رياض الصالحين| حديث (182-183)| المحبة بين المسلمين في الإسلام: معناها وثمراتها

الحَمدُ للهِ الحَكِيمِ الخَالِقِ، العَظِيمِ الحَلِيمِ الصَّادِقِ، الرَّحِيمِ الكَرِيمِ الرَّازِقِ، رَفَعَ السَّبعَ الطَّرَائِقَ، وَثَبَّتَ الأَرضَ بِالجِبَالِ الشَّوَاهِقِ، سُبحَانَهُ تَكَفَّلَ بِأَرزَاقِ جَمِيعِ الخَلَائِقِ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ، أَحمَدُهُ مَا سَكَتَ سَاكِتٌ وَنَطَقَ نَاطِقٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مُخلِصٍ لَا مُنَافِقٍ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي عَمَّت دَعوَتُهُ النَّازِلَ وَالشَّاهِقَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَاتِحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَه إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ بِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَايِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ كُلٌّ مِنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الثَّانِي وَالثَّمَانِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي النَّصِيحَةِ.اهـ نَقرَؤُهُ كَامِلًا وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

الثَّانِي: عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَايَعتُ رَسُولَ اللهِ  عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكلِّ مُسلِمٍ.اهـ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشَّرحُ

الثَّانِي (أَيِ الحَدِيثُ الثَّانِي مِن بَابِ النَّصِيحَةِ، وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ) (سَبَقَ وَشَرَحنَا هَذَا الحَدِيثَ فِي رَمَضَانَ فِي أَثنَاءِ شَرحِنَا لِصَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَلَكِن نُعَلِّقُ عَلَيهِ تَعلِيقَاتٍ قَلِيلَةً ونَنتَقِلُ لِلحَدِيثِ الَّذِي بَعدَهُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى):

عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (مَرَّت تَرجَمَتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) 

معنى البيعة واختلاف ألفاظها بحسب حاجة كل قوم

قَالَ: بَايَعتُ (أَي عَاهَدتُ) رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا اقتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِكَونِهِمَا قَرِينَتَينِ وَهُمَا أَهَمُّ أَركَانِ الإِسلَامِ بَعدَ الشَّهَادَتَينِ وَأَظهَرُهَا وَلَم يَذكُرِ الصَّومَ وَغَيرَهُ لِدُخُولِهَا فِي السَّمعِ وَالطَّاعَةِ)، وَالنُّصحِ لِكلِّ مُسلِمٍ.اهـ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي البَيعَةِ أَوَّلُ مَا يَشتَرِطُ بَعدَ التَّوحِيدِ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا رَأسُ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ، ثُمَّ أَدَاءُ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا رَأسُ العِبَادَاتِ المَالِيَّةِ، ثُمَّ يُعَلِّمُ كُلَّ قَومٍ مَا حَاجَتُهُم إِلَيهِ أَمَسُّ، فَبَايَعَ جَرِيرًا عَلَى النَّصِيحَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّدَ قَومِهِ، فَأَرشَدَهُ إِلَى تَعلِيمِهِم بِأَمرِهِ بِالنَّصِيحَةِ لَهُم، وَبَايَعَ وَفدَ عَبدِ القَيسِ عَلَى أَدَاءِ الخُمسِ لِكَونِهِم كَانُوا أَهلَ مُحَارَبَةٍ مَعَ مَن يَلِيهِم مِن كُفَّارِ مُضَرَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. 

(وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي «فِيمَا استَطَعتَ»، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَولُهُ ﷺ «فِيمَا استَطَعتَ» مُوَافِقٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا﴾ وَتَلقِينُهُ مِن كَمَالِ شَفَقَتِهِ ﷺ، إِذ قَد يَعجِزُ فِي بَعضِ الأَحوَالِ، فَلَو لَم يُقَيِّدهُ بِمَا استَطَاعَ لَأَخَلَّ بِمَا التَزَمَ فِي بَعضِ الأَحوَالِ، وَاللَّهُ أَعلَمُ)

(قَالَ القُرطُبِيُّ: كَانَت مُبَايَعَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَصحَابِهِ بِحَسَبِ مَا يَحتَاجُ إِلَيهِ مِن تَجدِيدِ عَهدٍ أَو تَوكِيدِ أَمرٍ، فَلِذَلِكَ اختَلَفَت أَلفَاظُهُم).

الحَدِيثُ الَّذِي بَعدَهُ مِن رِيَاضِ الصَّالِحِينَ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

الثَّالِثُ: عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشَّرحُ

الثَّالِثُ (أَيِ الحَدِيثُ الثَّالِثُ مِن بَابِ النَّصِيحَةِ، وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ):

عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. (أَي لَا يَكُونُ كَامِلَ الإِيمَانِ، وَاليَومَ قَد تَجِدُ مِن بَينِ مِليُونِ مُسلِمٍ اثنَينِ أَو ثَلَاثَةً يُطَبِّقُونَ هَذَا الحَدِيثَ) (ذَكَرَهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ النَّصِيحَةِ لِأَنَّهُ مِن جُملَةِ النّصِيحَةِ لِلمُسلِمِينَ: أَن يُحِبَّ لَهُم ما يُحِبُّ لِنَفسِهِ وَيَكرَهَ لَهُم ما يَكرَهُ لِنَفسِهِ، وَأَن لَا يَغُشَّهُم)

(أَحبَابِي: مَا مَعنَى أَن تُحِبَّ لِأَخِيكَ المُسلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفسِكَ؟ وَمَاذَا يُعَلِّمُنَا هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ؟

قاعدة «عامل الناس كما تحب أن يعاملوك» وتطبيقاتها في الحياة اليومية

وَضَعَ لَنَا الإِسلَامُ مَجمُوعَةً مِنَ القَوَاعِدِ وَالمَبَادِئِ الَّتِي تُنَظِّمُ عَلَاقَةَ المُسلِمِينَ مَعَ بَعضِهِم وَتَحكُمُ تَعَامُلَهُم فِيمَا بَينَهُم، حَتَّى لَا يَبغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَحَتَّى تَسُودَ المَوَدَّةُ وَالوِئَامُ وَالتَّفَاهُمُ فِيمَا بَينَهُم وَيَبتَعِدُوا عَنِ الخِصَامِ وَالشِّجَارِ وَالقَطِيعَةِ.

وَمِن هَذِهِ القَوَاعِدِ قَاعِدَةٌ إِسلَامِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَأَصِيلَةٌ تَقُومُ عَلَى مَبدَأِ: “عَامِلِ النَّاسَ كَمَا تُحِبُّ أَن يُعَامِلُوكَ بِهِ”، وَمَصدَرُ هَذِهِ القَاعِدَةِ مَأخُوذٌ مِن حَدِيثٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ فِيهِ:

«فَمَن أَحَبَّ أَن يُزَحزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدخَلَ الجَنَّةَ فَلتَأتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَليَأتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَن يُؤتَى إِلَيهِ».

رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَهَذِهِ القَاعِدَةُ لَهَا صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بِقَاعِدَةٍ أُخرَى تَقُومُ عَلَى مَبدَأِ: “أَحِبَّ لِأَخِيكَ المُسلِمِ مَا تُحِبُّهُ لِنَفسِكَ”، وَقَد أَكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا المَبدَأِ وَجَعَلَهُ شَرطًا فِي كَمَالِ الإِيمَانِ حِينَ قَالَ: «لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ».

وَهَذِهِ القَاعِدَةُ عِبَارَةٌ عَن مِيزَانٍ يَرجِعُ إِلَيهِ الإِنسَانُ كُلَّمَا اشتَبَهَ عَلَيهِ الأَمرُ وَاحتَارَ فِي تَصَرُّفٍ أَو شَكَّ فِي سُلُوكٍ، فَبِالرُّجُوعِ إِلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ وَتَطبِيقِهَا وَتَحكِيمِهَا يَسهُلُ الأَمرُ عَلَيهِ فِي كَيفِيَّةِ التَّعَاطِي مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا أَرَدتَ الجَوَابَ الشَّافِيَ عَمَّا قَد يَدُورُ فِي ذِهنِكَ مِن أَسئِلَةٍ عَن سُلُوكٍ مُعَيَّنٍ أَو تَصَرُّفٍ مُحَدَّدٍ: هَل هُوَ سُلُوكٌ جَيِّدٌ أَم رَدِيءٌ؟ سَل نَفسَكَ سُؤَالًا، مَا الَّذِي أُرِيدُ مِنَ النَّاسِ فِي مِثلِ هَذِهِ الحَالَةِ؟ وَمَا الَّذِي أَنتَظِرُهُ مِمَّن أُعَامِلُ؟ وَعَلَى ضَوءِ الإِجَابَةِ تَكُونُ الصُّورَةُ وَاضِحَةً أَمَامَكَ، وَتَبنِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الشَّرعِ، وَأَذكُرُ فِيمَا يَلِي بَعضَ الأَمثِلَةِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَالأَخلَاقِ الَّتِي نُعَايِشُهَا فِي حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ وَنُشَاهِدُهَا فِي تَعَامُلِنَا مَعَ مَن حَولَنَا مَعَ رَبطِهَا بِهَذِهِ القَاعِدَةِ:

1- لَا تُحِبُّ أَن يَغتَابَكَ أَحَدٌ أَو يَذكُرَكَ بِسُوءٍ، فَلَا تَغتَب أَحَدًا أَو تَذكُر سُوءَ أَخِيكَ المُسلِمِ تَفَكُّهًا.

2- لَا تُحِبُّ أَن يَتَكَبَّرَ عَلَيكَ أَحَدٌ أَو يُعَامِلَكَ بِاحتِقَارٍ أَوِ ازدِرَاءٍ فَيُوَجِّهَ لَكَ أَلفَاظًا بَذِيئَةً، وَلَا تُحِبُّ مِن غَيرِكَ أَن يَخُونَكَ، وَلَا أَن يَكذِبَ عَلَيكَ، وَلَا أَن يَفضَحَكَ إِنْ أَسَأتَ، بَلِ الَّذِي تُحِبُّهُ مِن غَيرِكَ أَن يُعَامِلَكَ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ وَالنَّصِيحَةِ، فَعَامِلهُ أَنتَ بِذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَوَاضَع لَهُ وَعَامِلهُ بِاحتِرَامٍ، وَأَسمِعهُ الكَلَامَ الطَّيِّبَ وَالأَلفَاظَ الجَمِيلَةَ.

وَنَفهَمُ أَنَّ تَعَامُلَ الإِنسَانِ مَعَ غَيرِهِ وَفقَ هَذِهِ القَاعِدَةِ يَعنِي أَنَّهُم لَن يَجِدُوا مِنهُ إِلَّا الأَخلَاقَ الرَّفِيعَةَ، وَلَن يُشَاهِدُوا مِنهُ إِلَّا الأَخلَاقَ الرَّاقِيَةَ، وَلَن يَسمَعُوا مِنهُ إِلَّا الأَلفَاظَ الكَرِيمَةَ، لِسَبَبٍ هَيِّنٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ هِيَ الَّتِي يُرِيدُ أَن يُعَامِلُوهُ بِهَا، وَهِيَ الَّتِي يُرِيدُ أَن يَرَاهَا وَيَسمَعَهَا مِنهُم، فَيَجِدُ نَفسَهُ مُندَفِعًا إِلَى التِزَامِهَا وَالعَمَلِ بِهَا.

فَإِذَا كُنتَ تُرِيدُ مِنَ النَّاسِ مُعَامَلَةً طَيِّبَةً وَأَخلَاقًا فَاضِلَةً وَسُلُوكًا حَسَنًا فَابدَأ بِنَفسِكَ أَوَّلًا، وَأَقنِعهَا بِأَن تُعَامِلَ النَّاسَ بِمَا تُحِبُّ أَن يُعَامِلُوكَ بِهَا.

الرفق في النصيحة والتعليم وقصة معاوية بن الحكم السلمي مع النبي ﷺ

أَن تُحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفسِكَ مَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُعَلِّمُنَا كَيفِيَّةَ التَّعَامُلِ حِينَمَا يُخطِئُ الآخَرُونَ، فَعَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ، فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي القَومُ بِأَبصَارِهِم! فَقُلتُ: وَاثُكلَ أُمِّيَاهُ، مَا شَأنُكُم تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضرِبُونَ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم! فَلَمَّا رَأَيتُهُم يُصَمِّتُونَنِي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلَا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصلُحُ فِيهَا شَىءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرءَانِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

فَمِنَ الأَسبَابِ الَّتِي يَكُونُ لَهَا وَقعٌ شَدِيدٌ عَلَى نُفُوسِ النَّاسِ وُتُسَبِّبُ الِانقِبَاضَ وَالتَّذَمُّرَ وَاليَأسَ فِيهِم وَعَدَمَ الِاندِفَاعَ وَالتَّقَدُّمَ تِبيَانُ أَخطَائِهِم بِشَكلٍ هُجُومِيٍّ أَو لَاذِعٍ أَو بِشَكلٍ مُبَاشِرٍ وَتَضخِيمُ غَلطَاتِهِم وَعَثَرَاتِهِم.

فَالتَزِمِ الرِّفقَ بِالنَّاسِ وَالشَّفَقَةَ، فَإِنَّ الرِّفقَ زَينٌ، وَالعُنفَ شَينٌ، فَاختَر لِنَفسِكَ الزَّينَ، يَنبَغِي أَن تَكُونَ المَوعِظَةُ بِالحِكمَةِ وِالرِّفقِ، قَالَ ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفقُ فِي شَىءٍ إِلَّا زَانَهُ»، رواه ابن حبان، وَفِي لَفظٍ ءَاخَرَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفقَ فِي الأَمرِ كُلِّهِ»، رواه أحمد، مَعنَى الرِّفقِ هُوَ العَمَلُ بِالوَجهِ الأَحسَنِ بِالصَّبرِ عَلَى مُعَامَلَةِ النَّاسِ، فَالوَاعِظُ وَالنَّاصِحُ يَنبَغِي أَن يَكُونَ وَعظُهُ وَنُصحُهُ بِرِفقٍ، أَي بِطَرِيقَةٍ تُقَرِّبُ الَّذِي يُوَجِّهُ إِلَيهِ النُّصحَ، مُقَرِّبَةٍ لِلمَدعُوِّ.

وَكَمِثَالٍ لِهَذَا: نَجَّارٌ يَعمَلُ فِي وَرشَةٍ لَهُ وَلَهُ مُسَاعِدٌ جَاءَ يَتَدَرَّبُ عَلَى يَدَيهِ، يُكَلِّفُ النَّجَّارُ مُسَاعِدَهُ بِصِنَاعَةِ مِنضَدَةٍ، فَيَقُومُ الأَخِيرُ بِإِنجَازِهَا امتِثَالًا لِطَلَبِ أُستَاذِهِ، وَقَد أُنجِزَتِ المِنضَدَةُ ضَعِيفَةً غَيرَ مُتَمَاسِكَةٍ، فَيَأتِي النَّجَّارُ لِمُسَاعِدِهِ وَيَقُولُ لَهُ مُقَرِّعًا: مَا هَذِهِ المِنضَدَةُ؟ إِنَّكَ لَا تَفقَهُ شَيئًا فِي فَنِّ النِّجَارَةِ وَيَجدُرُ بِكَ أَن لَا تُصبِحَ نَجَّارًا.

إِنَّ أُسلُوبَ النَّجَّارِ هَذَا قَد لَا يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ إِصلَاحِ خَطَأِ المُسَاعِدِ فَحَسبُ، بَل قَد يَعمَلُ عَلَى إِحدَاثِ حَالَةِ يَأسٍ فِيهِ مِنَ التَّقَدُّمِ فِي فَنِّ النِّجَارَةِ وَالِاستِمرَارِ فِيهَا، وَرُبَّمَا تَرَكَ النِّجَارَةَ إِلَى غَيرِ رَجعَةٍ إِلَيهَا، بَينَمَا لَوِ استَخدَمَ أُسلُوبًا ءَاخَرَ وَقَالَ لِمُسَاعِدِهِ: إِنَّنِي فِي بِدَايَةِ اشتِغَالِي بِالنِّجَارَةِ لَم أَكُن أَوفَرَ حَظًّا مِمَّا أَنتَ عَلَيهِ الآنَ، وَءَامُلُ أَن تَحظَى بِمُستَقبَلٍ جَيِّدٍ فِي فَنِّ النِّجَارَةِ، فَالمِنضَدَةُ الَّتِي صَنَعتَهَا كَانَ حَرِيًّا بِكَ أَن تَجعَلَهَا أَكثَرَ قُوَّةً وَمَتَانَةً وَجَمَالًا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ مُستَوَاكَ فِي حِرفَةِ النِّجَارَةِ سَيَشهَدُ تَطَوُّرًا مَلمُوسًا فِي المُستَقبَلِ بِإِذنِ اللهِ.

وَمَن أَحَبَّ لِأَخِيهِ المُسلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ يَتَجَاوَزُ عَن هَفوَتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعضُ الصُّوفِيَّةِ: وَمَهمَا عَرَفتَ هَفوَةَ مُسلِمٍ بِحُجَّةٍ لَا شَكَّ فِيهَا فَانصَحهُ فِي السِّرِّ، وَلَا يَخدَعَنَّكَ الشَّيطَانُ فَيَدعُوَكَ إِلَى اغتِيَابِهِ، وَإِذَا وَعَظتَهُ فَلَا تَعِظهُ وَأَنتَ مَسرُورٌ بِاطِّلَاعِكَ عَلَى نَقصِهِ، فَيَنظُرَ إِلَيكَ بِعَينِ التَّعظِيمِ، وَتَنظُرَ إِلَيهِ بِعَينِ الِاستِصغَارِ، وَلَكِنِ اقصِد تَخلِيصَهُ مِنَ الإِثمِ وَأَنتَ حَزِينٌ كَمَا تَحزَنُ عَلَى نَفسِكَ إِذَا دَخَلَكَ نَقصٌ، وَيَنبَغِي أَن يَكُونَ تَركُهُ لِذَلِكَ النَّقصِ بِغَيرِ وَعظِكَ أَحَبَّ إِلَيكَ مِن تَركِهِ بِوَعظِكَ.

وَقَد قَالَ الإِمَامُ الرِّفَاعِيُّ: «حَارِبُوا الشَّيطَانَ بِبَعضِكُم، بِنَصِيحَةِ بَعضِكُم، بِخُلُقِ بَعضِكُم، بِحَالِ بَعضِكُم، بِقَالِ بَعضِكُم».

وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ: «المُؤمِنُ مِرءَاةُ أَخِيهِ»، مَعنَاهُ يَنصَحُهُ، المِرءَاةُ أَلَيسَ تَكشِفُ مَا يَكُونُ فِي وَجهِ الإِنسَانِ مِمَّا لَا يُعجِبُ لِيُزَالَ، الرَّسُولُ ﷺ شَبَّهَ المُؤمِنَ بِالمِرءَاةِ، مَعنَاهُ المُؤمِنُ يَدُلُّ أَخَاهُ لِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنَ الأَمرِ القَبِيحِ، يَقُولُ لَهُ: اترُك هَذَا الفِعلَ، لَا يَترُكُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ بَل يُبَيِّنُ لَهُ.

وَالَّذِي يُحِبُّ لِأَخِيهِ المُسلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ يَنصَحُهُ وَلَا يَفضَحُهُ، وَالنَّصِيحَةُ هِيَ أَن يُعِينَ الرَّجُلُ أَخَاهُ عَلَى مَا يُرضِي اللهَ، وَيَبتَعِدَ عَمَّا يُسخِطُ اللهَ، فَمَن عَمِلَ بِهَذَا فَهُوَ مِنَ المُفلِحِينَ، وَمَن لَم يَعمَل فَهُوَ مِنَ الخَاسِرِينَ.

وَقَد رُوِيَ حَدِيثُ: «المُؤمِنُ إِن مَاشَيتَهُ نَفَعَكَ، وَإِن شَاوَرتَهُ نَفَعَكَ، وَإِن شَارَكتَهُ نَفَعَكَ، وَكُلُّ شَىءٍ مِن أَمرِهِ مَنفَعَةٌ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.

أسلوب الالتماس والاقتراح في مخاطبة الناس بدل الأوامر المباشرة

وَالَّذِي يُحِبُّ لِأَخِيهِ المُسلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ يَعرِفُ كَيفَ يَطلُبُ مِنَ النَّاسِ مَا يُرِيدُ، بِلَبَاقَةٍ وَحُسنِ تَصَرُّفٍ؟ فَمُخَاطَبَةُ النَّاسِ يَنبَغِي أَن تَكُونَ مِن خِلَالِ دَوَافِعِ الخَيرِ وَالفَضِيلَةِ فِي النَّاسِ، فإنَّ ذِكرَ الدَّوَافِعِ النَّبِيلَةِ وَالخَيِّرةِ فِي النَّاسِ وَمُخَاطَبَةَ النَّاسِ مِن خِلَالِهَا قَاعِدَةٌ لَا يُستَهَانُ بِهَا فِي جَذبِهِم وَالتَّأثِيرِ فِيهِم وَتَغيِيرِ طِبَاعِهِم، وَحِينَمَا تَطلُبُ مِن إِنسَانٍ القِيَامَ بِعَمَلٍ وَتَبدَأُ طَلَبَكَ بِأَن تَقُولَ لَهُ: إِنَّنِي أَتَوَسَّمُ فِيكَ الخَيرَ، وَإِنِّي لَوَاثِقٌ مِن أَنَّكَ لَن تَرُدَّ لِي طَلَبِي إِن شَاءَ اللهُ، فَإِنَّهُ سَيَقُومُ بِالعَمَلِ لَكَ، وَلَن يَرُدَّكَ خَائِبًا عَلَى الأَرجَحِ، وَالسَّبَبُ: لِأَنَّكَ رَسَمتَ لَهُ صُورَةً جَمِيلَةً فِي ذِهنِكَ وَقَلبِكَ، وَذَكَرتَ دَوَافِعَ الخَيرِ وَالنُّبلِ فِي أَعمَاقِهِ.

عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: إِنَّ مُوَظَّفًا لَا مَانِعَ لَدَيهِ أَن يُلَبِّيَ الطَّلَبَاتِ وَالأَوَامِرِ إِذَا كَانَ قَد تَلَقَّاهَا مِن مُدِيرِهِ أَو مِن غَيرِهِ فِي صُورَةِ التِمَاسٍ أَو رَجَاءٍ، بَل إِنَّهُ بِهَذَا الأُسلُوبِ يَنطَلِقُ فِي تَأدِيَتِهَا وَيَندَفِعُ، وَلَكِنَّهُ قَد لَا يَكُونُ مُستَعِدًّا لِتَنفِيذِ الأَوَامِرِ مُبَاشَرَةً، وَمِن هُنَا فَإِنَّ مُرَاعَاةَ الجَانِبِ النَّفسِيِّ لِلشَّخصِ الآخَرِ مِن أَهَمِّ الأُمُورِ وَالمَسلَكِيَّاتِ فِي التَّعَامُلِ بَينَ النَّاسِ، وَمِنهُ الطَّلَبُ مِنهُم فِي أَيِّ مَوقِعٍ مِنَ المَوَاقِعِ وَفِي أَيِّ مُؤَسَّسَةٍ مِنَ المُؤَسَّسَاتِ.

وَهُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ التَّعبِيرَاتِ الحَسَنَةِ فِي هَذَا المَجَالِ قَد تَجعَلُ الطَّرَفَ الآخَرَ يَقُومُ بِالأَعمَالِ المَرجُوَّةِ مِنهُ مِن تِلقَاءِ نَفسِهِ، وَمِثَالُ تِلكَ التَّعَابِيرِ «أَلتَمِس مِنكَ أَن تَقُومَ بِكَذَا وَكَذَا…» «أَلتَمِسُ مِنكَ أَن تُسَاعِدَنِي فِي كَيتَ وَكَيتَ…» «أَرجُو أَن تَقُومَ بِكَذَا وَكَذَا…» «أَقتَرِحُ أَن تَفعَلَ كَذَا وَكَذَا…» «أَتَمَنَّى أَن تَفعَلَ كَذَا وَكَذَا…» «ءَامُلُ أَن تَقُومَ بِكَذَا وَكَذَا…» «مِنَ المُفَضَّلِ أَن تَفعَلَ كَذَا وَكَذَا…» «مَا رَأيُكَ أَن تَقُومَ بِكَذَا وَكَذَا…» «هَل لَكَ أَن تَصنَعَ كَذَا وَكَذَا…» «أَتَوَسَّمُ فِيكَ أَن تَقُومَ لِي بِكَذَا وَكَذَا…».

وَلَو أَنَّ المَرءَ استَخدَمَ ذَوقَهُ الكَلَامِيَّ لَتَوَصَّلَ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ العِبَارَاتِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تُعطِي مَفهُومَ الطَّلَبِ وَالأَمرِ لِلآخَرِينَ مِن أَجلِ أَن يَقُومُوا بِالأَعمَالِ المُرَادَةِ مِنهُم وَلَكِن بِصُورَةٍ لَطِيفَةٍ غَيرِ مُبَاشِرَةٍ، وَلَا غَرَابَةَ إِذَا وَجَدَ كَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ يَندَفِعُونَ لِلقِيَامِ بِالأَعمَالِ بِإِشَارَاتٍ أَو رُمُوزَ كَلَامِيَّةٍ فَنِّيَّةٍ تُقَدِّرُ شَخصِيَّاتِهِم وَتُرَاعِي مَشَاعِرَهُم.

وَالَّذِي يُحِبُّ لِأَخِيهِ المُسلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ يَنبَغِي أَن يَتَتَبَّعَ أُسلُوبَ الِالتِمَاسَاتِ وَالِاقتِرَاحَاتِ وَالتَّمَنِّيَّاتِ وَالآمَالِ، فَيَسهُلُ عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ أَن يُصلِحَ خَطَأَهُ فِيمَا إِذَا كَانَ مُخطِئًا، وَيَدفَعُهُ إِلَى التَّعَاوُنِ وَالمُوَافَقَةِ بَدَلَ أَن يُحَفِّزَهُ إِلَى المُشَاكَسَةِ وَالعِنَادِ.

وَيُمكِنُ لِلمَرءِ أَن يُجَرِّبَ بِنَفسِهِ هَذَا الأُسلُوبَ، كَأَن يَقُولَ لِشَخصٍ يَعرِفُهُ: أَتَمَنَّى أَن تُسَاعِدَنِي فِي عَمَلِي هَذَا، أَو بِأُسلُوبٍ يُشَابِهُ هَذَا الأُسلُوبَ، فَإِنَّهُ سَيَهُبُّ لِمُسَاعَدَتِهِ رَاغِبًا، أَمَّا لَو طَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ فِي صُورَةِ أَمرٍ مُبَاشِرٍ فَقَد لَا يَستَجِيبُ لَهُ، وَرُبَّمَا يَرُدُّ عَلَيهِ بِقَولِهِ: وَمَن أَنتَ حَتَّى تُصدِرَ أَوَامِرَكَ إِلَيَّ؟ وَفَضلًا عَن أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُفَضِّلُونَ استِقبَالَ الأَوَامِرِ المُبَاشِرَةِ فَإِنَّ قِسمًا مِنهُم لَا يَستَسِيغُ استِقبَالَهَا أَمَامَ جَمعٍ مِنَ النَّاسِ.

عَلَى أَنَّهُ وَإِن لَم يَكُنِ الطَّلَبُ بِصُورَةِ الِالتِمَاسِ إِلَّا أَنَّهُ يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَتَطَاوَعَ مَعَ أَخِيهِ المُؤمِنِ فِيمَا هُوَ خَيرٌ وَيَترُكَ الِاستِبدَادَ، وَالِاستِبدَادُ يَضُرُّ صَاحِبَهُ وَيَضُرُّ غَيرَهُ، وَمَعنَاهُ أَن لَا يَرضَى الشَّخصُ اتِّبَاعَ رَأيِ غَيرِهِ وَلَو كَانَ مُوَافِقًا لِلحَقِّ، وَيُرِيدَ أَن يَتَّبِعَهُ النَّاسُ وَلَو كَانَ عَلَى غَيرِ الصَّوَابِ.

قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا تَرَكَ الحَقُّ صَاحِبًا لِعُمَرَ»، مَعنَاهُ أَنَا الحَقُّ صَدِيقِي، أَينَمَا كَانَ الحَقُّ أَنَا أَتَّبِعُهُ، أَحَقُّ النَّاسِ أَن يُتَّبَعَ مَن عَلِمَ الحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ، العَالِمُ العَامِلُ وَالمُتَعَلِّمُ العَامِلُ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المُؤمِنُ كَالجَمَلِ الأَنِفِ، إِنْ قِيْدَ انقَادَ، وَإِنِ استُنِيخَ عَلَى صَخرَةٍ استَنَاخَ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.

فَهَذَا الحَدِيثُ: «لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ»، قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بَنَّاءَةٌ لِلتَّعَامُلِ بَينَ البَشَرِ، التَّعَامُلُ الحَسَنُ بَينَ النَّاسِ هُوَ مَا كَانَ مِن تَعَامُلٍ عَلَى حَسَبِ الشَّرِيعَةِ وَعَلَى أَسَاسِ الدِّينِ، وَالتَّعَامُلُ بَينَ النَّاسِ بِاعتِبَارِهِ مَيدَانًاً ضَرُورِيًّا مُهِمًّا لَا غِنًى لِلإِنسَانِ عَنهُ يَنبَغِي أَن يَقُومَ عَلَى أُسُسٍ وَقَوَاعِدَ أَوَّلِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَرَاسِخَةٍ لِكَي يَكُونَ سَلِيمًا وَحَسَنًا.

مَعنَى أَن تُحِبَّ لِأَخِيكَ المُسلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفسِكَ أَن تُعَامِلَهُ بِحُسنِ الخُلُقِ، وَمَعنَى حُسنِ الخُلُقِ أَن يَصبِرَ عَلَى أَذَى النَّاسِ، وَيُحسِنَ إِلَيهِم، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَن غَيرِهِ، فَقَد كَانَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَثِيرًا مَا يَحُضُّ أُمَّتَهُ عَلَى العَفوِ وَالصَّفحِ وَتَحَمُّلِ الأَذَى، فَقَد وَرَدَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا شَىءٌ أَثقَلُ فِي المِيزَانِ» أَي فِي مِيزَانِ الآخِرَةِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ أَعمَالُ العِبَادِ «مِن حُسنِ الخُلُقِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَحُسنُ الخُلُقِ عِبَارَةٌ عَن تَحَمُّلِ أَذَى الغَيرِ وَكَفِّ الأَذَى عَنِ المُسلِمِينَ وَبَذلِ المَعرُوفِ أَي أَن يُحسِنَ المُؤمِنُ إِلَى الَّذِي يُحسِنُ إِلَيهِ وَالَّذِي لَا يُحسِنُ إِلَيهِ، فَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «إِنَّ المُؤمِنَ لَيُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

مَعنَى أَن تُحِبَّ لِأَخِيكَ المُسلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفسِكَ أَن تُعَامِلَهُم بِإِخلَاصٍ وَنَزَاهَةٍ وَتُحسِنَ الظَّنَّ بِهِم، وَأَن يَظهَرَ اهتِمَامُكَ بِهِم، وَالوَصِيَّةُ بِمَحَبَّةِ الخَيرِ لِغَيرِكُم كَمَا تُحِبُّونَ لِأَنفُسِكُم، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَبلُغُ العَبدُ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ مِنَ الخَيرِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى.

المُؤمِنُ يُحِبُّ لِلمُؤمِنِ أَن تَكُونَ حَالَتُهُ حَسَنَةً، وَلَا يُحِبُّ لَهُ الشَّرَّ، أَي فِعلَ مَا لَا يَنبَغِي، كَذَلِكَ المُؤمِنُ يُحِبُّ لِلمُؤمِنِ التَّرَقِّيَ فِي العَمَلِ، وَيُحِبُّ لِلكَافِرِ الخَيرَ وَهُوَ أَن يُسلِمَ، لِأَنَّهُ إِن أَسلَمَ تُكتَبُ لَهُ حَسَنَاتٌ وَتُغفَرُ لَهُ ذُنُوبٌ، أَمَّا إِن بَقِيَ عَلَى كُفرِهِ لَا يَكسِبُ حَسَنَةً مَهمَا نَفَعَ النَّاسَ، لَو بَنَى أَلفَ مَسجِدٍ، وَأَنفَقَ عَلَى مِائَةِ أَلفِ يَتِيمٍ وَأَرمَلَةٍ، لَيسَ لَهُ شَىءٌ مِنَ الحَسَنَاتِ.

وَيُحكَى أَنَّ رَجُلًا عَابِدًا كَانَ فِي مَسجِدٍ يَدعُو اللهَ، وَكَانَ مِن جُملَةِ دُعَائِهِ «اللهم ارزُقنِي طَعَامًا بِصِفَةِ كَذَا وَكَذَا، بِلَونِ كَذَا وَكَذَا، بِطَعمِ كَذَا وَكَذَا»، ثُمَّ نَامَ، وَكَانَ فِي المَسجِدِ تَاجِرٌ سَمِعَهُ، فَقَالَ فِي نَفسِهِ: «إِنَّهُ يَدعُو حَتَّى أُحضِرَ أَنَا لَهُ هَذَا الطَّعَامَ، فَوَاللهِ لَن أُحضِرَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ» ثُمَّ بَعدَ قَلِيلٍ إِذ بِرَجُلٍ يَدخُلُ مِن بَابِ المَسجِدِ وَمَعَهُ الطَّعَامُ بِالصِّفَةِ الَّتِي دَعَا بِهَا العَابِدُ، فَيَضَعُ الطَّعَامَ أَمَامَ العَابِدِ وَيُرِيدُ أَن يَخرُجَ، فَيُمسِكُهُ التَّاجِرُ وَيَقُولُ لَهُ: «بِاللهِ عَلَيكَ إِلَّا أَخبَرتَنِي قِصَّةَ هَذَا الطَّعَامِ، الآنَ دَعَا وَالآنَ حَضَرَ لَهُ الطَّعَامُ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَنَا حَمَّالٌ، وَمُنذُ سَنَةٍ وَامرَأَتِي تَطلُبُ هَذَا الطَّعَامَ وَلَا أَستَطِيعُ أَن أَشتَرِيَهُ، اليَومَ حَمَلتُ لِرَجُلٍ فَأَعطَانِي شَيئًا مِنَ الذَّهَبِ فَاشتَرَيتُ بِهِ الطَّعَامَ، وَبَينَمَا زَوجَتِي تُعِدُّهُ لِي نِمتُ، فَرَأَيتُ فِي المَنَامِ رَسُولَ اللهِ ﷺ  يَقُولُ لِي: إِنَّ فِي المَسجِدِ وَلِيًّا مِن أَولِيَاءِ اللهِ، إِن أَخَذتَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ جَعَلَ اللهُ لَكَ البَرَكَةَ فِي طَعَامِكَ، وَإِنِّي أَضمَنُ لَكَ الجَنَّةَ»، فَانتَبَهتُ مِن نَومِي فَأَخَذتُ الطَّعَامَ وَأَحضَرتُهُ لِهَذَا العَابِدِ، فَقَالَ التَّاجِرُ: أُعطِيكَ عَشَرَةَ أَضعَافِ الطَّعَامِ وَتُعطِينِي الثَّوَابَ، فَقَالَ: لَا، قَالَ: عِشرِينَ ضِعفًا، قَالَ: لَا، قَالَ: أَربَعِينَ ضِعفًا، قَالَ: لَا، وَلَو بِالدُّنيَا كُلِّهَا، لَا أُعطِيكَ مَا ضَمِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَرُوِيَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَتَدرُونَ مَا هُوَ خَيرٌ؟ صَدُوقُ اللِّسَانِ مَحمُومُ القَلبِ» قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعرِفُهُ، فَمَن هُوَ المَحمُومُ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَيسَ فِي قَلبِهِ لِإِخوَتِهِ المُسلِمِينَ غِلٌّ وَلَا بَغيٌ وَلَا حَسَدٌ». رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ.

فَمَا أَجمَلَ المُؤمِنَ حِينَمَا يُحِبُّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفسِهِ، وَيَكرَهُ لَهُم مَا يَكرَهُ لَهَا، إِنَّهُ يُصبِحُ مَحبُوبًا بَينَهُم، يَذكُرُونَهُ بِكُلِّ خَيرٍ، وَيَفرَحُونَ حِينَ مُلَاقَاتِهِ، وَيَشعُرُونَ بِالوَحشَةِ حِينَ مُفَارَقَتِهِ، وَيُشَارِكُهمُ ءَالَامَهُم وَقَضَايَاهُم، وَيَسعَى فِي خِدمَتِهِم، وَفِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِم.

وَليَنظُرِ المَرءُ فِي مُعَامَلَاتِهِ الَّتِي يُجرِيهَا مَعَ النَّاسِ فِي يَومِهِ وَلَيلَتِهِ لِيَرَى هَل هُوَ قَرِيبٌ مِنهُم يُعَاشِرُهُم بِالمَعرُوفِ أَم لَا؟ وَقَد رُوِيَ حَدِيثُ: «المُؤمِنُ يَألَمُ لِأَهلِ الإِيمَانِ كَمَا يَألَمُ الرَّأسُ فِي الجَسَدِ»، رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيْبَةَ، لِذَلِكَ كَانَ بَعضُ الأَنصَارِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ يَتَنَازَلُ عَن قِسمٍ مِن مَالِهِ لِلمُهَاجِرِ، وَكَانَ بَعضُهُم تَنَازَلَ عَن إِحدَى امرَأَتَيهِ فَطَلَّقَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا المُهَاجِرُ.

وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ: «دُعَاءُ المَرءِ المُسلِمِ مُستَجَابٌ لِأَخِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ، عِندَ رَأسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيرٍ قَالَ المَلَكُ: ءَامِينَ وَلَكَ بِمِثلِ ذَلِكَ»، وَقَد رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَن أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّردَاءِ: «إِنِّي ‌لَأَدعُو ‌لِسَبعِينَ ‌مِن ‌إِخوَانِي وَأَنَا سَاجِدٌ».

وَمِن مُعَامَلَةِ أَخِيكَ المُسلِمِ الَّتِي تُحِبُّ أَن يُعَامِلَكَ بِهَا أَن تُقَلِّلَ مِنَ المُعَاتَبَةِ إِلَّا حِينَ يُحتَاجُ لَهَا، فَإِنَّ مِن طَبِيعَةِ أَكثَرِ النَّاسِ أَنَّهُم لَا يَمِيلُونَ إِلَى أَن يُلَامُوا وَيُعَاتَبُوا، وَلَا إِلَى مَن يَلُومُهُم وَيُعَاتِبُهُم وَيُوَبِّخُهُم، وَلِكَي يُحسِنَ المَرءُ مُعَامَلَتَهُم جَدِيرٌ بِهِ أَن يُعَامِلَهُم بِالإِحسَانِ، وَأَن لَا يُكثِرَ مِنَ اللَّومِ وَالعِتَابِ، قالَ الشاعر:

إِذَا كُنتَ فِي كُلِّ الأُمُورِ مُعَاتِبًا *** صَدِيقَكَ لَم تَلقَ الَّذِي لَا تُعَاتِبُهُ

وَمِن حُسنِ الخُلُقِ وَالمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ أَن لَا يَتَتَبَّعَ الوَاحِدُ مِنَّا عَورَاتِ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَنفِرُونَ مِمَّن هَذِهِ خَصلَتُهُ، يُروَى عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ:

إِذَا شِئتَ أَن تَحيَا سَلِيمًا مِنَ الأَذَى*** وَحَظُّكَ مَوفُورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ

لِسَانُكَ، لَا تَذكُر بِهِ عَورَةَ امرِئٍ *** فَفيك عَورَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلسُنُ

وَعَينُكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعَايِبًا *** فَصُنهَا وَقُل يَا عَينُ لِلنَّاسِ أَعيُنُ

وَعَاشِر بِمَعرُوفٍ وَسَامِح مَنِ اعتَدَى** وَفَارِق وَلَكِن بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ

التواضع من سيرة النبي ﷺ وصفاته في بيته ومع الناس

وَمِن مُعَامَلَةِ أَخِيكَ المُسلِمِ الَّتِي تُحِبُّ أَن يُعَامِلَكَ بِهَا أَن تَتَوَاضَعَ مَعَهُ، وَالتَّوَاضُعُ تَركُ التَّرَفُّعِ عَلَى النَّاسِ، وَقَد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحمِلُ أُمَامَةَ بِنتَ بِنتِهِ زَينَبَ، هَذَا مِن شِدَّةِ رَحمَتِهِ بِخَلقِ اللهِ وَتَوَاضُعِهِ، وَهَكَذَا شَأنُ الأَنبِيَاءِ مَعَ مَا لَهُم مِن جَاهٍ عَظِيمٍ عِندَ اللهِ، كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا.

وَكَانَ ﷺ يَحلِبُ شَاتَهُ بِيَدِهِ، وَيَخصِفُ نَعلَهُ بِيَدِهِ، وَيَرقَعُ ثَوبَهُ، وَفِي مِهنَةِ بَيتِهِ مِن شِدَّةِ التَّوَاضُعِ، وَلَم يَرِد أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكنِسُ بَيتَهُ، لَكِن كَنسُ البَيتِ فِي مَعنَى هَذَا، وَهَذَا مِن كَمَالِ التَّوَاضُعِ.

وَقَد سُئِلَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: مَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنَعُ فِي بَيتِهِ؟ قَالَت: كَانَ يَكُونُ فِي مِهنَةِ أَهلِهِ -يَعنِي خِدمَةِ أَهلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.

فَالأَنبِيَاءُ مِن أَوَّلِ نَشأَتِهِم تَعَوَّدُوا عَلَى التَّوَاضُعِ، لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ سَبَقَ لَهُ رِعيَةُ الغَنَمِ، فَرِعيَةَ الغَنَمِ تُمَرِّنُ صَاحِبَهَا عَلَى الصَّبرِ، عَلَى التَّعَبِ، لِأَنَّ الغَنَمَ كَثِيرَةُ التَّفَلُّتِ، هَذِهِ تَفلِتُ إِلَى هُنَا، وَهَذِهِ تَفلِتُ إِلَى هُنَا، الرَّجُلُ يَتعَبُ فِي رَدِّ هَذِهِ إِلَى هُنَا وَفِي رَدِّ تِلكَ إِلَى هُنَا، قَبلَ النُّبُوَّةِ يَنشَأُ النَّبِيُّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّعَبِ فِي خِدمَةِ الخَلقِ، فَالأَنبِيَاءُ جَامِعُونَ لِأَوصَافِ الكَمَالِ مِنَ الرَّحمَةِ وَلِينِ الجَانِبِ وَالدُّؤُوبِ عَلَى السَّعيِ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ.

وَقَد أَحَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَكُونَ فِي الدُّنيَا مَعَ المُتَوَاضِعِينَ، وَأَن يُحشَرَ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ المُتَوَاضِعِينَ، وَقَد طَلَبَ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَن يُحشَرَ فِي زُمرَةِ المُتَوَاضِعِينَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهم أَحْيِنِي مِسكِينًا، وأَمِتنِي مِسكِينًا، وَاحشُرنِي فِي زُمرَةِ المَسَاكِينِ»، أَيِ المُتَوَاضِعِينَ.

وَكَانَ يَقبَلُ الهَدِيَّةَ، وَلَا يَأكُلُ الصَّدَقَةَ، وَيَعُودُ المَرِيضَ، وَيُجِيبُ مَن دَعَاهُ مِن غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَدَنِيءٍ وَشَرِيفٍ، وَلَا يَحقِرُ مُؤمِنًا، وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمشِي خَلفَهُ، وَكَانَ يَأمُرُ بِالرِّفقِ، وَيَحُثُّ عَلَى العَفوِ وَالصَّفحِ وَمَكَارِمِ الأَخلَاقِ.

الحلم والتطاوع وترك الاستبداد بالرأي

وَالتَّوَاضُع مَطلُوبٌ مَعَ الكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَالأَغنِيَاءِ وَالفُقَرَاءِ، لِوَجهِ اللهِ تَعَالَى، وَالتَّكَبُّرُ مَذمُومٌ فِي وَجهِ المُؤمِنِ وَغَيرِ المُؤمِنِ، لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ لَمَّا دَعَوُا الكُفَّارَ إِلَى الدِّينِ مَا كَانُوا مُتَكَبِّرِينَ عَلَيهِم، لِأَنَّهُم لَو كَانُوا مُتَكَبِّرِينَ فِي وُجُوهِ الكُفَّارِ لَنَفَرُوا عَنهُم، وَأَحوَالُ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا كَانَ الأَنبِيَاءُ لِيَكُونُوا مُتَكَبِّرِينَ، لِأَنَّ التَّكَبُّرَ رَدُّ الحَقِّ، وَالحَقُّ كَانَ مَعَ الأَنبِيَاءِ، وَالنَّاطِقُ بِالحَقِّ لَيسَ مُتَكَبِّرًا، فَإِنَّ التَّكَبُّرَ شَأنُ الكَافِرِينَ.

كَانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فِي المَدِينَةِ عَامَلَ النَّبِيَّ ﷺ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ جَاءَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، إِنَّكُم قَومٌ مُطلٌ»، فَلَم يُعَنِّفهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَظهَرَ الغَضَبَ مِنهُ، مَعَ أَنَّهُ يَستَحِقُّ ذَلِكَ بِقَولِهِ ذَلِكَ، فَلَم يُعَامِلهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمِثلِ رَجَاءَ إِسلَامِهِ، وَلَو رَدَّ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ لَم يَكُن ظَالِمًا، لِأَنَّهُ افتَرَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِوَفَاءِ دَينِهِ عَلَى وَجهِ الإِحسَانِ، لَولَا تَوَاضُعُ الأَنبِيَاءِ مِن أَينَ يَستَفِيدُ مِنهُمُ البَشَرُ هَذِهِ الفَائِدَةَ الَّتِي هِيَ سَبَبُ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ؟! يُسَبُّونَ فَيُقَابِلُونَ الإِسَاءَةَ وَالإِهَانَةَ بِالإِحسَانِ، هَذَا بِتَوَاضُعِهِم، فَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَم يَكفَهِرَّ فِي وَجهِ هَذَا اليَهُودِيِّ الَّذِي أَهَانَهُ -مِن ذَمِّهِ وَذَمِّ عَشِيرَتِهِ- لِأَنَّ كَلَامَهُ شَامِلٌ لَهُ وَلِعَشِيرَتِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنتَ يَا مُحَمَّدُ وَعَشِيرَتُكَ تُمَاطِلُونَ الدَّينَ، فَأَسلَمَ هَذَا اليَهُودِيُّ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يَمتَحِنَهُ، هَل يَجِدُ فِيهِ العَلَامَاتِ الَّتِي هِيَ مَذكُورَةٌ فِي بَعضِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ مِن صِفَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمَّا رَءَاهَا كُلَّهَا أَسلَمَ.

وحَصَلَ لِسَيِّدِنَا أَحمَدَ الرِّفَاعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن كَانَ ذَاتَ يَومٍ يَمشِي مَعَ جَمعٍ مِن مُرِيدِيهِ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ يَهُودِيٌّ كَانَ يَسمَعُ أَنَّ السَيِّدَ أَحمَدَ الرِّفَاعِيَّ حَلِيمٌ مُتَوَاضِعٌ، فَأَرَادَ أَن يَمتَحِنَهُ هَل هُوَ كَمَا يَصِفُهُ النَّاسُ أَم لَا، فَأَتَى إِلَيهِ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَنتَ أَفضَلُ أَمِ الكَلبُ أَفضَلُ؟ فَقَالَ السَّيِّدُ أَحمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنْ نَجَوتُ عَلَى الصِّرَاطِ فَأَنَا أَفضَلُ»، فَأَسلَمَ اليَهُودِيُّ وَأَسلَمَ أَهلُهُ وَكَثِيرٌ مِن مَعَارِفِهِ، فَلَولَا أَن تَوَاضَعَ مَعَهُ لَم يُسلِم، فَلَو كَانَ ظَهَرَ فِي وَجهِهِ أَنَّهُ غَضِبَ، أَو كَانَ اكفَهَرَّ فِي وَجهِهِ، أَو قَالَ لَهُ كَلِمَةَ شَتمٍ، مَا رَغِبَ فِي الإِسلَامِ، لَكِن أَعجَبَهُ شِدَّةُ حِلمِهِ وَتَوَاضُعِهِ، فَاعتَرَفَ فِي نَفسِهِ بِأَنَّ دِينَ هَذَا السَّيِّدِ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَيِ السَّيِّدُ أَحمَدُ كَانَ شَدِيدَ التَّوَاضُعِ، يُضرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي التَّوَاضُعِ، أَحيَانًا كَانَ يَكنِسُ الرِّوَاقَ بِنَفسِهِ، وَكَانَ يَخرُجُ لِيُمسِكَ أَيدِيَ العُميَانِ لِيُوصِلَهُم إِلَى حَيثُ يُرِيدُونَ، بَلَغَ الغَايَةَ فِي التَّوَاضُعِ. قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ:

إِنَّ التَّوَاضُعَ مِن خِصَالِ المُتَّقِي *** وَبِهِ التَّقِيُّ إِلَى المَعَالِي يَرتَقِي

وَمِنَ التَّوَاضُعِ أَن يَترُكَ رَأيَهُ الَّذِي فِيهِ خَيرٌ إِلَى رَأيِ أَخِيهِ الَّذِي فِيهِ خَيرٌ، لِأَنَّ العَمَلَ الجَمَاعِيَّ خَيرٌ مِنَ العَمَلِ الفَردِيِّ، وَقَد قَالَ ﷺ: «أَلَا أُخبِرُكُم بِأَهلِ الجَنَّةِ، أَهلُ الجَنَّةِ كُلُّ هَينٍ لَينٍ سَهلٍ قَرِيبٍ»، مَعنَى «هَينٍ» مُتَوَاضِعٌ، سَهلٍ فِي التَّعَامُلِ، وَ«لَينٍ» قَرِيبٌ، تَأكِيدٌ لِهَذَا.

وَقَالَ ﷺ: «إِنَّكُم لَتَغفُلُونَ عَن أَفضَلِ العِبَادَةِ التَّوَاضُعِ»، أَي مِن أَفضَلِ العِبَادَةِ، وَلَيسَ أَفضَلَهَا عَلَى الإِطلَاقِ، فَليُلزِم أَحَدُنَا نَفسَهُ أَن يَتَوَاضَعَ لِأَخِيهِ، لَا أَن يَكُونَ مُتَرَفِّعًا عَلَيهِ، فَعَلَينَا بِمُخَالَفَةِ النَّفسِ، فَإِنَّ النَّفسَ تُحِبُّ التَّرَفُّعَ وَالتَّعَالِيَ، فَالتَّوَاضُعُ يُؤَدِّي إِلَى كَسبِ المَعَالِي وَالدَّرَجَاتِ العَالِيَةِ.

وَالتَّوَاضُعُ لَهُ جُزءٌ يَتبَعُهُ وَهُوَ الحِلمُ، التَّوَاضُعُ وَالحِلمُ مَقرُونَانِ، قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: «الحِلمُ زَينُ العِلمِ»، وَمِمَّا يُروَى عَن سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَولُهُ فِي صِفَةِ عُلَمَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: «عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ حُلَمَاءُ، كَأَنَّهُم مِنَ الفِقهِ أَنبِيَاءُ»، مَعنَاهُ عُلَمَاءُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ هَذِهِ صِفَتُهُم، وَمِن كَثرَةِ مَا يُرزَقُونَ فِي العِلمِ كَأَنَّهُم أَنبِيَاءُ، الحِلمُ جُزءٌ مِنَ التَّوَاضُعِ، فَليَكُن عَمَلُ كُلٍّ مِنَّا مَعَ أَخِيهِ عَلَى هَذَا النَّحوِ، التَّوَاضُعِ وَالحِلمِ وَالإِغضَاءِ أَيِ المُسَامَحَةِ عَلَى الإِسَاءَةِ، أَي يَنبَغِي أَن يَكُونَ المُؤمِنُونَ مُتَعَامِلِينَ فِيمَا بَينَهُم عَلَى التَّغَاضِي وَالعَفوِ وَالسَّمَاحِ.

وَالحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَعنَاهُ الحِلمُ يُكتَسَبُ، بَعضُ النَّاسِ يَكُونُونَ شَرِسِينَ، ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ وَيَتَّقُونَ فَيَصِيرُونَ حُلَمَاءَ، كَثِيرٌ مِنَ الأَولِيَاءِ كَانُوا شَرِسِينَ، ثُمَّ لَمَّا سَلَكُوا طَرِيقَةَ الأَولِيَاءِ تَغَيَّرُوا.

وَالتَّوَاضُعُ يَدعُو إِلَى التَّطَاوُعِ، وَالتَّطَاوُعُ أَن يُوَافِقَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ وَلَا يَتَرَفَّعَ عَلَيهِ وَلَا يُسِيءَ الظَّنَّ بِهِ، وَإِذَا خَالَفَ رَأيُهُ رَأيَ أَخِيهِ يَتَّهِمُ رَأيَ نَفسِهِ، وَيَقُولُ: رَأيُ أَخِي هَذَا أَحسَنُ، فَيَنظُرُ فِيهِ، فَإِن تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطَأٌ يُنَبِّهُهُ، فَليُلزِم أَحَدُنَا نَفسَهُ أَن يَتَوَاضَعَ لِأخِيهِ، لَا أَن يَكُونَ مُتَرَفِّعًا عَلَيه، رَئِيسًا عَلَيهِ، قَائِدًا لَهُ إِلَى ءَارَائِهِ.

فَالنَّفسُ تُحِبُّ التَّرَفُّعَ إِلَّا مَن خَالَفَهَا لِوَجهِ اللهِ تَعَالَى، فَالشَّخصُ الَّذِي يُخَالِفُ نَفسَهُ يَكُونُ مُتَوَاضِعًا مَعَ عِبَادِ اللهِ، التَّوَاضُعُ مَطلُوبٌ حَتَّى الرَّجُلُ فِي البَيتِ إِن خَدَمَ نَفسَهُ وَخَدَمَ زَوجَتَهُ بَدَلَ أَن يَنتَظِرَ خِدمَتَهَا هَذَا أَفضَلُ، فَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: استَأذَنتُ النَّبيَّ ﷺ فِي العُمرَةِ، فَأَذِنَ لِي وَقالَ: «لَا تَنسَنَا يَا أُخَيَّ مِن دُعَائِكَ»، فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسرُّنِي أنَّ لِي بِهَا الدُّنيَا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَالَ: «أَشرِكنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَالَّذِي يُوصِلُ إِلَى التَّطَاوُعِ التَّوَاضُعُ، وَلَيكُن أَحَدُنَا كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَانَ فِي جَيشِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ فِي حَربِ الرِّدَّةِ، كَانَ سَيِدُّنَا خَالِدٌ هُوَ قَائِدَهُم مَعَ مَا بَينَ خَالِدٍ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ فِي رِفعَةِ القَدرِ.

الَّذِي لَا يَتَوَاضَعُ لَا يَتَرَقَّى، لِأَنَّ تَركَ التَّوَاضُعِ حَاجِزٌ بَينَ الشَّخصِ وَبَينَ التَّرَقِّي.

وَمِن مُعَامَلَةِ أَخِيكَ المُسلِمِ الَّتِي تُحِبُّ أَن يُعَامِلَكَ بِهَا أَن تَترُكَ الجِدَالَ فِيمَا لَا خَيرَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، مَعنَاهُ: الإِنسَانُ كَثِيرُ الجَدَلِ، أَيِ الجَدَلِ الَّذِي لَيسَ فِيهِ خَيرٌ، فَأَكثَرُ النَّاسِ هَذَا حَالُهُم، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ المِرَاءَ وَإِن كَانَ مُحِقًّا»، المِرَاءُ هُوَ الجِدَالُ المَذمُومُ الَّذِي لَا يُرَادُ مِنهُ إِحقَاقُ حَقٍّ أَو إِبطَالُ بَاطِلٍ، الجِدَالُ الَّذِي لَيسَ لِوَجهِ اللهِ تَعَالَى بَل يُرَادُ بِهِ إِخفَاءُ الحَقِّ أَو يُرَادُ بِهِ التَّعَاظُمُ عَلَى النَّاسِ وَالتَّرَفُّعُ عَلَيهِم مَذمُومٌ مَمقُوتٌ عِندَ اللهِ تَعَالَى وَيُوجِبُ البُعدَ مِنَ اللهِ، ثُمَّ إِنَّ الجِدَالَ العَقِيمَ أَوِ المِرَاءَ مَدعَاةٌ إِلَى أُمُورٍ مِنهَا:

  • إِمرَاضُ القُلُوبِ عَلَى الإِخوَانِ أَوِ الأَصدِقَاءِ أَوِ النَّاسِ.
  • نُشُوبُ الخُصُومَةِ.
  • إِفسَادُ الصَّدَاقَةِ القَدِيمَةِ.
  • حُدُوثُ القَطِيعَةِ.
  • الوُقُوعُ فِيمَا لَا خَيرَ فِيهِ مِنَ الكَلَامِ.
  • وَقَد يَجُرُّ إِلَى المَعصِيَةِ.

اللِّينُ وَالتَّسَامُحُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم﴾، فَاللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿رُحَمَاءُ بَينَهُم﴾، لِيَعُمَّ كُلَّ مَن كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهُوَ أَن يَكُونَ المَرءُ رَحِيمًا بِالمُؤمِنِينَ

ثُمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ خَيرُ مَن يُقتَدَى بِهِ لِتَطبِيقِ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى، كَانَ رَحِيمًا بِالمُؤمِنِينَ، وَكَانَ يُحِبُّ المَسَاكِينَ، وَيُدنِيهِم مِنهُ، وَقَد أَوصَى بِذَلِكَ أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَوصَانِي خَلِيلِي بِخِصَالٍ مِنَ الخَيرِ، أَوصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنهُم»، أَيِ الِاقتِرَابِ مِنهُم.

وَمِن مُعَامَلَةِ أَخِيكَ المُسلِمِ الَّتِي تُحِبُّ أَن يُعَامِلَكَ بِهَا أَن تَتَفَقَّدَهُ، فَقَد كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن شِدَّةِ شَفَقَتِهِ وَرَحمَتِهِ بِالمُؤمِنِينَ إِذَا لَم يَرَ بَعضَ أَصحَابِهِ بُرهَةً مِنَ الزَّمَنِ يَتَفَقَّدُهُ، حَتَّى إِنَّهُ قِيلَ لَهُ مَرَّةً عَن رَجُلٍ غَرِيبٍ مُؤمِنٍ فَقِيرٍ سَأَلَ عَنهُ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ، فَذَهَبَ إِلَى قَبرِهِ وَصَلَّى عَلَيهِ، إِلَى هَذَا الحَدِّ كَانَ يُحِبُّ المَسَاكِينَ وَيَعتَنِي بِهِم، وَرَوَى الحَاكِمُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، رَحِيمُ القَلبِ.

فَمِنَ القَوَاعِدِ الأَسَاسِيَّةِ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَالدُّخُولِ إِلَى قُلُوبِهِم وَالتَّأثِيرِ فِيهِمُ استِعمَالُ الرِّفقِ وَاللِّينِ، وَالتَّسَامُحُ مَعَهُم، وَالصَّبرُ عَلَى أَذَاهُم، فَمَن وَجَدَ طَرِيقًا إِلَى القُلُوبِ تَفَتَّحَت لَهُ أَبوَابُ السَّمَاعِ.

وَيَنبَغِي تَوجِيهُ اللِّسَانِ فِي طَرِيقِ الخَيرِ وَالفَضِيلَةِ، وَتَحسينُ الكَلَامِ بِحَيثُ يَكُونُ لَائِقًا لَبِقًا، وَهُوَ مَا يُمكِنُ أَن يُدعَى بِاللَّيَاقَةِ وَاللَّبَاقَةِ فِي التَّحَدُّثِ، فَإِنَّ اللَّيَاقَةَ هِيَ المُنَاسَبَةُ، وَاللَّبَاقَةُ عُمُومًا هِيَ اللُّيُونَةُ فِي الأَخلَاقِ وَاللَّطَافَةُ وَالظَّرَافَةُ، وَأَن يَكُونَ الكَلَامُ لَائِقًا يَعنِي أَن يَكُونَ مُنَاسِبًا وَحَسَنًا، وَأَن يَكُونَ لَبِقًا يَعنِي أَن يَكُونَ لَيِّنًا وَلَطِيفًا وَظَرِيفًا.

وَمِنَ المُهِمِّ التَّنَبُّهُ إِلَيهِ أَنَّ اللَّيَاقَةَ وَاللَّبَاقَةَ فِي الكَلَامِ مَعَ النَّاسِ يَنبَغِي أَن تَكُونَ مُنبَعِثَةً مِنَ الإِخلَاصِ وَالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ، وَاللَّيَاقَةُ وَاللَّبَاقَةُ -كَخُلُقٍ وَأَدَبٍ- مَطلُوبَةٌ فِي الحَدِيثِ العَادِيِّ وَفِي الحِوَارِ الكَلَامِيِّ وَفِي المُبَاحَثَةِ وَالنِّقَاشِ.

كَذَلِكَ أَحَدُنَا يُحِبُّ أَن يَعمَلَ النَّاسُ مَعَهُ الشَّىءَ المَعرُوفَ، العَمَلَ الحَسَنَ، كَذَلِكَ نَحنُ لِنُعَامِلِ النَّاسَ بِالمَعرُوفِ، وَلَا يَقُل أَحَدُنَا: هُم أَسَاؤُوا إِلَيَّ فَأَنَا أُسِيءُ إِلَيهِم، نُعَامِلُ الَّذِي أَسَاءَ إِلَينَا بِالإِحسَانِ، نَكسِرُ أَنفُسَنَا، نُخَالِفُ أَنفُسَنَا، لِأَنَّ نَفسَ الإِنسَانِ تُحِبُّ أَن تَكُونَ هِيَ العَالِيَةَ عَلَى النَّاسِ، هَذَا مَعنَى الحَدِيثِ، وَأَكثَرُ النَّاسِ بَعِيدُونَ عَنِ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ، لَو عَمِلُوا بِهَذَا الحَدِيثِ لَكَانُوا أَولِيَاءَ، هَكَذَا الَّذِي يُرِيدُ الفَوزَ فِي الآخِرَةِ، لَا يُطِع هَوَاهُ، بَل يُخَالِفُ هَوَاهُ، الإِنسَانُ إِذَا عَظُمَ فِي قَلبِهِ أَمرُ الآخِرَةِ هَانَ عَلَيهِ مُخَالَفَةُ هَوَاهُ، الهَوَى مَا تَمِيلُ إِلَيهِ النَّفسُ، النَّفسُ مَجبُولَةٌ عَلَى حُبِّ أَشيَاءَ: حُبِّ الشَّهَوَاتِ كَالأَكلِ وَالشُّربِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَعَلَى حُبِّ التَّعَالِي، وَعَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ، وَهَذَا أَمرٌ مَذمُومٌ عِندَ اللهِ، ثُمَّ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّخصِ، يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ، مُخَالَفَةُ النَّفسِ أَمرٌ مُهِمٌّ.

قَالَ بَعضُ الأَولِيَاءِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: «أَعدَى أَعدَائِكَ نَفسُكَ الَّتِي بَينَ جَنبَيكَ» مَعنَاهُ لَيسَ عَدُوُّ الإِنسَانِ الشَّيطَانَ فَقَط، نَفسُهُ أَيضًا عَدُوُّهُ لِأَنَّهُ إِن أَطَاعَهَا فِي هَوَاهَا تُهلِكُهُ، وَذَلِكَ يُسَاعِدُ الشَّيطَانَ عَلَى الشَّخصِ، 

زَينُ العَابِدِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ابنُ سَيِّدِنَا الحُسَينِ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: السَّجَّادُ، كَانَ مِن أَجمَلِ النَّاسِ خِلقَةً، وَمِن أَحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَمِن أَسخَى النَّاسِ، النَّاسُ مِن حُسنِ حَالِهِ وَمَنظَرِهِ كَانُوا يَهَابُونَهُ أَكثَرَ مِنَ المُلُوكِ، هَذَا أَهَانَهُ شَخصٌ فِي وَجهِهِ، فَسَكَتَ، مَا رَدَّ عَلَيهِ، مَا انتَقَمَ مِنهُ، فَذَاكَ لَمَّا وَجَدَهُ لَا يَرُدُّ عَلَيهِ قَالَ لَهُ: «إِيَّاكَ أَعنِي» فَقَالَ: «وَعَنكَ أُغضِي»، مَعنَاهُ أَنَا عَمدًا أَسكُتُ عَنكَ، لَا أُعَامِلُكَ بِالمِثلِ، فَذَلِكَ الرَّجُلُ تَرَاجَعَ فِي نَفسِهِ وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، قَالَ فِي نَفسِهِ: أَنَا عَامَلتُهُ بِالشَّتمِ وَالإِهَانَةِ، وَهُوَ مَا قَابَلَنِي بِالمِثلِ، بَل أَغضَى عَنِّي، فَوَبَّخَ نَفسَهُ، لَامَ نَفسَهُ، هَكَذَا المُؤمِنُ يَنبَغِي أَن يُعَامِلَ النَّاسَ بِالعَفوِ وَالصَّفحِ وَيُخَالِفَ نَفسَهُ.