضلِهِ فقرَّبَه وأدْناه، وأبْعَدَ مَنْ شاء بعَدْلِه فولَّاه ما تَولَّاه، أنْزَل القرآنَ رحمةً للعالمين ومَنَارًا للسالِكين فمنْ تمسَّك به نال منَاه، ومنْ تعدّى حدوده وأضاع حقُوقَه خسِر دينَه ودنياه،
أحْمدُه على ما تفضَّل به من الإِحسانِ وأعطاه، وأشْكره على نِعمهِ الدينيةِ والدنيويةِ وما أجْدَرَ الشاكرَ بالمزيدِ وأوْلاه، وأشهد أنْ لا إِله إلَّا الله وحده لا شريك له الكاملُ في صفاتِهِ المتعالي عن النُّظَراءِ والأشْباه،
وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي اختاره على البشر واصْطفاه، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابه والتابعينَ لهم بإِحسانٍ ما انْشقَّ الصبحُ وأشْرقَ ضِياه، وسلَّم تسليما.
أما بعد:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة/ الآية 128]، هذا النبي الكريم ﷺ الذي ما زلنا نذكره ونمشي في بساتين سيرته العطرة ﷺ ونتعلم من مدرسته عليه الصلاة والسلام طيبَ الأخلاق وفضائلَ الأعمال، ما زلنا نمضي في بيان فضله ﷺ على جميع الخلق وعلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وأوتي ﷺ الخلة كإبراهيم عليه السلام
الخليلُ هو الذي بلغَ مقامَ الخُلّةِ وهي الغايةُ في الانقطاعِ إلى عبادةِ الله، وسُمّيَ إبراهيمُ خليلًا لأنّه آثرَ الخالقَ على المخلوقِ مِن كمالِ محبّتِه. قال اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سورة النساء/ الآية 125] إبراهيم سبقَ نبيَّنا وجودًا فذُكِرَ له هذا الفضل – أي أنه خليلُ الله – ليس لأنه لا يوجد غيرُه خليلًا لله بل سيدُنا محمدٌ ﷺ يقال عنه خليلُ الله كذلك – أي بلغَ الغايةَ في الانقطاعِ في العبادةِ إلى الله -، مقامُ الخُلّةِ مقامٌ عالٍ لا يكونُ في هذه الأيام، ولا يقال أبو بكر خليلُ الله ولا يقالُ في الأنبياءِ هذا اللفظ إلا في سيّدِنا محمد وسيّدِنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولا يقال صديق الله، فلا يقال عن الله صديقًا بل نقول: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام أوتيا مقام الخلّة، فقد أخرج ابن ماجه وأبو نعيم عن رسول الله ﷺ: ((إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا)) وروى أبو نعيم عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بخمسة أيام: ((إن الله اتخذ صاحبكم خليلا)). وروى الطيالسي وابن أبي شيبة، برجال ثقات عن ابن مسعود رضي الله عنه: ((إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم خليلا، وإن صاحبكم خليل، وإن محمدا ﷺ أكرم الخلائق على الله))، ثم قرأ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 79].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنِّي سَأَقُومُ مَقَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى أَبُوهُمْ إبراهيم الخليل))، فدلّ على أنّه أفضل إذ هو يحتاج إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَهُ لَذَكَرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حُجِبَ عَنْ نُمْرُود بِحُجُبٍ ثَلَاثَةٍ وهي حجاب البطن والغار والنار.
قُلْنَا: وَحُجِبَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، وَقَدْ روي فِي السِّيرَةِ لمَّا أمر الله عزّ وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بالدعوة في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 94]، جهر النبي صلى الله عليه وسلم بها، وبيَّن لقومه ما هم فيه من الضلالة والشرك، والجهل والخرافات، ولمّا لم يستطيعوا أن يواجهوا الحُجَّة بالحجة، جاهروه بالعداوة، وعزموا على مخالفته، عصبية وجهلًا، وحسدًا وحقدًا، وتعرضوا له بالسّبّ والشّتم من أوّل لحظة دعاهم فيها، وكان من أوائل وأشدّ من تعرّض له صلى الله عليه وسلم بالسبّ والإيذاء عمه أبو لهب وزوجته أم جميل ـ حمّالة الحطب ـ، وقد نزل فيهما قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)﴾ [سورة المسد/ الآية 1-5]. وحين علمت أم جميل ما نزل فيها وفي زوجها من آيات قرآنية ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفي يدها فهر من حجارة، فلمّا وقفت عليهما قالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال: لقد أخذ الله ببصرها عنّي، وكانت تنشد وتقول: مذمم أبينا .. ودينه قلينا .. وأمره عصينا ..
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 45]
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه عن سبّ وشتم أم جميل وغيرها من المشركين له: ((ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم! يشتِمُون مُذَمَّمًا، ويلعنون مُذَمَّمًا، وأنا محمّد)) رواه البخاري.
وكذلك حجب ومنع أبو جَهْلٍ حِينَ هَمَّ أَنْ يَطَأَ بِرِجْلِهِ رَأْسَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فرأى خندقًا من نار وهولا عَظِيمًا وَأَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ دُونَهُ، فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يتقى بيديه، فقالت له قريش: مالك، وَيَحَكَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا)) رواه مسلم،
وَكَذَلِكَ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْهِجْرَةِ وَقَدْ أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بَيْتِهِ رِجَالًا يَحْرُسُونَهُ لِئَلَّا يَخْرُجَ، وَمَتَى عَايَنُوهُ قَتَلُوهُ، فَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر عَلَى رَأْسِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ تُرَابًا وَيَقُولُ: شاهت الوجوه، فلم يَرَوْهُ حَتَّى صَارَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ.
وَكَذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ حِينَ اتَّبَعَهُمْ بِسُقُوطِ قَوَائِمِ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ أَمَانًا.
| أَبَـا حَـكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا | لأَمْرِ جَوَادِيَ إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهُ |
| عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا | رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهُ |
| عَلَيْــكَ بِكَفِّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّنِي | أَرَى أَمْرهُ يَوْمًا سَتَبْدُو مَعَالِمُهُ |
| بِأَمْـرٍ يَوَدُّ النَّاسُ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ | بِأَنَّ جَمِيـعَ النَّاسِ طُرًّا تُسَالِمُهُ |
وعَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا فَنَظَرْتُ إِلَى النَّبْلِ تَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسْطَهَا، كُلُّ ذَلِكَ يَصْرِفُ عَنْهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ مَا مَعَهُ أَحَدٌ ثُمَّ جَاوَزَهُ، فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ، أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُ مِنَّا مَمْنُوعٌ.
وذكر ابن حامد فى كتابه فى «المقابلة» إِضْجَاعَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَدَهُ لِلذَّبْحِ مُسْتَسْلِمًا لأمر الله تعالى، فنقول: سلَّم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ لأمر الله وتعرض لِلْقَتْلِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرَهُ حَتَّى نَالَ مِنْهُ الْعَدُوُّ مَا نَالُوا، مِنْ هَشْمِ رَأَسِهِ، وَكَسْرِ ثَنِيَّتِهِ الْيُمْنَى السُّفْلَى، وَقَدْ دَخَلَ فِي وَجْنَتَيْهِ ﷺ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ الْمِغْفَرِ. فَكَرِهَ أبو عبيدة أَنْ يَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ، فَيُؤْذَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعضَّ عَلَيْهِمَا بِفِيهِ، فَاسْتَخْرَجَ إِحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ، وَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ مَعَ الْحَلْقَةِ، ونزع الحلقة الثانية، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى مَعَ الْحَلْقَةِ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ هَتْمًا – كسر الثنايا من أصلها -، وَأَنَّ الرَبَاعِيَةَ الَّتِي كُسِرَتْ لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هِيَ الْيُمْنَى السُّفْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَصَمَ نُمْرُوذَ بِبُرْهَانِ نُبُوَّتِهِ فَبَهَتَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 258]. فَمُحَمَّدٌ ﷺ أَتَاهُ الْمُكَذِّبُ بِالْبَعْثِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ بِعَظْمٍ بَالٍ يَفْرُكُهُ وَقَالَ: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْبُرْهَانَ السَّاطِعَ فَقَالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس/ الآية 79] فَانْصَرَفَ مَبْهُوتًا بِبُرْهَانِ نُبُوَّتِهِ. وَهَذَا أَقْطَعُ للحجة، وهو استدلاله للمعاد بِالْبَدَاءَةِ، فَالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة يس/ الآية 81]أَيْ يُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [سورة الأحقاف/ الآية 33]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم/ الآية 27]،
فَأَمَّا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ فَإِنَّهُ مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ فَدَعْوَاهُ أنّه هو الذى يحيى الموتى، لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُكَذِّبُهُ بِعَقْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَلْزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ بِالْإِتْيَانِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَى فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وَالله تعالى سلّط محمدًا عَلَى هَذَا الْمُعَانِدِ لَمَّا بَارَزَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَتَلَهُ بِيَدِهِ الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردّى عن فرسه، فقالوا له: ويحك مالك؟
فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ بِي لَمَا لَوْ كَانَ بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ() لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ، أَلَمْ يَقُلْ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ؟ وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لقتلنى – وكان هَذَا لَعَنَهُ اللَّهُ قَدْ أَعَدَّ فَرَسًا وَحَرْبَةً ليقتل بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فكان كذلك يوم أحد.
وعن ابن إسحاق قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، وكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء/الآية 98-100]، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزّبَعْرى بن قيس بن عديّ السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزّبَعْرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكلّ من عبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عُزَيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد بن المغيرة ومن كان في المجلس من قول عبد الله بن الزّبَعْرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ابن الزّبَعْرى، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبد، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرهم بعبادته “، فأنـزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 101].
وَعن سَعِيد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: رَمَى حَسَّانُ بْنُ الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتِ وَاحِدٍ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ:
| لَا تعدمن رجلا أحلّك بُغْضُــهُ | نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ |
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى أَيْضًا حِينَ أَسْلَمَ:
| مَنَــــعَ الرُّقَادَ بَلَابِـــلٌ وَهُمُــــومُ | واللَيْــــلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيـــمُ |
| مِمَّـــــا أَتَانِــــي أَنَّ أَحْمَـدَ لَامَنِي | فِيــــــهِ فَبِتُّ كَأَنَّنِي مَحْمُــــــومُ |
| إنِّـــــي لَمُعْتَذِرٌ إلَيْــــكَ مِـنْ الَّذِي | أَسْدَيْتُ إذْ أَنَا فِي الضَّلَالِ أَهِيمُ |
| فَالْيَـــــوْمَ آمَــنَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّــــــدٍ | قَلْبِي وَمُخْطِئُ هَـــــذِهِ مَحْـرُومُ |
| مَضَتْ الْعَدَاوَةُ وَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا | وَدَعَـــتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُــومُ |
| فَاغْفِرْ فِدًى لَــكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَــا | زَلَلِي، فَإِنَّكَ رَاحِــــمٌ مَرْحُـــومُ |
| وَعَلَيْكَ مِنْ عِلْـــمِ الْمَلِيكِ عَلَامَــةٌ | نُورٌ أَغَــــرُّ وَخَاتَـــمٌ مَخْتُــــومُ |
| أَعْطَـــاكَ بَعْدَ مَحَبَّــــةٍ بُرْهَانَـــهُ | شَرَفًا وَبُرْهَـــانُ الْإِلَــــهِ عَظِيمُ |
| وَلَقَدْ شَهِدْتُ بِأَنَّ دِينَــــكَ صَادِقٌ | حَـــقٌّ وَأَنَّكَ فِي الْعِبَـــادِ جَسِيمُ |
| وَاَللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَــــدَ مُصْطَفًـى | مُسْتَقْبَلٌ فِي الصَّالِحِيــــنَ كَرِيمُ |
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَسَرَ أَصْنَامَ قَوْمِهِ غَضَبًا لِلَّهِ،
قِيلَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كسر ثلاثمائة وستين صنما، فَكَانَ كُلَّمَا دَنَا مِنْهَا بِمِخْصَرَتِهِ تَهْوِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهَا، وَيَقُولُ: ((وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقا)) فَتَسَاقَطُ لِوُجُوهِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِنَّ فَأُخْرِجْنَ، وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَجْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ جاء هَذَا فِي أَوَّلِ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ أن الأصنام تساقطت أيضًا لمولده الْكَرِيمِ، وَهَذَا أَبْلَغُ وَأَقْوَى فِي الْمُعْجِزِ مِنْ مُبَاشَرَةِ كَسْرِهَا.
أمّا اطلاع إبراهيم عليه السلام في السماء والشمس والكواكب، فقصته أنه عليه السلام أراد أن يبين لقومه أنّ عبادة الكواكب باطلة وأنها لا تصلح للعبادة أبدًا لأنها مخلوقة مسخّرة متغيرة تطلع تارة وتغيب تارة أخرى، وأنها تتغير من حال إلى حال وما كان كذلك لا يكون إلهًا، لأنها بحاجة إلى من يغيرها وهو الله تبارك وتعالى الدائم والباقي الذي لا يتغير ولا يزول ولا يفنى ولا يموت، لا إله إلا هو ولا رب سواه، فبيّن إبراهيم لقومه أولًا أن الكوكب لا يصلح للعبادة ثم انتقل إلى القمر الذي هو أقوى ضوءًا منه وأبهى حسنًا، ثم انتقل إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء ونورًا، فبين أنها ذات حجم وحدود وأنها متغيرة تشرق وتغرب وإذا كانت متغيرة فلا تصلح للألوهية لأنها بحاجة إلى من يغيرها ويحفظ عليها وجودها وهو الله تبارك وتعالى خالق كل شيء ومدبر أمر هذا العالم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 75-79].
وأما معنى قول سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الكوكب حين رءاه: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [سورة الأنعام/ الآية 76] فهو على تقدير الاستفهام الإنكاري فكأنه قال: أهذا ربي كما تزعمون، لذلك لما غاب قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 76] أي لا يصلح أن يكون هذا الكوكب ربًّا لأنّه يأفل ويتغيّر فكيف تعتقدون ذلك، ولما لم يفهموا مقصوده وظلوا على ما كانوا عليه، قال حين رأى القمر مثل ذلك فلمّا لم يجد منهم بغيته أظهر لهم أنه بريء من عبادته أي من عبادة القمر لأنه لا يصلح للعبادة ولا يصلح للربوبية، ثم لما أشرقت الشمس وظهرت قال لهم مثل ذلك، فلما لم ير منهم بغيته أيضا وأنهم أصحاب عقول سقيمة وقلوب مظلمة مستكبرة أيِسَ منهم وأظهر براءته من هذا الإشراك الذي وقعوا به وهو عبادة غير الله تعالى، وأما إبراهيم عليه السلام فهو رسول الله ونبيه فقد كان مؤمنًا عارفًا بربه كجميع الأنبياء لا يشكّ بوجود الله طرفة عين، وكان يعلم أنّ الربوبية لا تكون إلا لله وأنه لا خالق إلا الله ولا معبود بحق إلا الله.
ولم يكن كما يفتري عليه بعض أهل الجهل والضلال من قولهم إنه مر بفترات وأوقات شك فيها بوجود الله، لأن الأنبياء والرسل جميعهم يستحيل عليهم الكفر والضلال قبل النبوة وبعدها، لأنهم بُعثوا هداة مهتدين ليعلموا الناس الخير وما أمرهم الله بتبليغه، فقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل مناظرته لقومه وإقامة الحجة عليهم وقبل دعوتهم إلى الإسلام والإيمان يعلم علمًا يقينًا لا شكّ فيه أنّ له ربًّا وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئًا وخالق كلّ شيء، وأنّ الأولوهية والربوبية لا تكون إلا لله خالق السموات والأرض وما فيهما وهو مالك كل شيء وقادر على كل شيء وعالم بكل شيء ونافذ المشيئة في كل شيء، والدليل على ذلك من القرءان قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 51]، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنعام/ الآية83]، وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم بعد أن أقام إبراهيم الحجة على قومه وأفحمهم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 79].
قال السيوطي: ومما أوتيه إبراهيم كلام الأكبش – الخروف ذكره الكبش، أنثاه النعجة وصغيره الحمل – فقد أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن علْبَاء بن أَحْمَر أَن ذَا القرنين قدم مَكَّة فَوجدَ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل يبنيان الْبَيْت، فَقَالَ: مَا لَكمَا ولأرضي؟ فَقَالَا: نَحن عَبْدَانِ مأموران أُمرنَا بِبِنَاء هَذِه الْكَعْبَة. قَالَ: فهاتا بِالْبَيِّنَةِ على مَا تدعيان. فَقَامَ خَمْسَة أكبش فَقُلْنَ نَحن نشْهد أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَبْدَانِ مأموران أمرا بِبِنَاء هَذِه الْكَعْبَة. فَقَالَ: قد رضيت وسلمت.
وَقد تكلم بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ عدَّة من الْحَيَوَانَات.
وَمن معجزاته مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن أبي صَالح قَالَ: انْطلق إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام يبحث عن الطعام فَلم يقدر على الطَّعَام، فَمرّ بتربة حَمْرَاء غليظة فَأخذ مِنْهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ قَالَ: حِنْطَة حَمْرَاء. ففتحوها فوجدوها حِنْطَة حَمْرَاء. فَكَانَ إِذا زرع مِنْهَا شَيْء خرج سنبلة من أَصْلهَا إِلَى فروعها حبا متراكما.
وَقد حصل نَظِير ذَلِك لنبينا ﷺ فِي السقاء الَّذِي زوده لأَصْحَابه وملأه مَاء ففتحوه فَإِذا هو لبن وزبد.
روى ابن سعد عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رجلين فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ما معنا ما نتزوده. فَقَالَ: ابْتَغِيَا لِي سِقَاءً. فَجَاءَاهُ بِسِقَاءٍ. قَالَ: فأمرنا فملأناه ثم أوكأه وَقَالَ: اذْهَبَا حَتَّى تَبْلُغَا مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُكُمَا. قَالَ: فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْحَلَّ سِقَاؤُهُمَا فَإِذَا لَبَنٌ وَزُبْدُ غَنَمٍ فَأَكَلا وَشَرِبَا حَتَّى شِبَعَا.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ