رغم أنف من أدرك والديه ولم يدخل الجنة – فرصة بر الوالدين في الكِبَر

المقدمة

الحمد لله الذي أنشأ الأب الأكبر من تراب، وأخرج ذريته من الترائب والأصلاب، وعضد العشائر بالقرابة والأنساب، وأنعم علينا بالعلم وعرفان الصواب، وأحسن تربيتنا في الصبا وحفظنا في الشباب، ورزقنا ذرية نرجو بوجودهم وفور الثواب: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾،

أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ أَخْلَصَ وَأَنَابَ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ أَفْضَلِ نَبِيٍّ نَزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كِتَابٍ، وعلى صاحبه أبي بكر مقدم الأصحاب، وَعَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَقَتِيلِ الْمِحْرَابِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمَهِيبِ وَمَا سَلَّ سَيْفًا بَعْدُ مِنْ قِرَابٍ، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الفصل والمآب، 

أما بعد:

الحديث الحادي عشر: من أحق بحسن صحابتي؟

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن عمارة بن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟

«أُمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ «أُمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ «أُمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ «أَبُوكَ»

قصة دعوة أبي هريرة لأمه

روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنّه قَالَ: وَاللَّهِ لا يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مُؤْمِنَةٌ إِلَّا أَحَبَّنِي. قَالَ قُلْتُ: وَمَا يُعَلِّمُكَ ذَاكَ؟ قَالَ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ. قَالَ فَدَعَوْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. فَفَعَلَ فَجِئْتُ فَإِذَا الْبَابُ مُجَافٌ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا ثُمَّ قَالَتْ: ادْخُلْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَدَخَلْتُ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله.

فَجِئْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحُزْنِ. فَقُلْتُ: أَبْشِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَكَ. قَدْ هَدَى اللَّهُ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّيَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَإِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ.

فَقَالَ:

«اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ»

فَلَيْسَ يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مؤمنة إلا أحبني.

من فضائل أبي هريرة

وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ:

«لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنَ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. إِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مخلصًا من قبل نفسه»

يفهم من هذا أنّ من مات على لا إله إلا الله مآله في النهاية أن يدخل الجنة ولو عُذب بذنوبه إن لم يعفُ الله عنه، فهذا سبيل النجاة أن يعرف الواحد معنى شهادة التوحيد ويعتقد معناها وينطق بها معتقدا المعنى.

معنى شهادة التوحيد

ومعناها يتلخص بإثبات صفات الله الواجبة له وَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِىَ:

  • الْوُجُودُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لا شَكَّ فِى وُجُودِهِ
  • الْوَحْدَانِيَّةُ: أَىْ أَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ
  • الْقِدَمُ: أَىِ الأَزَلِيَّةُ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ
  • الْبَقَاءُ: أَىْ أَنَّهُ لا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ لا يَمُوتُ وَلا يَهْلِكُ وَلا يَتَغَيَّرُ
  • قِيَامُهُ بِنَفْسِهِ: أَىْ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ
  • الْقُدْرَةُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ أَىْ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ عَقْلِىٍّ وَهُوَ مَا يَجُوزُ عَقْلًا وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخْرَى
  • الإِرَادَةُ: أَىِ الْمَشِيئَةُ وَهِىَ تَخْصِيصُ الْمُمْكِنِ الْعَقْلِىِّ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ
  • الْعِلْمُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ يَعْلَمُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ شَامِلٍ لِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ لا يَتَجَدَّدُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَلا يَنْقُصُ وَلا يَزِيدُ
  • السَّمْعُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ الأَزَلِىِّ الَّذِي لَيْسَ كَسَمْعِ غَيْرِهِ فَسَمْعُ اللَّهِ قَدِيمٌ وَسَمْعُ غَيْرِهِ حَادِثٌ يَسْمَعُ اللَّهُ بِسَمْعِهِ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى أُذُنٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى
  • الْبَصَرُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ يَرَى بِرُؤْيَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِ فَبَصَرُ اللَّهِ قَدِيمٌ وَبَصَرُ غَيْرِهِ حَادِثٌ، يَرَى رَبُّنَا بِبَصَرِهِ كُلَّ الْمُبْصَرَاتِ فَيَرَى ذَاتَهُ وَمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى
  • الْحَيَاةُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَىٌّ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ وَعَصَبٍ وَمُخٍّ
  • الْكَلامُ: أَىْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ وَاحِدٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً

قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ وَالْحُرُوفُ مَخْلُوقَةٌ وَكَلامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ”

  • الْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ: أَىْ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ

شرح الحديث

قال النووي: الصَّحَابَةُ هُنَا بِفَتْحِ الصَّادِ بِمَعْنَى الصُّحْبَةِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى بِرِّ الْأَقَارِبِ وَأَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَهَا الْأَبَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ.

تخصيص الأمهات بالذكر في الأحاديث

وقد ورد ذِكر الأم وتعظيم حقها على الأب في كثير من النصوص الشرعية كهذا النصّ وكما روى الشيخان أنّ النبي ﷺ قال:

«إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ ‌الْأُمَّهَاتِ»

قال ابن حجر: ‌قِيلَ ‌خَصَّ ‌الْأُمَّهَاتِ ‌بِالذِّكْرِ ‌لِأَنَّ الْعُقُوقَ إِلَيْهِنَّ أَسْرَعُ مِنَ الْآبَاءِ لِضَعْفِ النِّسَاءِ وَلِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ بِرَّ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى بِرِّ الْأَبِ فِي التَّلَطُّفِ وَالْحُنُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

من صور البر

ومن صور البرّ: إكرامهما، وعدم رفع الصوت عليهما وعدم مقاطعتهما أثناء الكلام، وعدم الخروج من الدار إلا بإذنهما، وتقبيل أيديهما، ومخاطبتهما بلطف، والنهوض لهما إذا دخلا عليه، وعدم إزعاجهما إذا كانا نائمين، وعدم تفضيل الزوجة والولد عليهما، وعدم مد اليد إلى الطعام قبلهما، وعدم النوم وهما جالسان إلا إذا أذنا بذلك، وعدم مدّ الرجلين أمامهما، وعدم المشي أمامهما، وإكرام أصحابهما في حياتهما وبعد موتهما، وعدم مصاحبة إنسان غير بار بوالديه، والدعاء لهما.

وعن رفاعة بن إياس، قال: رأيت الحارس العكلي في جنازة أمّه يبكي، فقيل له: تبكي؟ قال: “ولم لا أبكي وقد أُغلق عني باب من أبواب الجنة؟”

وروى ابن الجوزي عن كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ أنه قال: أِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: يَا رَبِّ أَوْصِنِي، قَالَ: ‌أُوصِيكَ ‌بِأُمِّكَ، فَإِنَّهَا حَمَلَتْكَ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ بِأَبِيكَ.

الحديث الثاني عشر: من أبر؟

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا وهيب بن خالد عن ابن شبرمة قال: سمعت أبا زرعة عن أبي هريرة قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبَرُّ؟

«أُمَّكَ»

قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟

«أُمَّكَ»

قالَ: ثُمَّ مَنْ؟

«ثُمَّ أُمَّكَ»

قالَ: ثُمَّ مَنْ؟

«ثُمَّ أبَاكَ»

من آداب البر مع الوالدين

روى الطبراني في الأوسط عَنْ أَبِي غَسَّانَ الضَّبِّيِّ قَالَ: خَرَجْتُ ‌أَمْشِي ‌مَعَ ‌أَبِي ‌بِظَهْرِ ‌الْحَرَّةِ، فَلَقِيَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لِي: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبِي، فَقَالَ: لَا تَمْشِ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيكَ، وَلَكِنِ امْشِ خَلْفَهُ أَوْ إِلَى جَنْبِهِ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَمْشِ فَوْقَ إِجَارٍ أَبُوكَ تَحْتَهُ، وَلَا تَأْكُلْ عِرْقًا قَدْ نَظَرَ أَبُوكَ إِلَيْهِ، لَعَلَّهُ قَدِ اشْتَهَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خِدَاشٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ:

«فَخِذُهُ فِي جَهَنَّمَ مِثْلُ أُحُدٍ، وضِرْسُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ»

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:

«كَانَ عاقًّا لِوَالِدَيْهِ»

وروي أن زين العابدين كان كثير البرّ بأمّه فقيل له: إنّا نراك ‌من ‌أبرّ ‌النّاس ‌بأمّك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها.

من أحوال أبي هريرة

جاء عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 159]

قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِلَّهِ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ لا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الأَحَادِيثَ، وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ صَفَقَاتُهُمْ بِالسُّوقِ، وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا، وَإِنِّي كُنْتُ أَمْرَأً مِسْكِينًا وَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْضُرُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسَوْا، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَنَا يَوْمًا فَقَالَ:

«مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ حَتَّى أُفْرِغَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِي ثُمَّ يَقْبِضُهُ إِلَيْهِ فَلا يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي أَبَدًا؟»

فَبَسَطْتُ ثَوْبِي – أَوْ قَالَ: نَمِرَتِي – فَحَدَّثَنِي ثم قبضه إليّ. فو الله مَا كُنْتُ نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا، ثُمَّ تَلا:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 159]

من أحوال أبي هريرة في مرضه وموته

وكان أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يخبرُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ لا تُرْجِعُنِي. قَالَ فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا أَبَا سَلَمَةَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أن تموت فمت. فوالذي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْعُلَمَاءِ زَمَنٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ. أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يأتي على الناس زمان يأتي الرجل قَبْرَ الْمُسْلِمِ فَيَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ.

وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي شَكْوِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: شَفَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي (يُعَبَّرُ عن الموت بلقاء الله). قَالَ فَمَا بَلَغَ مَرْوَانُ أَصْحَابَ الْقَطَا حَتَّى مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ.

وَبَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي مَرَضِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ وَلَكِنِّي أَبْكِي لِبُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي، أَصْبَحْتُ فِي صَعُودٍ مَهْبِطُهُ عَلَى جَنَّةٍ وَنَارٍ فَلا أَدْرِي إِلَى أيهما يسلك بي.

وروي عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كنت مع ابْنِ عُمَرَ فِي جَنَازَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَمْشِي أَمَامَهَا وَيُكْثِرُ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

يروى عنه كما قال البخاري أكثر من ثمانمائة ما بين صحابي وتابعي، وله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا اتفقا منها على ثلاثمائة، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين.

وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَكَانَ لَهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

وَهُوَ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَهُوَ صَلَّى عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعِ وَخَمْسِينَ. وَكَانَ الْوَالِي عَلَى الْمَدِينَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ فَرَكِبَ إِلَى الْغَابَةِ وَأَمَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَصَلَّى عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ.

الحديث الثالث عشر: الجهاد في برّ الوالدين

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن حبيب عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو قال: قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أُجَاهِدُ؟

«لَكَ أَبَوَانِ؟»

قالَ: نَعَم، قالَ:

«فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»

ترجمة الصحابي عبد الله بن عمرو

هو عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، الإِمَامُ، الحَبْرُ، العَابِدُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَابْنُ صَاحِبِهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ أَبُوْهُ أَكْبَرَ مِنْهُ إِلَّا بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِهَا وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيْهِ.

وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ العَاصَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ غَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعَبْدِ اللهِ، وَلَهُ: مَنَاقِبُ، وَفَضَائِلُ، وَمَقَامٌ رَاسِخٌ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا جَمًّا، يَبْلُغُ مَا أَسْنَدَ: سَبْعُ مائَةِ حَدِيْثٍ، اتَّفَقَا لَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحَادِيْثَ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَمَانِيَةٍ، وَمُسْلِمٌ بِعِشْرِيْنَ. وَكَتَبَ الكَثِيْرَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرْخِيْصِهِ لَهُ فِي الكِتَابَةِ.

شرح الحديث

وكان الجِهاد وقتَئذٍ فرضَ كِفايةٍ.

معنى «لَكَ أَبَوَانِ؟»: أي هل لَكَ أبوَانِ حَيَّانِ، وقد جاء في رواية البُخاريّ في الصحيح:

«أحَيٌّ والِداكَ؟»

معنى «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»: أي ارجِع فابْلُغ جَهْدَك في بِرِّهِما والإِحسان إِلَيهِما، فجاء بلفظ الجهاد مِن باب المشاكَلة، وقيل مَعناهُ جَاهِد نَفْسَك والشَّيْطَان فِي تَحْصِيل رِضاهُما وإيثارِ هَواهُما على هَوَاك.

متى يتعين الجهاد؟

قال أبو الحسَن بن بَطّالٍ المالِكِيُّ: “وهذا إِنَّما يكون في وَقْتِ قُوّةِ الإسلامِ وغَلَبةِ أَهلِه للعَدُوّ وإذا كان الجِهادُ مِن فُروضِ الكِفاية، فأَمّا إذا قَوِيَ أهلُ الشِّركِ وضَعُف الْمُسْلِمُون فالجِهادُ مُتَعَيِّنٌ علَى كُلِّ نَفْسٍ ولاَ يَجُوزُ التَّخَلُّف عنه وإنْ مَنَع مِنهُ الأَبَوان.

وقال ابنُ الْمُنْذِر: فِي هذَا الحَدِيثِ أنّ النَّهْيَ عن الخُروجِ بِغَيرِ إِذْنِ الأَبَوَين ما لَم يَقَعِ النَّفِير، فَإِذا وَقَع وَجَب الخُروجُ علَى الجَمِيع”.

أورده الإمام البخاري في صحيحه في باب سمّاه: بَاب: لَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ.

قال ابن حجر: قوله: ‌«فَفِيهِمَا ‌فَجَاهِدْ» أَيْ إِنْ كَانَ لَكَ أَبَوَانِ فَابْلُغْ جَهْدَكَ فِي بِرِّهِمَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يقوم لَك مقَام قتال الْعَدو.

حكم الجهاد مع الوالدين

قال النووي في شرحه لمسلم: وَفِي رِوَايَةٍ:

«أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا»

هَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ لِعِظَمِ فَضِيلَةِ بِرِّهِمَا وَأَنَّهُ آكَدُ مِنَ الْجِهَادِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجِهَادُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا فَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ لَمْ يُشْتَرَطْ إِذْنِهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَشَرَطَهُ الثَّوْرِيُّ هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَحْضُرَ الصَّفَّ وَيَتَعَيَّنِ الْقِتَالَ وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْأَمْرِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَنَّ عُقُوقَهُمَا حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ.

من قصص برّ الوالدين

ومما يروى في برّ الوالدين ما ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة عن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ألف درهم. قال: فعمد أسامة بن زيد إلى ‌نخلة ‌فعقرها – قطعها – فأخرج جمارها – قلب النخلة – فأطعمه أمّه، فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه، ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها.

وروي عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: “كَانَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ يَمْشُطُ رَأْسَ أُمِّهِ”.

من أحوال عبد الله بن عمرو

روي عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو يَقُوْلُ: لأَنْ أَكُوْنَ عَاشِرَ عَشْرَةِ مَسَاكِيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُوْنَ عَاشِرَ عَشْرَةِ أَغْنِيَاءَ، فَإِنَّ الأَكْثَرِيْنَ هُمُ الأَقَلُّوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَقُوْلُ: يَتَصَدَّقُ يَمِيْناً وَشِمَالًا.

وفي البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيَّ، جَعَلْتُ لَا أَنْحَاشُ لَهَا مِمَّا بِي مِنَ القُوَّةِ عَلَى العِبَادَةِ، فَجَاءَ أَبِي إِلَى كِنَّتِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ وَجَدْتِ بَعْلَكِ؟ قَالَتْ: خَيْرُ رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُفَتِّشْ لَهَا كَنَفًا، وَلَمْ يَقْرَبْ لَهَا فِرَاشًا. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، وَعَضَّنِي بِلِسَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْكَحْتُكَ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَعَضَلْتَهَا، وَفَعَلْتَ ثُمَّ انْطَلَقَ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَطَلَبَنِي، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي:

«أَتَصُوْمُ النَّهَارَ، وَتَقُوْمُ اللَّيْلَ؟»

قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ:

«لَكِنِّي أَصُوْمُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»

قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَاتَ عَبْدُ اللهِ لَيَالِيَ الحَرَّةِ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ. وقيل توفي بمصر، وقيل غير ذلك.

الحديث الرابع عشر: ارجع إليهما فأضحكهما

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبايِعُهُ علَى الهِجْرَةِ وَتَرَكَ أَبَوَيْهِ يَبْكِيَانِ قالَ:

«ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا»

شرح الحديث

قال الإمام أبو سُلَيمان الخَطّابيّ: “قُلتُ الجِهادُ إذا كان الخارِجُ فِيهِ مُتَطَوِّعًا فإِنَّ ذلك لا يَجُوزُ إلاّ بإِذْنِ الوالِدَين، فأَمَّا إِذَا تَعَيَّن علَيهِ فَرضُ الجهادِ فلا حاجةَ بِهِ إلى إِذْنِهما وإِنْ مَنَعاهُ مِن الخُروجِ عَصاهُما وخَرَج في الجِهاد، وهذا إذَا كانَا مُسْلِمَين، فإنْ كانا كافِرَينِ فَلا سَبِيلَ لَهُما إلى مَنْعِه مِن الجِهادِ فَرْضًا كانَ أو نَفْلًا”.

قال الحافظ في «الفَتح»: “وأَصْرَحُ مِن ذَلِك حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِندَ أبي دَاودَ بِلَفْظِ:

«ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا»

وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. قالَ جُمهُورُ العُلَماءِ: يَحْرُم الجِهادُ إِذَا مَنَعَ الأَبَوَانِ أو أحَدُهُما بِشَرْطِ أَنْ يَكُونا مُسْلِمَينِ لأَنَّ بِرَّهُما فَرْضُ عَينٍ علَيه والجِهادُ فَرْضُ كِفايةٍ، فإِذَا تَعَيَّن الجِهادُ فَلاَ إِذْنَ”.

وقولُه: “لأَنَّ بِرَّهُما فَرْضُ عَينٍ علَيه” أي بِقُيودٍ وضوابِطَ وليس مُطلَقًا في كُلِّ الأحوالِ.

من أقوال السلف في طاعة الوالدين

وفي مثل هذا روي عن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَأَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ: أَيَغْزُو الرَّجُلُ وَأَبَوَاهُ كَارِهَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا؟ قَالَ: «لَا».

وروي عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَنَّهُ تَحْبِسُنِي أُمِّي فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيِرَةِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ: «أَطِعْهَا».

من فضل بر الوالدة

وروى البخاري في الأدب المفرد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ.

فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ قَالَ: إِنِّي لا أَعْلَمُ عَمَلا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ.

من أحوال السلف في بر الأم

وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لأُمِّهِ: ضَعِي قَدَمَكِ عَلَيْهِ!

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: بِتُّ أَغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي وَبَاتَ أَخِي عُمَرُ يُصَلِّي، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ!

وكان حجر بن عدي بن الأدبر يلتمس فِرَاشَ أُمِّهِ بِيَدِهِ فَيَتَّهِمُ غِلَظَ يَدِهِ، فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَمِنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَضْجَعَهَا.

الحديث الخامس عشر: فضل صلة الرحم

قال الإمام البخاري رحمه الله: (هذا الحديث فيه الحثّ على صلة الرحم بوجه عام وذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في كلامه عن برّ الوالدين لأن الوالدين من أولى الرحم بالصلة والبر، فينال البارُّ بوالديه فضيلة من وصل شيئا من رَحِمِهِ)

حدثنا يحيى بن بُكَير حدثنا الليث عن عَقِيل عن ابن شهاب أخبرني عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال:

«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»

ترجمة الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه

هو الصحابي الجليل أَنَسُ بنُ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ من بني عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ الأَنْصَارِيُّ. الإِمَامُ، المُفْتِي، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، رَاوِيَةُ الإِسْلاَمِ، أَبُو حَمْزَةَ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، خَادِمُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَتِلْمِيذُهُ، وَتَبَعُهُ، وَآخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتًا في البصرة، وأمّه أم سليم بنت ملحان وهي أم أخيه البراء بن مالك.

رَوَى عَنِ: النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا جَمًّا، وَعَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وغيرهم.

وَعَنْهُ: خَلْقٌ عَظِيمٌ، مِنْهُمُ: الحَسَنُ البصري، وَابْنُ سِيْرِيْنَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُوْلٌ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ المُنْكَدِرِ. وغيرهم.

وَبَقِيَ أَصْحَابُهُ الثِّقَاتُ إِلَى بَعْدِ الخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ، وَبَقِيَ ضُعَفَاءُ أَصْحَابِهِ إِلَى بَعْدِ التِّسْعِيْنَ وَمائَةٍ. وَقَدْ سَرَدَ بعضُ الحفاظِ نَحْوَ مائَتَيْ نَفْسٍ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَسٍ.

وَكَانَ أَنَسٌ يَقُوْلُ: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِيْنَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ.

فَصَحِبَ أَنَسٌ نَبِيَّهُ ﷺ أَتَمَّ الصُّحْبَةِ، وَلاَزَمَهُ أَكْمَلَ المُلاَزَمَةِ مُنْذُ هَاجَرَ، وَإِلَى أَنْ مَاتَ، وَغَزَا مَعَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

وَقَدْ رَوَى: مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ فِي (طَبَقَاتِهِ): أَنَّهُ قَيلَ لأَنَسٍ: أَشَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: لاَ أُمَّ لَكَ، وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ راوي الحديث خَرَجَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ يَخْدُمُهُ. ولَمْ يَعُدَّهُ أَصْحَابُ المَغَازِي فِي البَدْرِيِّيْنَ؛ لِكَوْنِهِ حَضَرَهَا صَبِيًّا، فإنه مَا قَاتَلَ، بَلْ بَقِيَ فِي رِحَالِ الجَيْشِ.

كيف أصبح أنس خادما للنبي ﷺ

وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حَمْزَةَ بِبَقْلَةٍ اجْتَنَيْتُهَا.

وقال: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، فَأَخَذَتْ أُمِّي بِيَدِي، فَانْطَلَقَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلاَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلًا وَقَدْ أَتْحَفَكَ بِتُحْفَةٍ، وَإِنِّي لاَ أَقْدِرُ عَلَى مَا أُتْحِفُكَ بِهِ إِلاَّ ابْنِي هَذَا، فَخُذْهُ، فَلْيَخْدُمْكَ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، فَمَا ضَرَبَنِي، وَلاَ سَبَّنِي، وَلاَ عَبَسَ فِي وَجْهِي.

وفي رواية قال أنس: جَاءتْ بِي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللهَ لَهُ.

فَقَالَ:

«اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ»

فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيْرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي يَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ مائَةٍ اليَوْمَ.

شرح الحديث

معنى «يُبْسَطَ لَهُ»: أَيْ: يُوَسَّعُ.

معنى «فِي رِزْقِهِ»: أَيْ: فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ.

معنى «يُنْسَأَ لَهُ»: أَيْ: يُؤَخَّرَ.

معنى «فِي أَثَرِهِ»: أَيْ: أَجَلِهِ.

قال ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: النَّسَأُ التَّأْخِيرُ، يُقَالُ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ أَنْسَأُ وَأَنْسَأْتُهُ إِنْسَاءً: إِذَا أَخَّرْتَهُ، وَالنَّسَاءُ الِاسْمُ، وَيَكُونُ فِي الْعُمُرِ وَالدِّينِ وَالْأَثَرِ وَالْأَجَلِ، وَيُسَمَّى بِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمُرَ.

قَالَ زُهَيْرٌ:

يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَاوَالنَّفْـــسُ وَاحِـــدَةٌ وَالْهَـمُّ مُنْتَشِرُ
وَالْمَرْءُ مَا عَــاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌلَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ

يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا

وَالنَّفْـــسُ وَاحِـــدَةٌ وَالْهَـمُّ مُنْتَشِرُ

وَالْمَرْءُ مَا عَــاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ

لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ

وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مَشْيِهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، فَلَا يُرَى لِأَقْدَامِهِ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ.

الجمع بين الحديث والآية

قَالَ ابن حجر: قَالَ ابن التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى:

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 34]

وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:

الوجه الأول: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الوجه الثاني: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمُرِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ فَالَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد/ الآية 39]

فَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ وَمَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ.