بني الإسلام على خمس: أركان الإسلام | رياض الصالحين (73)

الدرس ٦٢ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٨:٣٩

الحمدُ لله اللطيفِ الرؤوفِ المَنَّانِ، الْغَنِيِّ القويِّ السِّلْطَان، الحَلِيمِ الكَرِيم الرحيم الرحمن، المحيطِ عِلْمَاٍ بما يكونُ وما كان، يُعِزُّ وَيُذِلُّ، ويُفْقِرُ ويُغْنِي، وَكُلُّ مَا شاءَه كان. أحْمَدُه وهو الموصوف بالصفاتِ الكاملةِ الحِسَان، وأشكرُه على نِعَمِهِ وبَالشَّكرِ يزيد العطاءُ والامْتِنَان، وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحْدَه لا شريكَ له المَلِكُ الدَّيَّان، وأشهد أنَّ محمدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ إلى الإِنس والجان، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعينَ لهم بإحسان ما توالت الأزمان، وسلَّم تسليمًا كثيرا، أما بعد: 

الحديث

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الْخَامِسُ: عنْ أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الْباهِلِيِّ رضي اللَّهُ عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَخْطُبُ في حَجَّةِ الْودَاع فَقَالَ: “اتَّقُوا الله، وصَلُّوا خَمْسكُمْ، وصُومُوا شَهْرَكمْ، وأَدُّوا زكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ” رواه التِّرْمذيُّ، في آخر كتابِ الصلاةِ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيح. 

ترجمة راوي الحديث

أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَنَزِيلُ حِمْصَ. هو صُدَيُّ ‌بنُ ‌عَجْلَانَ بنِ وَهْبِ بنِ عَرِيْبِ بنِ وَهْبِ بنِ رِيَاحِ بنِ الحَارِثِ بنِ مَعْنِ بنِ مَالِكِ بنِ أَعْصُرَ. ويقال الصدي بأل ولم يذكره الحاكم في كتابه إلا بها. 

رَوَى: عِلْماً كَثِيْراً. وَحَدَّثَ عَنْ: عُمَرَ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ. رَوَى عَنْهُ: خَالِدُ بنُ مَعْدَانَ، وَالقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَالِمُ بنُ أَبِي الجَعْدِ، وَسُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ، وَرَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ، وَآخَرُوْنَ. 

 كان رضي الله عنه من مشهوري الصحابة. روي له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مائتا حديث وخمسون حديثاً، روى البخاري خمسة منها ومسلم ثلاثة، وخرّج عنه أصحاب السنن. قَالَ سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يقول: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُوْلُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. قُلْتُ لأَبِي أُمَامَةَ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً. وَرُوِيَ: أَنَّهُ بَايعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. وروى رَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! ادْعُ اللهَ لِي بِالشَّهَادَةِ. فَقَالَ: (اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ، وَغَنِّمْهُمْ) . فَغَزَوْنَا، فَسَلِمْنَا، وَغَنِمْنَا. وَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ) . فَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ، وَامْرَأَتُهُ، وَخَادِمُهُ لَا يُلْفَوْنَ إِلَاّ صِيَاماً. 

وقال سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ، فَيُحَدِّثُنَا حَدِيْثاً كَثِيْراً عَنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ يَقُوْلُ: اعْقِلُوا، وَبَلِّغُوا عَنَّا مَا تَسْمَعُوْنَ. 

وَلأَبِي أُمَامَةَ كَرَامَةٌ بَاهِرَةٌ، جَزِعَ هُوَ مِنْهَا، وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيْرَ، فَلَقِيَ تَحْتَ كَرَاجَتِه ثَلَاثَ مائَةِ دِيْنَارٍ. 

وروي عَنْ سَعِيْدٍ الأَزْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ لِي: يَا سَعِيْدُ! إِذَا أَنَا مِتُّ، فَافْعَلُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لَنَا: (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ، فَنَثَرْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بنُ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُجِيْبُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي جَالِساً، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمْكَ اللهُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اذكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا؛ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيْتَ بِاللهِ رَبّاً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً، وَبَالإِسْلَامِ دِيْناً، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيْرٌ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا، مَا نَصْنَعُ بِهِ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟!). قِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ أُمَّهُ. قَالَ: انْسِبْهُ إِلَى حَوَّاءَ.اهـ  

(وهذا دليل لأهل السنة على جواز التلقين وأنه ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنه في عمل السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهذا الحديث رواه الطبراني وغيره وذكره الفقهاء، ولو كان بعضهم ضعفه فإنه يجوز العمل به، فإن الحديث الضعيف يجوز العمل به في فضائل الأعمال بالإجماع كما قال النووي في الأذكار وغيره، قال النووي في روضة الطالبين: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ الْمَيِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ، وساق حديث التلقين الذي نقلناه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ثم قال: قُلْتُ: هَذَا التَّلْقِينُ اسْتَحَبَّهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمُ: الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اعْتُضِدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، كَحَدِيثِ (اسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ) وَوَصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (أَقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا التَّلْقِينِ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَفِي زَمَنِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَقْعُدُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ، وَأَمَّا الطِّفْلُ وَنَحْوُهُ، فَلَا يُلَقَّنُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وكذلك شهيد المعركة والانبياء

 فإذًا: يستحب تلقين الميت بعد الدفن ولا عبرة بكلام من خالف في هذه المسألة فكلام أهل العلم واضح والحديث المروي يكفي في إثبات أن للتلقين أصلا في السنة النبوية المطهرة، قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في المسالك في شرح موطأ مالك، كتاب الجنائز، النهي أن تُتُبعَ الجنازة بنار: المسألة الثامنة، فاذا أُدخِلَ الميتُ قبره فإنّه يستحبُّ تلقينه في تلك السَّاعة وهو مستحبٌّ وهو فعلُ أهل المدينة والصالحين والأخيار لأنّه مطابِقٌ لقوله تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) وأحوج ما يكون العبد إلى التّذكير بالله تعالى عند تغيّر الحال وخروج الرُّوح وعند سؤال الملك لأنّه يخاف عند ذلك أنّ يختلسه الشّيطان فَيُذَكَّر بالله تعالى ولقوله (لَقِّنُوا أَمْوَاتَكُمْ لَا إِلَهَ إِلا الله).

 وقال الإمام المفسّرُ القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص 343) قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (ينبغي أن يُرشَد الميتُ في قبره حيث يوضع فيه إلى جواب السؤال ويُذَكَّر بذلك فيقال له قل الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي فإنه عن ذلك يُسأَل كما جاءت به الأخبار على ما يأتي إن شاء الله، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك). اهـ 

وقال الإمام الحافظ تقي الدين بنُ دقيق العيد المالكي الشافعي في نهاية البيان (إنه لا بأس به فقد رُوِيَ أنه كان سُنّةَ السلف) نقلا عن كتاب المعين على فعل سنة التلقين للحافظ الناجي. وقال الشيخ أبو علي البَجائي المالكي (كان السلف إذا دُفِن الميت وقفوا عنده، فيقولون يا فلان! لا تنس ما فارقتنا عليه في دار الدنيا شهادةَ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله). اهـ نقلا عن الإيضاح والتبيين لمسألة التلقين للحافظ السخاوي (ص 183).

 وفي مواهب الجليل في شرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي، كتاب الجنائز، مسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة، فرع كيفية الغسل (وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبَابِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْإِرْشَادِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَكِنَّهُ اعْتُضِدَ بِالشَّوَاهِدِ وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِّ قَدِيمًا ). انْتَهَى

سكن أبو أمامة الباهلي مصر ثم حمص وتوفي بها. وهو آخر من مات من الصحابة في البلدان المتفرقة، قَالَ المَدَائِنِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشٍ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ.

الشرح

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الْخَامِسُ (أي الحديث الخامس من باب التقوى وهو الحديث الثالث والسبعون من كتاب رياض الصالحين): عنْ أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الْباهِلِيِّ رضي اللَّهُ عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَخْطُبُ (قال الفيروزأبادي: والخَطْب والمخاطبة والتخاطب: المراجعة فى الكلام. ومنه الخُطْبَة والخِطْبة، لكن بالضمّ يختصّ بالموعظة، وبالكسر يختصّ بطلب المرأة. ويقال من الخُطبة: خاطِبٌ وخَطِيب، ومن الخِطبة: خاطب لا غير. الفعل منهما خَطَب. وفَصْل الخطاب: ما ينفصل به الأَمر من الخطاب.اهـ. والْخَطْبُ: الأمْرُ الَّذِي يَقَع فِيهِ الْمُخَاطَبَةُ، والشَّأن والحالُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَلَّ الْخَطْبُ: أَيْ عَظُمَ الْأَمْرُ والشَّأن.) في حَجَّةِ الْودَاع (قال ابن حجر: بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِهَا وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِفَتْحِهَا. ذَكَرَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي صِفَتِهَا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ أَيْ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَحُجَّ ‌ثُمَّ ‌أَذَّنَ ‌فِي ‌النَّاسِ ‌فِي ‌الْعَاشِرَةِ ‌أَنَّ ‌النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجٌّ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.اهـ وفي حجة الوداع خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالناس خطبة الوداع فأوجز وعلم وبصَّر الناس بأمور دينهم ودنياهم، وكان أول ما ذكر في خطبته صلى الله عليه وسلم التوحيد والتأكيد عليه، ومن جملة ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها ما نقله ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى حَجّهِ، فَأَرَى النّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجّهِمْ، وَخَطَبَ النّاسَ خُطْبَتَهُ الّتِي بَيّنَ فِيهَا مَا بَيّنَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ قائلا: إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ‌وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَنْصِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيّهَا النّاسُ، إنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلّغْت، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنّ كُلّ رِبًا موضوع، ولكن لكم رؤس أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنّهُنّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنّ شَيْئًا، وَإِنّكُمْ إنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَاتِ اللهِ، فَاعْقِلُوا أَيّهَا النّاسُ قَوْلِي، فَإِنّي قَدْ بَلّغْت، وقد تركت فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيّنًا، كِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ. أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنّ كُلّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فلا يحل لامرئ مِنْ أَخِيهِ إلّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ؛ فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللهُمّ هَلْ بَلّغْت؟ فَذُكِرَ لِي أَنّ النّاسَ قَالُوا: اللهُمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم اشهد..) فَقَالَ: “اتَّقُوا الله (وهذه الوصية جاءت أمرا في كتاب الله لكل الناس فقد أمر الكل بالإيمان والتقوى، قال تعالى: [وَللهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ‌وَلَقَدْ ‌وَصَّيْنَا ‌الَّذِينَ ‌أُوتُوا ‌الْكِتابَ ‌مِنْ ‌قَبْلِكُمْ ‌وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً]، قال الرازي: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْوَى اللَّه شَرِيعَةٌ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ لَمْ يَلْحَقْهَا نَسْخٌ وَلَا تَبْدِيلٌ، بَلْ هُوَ وَصِيَّةُ اللَّه فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ)، وصَلُّوا خَمْسكُمْ (أي: الفروض الـخمسة، وقد قال تعالى: [إِنَّ الصَّلَاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‌كِتاباً ‌مَوْقُوتاً] أي فرضا موقتا)، وصُومُوا شَهْرَكمْ (أي شهر رمضان المبارك)، وأَدُّوا زكَاةَ أَمْوَالِكُمْ (أي في ما تجب فيه الزكاة) (وهذه العبادات العظيمة المذكورة في هذا الحديث هي المذكورة في حديث الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ، فَهِيَ كَالْأَرْكَانِ وَالدَّعَائِمِ لِبُنْيَانِهِ، وَالْمَقْصُودُ تَمْثِيلُ الْإِسْلَامِ بِبُنْيَانِهِ وَدَعَائِمُ الْبُنْيَانِ هَذِهِ الْخَمْسُ، فَلَا يَثْبُتُ الْبُنْيَانُ بِدُونِهَا، وَبَقِيَّةُ خِصَالِ الْإِسْلَامِ كَتَتِمَّةِ الْبُنْيَانِ، فَإِذَا فُقِدَ مِنْهَا شَيْءٌ، نَقَصَ الْبُنْيَانُ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يَنْتَقِضُ بِنَقْصِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ نَقْضِ هَذِهِ الدَّعَائِمِ الْخَمْسِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَزُولُ بِفَقْدِهَا جَمِيعًا بِغَيْرِ إِشْكَالٍ، وَكَذَلِكَ يَزُولُ بِفَقْدِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّهَادَتَيْنِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ )، وَأَطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ (ومعناه طاعتهم في غير معصية الله عز وجل فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه، قال ابن رجب: وَأَمَّا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِيهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا، وَبِهَا تَنْتَظِمُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَبِهَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِمْ وَطَاعَةِ رَبِّهِمْ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ النَّاسَ لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا إِمَامٌ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ، إِنْ كَانَ فَاجِرًا عَبَدَ الْمُؤْمِنُ فِيهِ رَبَّهُ، وَحُمِلَ الْفَاجِرُ فِيهَا إِلَى أَجَلِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْأُمَرَاءِ: هُمْ يَلُونَ مِنْ أُمُورِنَا خَمْسًا: الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَ وَالثُّغُورَ وَالْحُدُودَ، وَاللَّهِ مَا يَسْتَقِيمُ الدِّينُ إِلَّا بِهِمْ، وَاللَّهِ لَمَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِمْ أَكْثَرُ مِمَّا يُفْسِدُونَ. وَخَرَّجَ الْخَلَّالُ فِي ” كِتَابِ الْإِمَارَةِ ” مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ حِينَ صَلُّوا الْعِشَاءَ أَنِ احْشُدُوا، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: هَلْ حَشَدْتُمْ كَمَا أَمَرْتُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَلْ عَقَلْتُمْ هَذِهِ؟ ثَلَاثًا، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، هَلْ عَقَلْتُمْ هَذِهِ؟ ثَلَاثًا، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ثَلَاثًا، هَلْ عَقَلْتُمْ هَذِهِ؟ ثَلَاثًا، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَكُنَّا نَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَتَكَلَّمُ كَلَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ نَظَرْنَا فِي كَلَامِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَمَعَ لَنَا الْأَمْرَ كُلَّهُ»، وَفِي ” الْمُسْنَدِ ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ مُحْتَسِبًا، وَسَمِعَ وَأَطَاعَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ وَفِي رِوَايَةٍ حَبَشِيٌّ» وَفِي ” صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ” عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» . وَفِي ” صَحِيحِ مُسْلِمٍ ” عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا)، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ (والجنة هي الدار الآخرة المشتملة على جميع النعم التي سُمِعَ بها والتي لم يسمع بها أي ما أراد الله إيجاده منها سميت بذلك لاشتمالها على الجنان التي هي البساتين. وهي مخلوقة الآن ولا تفنى، قال الطحاوي في عقيدته: “والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلاً”. وأهل الجنة هم المؤمنون لا غير، من آمن ووحَّد الله عز وجل لا بد في نهاية الأمر أن يكون مقره الجنةَ الخالدةَ التي لا انقطاع لنعيمها، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي (إنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الجَنَّةَ قالَ لَها تَكَلَمي فَقالَتْ قَدْ أَفَلَحَ المُؤمِنُون) المؤمن هو الذي يدخل الجنة، وروى ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال (فإنَّ الجنَّةَ حَرامٌ عَلى غَير المُسْلِمْ) الجنَّةُ هي دار السلام وسمَّيت بذلك لأنها دار الأمان، وهي موجودة الآن، مُعدَّةٌ مُهيأةٌ، خلقها الله تعالى، وإلاّ كيف دخلها الرسولُ ليلة الإسراء والمعراج، وربُنا قال [وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] (آل عمران 133) أعدت، هُيأت، لذلك يجب الاعتقاد بأنها موجودة الآن، وأن الله أراد لها البقاء إلى غير نهاية، فمن قال بفناء الجنة أو بفناء النار، نقل الحافظ الفقيه السبكي في كتابه [الاعتبار] الإجماع على كفره، فالجنة باقية بإبقاء الله لها، والنار باقية بإبقاء الله لها، ومن قال بفنائِهِما أو بفناء الجنة دون النار أو النار دون الجنة، فهو مُكذِّبٌ لرب العالمين. ويجب الاعتقاد بأن الله أعد للمؤمنين من النعيم في الجنة وأنهم يُخَلدون فيها إلى غير نهاية، فلا يموتون ولا يصيبهُم البؤس ولا المرض ولا الخرف، ولا الجنون، ولا التعب، ولا الهمّ، ولا الحُزُن، ولا الحَزَن، بل حتى النُعاس لايصيبهم فيها، لماذا؟ لأن النُعاس يأتي بعد تعبٍ جسديٍ أو بعد تعبٍ فكريٍ، والجنَّة ليس فيها ذلك، ولا سبيل إلى النُعاس إلى قلوبهم في الجنة، بل قلوبهم مليئة عامرة بالفرح والسرور، فلا مجال إلى البؤس إليهم ولا إلى النُعاس ولا إلى النوم بل نعيمٌ دائم إلى غير نهاية، ومما أعدَ الله لهم فيها كما ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال فيها (هي نُورٌ يَتَلألأ) هي نورٌ يتلألأ فلا يوجد ظلام في الجنة بل لا توجد بقعةٌ مظلمةٌ في الجنة، والجنة واسعة جدًا، جهنم مع عِظَمِ حجمها، مع مساحتها الواسعة الشاسعة الكبيرة، هي بُقعةٌ صغيرة بالنسبة للجنّة، هي بُقعة ضيقةٌ بالنسبة للجنّة، ومع ذلك لا يوجد في الجنّة موضعُ شبرٍ مظلم، كلها أنوار ولا يوجد فيها شمس ولا قمر، كل مافيها مُضاء، ولكنهم يعرفون مِقدار الليل والنهار بعلامةٍ جعلها الله لهم في الجنّة، وأيضًا مما أعدّ الله للمؤمنين في الجنّة كما ورد في الحديث الذي رواه الحافظ البيهقي والبزار أنك إذا نظرت إلى الطائر، إلى طيرٍ مثلاً وهو يطيرُ في الجنّة، فاشتهيته، ينزل مشويًا أمامك، فإذا أكلت، يخلقه الله ويطير من جديد، الله لا يعجزه شىء، ومما لهم فيها، ماءٌ لا يتعفّن من طول الـمـُكث، لا يَفْسُد، إنما هو ماءٌ لذيذٌ فراتٌ، ولا هو في وهادٍ عميقة، إنما يجري على أرض الجنّة، بين الأشجار، وإنما يشربون منه إذا اشتهوا لا عن عطش، لا عن ظمأ، وهم على عروشهم إذا اشتهوا الماء يصعد إليهم، وهم على عروشهم إذا اشتهوا الفاكهة، الثمارُ تدنو منهم، قال الله تعالى [قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ] (الحاقَّة 23) لا يأكلون عن جوع إنما يأكل إذا اشتهى، ويشرب إذا اشتهى، الجنّة ليس فيها جوعٌ أو عطش، الجنّة دار النعيم المقيم، لايدخلها إلا المؤمن، كما أخبرنا الله في القرءان، وكما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام، ومما لهم فيها لهم أسِّرَة ولهم عروش، يقعدون عليها ويتكؤون، لا لأجل النعاس أو التعب وإنما هذا لأجل أن يتلذذوا بذلك، وهذه المجالس مرفوعة مكللة بالدر والياقوت، فإذا جاء أهلُها تواضعت لهم، فإذا جلسوا عليها ارتفعت بهم، هذا مما أعده الله للمؤمنين في الجنّة، وهناك طوبى كما ورد في الحديث الذي رواه البيهقي، وهي شجرةٌ عظيمة يسيرُ الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها تتفتقُ لهم عن ثياب أهل الجنّة فيلبسونها، وهناك الثياب لا تتسخ ولا تتهرأ ولا تخرج منها روائح منتنة، فالجنّة ليس فيها براز ولا بول ولا نجاسات ليس فيها عرقٌ منتن، ليس فيها روائح كريهة، الجنّة دار النعيم المقيم دار السعادة الأبدية، روى ابن ماجه وابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال (أَلاَ هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَخَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! نُورٌ يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيَلةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرةٍ فِي دارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ) قَالُوا: نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ (قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللهُ). هذا مما أعدَّه الله للمؤمنين في الجنّة)” 

ختم الله لي ولكم بكامل الإيمان، جعلنا وأياكم من أهل الفردوس الأعلى، والحمد لله رب العالمين.