المقدمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعِزَّةِ وَالْبَقَاءِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْعَلَاءِ، وَالْمَجْدِ وَالثَّنَاءِ تَعَالَى عَنِ الْأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَمْثَالِ وَالنُّظَرَاءِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ وَصَفِّيِهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامِ الْأَتْقِيَاءِ، عَدَدَ ذَرَّاتِ الثَّرَى، وَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ السَّلَامِ، الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلَّامِ، شَارِعِ الْأَحْكَامِ، ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِدِينِ الْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ التَّحِيَّةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِكِتَابِهِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حَبِيبِهِ، وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنَامِ، عَدَدَ سَاعَاتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نُجُومِ الظَّلَامِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ، وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله: بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ
الحديث
رَوَى مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ – أَوْ فَيُسْبِغُ – الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)).
الشرح والتعليق على الحديث
بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ ويُستحب: ألا يُنشّف الأعضاء من بلل الوضوء والغسل. قال البغوي في التهذيب في فقه الإمام الشافعي: لما روي عن ميمونة قالت: “وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسلًا فاغتسل، فناولته ثوبًا، فلم يأخذه. ولأنّه أثر عبادة؛ فيستحب ألا يزيلها. فإن فعل لم يكره؛ لما روي عن معاذ بن جبلٍ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ، مسح وجهه بطرف ثوبه،
ويستحب: ألا يستعين بغيره على وضوئه لغير ضرورة، فإن فعل لم يكره؛ لأنّ المغيرة بن شعبة صبّ الماء على النبي صلى الله عليه وسلم حتى توضأ. فإن صب عليه إنسانٌ، يستحب أن يقوم على يساره؛ لأنّه أمكن وأحسن في الأدب.
والترتيب في الوضوء واجبٌ؛ وهو أن يبدأ بغسل الوجه، ثم بعده يغسل يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه؛ كما ذكر الله تعالى. وقال الثّوري، وأبو حنيفة: الترتيب سنةٌ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ قال العيني: الإسباغ مصدر أَسْبغ، وَقَالَ اللَّيْث: كل شَيْء طَال إِلَى الأَرْض فَهُوَ سابغ. قال الفيومي: أَسْبَغْتُ الْوُضُوءَ أَتْمَمْتُهُ.اهـ وقال ابن حجر: الْإِسْبَاغُ فِي اللُّغَةِ الْإِتْمَامُ، اهـ
وأسبغ الله عَلَيْهِ النِّعْمَة أَي أتمّهَا قَالَ الله تَعَالَى:{وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ} [سورة لقمان/ الآية 20] وإسباغ الْوضُوء إبلاغه موَاضعه وإيفاء كل عُضْو حَقّه.
الطَّهارة بفتح الطاء لغة النظافة، وأمّا شرعًا ففيها تفاسير كثيرة، منها قولهم: فعل ما تستباح به الصّلاة، أي من وضوء وغسل وتيمم وإزالة نجاسة، اهـ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهِ عليه وَسلم فيما رواه مسلم: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)). كَلِمَةُ (الطُّهُور)هِيَ بِضَمِّ الطّاء وَهِيَ مَصْدَر طهَرَ– يَطْهُرُ– طُهُورًا، – طهَرَ فِى الماضِي – يَطْهُرُ فِي الْمُضارِعِ – طُهُورًا هِوَ الْمَصْدَر، وَالْمَصْدَرُ هُوَ الذي يَقَعُ ثالِثًا فِى التَّصْرِيف. فَكَلِمَةُ (الطُّهُورُ) هِيَ اسْمٌ للفِعْل. يعنِي فِعْلُ الطَّهارَة يُقالُ لَهُ طُهُور،
أَمّا الطَّهُور، بِفَتْحِ الطّاء، فَهُوَ الماءُ الذي يُتَطَهَّرُ بِهِ. إِذا جَمَعْتَ ماءً فِى إِناءٍ تُرِيدُ اسْتِعمالَهُ فِى الطَّهارَة، تُسَمِّي هذا الماءَ الذي فِى الإِناءٍ طَهُور، بِفَتْحِ الطّاء. أَمّا إِذا أَخَذْتَ الماءَ مِنَ الإِناءِ لِتَغْسِلَ وَجْهَكَ بِنِيَّةِ الوُضُوءِ مَثَلًا، لِتَغْسِلَ يَدَيْك، هذا الفِعل يُقالُ فِيه طُهُور بِضَمِّ الطّاء. فَــ”الطُّهُورُ” إِذًا اسْمٌ للفِعْل، لِفِعْلِ التَّطَهُّر، وَالطَّهُور، بِفَتْحِ الطّاء هُوَ اسْمٌ لِلْماءِ الذي يُتَطَهَّرُ بِهِ.
ولهٰذا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ نَسْتَعمِلُها، فَيُقالُ مَثلًا وُضُوء بِضَمّ الواو. الوُضُوءُ هُوَ فِعْلُ التَّطَهُّر، أَمّا الماءُ الذي تَسْتَعْمِلُهُ فِى الوُضُوء يُقالُ فِيهِ وَضُوء بِفَتْحِ الواو.
وَكذلِكَ يُقالُ وَقُود وَوُقود. وُقُود مَعْناهُ هذا الاشْتِعال للنّار أَمّا إِذا أَلْقَيْتَ الحَطَبَ فِي النار فالحَطَبُ بِما أَنَّهُ يَزِيدُ النّارَ اشْتِعالًا يُقالُ فِيهِ وَقُود بِفَتْحِ الواو وَمِنْهُ أَيْضًا سَحُور وَسُحُور. السُّحُورُ هُوَ الفِعل، أَنْ تأْكُلَ الطّعام بَعدَ مُنْتَصَفِ الليل فِى رَمَضانَ مَثَلًا. هذا الفِعْلُ يُقالُ فِيهِ سُحُور بِضَمِّ السين، أَمّا الطّعام الذي تَتَناوَلُهُ فِى ذلِك الوَقت يُقالُ لَهُ سَحُورُ بِفَتْحِ السّين كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان: ((تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)) وَعَلَى هذا فَقِسْ.
ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ومن الحكمة في أن يذكر المتوضئ هذا الذكر بعد الوضوء، لما فيه من استدامة التذلل والانكسار لله رب العالمين، واستحضار أصل الدين وأصل العبادة وهو التوحيد ولا يخفى ما لأهمية هذا الأمر في بقاء المؤمن يستحضر في قلبه أنه يعبد الله تعالى وإن لهذا أهميةً عظيمةً في استدامة الذل والمسكنة لله وله أهمية في الحث على إتقان العبادة لله عز وجل، فيبقى العبد مستحضرا معاني التوحيد في عبادته لله عز وجل، فيتقن العبادة لله ويخلصها فيصرف من قلبه التعلق بمدح الناس أو دفع ذمهم عنه بل المعنى الذي يستحضره في قلبه وقتها أنني أعمل العبادة لله عز وجل لا ينبغي أن أصرف هذه العبادة لغيره سبحانه، ولا ألتفت إلى جزاء المخلوق بل أنظر إلى ثواب الله ونعيمه الذي أعده لعباده المخلصين الصادقين، وهذا يهَوِّن على المتوضئ والعابد ربَّه سبحانه أن يَصْدُقَ ويخلص ويتقن العبادة ويطرد الرياء والعجب والتكبر ومزاحمة حظ النفس في القلب، وتجريد العبادة عن حظوظ هذه الدنيا، وعدم النظر إلى الأغيار، ويُهَوِّن على المتوضئ والعابد ربَّه عز وجل أن يأتي بالسنن والأركان ويسبغ الوضوء ويتم العبادة ويأتي بالأكمل فيها، فإتقان العمل وإتقان العبادة يرجع سببه إلى رسوخ العقيدة ورسوخ معاني التوحيد في قلب المؤمن، لذلك ينبغي بث معاني التوحيد بين المؤمنين ففيها تحصين لهم من كثير من المفاسد، كثير من المؤمنين يتوضؤون أكثر من مرة يوميا ويؤدون الصلاة على أوقاتها، لكن لا تجد الأثر الذي ينبغي أن تراه في مجتمعات المؤمنين، لماذا؟ لضعف بعض المعاني من قلوب المؤمنين ولعدم رسوخ بعض المعاني واستحضارها في القلوب، فتجد الواحد منهم يتوضأ صورة ويؤدي الأركان أحيانا ويسبغ فيما يظهر للناظر إليه ولا تجد أثر هذا الوضوء وهذه الصلاة، لماذا؟ لغياب بعض المعاني.
كان بعض السلف عندما يقوم للوضوء يرتجف ويُصعَق وعندما يُسأل يقول ألا تعلم ما أنا مقبل عليه، أنا مقبل على مناجاة الله عز وجل، ملكِ الملوكِ وجبارِ السماوات والأرض.
هذه المعاني التي ينبغي بثّها بين المسلمين عندما يقبل الواحد منهم على عبادة ربه، ينبغي أن يُفرقوا بين العادة والعبادة، وهذا لا يتم إلا بالعلم ونشر معاني التوحيد بين المؤمنين، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).
وهاتان الشهادتان هما أصل دين الإسلام، وهما مِفتاح الجنان، من مات عليهما لا بدّ أن يدخل الجنة في النهاية، مآله إلى الجنة بإذن الله عز وجل.
وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ أَىْ أُذْعِنُ بِقَلْبِى وَأَعْتَرِفُ بِلِسَانِى أَنْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ؛ أَىْ أَنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُعْبَدَ أَىْ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللَّهُ.
فمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِى اللُّغَةِ أَقْصَى غَايَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ اللُّغَوِىُّ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ، فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ مُجَرَّدَ الطَّاعَةِ أَوِ النِّدَاءِ أَوِ الِاسْتِغَاثَةِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ أَوِ الْخَوْفِ أَوِ الرَّجَاءِ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ.
الْوَاحِدُ: الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ.
الأَحَدُ: الَّذِي لا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ وَالتَّجَزُّؤَ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا لا هُوَ جِسْمٌ كَثِيفٌ كَالإِنْسَانِ وَالشَّجَرِ وَالْحَجَرِ وَلا هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كَالنُّورِ وَالظَّلامِ وَالرِّيحِ.
الأَوَّلُ: الَّذِي لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ فَلَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ تَعَالَى عَدَمٌ وَبِمَعْنَاهُ الْقَدِيمُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ قِدَمَ اللَّهِ ذَاتِىٌّ وَلَيْسَ زَمَنِيًّا.
الْحَىُّ: الْمُتَّصِفُ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ وَعَصَبٍ وَمُخٍّ بَلْ حَيَاتُهُ صِفَةٌ قَدِيـمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ أَىْ ثَابِتَةٌ لَهُ
الْقَيُّومُ: الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الَّذِي لا يَحْتَاجُ لغَيْرِهِ
الدَّائِمُ: الَّذِي لا يَلْحَقُهُ وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ لِأَنَّ الْفَنَاءَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَقْلًا فَلا دَائِمَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى
الْخَالِقُ: الذِي أَبْرَزَ وَكَوَّنَ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ
الرَّازِقُ: الَّذِي يُوصِلُ الأَرْزَاقَ إِلَى عِبَادِهِ
الْعَالِمُ: الْمُتَّصِفُ بِصِفَةِ الْعِلْمِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ وَلا يَتَجَدَّدُ فَهُوَ تَعَالَى عَالِمٌ لا كَالْعُلَمَاءِ لِأَنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ وَعِلْمَ غَيْرِهِ حَادِثٌ
الْقَدِيرُ: الْمُتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَقُدْرَةُ اللَّهِ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ اللَّهُ بِهَا فِى الْمُمْكِنَاتِ أَىْ فِى كُلِّ مَا يَجُوزُ فِى الْعَقْلِ وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخْرَى فَبِهَا يُوجِدُ وَيُعْدِمُ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ: أَىْ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى تَكْوِينِ مَا سَبَقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ أَىْ عَلَى إِيجَادِ كُلِّ مَا أَرَادَ فِى الأَزَلِ وُجُودَهُ، فَاللَّهُ تَعَالَى لا يُعْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ شَىْءٌ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِلا مَشَقَّةٍ وَلا يُمَانِعُهُ أَحَدٌ مَا شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ وُجُودَهُ كَانَ أَىْ حَصَلَ وَوُجِدَ وَمَا لَمْ يَشَإِ اللَّهُ فِى الأَزَلِ وُجُودَهُ لَمْ يَكُنْ أَىْ لَمْ يُوجَدْ. وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لا تَتَغَيَّرُ لِأَنَّ تَّغَيُّرَ الْمَشِيئَةِ دَلِيلُ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ.
الَّذِي لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ أَىْ لا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَلا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِهِ تَعَالَى.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِى حَقِّهِ أَىْ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَاللَّوْنِ وَالْحَدِّ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} [سورة الشورى/ الآية 11] أَىْ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} عَلَى قَوْلِهِ {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} حَتَّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ سَمْعَ اللَّهِ وَبَصَرَهُ كَسَمْعِ وَبَصَرِ غَيْرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُبَايِنٌ أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِلْمَخْلُوقِينَ كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ”. اهـ
فَهُوَ الْقَدِيمُ الَّذِي لا أَوَّلَ لَهُ وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْعَالَمِينَ حَادِثٌ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ وَهُوَ الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِوَمَا سِوَاهُ أَىْ كُلُّ الْعَالَمِينَ مَخْلُوقٌ لَهُ بِدَايَةٌ فَالْعَالَمُ حَادِثٌ بِجِنْسِهِ وَأَفْرَادِهِ. فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِى الْوُجُودِ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الأَعْيَانِ جَمْعُ عَيْنٍ وَهُوَ كُلُّ مَا لَهُ حَجْمٌ أَمْ كَانَ مِنَ الأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ أَوْ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى،
فَالأَعْيَانُ كُلُّهَا مِنَ الذَّرَّةِ وَهِىَ أَصْغَرُ حَجْمٍ نَرَاهُ مُنْفَصِلًا عَنْ غَيْرِهِ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ وَهِىَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ دُخُولِ نُورِ الشَّمْسِ مِنَ الْكَوَّةِ أَوْ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا إِلَى الْعَرْشِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الْحَجْمُ، خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ لا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجُلُوسَ لا يَكُونُ إِلَّا لِلْجِسْمِ الْمُرَكَّبِ وَالتَّرْكِيبُ مِنْ لَوَازِمِ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ مُنَافٍ لِلأُلُوهِيَّةِ، رُوِيَ عَنْ صَبَاحِ التَّفْرِيدِ وَمِصْبَاحِ التَّوْحِيدِ سَيِّدِنَا عَلِىِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ” اهـ
هِىَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالأَعْمَالُ الْبَاطِنَةُ مِنَ النَّوَايَا جَمْعُ نِيَّةٍ وَهِىَ الْعَزْمُ وَالْخَوَاطِرِ جَمْعُ خَاطِرٍ وَهُوَ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِلا إِرَادَةٍ فَهُوَ أَىِ الْحَادِثُ الدَّاخِلُ فِى الْوُجُودِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ لا خَلَقَتْهُ طَبِيعَةٌ وَهِىَ الصِّفَةُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الأَجْرَامَ كَالنَّارِ طَبِيعَتُهَا الإِحْرَاقُ وَلا خَلَقَتْهُ عِلَّةٌ وهِىَ مَا يُوجَدُ الْمَعْلُولُ بِوُجُودِهِ وَيُعْدَمُ بِعَدَمِهِ مِثْلُ حَرَكَةِ الإِصْبَعِ الَّذِي فِيهِ خَاتَمٌ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ.
بَلْ دُخُولُهُ فِى الْوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْفُرْقَانِ: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ} [الآية 2] أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَىِ الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ فَاطِرٍ: {هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ} [الآية 3] أَىْ لا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا الْعَبْدُ يَخْلُقُ فِعْلَهُ الِاخْتِيَارِىَّ فَكَفَّرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ النَّسَفِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ «الْعَقِيدَةُ النَّسَفِيَّةُ» مَا مَعْنَاهُ: فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجًا بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ بِالْحَجَرِ [أَىْ بِوَاسِطَةِ الْحَجَرِ] وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ انْكِسَارٌ وَقَدْ لا يَحْصُلُ،
وَالْكَسْرُ وهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِي فَعَلَهُ فِى الزُّجَاجِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْىِّ بِالْحَجَرِ وَالِانْكِسَارُ وَهُوَ الأَثَرُ الْحَاصِلُ فِى الزُّجَاجِ مِنْ تَشَقُّقٍ وَتَنَاثُرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لا بِخَلْقِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ فِعْلِهِ هَذَا إِلَّا الْكَسْبُ وَهُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْخَلْقُ فَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {لَهَا مَا كَسَبَتۡ} [الآية 286] أَىْ لِلنَّفْسِ جَزَاءُ مَا كَسَبَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ أَىْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ أَىْ وعَلَيْهَا وَبَالُ مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ أَىْ يَضُرُّهَا ذَلِكَ فَالْعَبْدُ إِنَّمَا يَتَّصِفُ بِالْكَسْبِ لا بِالْخَلْقِ وَهُوَ يُحَاسَبُ عَلَى كَسْبِهِ.
وكَلامُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ لِذَاتِهِ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ وَهُوَ أَىِ الْكَلامُ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ لا ابْتِدَاءَ لَهُ كَسَائِرِ أَىْ بَاقِى صِفَاتِهِ تَعَالَى مِنَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّهَا قَدِيمَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّاتَ الأَزَلِىَّ لا تقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً وَلا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ وَأَمَّا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْكَلامِ الأَزَلِىِّ وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِى الذَّاتِ أَىْ ذَاتُهُ لا يُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالصِّفَاتِ أَىْ صِفَاتُهُ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالأَفْعَالِ أَىْ فِعْلُهُ لا يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَخْلُوقَاتِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَىْ تَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ أَىِ الْكَافِرُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشَبِّهَةِ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا أَىْ تَنَزُّهًا كَامِلًا.
ومعنى أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ وَأُصَدِّقُ وَأُذْعِنُ بِقَلْبِى وَأَعْتَرِفُ بِلِسَانِى أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ قُصَىِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إِلْيَاسَ بنِ مُضَرِ بنِ نِزَارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنَانَ الْقُرَشِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَىِ الْمَنْسُوبَ إِلَى أَشْرَفِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قُرَيْشَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَيَتْبَعُ ذَلِكَ أَىْ يَتْبَعُ الإِيمَانَ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ وُلِدَ بِمَكَّةَ.
وَأُمُّهُ هِىَ ءَامِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ مِنْ بَنِى زُهْرَةَ مِنْ قُرَيْش
وَبُعِثَ بِهَا أَىْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ بِالنُّبُوَّةِ وَهُوَ مُسْتَوْطِنٌ فِيهَا وَكَانَ حِينَئِذٍ فِى غَارِ حِرَاءٍ وَهَاجَرَ أَىْ فَارَقَ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا فِى حُجْرَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَيْضًا اعْتِقَاد أَنَّهُ صَادِقٌ فِى جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ وَلا يُخْطِئُ فِى ذَلِكَ أَبَدًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الأُمَمِ وَبَدْءِ الْخَلْقِ أَمْ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَمْ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا يَحْدُثُ فِى الْمُسْتَقْبَلِ
أَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ وَحْىٍ فَكَانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيهِ،
فَمِنْ ذَلِكَ أَىْ فَمِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ جَزْمًا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَابُ الْقَبْرِ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ كَعَرْضِ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِي يَقْعُدُهُ فِى الآخِرَةِ وَكَالِانْزِعَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ
وَنَعِيمُهُ أَىْ نَعِيمُ الْقَبْرِ كَتَوْسِيعِ الْقَبْرِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَكَتَنْوِيرِهِ بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فَيُسْأَلُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ اعْتِقَادِهِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ فَيُجيبُ كُلٌّ بِحَسَبِ حَالِهِ
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا السُّؤَالِ النَّبِىُّ وَالطِّفْلُ وَهُوَ الَّذِي مَاتَ دُونَ الْبُلُوغِ وَشَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ
وَالْبَعْثُ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ
وَالْحَشْرُ وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ الْخَلْقُ وَيُسَاقُوا بَعْدَ بَعْثِهِمْ إِلَى الْمَحْشَرِ
وَالإِيمَانُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُهُ مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ
وَالْحِسَابُ وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ وَالثَّوَابُ وَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي يُجَازَاهُ الْمُؤْمِنُ فِى الآخِرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ وَالْعَذَابُ وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْمَعَاصِى
وَالْمِيزَانُ وَهُوَ مَا تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالنَّارُ أَىْ جَهَنَّمُ وَهِىَ الدَّارُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِتَعْذِيبِ الْكَافِرِينَ وبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَهِىَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ وَالصِّرَاطُ وَهُوَ جِسْرٌ يُمَدُّ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ فَيَرِدُهُ النَّاسُ وَتَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَالطَّرَفُ الآخَرُ فِيمَا يَلِي الْجَنَّةَ بَعْدَ النَّارِ
وَالْحَوْضُ وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ بَعْدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَلا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ
وَالشَّفَاعَةُ فَيَطْلُبُ الشُّفَعَاءُ فِى الآخِرَةِ مِنَ اللَّهِ إِسْقَاطَ الْعِقَابِ عَنْ بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهِىَ لا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ
وَالْجَنَّةُ وَهِىَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِتَنْعِيمِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِىَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ
وَالرُّؤْيَةُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَيْنِ فِى الآخِرَةِ أَىْ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَهَذَا خَاصٌّ بالْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ وَهُمْ فِى الْجَنَّةِ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَلا تَشْبِيهٍ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وَاللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِى الآخِرَةِ وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِى الْجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُؤُوسِهِمْ بِلا تَشْبِيهٍ وَلا كَيْفِيَّةٍ وَلا كَمِيَّةٍ وَلا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ” أَىْ لا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوقُ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّ الْمَرْئِىَّ عِنْدَئِذٍ يَكُونُ فِى جِهَةٍ مِنَ الرَّائِى وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ فِى مَكَانِهِمْ فِى الْجَنَّةِ فَيَرَوْنَ اللَّهَ، وَاللَّهُ بِلا مَكَانٍ
وَالْخُلُودُ فِيهِمَا أَىْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَجِبُ الإِيمَانُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَخْلُدُونَ فِى الْجَنَّةِ والكافرينَ يَخْلُدُونَ فِى النَّارِ وَأَنَّهُ لا مَوْتَ بَعْدَ ذَلِكَ
وَالإِيمَانُ بِمَلائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَىْ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَهُمْ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ
وَرُسُلِهِ أَىْ أَنْبِيَائِهِ مَنْ كَانَ رَسُولًا أُرْسِلَ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ ومَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ،
وَالنَّبِىُّ غَيْرُ الرَّسُولِ هُوَ إِنْسَانٌ أُوحِىَ إِلَيْهِ لا بِشَرْعٍ جَدِيدٍ بَلْ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ الرَّسُولِ الَّذِي قَبْلَهُ وَأَوَّلُ رُسُلِ اللَّهِ هُوَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَءَاخِرُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَكُتُبِهِ وَأَشْهَرُهَا أَرْبَعَةٌ الْقُرْءَانُ وَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ
وَيَجِبُ أَيْضًا الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ أَىِ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَحْصُلُ هُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الرِّضَا بِتَقْدِيرِهِ تَعَالَى وَعَدَمِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِى تَقْدِيرِهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَالْحُلْوَ وَالْمُرَّ فَإِنَّ الْمَقْدُورَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ يَحْصُلُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَمَا كَانَ مِنْهُ خَيْرًا نُحِبُّهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ شَرًّا نَكْرَهُهُ.
إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ روى مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا))، وَءاخرُ مَنْ يدخلُ الجنَّةَ مِنَ المؤمنينَ لهُ مثلُ الدنيا وعشرةِ أمثالِها. وقدْ وردَ ذلكَ في حديثٍ صحيحٍ رواهُ البخاريُّ وغيرُهُ. والواحدُ مِنْ أهلِ الجنَّةِ أقلُّ ما يكونُ عندَهُ مِنَ الولدانِ المخلدينَ عشرةُ ءالافٍ، بإحدَى يديْ كلٍّ منهم صحيفةٌ مِنْ ذهبٍ وبالأخرى صحيفةٌ مِنْ فضةٍ قالَ تعالى: {يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ} [سورة الزخرف/ الآية 71]، والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهوَ إناءٌ مستديرٌ لا عروةَ لهُ أيْ لا أذنَ لهُ.
وقالَ تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ} [سورة الطور/ الآية 24]، أيْ يطوفُ للخدمةِ غلمانٌ كأنَّهم مِنَ الحُسْنِ والبياضِ لؤلؤٌ مكنونٌ أيْ لم تَمَسَّهُ الأيديْ.
وجاءَ في وصفِهَا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُوْرٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حُبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ)) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
في بدايةِ هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ ﷺ لأصحابِهِ: ((هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الجَنَّةَ لَا خَطرَ لَهَا))، أيْ لا مثلَ لها، وقولُه ﷺ: ((هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ)) أيْ أقسمُ بربِّ الكعبةِ بأنَّها نورٌ يتلألأُ أيْ فلا تحتاجُ إلى شمسٍ ولا قمرٍ، لا ظلامَ فيها هناكَ كمَا في الدنيا، لكنْ مقدارُ الليلِ والنهارِ يُعرفُ بعلامةٍ جعلَهَا اللهُ فيها. وَوَصَفَهَا ﷺ بأنَّها: ((رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ))، أيْ ذاتُ خضرةٍ كثيرةٍ يانعةٍ، وليسَ هناكَ مواسمُ للثِّمارِ، بلْ في أيِّ وقتٍ مَا تشتهيهِ تجدُهُ فقدْ قالَ اللهُ تعالى: {لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ}[سورة الواقعة/ الآية 33]، وقدْ جاءَ في صحيح البخاري ومسند أحمد عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ وَلَا يَقْطَعُهَا.
وفي الحديثِ أيضًا وصفُ الجنةِ بأنَّها: ((قَصْرٌ مَشِيْدٌ)) أيْ فيها قصورٌ عاليةٌ مرتفعةٌ في الهواءِ، فقُصُوْرُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَمِنْ فِضَّةٍ وَمِنْ لُؤْلُؤٍ، وَبِنَاؤُهَا لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، مِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ.
وقولُهُ ﷺ: ((نَهْرٌ مُطَّرِدٌ)) أيْ أنهارٌ جاريةٌ لا تكلِّفُ تعبًا بالتناولِ منها، لأنَّها ليستْ في وِهَادٍ عميقةٍ بلْ هيَ جاريةٌ على وجهِهَا علَى وجهِ أرضِ الجنةِ، فنَهَرٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَلَمْ يُحْلَبْ، وَنَهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ، وَنَهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ، يَصِلُ إِلَى بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَرْعٌ مِنْ هَذِهِ الأَنْهَارِ، قالَ تعالى: {مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰر مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ} [سورة محمد/ الآية 15].
وقولُهُ ﷺ: ((وَفَاكِهَةٌ نَضِيْجَةٌ)) أيْ أنَّ فيها مِنَ الفواكهِ كلَّ مَا تشتهيهِ النفسُ، وكلَّ ما فيها مِنَ الفواكهِ نضيجٌ، وقدْ وردَ أنَّ المؤمنَ يَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَيَشْتَهِيهِ، فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَشْوِيًّا. وَفِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيْرَةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الجَنَّةِ قِيَامًا وَقُعُودًا وَمُضَّطَجِعِينَ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءُوا، حَجْمُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ، كُلَّمَا نُزِعَتْ مِنْ شَجَرِهَا ثَمَرَةٌ أُعِيْدُ مَكَانَهَا أُخْرَى فَيَأْكُلُوْنَ وَيَعْرَقُونَ وَيَرْشَحُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُوْنَ وَلَا يَبُوْلُوْنَ.
وأمَّا قولُه ﷺ: ((وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيْلَةٌ)) فتفسيرُهُ ما وردَ في الحديثِ الذي رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ: ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ)) مِنَ الحُوْرِ العِيْنِ وهذا الحديثُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ، والحورُ العينُ نساءُ أهلِ الجنةِ مِنْ غيرِ الإنسِ خُلِقْنَ خلقًا مِنْ غيرِ توالدٍ إكرامًا للمؤمنينَ، والحورُ جمعُ حوْراءَ والعِينُ جمعُ عَيناءَ، والحورُ مِنَ الحورِ وهوَ شدَّةُ بياضِ العينِ وشدَّةُ سوادِهَا، وأما العِينُ فمعناهُ واسعاتُ العيونِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى في وَصْفِهِنَّ: {كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ} [سورة الرحمن/ الآية 58] وَهُنَّ خَيراتٌ حِسانٌ أزواجُ قومٍ كرامٍ. والواحدةُ منهنَّ مِنْ شدةِ صفاءِ عظمِهَا يُرى مخُّ ساقِهَا مِنْ خلالِ الجلدِ وذلكَ مِنْ شدةِ جمالِها. وقولُهُ ﷺ في الحديثِ المذكورِ: ((فِيْ مَقَامٍ أَبَدًا)) أيْ في حياةٍ دائمةٍ لا نهايةَ لَها.
وقوله ﷺ: ((فِيْ حُبْرَةٍ))، أيْ سرورٍ دائمٍ، معناهُ أنَّهم في بحبوحَةِ عيشٍ أيْ أنَّ عيشَهُم واسعٌ لا يصيبُهُم فيها ضيقٌ وكذلكَ لا ينامونَ لأنَّهم لا يشعرونَ بتعبٍ جسمانيٍّ، ملأَ اللهُ نفوسَهُم سرورًا فلا يجدُ النومُ مجالًا إليهم.
وأمَّا قولُهُ ﷺ: ((نَضْرَةٍ)) فمعناهُ أنَّ وجوهَ أهلِها ناضرةٌ أيْ جميلةٌ لأنَّهم ليسَ عليهم فيها كآبةٌ. وفي نهايةِ هذا الحديثِ قالَ الصحابةُ لرسولِ اللهِ ﷺ: “نَحْنُ الْمُشَمِّرُوْنَ يَاْ رَسُوْلَ اللهِ”، فَقَالَ: ((قُوْلُوْا إِنْ شَاْءَ اللهُ))، لِيُعَلِّمَهُمُ التفويضَ إلى اللهِ في أمورِهِمْ كلِّها، وَأنَّ الإنسانَ لا ينبغي أنْ يَرْكَنَ إلى نفسِهِ بلِ اعتمادُهُ على رَبِّهِ، فَمَنْ أرادَ ذلكَ النعيمَ المقيمَ فَلْيَتَّقِ اللهَ بتأديتِهِ الواجباتِ واجتنابِ المحرماتِ.
فهنيئًا لِمَنْ عملَ لآخرتِهِ فإنَّ نعيمَ الدنيا بالنسبةِ لنعيمِ الآخرةِ كَلاَ شىءٍ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: ((مَاْ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّاْ مِثْلُ مَاْ يَجْعَلُ أَحَدَكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ – وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ – فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ)) رواهُ مسلمٌ، ومعناهُ هذا البللُ الذي يعلقُ بالإصبعِ ماذا يكونُ بالنّسبةِ لِعِظَمِ البحرِ؟ كَلَا شىءٍ. وقدْ جاءَ في الحديثِ: ((مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكِمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)) رواهُ البخاريُّ. والسوطُ هوَ الآلةُ التي تُسْتَعْمَلُ للضربِ وَتكونُ غالبًا مِنَ الجلدِ، أيْ أنَّ المساحةَ التي يأخذُهَا السوطُ إذا وُضِعَ على الأرضِ مِنَ الجنةِ خيرٌ مِنَ الدنيا ومَا فيها. وَجَعَلَ اللهُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ فِيْهَا أَنْوَاعًا كَثِيْرَةً مِنَ النَّعِيْمِ الْمُقِيْمِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ وَلَا يَنْقَطِعُ، مِنْ غيرِ الذي ذكرتُ:
فأمَّا أبوابُهَا ومصاريعُهَا: فَأَبْوَابُهَا ثَمَانِيَةٌ، يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، وَلِأَهْلِ الصِّيَامِ بَابٌ يُدْعَوْنَ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، وَشَهِيْدُ الْمَعْركَةِ يُخَيَّرُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ. وَمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ أَبْوَابِهَا مَسِيرَةُ سَبْعِ سِنِينَ.
وأمَّا رِيْحُها: فيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ كمَا ثبتَ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ.
وأمَّا أفضلُ النعيمِ في الجنَّةِ: فهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنِيْنَ يَرَوْنَ اللهَ وَهُم فِي الجَنَّةِ وَلَا يَحُدُّوْنَهُ بِحَدٍّ وَلَا يُمَثِّلُوْنَهُ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا وَلَا حَالًّا فِي شَىْءٍ وَلَا مُشْبِهًا لشَىْءٍ، فَيَرَوْنَهُ لَا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوْقُ. يرونَهُ بلَا كيفيةٍ ولَا تشبيهٍ ولَا جهةٍ كمَا قالَ الإمامُ أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ في الفقهِ الأكبرِ: “وَاللهُ تَعَالَى يُرَىْ فِي الآخِرَةِ وَيَرَاهُ المؤْمِنُوْنَ وَهُمْ فِي الجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُؤُوْسِهِمْ بِلَاْ تَشْبِيْهٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا كَمِّيَّةٍ وَلَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ”.
وَمَا هَذَا إِلَّا قَلِيْلٌ مِنْ قَلِيْلٍ مِمَّا ذُكِرَ عَنِ الجَنَّةِ وَنَعِيْمِهَا.
رَزَقَنَا اللهُ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَسْأَلُهُ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى، ءَامِيْنَ.
إِنَّ سبيلَ النجاةِ يومَ القيامةِ هوَ تقوى اللهِ عزَّ وجلَّ بأداءِ مَا أمرَ بهِ واجتنابِ مَا نهى عنهُ، لأنَّ مَنْ كانَ يحبُّ الجنةَ ويريدُهَا عليهِ أنْ يعملَ لِمَا يُقَرِّبُهُ للحصولِ عليهَا، ومَنْ خافَ النَّارَ وأرادَ البعدَ عنهَا عليهِ أنْ يعملَ لِمَا يُجَنِّبُهُ دخولَهَا وذلكَ يكونُ بالتقوى، قالَ اللهُ تعالَى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ} [سورة البقرة/ الآية 197].
من آداب الوضوء
هناك آداب للوضوء منها ما قال الفقهاء:
- أن يملأ آنيته بعد الفراغ من الوضوء لصلاة أخرى.
- أن لا نسرف ولا نقتر
- أن يقول عند غسل كل عضو: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، به ورد الأثر عن رسول الله عليه السلام
- أن لا يتكلم فيه بكلام الناس
- أن يتولى أمر الوضوء بنفسه لحديث عمر رضي الله عنه، فإنه قال: “إنا لا نستعين على طهورنا”، مع هذا لو استعان بغيره جاز فقد صحّ أن رسول الله عليه السلام استعان بغيره، وكان المغيرة يفيض الماء ورسول الله عليه السلام كان يغسل
- أن لا يترك عورته مكشوفة يعني بعد الاستنجاء، فقد ورد أن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم إذا وجدها مكشوفة، رواه أحمد في مسنده وابن ماجه في السنن
- أن يتأهب للصلاة قبل الوقت
- أن يقول بعد الفراغ من الوضوء: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
- أن يستقبل القبلة عند الوضوء بعد الفراغ من الاستنجاء
- أن يقول بعد الفراغ من الوضوء أو في خلال الوضوء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين
- أن يصلي ركعتين بعد الفراغ من الوضوء، لما روي في مسند أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لبلال: ((إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ))، فقال بلال: مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، فقال عليه السلام: ((بِهَذَا))
والله تعالى أعلم وأحكم