الحديث الواحد والعشرون

الدرس ٦ من ١٠ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٣:٠٥

الْحَمْدُ للَّهِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الأَشْبَاهِ فِي الأَسْمَاءِ وَالأَوْصَافِ , الْمُقَدَّسِ عَنِ الْجَوَارِحِ وَالآلاتِ وَالأَطْرَافِ , خَضَعَتْ لِعِزَّتِهِ الأَكْوَانُ وَأَقَرَّتْ عَنِ اعْتِرَافٍ , وَانْقَادَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَهِيَ فِي انْقِيَادِهَا تَخَافُ , أَنْزَلَ الْقَطْرَ فَمِنْهُ الدُّرُّ تَحْوِيهِ الأَصْدَافُ , وَمِنْهُ قُوتُ الْبُذُورِ يُرَبِّي الضِّعَافَ. كَشَفَ لِلْمُتَّقِينَ الْيَقِينَ فَشَهِدُوا , وَأَقَامَهُمْ فِي اللَّيْلِ فَسَهِرُوا وَشَهِدُوا , وَأَرَاهُمْ عَيْبَ الدُّنْيَا فَرَفَضُوا وَزَهِدُوا , وَقَالُوا نَحْنُ أَضْيَافٌ. أَحْمَدُهُ عَلَى سَتْرِ الْخَطَايَا وَالاقْتِرَافِ , وَأُصَلِّي عَلَى رسوله محمد الذي أنزل عليه قاف، خيرِ مَن سعى وطاف، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد.

الحديث

قال الحافظ النوويُّ رحمه الله تعالى: وعَنْ عبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالكٍ، وكانَ قائِدَ كعْبٍ رضِيَ الله عنه مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كعْبَ بنَ مَالكٍ رضِي الله عنه يُحَدِّثُ حَدِيْثَهُ حِين تخَلَّفَ عَنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غزوةِ تبُوكَ. قَال كعْبٌ: لمْ أَتخلَّفْ عَنْ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غَزْوَةٍ غَزَاها قط إِلَّا في غزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي قدْ تخلَّفْتُ في غَزْوةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتِبْ أَحدًا تَخلَّفَ عنْهُ، إِنَّما خَرَجَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم والمُسْلِمُونَ يُريُدونَ عِيرَ قُريْشٍ حتَّى جَمعَ اللهُ تعالَى بيْنهُم وبيْن عَدُوِّهِمْ عَلَى غيْرِ ميعادٍ. وَلَقَدْ شهدْتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ليْلَةَ العَقبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، ومَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشهَدَ بَدْرٍ، وإِن كَانتْ بدْرٌ أَذْكَرَ في النَّاسِ مِنهَا. وَكانَ مِنْ خَبَري حِينَ تخلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غَزْوَةِ تبُوك أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَة، واللَّهِ ما جَمعْتُ قبْلها رَاحِلتيْنِ قطُّ حتَّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الْغَزوَةِ، ولَمْ يكُن رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُريدُ غَزْوةً إِلَّا ورَّى بغَيْرِهَا حتَّى كَانَتْ تِلكَ الْغَزْوةُ. 

ترجمة راوي الحديث

كَعْبُ بنُ مَالِكِ بنِ أَبِي كَعْبٍ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ ابْنِ القَيْنِ بنِ كَعْبِ بنِ سَوَادِ الأَنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ العَقَبِيُّ الأُحُدِيُّ. شَاعِرُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصَاحِبُهُ، وَأَحَدُ الثَّلاَثَةِ الَّذِيْنَ خُلِّفُوا، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ. شَهِدَ العَقَبَةَ. وَلَهُ عِدَّةُ أَحَادِيْثَ، تَبْلُغُ الثَّلاَثِيْنَ، اتَّفَقَا عَلَى ثَلاَثَةٍ مِنْهَا، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيْثَيْنِ، رَوَى عَنْهُ: بَنُوْهُ؛ عَبْدُ اللهِ، وَعُبَيْدُ اللهِ، وغيرهم، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَآخَرُوْنَ، وَحَفِيْدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ اللهِ. وَقِيْلَ: كَانَتْ كُنْيَتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَبَا بَشِيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتَمٍ: كَانَ كَعْبٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَذَهَبَ بَصَرُهُ فِي خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ عُرْوَةُ فِي السَّبْعِيْنَ الَّذِيْنَ شَهِدُوا العَقَبَةَ. وَرَوَى: صَدَقَةُ بنُ سَابِقٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: آخَى رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَعْبِ بنِ مَالِكٍ. وَقِيْلَ: بَلْ آخَى بَيْنَ كَعْبٍ وَالزُّبَيْرِ. وَعَنْ كَعْبٍ: لَمَّا انْكَشَفْنَا يَوْمَ أُحُدٍ، كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَشَّرْتُ بِهِ المُؤْمِنِيْنَ حَيًّا سَوِيًّا، وَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيْدًا حَتَّى جُرِحَ سَبْعَةَ عَشَرَ جُرْحًا. قَالَ ابْنُ سِيْرِيْنَ: كَانَ شُعَرَاءُ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ، وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ كَعْبٍ: عَنْ أَبِيْهِ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِي الشُّعَرَاءِ مَا أَنْزَلَ. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ المُجَاهِدَ مُجَاهِدٌ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحُ النَّبْلِ)، وهذا فيه إشارة إلى جهاد البيان وأنه أحد الجهادَين، وأن المؤمن عندما يجاهد الكفار بلسانه بالبيان وإيضاح الحق وكشف الشبهات وخصوصا بالتوحيد فإنه مجاهد بلسانه، وهذا كان جهادَ النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الإذن بالجهاد بالسيف، وكان كذلك جهادَ أئمة الدين في ضبط العلم ونشره والرد على أهل الزيغ والفساد، فقد كان أبو حنيفة يناظر الدهرية ويرد شبههم والدهرية هم القائلون بأن هذا العالم وجد صدفة أو بفعل الطبيعة وأنه ليس له خالق. والعياذ بالله تعالى، وألَّف رضي الله عنه في التوحيد رسائل في الرد عليهم وعلى المعتزلة وعلى المجسمة الذين يعتقدون أن الله جسم قاعد فوق العرش والعياذ بالله تعالى، وقال في إحداها: وهو كتابه الفقه الأبسط: ” كان الله ولا مكان كان قبل أن يـَخْلُقَ الخلق … كان ولم يكن أينٌ ولا خَلْقٌ وهو خالق كل شىء “. وكذلك الإمام الشافعي قال في كتابه الفقه الأكبر الذي ألفه في التوحيد: ما نصه : “إنه تعالى كان ولا مكان فخلق الـمكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه الـمكان لا يجوز عليه التغيِير في ذاته ولا في صفاته ” . والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه رد على المعتزلة الذين ينفون صفاتِ الله عز وجل وسُجِنَ بعد ذلك ثلاثين شهرا، والإمام البخاري صاحب الصحيح له مؤلف في الرد على المعتزلة سماه خلقَ أفعال العباد. فكل هذا وغيره من أفعالهم رضي الله عنهم من جهاد البيان الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فهنيئا لمن كان على طريقتهم وعمل عملَهم. 

وَقَالَ ابْنُ سِيْرِيْنَ: أَمَّا كَعْبٌ فَكَانَ يَذْكُرُ الحَرْبَ، يَقُوْلُ: فَعَلْنَا وَنَفْعَلُ، وَيَتَهَدَّدُهُمْ، وَأَمَّا حَسَّانُ فَكَانَ يَذْكُرُ عُيُوبَهُمْ، وَأَيَّامَهُمْ، وَأَمَّا ابْنُ رَوَاحَةَ فَكَانَ يُعَيِّرُهُمْ بِالكُفْرِ.

وَقَدْ أَسْلَمَتْ دَوْسٌ خَوْفًا مِنْ بَيْتٍ قَالَهُ كَعْبٌ حين فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وحنين، وعزم على السير إلى الطائف، قال ابن سيرين: أُنْبِئْتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يسير على ناقته شدَّ زمامها حتى وضعت رأسها عند قادمة الرحل، فقال: أين كعب ؟ فقال كعب: ها أنا ذا يا رسول الله. قال: أنشد، فقال يهدِّدُ قبيلةَ دوسٍ وثقيفٍ: 

قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ (مَا انخفض من أَرض الْحجاز، وتطلق على مكة) كُلَّ رَيْبٍ (حاجة)
وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَمْنَا (أي أَرَحْنَا) السُّيُوفَا

نُخَيِّرُهَا وَلَو نَطَقَتْ لَقَالَتْ
قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أَوْ ثَقِيْفَا (نعطيها الْخيرَة، وَلَو نطقت لاختارت أَن نحارب دوسا أَو ثقيفا) 

فَلَسْتُ لِحَاضِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا
بساحة داركم منّا أُلُوفَا (الحاضن: الْمَرْأَة الَّتِي تحضن وَلَدهَا، وَهُوَ تهديد لَهُم) (وساحة الدَّار: وَسطهَا، أَو فناؤها).

وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ (سقوف الْبيُوت) بِبَطْنِ وَجّ (مَوضِع بِالطَّائِف أَو هُوَ من أسمائه)
وَتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا (دورا تغيب عَنْهَا أَهلهَا).

وَيَأْتِيكُمْ لَنَا سَرَعَانُ (المتقدمون من الخيل) خَيْلٍ
يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا (ملتفا)

إذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ
لَهَا مِمّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا (الصَّوْت الشَّديد مَعَ اضْطِرَاب)

نُطِيعُ نَبِيَّنَا وَنُطِيعُ رَبًّا
هُوَ الرَّحْمَنُ كَانَ بِنَا رَءُوفَا

نُجَالِدُ (نحارب بِالسُّيُوفِ) مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا
إِلَى الْإِسْلَامِ إِذْعَانًا (الخضوع والانقياد) مُضِيفَا (ملجئا)

لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْإِسْلَامِ حَتَّى
يَقُومَ الدِّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:« وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُنَّ أَسْرَعُ فِيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ». 

فقالت دوس: انطلقوا، فخذوا لأنفسكم، ولا ينزل بكم ما نزل بثقيف، وأسلموا. 

وروى السيوطي وغيره أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِكَعْبِ بنِ مَالِكٍ: (مَا نَسِيَ رَبُّكَ لَكَ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، بَيْتًا قُلْتَهُ)، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَنْشِدْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ. (فالنبي لا يقول الشعر) فَقَالَ: 

زَعَمَتْ سَخِيْنَةُ أَنْ سَتَغْلِبَ رَبَّهَا
وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَقَدْ شَكَرَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِكَ هَذَا“. أي أثابك ثوابا حسنا. (والمعنى: أن قريشا زعموا أنهم سيغلبون ربهم، وهم المغلوبون لِأَنَّ الَّذِي يُغَالِبُ الْغَالِبَ مَغْلُوبٌ). (سَخِيْنَةُ: أَيْ طعامٌ حارٌّ يُتَّخَذُ مِنْ دَقيق وسَمن. وَقِيلَ دَقيق وتَمْر، أغْلَظ مِنَ الحَساء. وَكَانَتْ قُريش تُكْثِر مِنْ أكْلِها، فُعيِّرت بِهَا حَتَّى سُمُّوا سَخِينَة). (وهذا فيه إشارة إلى أن الله عز وجل لا يُغلَبُ فليسَ مغلوبا على أمره، وكذلك هذا فيه دليل على أنه لا يجري في ملك الله شيء بلا مشيئة منه سبحانه وتعالى، فمن قال إنه يجري في ملك الله ما لا يريد فقد جعل الله مغلوبا على أمره والله غالب على أمره كما جاء في القرآن الكريم). 

وقال المدائني: إِنَّ كَعْبًا مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ. وقيل: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ، رضي الله عنه وأرضاه. 

تلخيص قصة حديث توبة كعب بن مالك الذي هو من أطول الأحاديث التي في رياض الصالحين

قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ، بعدَ فراغِهِ من غزوةِ تبوك، وَقَدْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَتَخَلّفَ أيضًا أُولَئِكَ الرّهْطُ الثّلَاثَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا نِفَاقٍ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمّيّةٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُكَلِّمُنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ، وَأَتَاهُ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أخذًا بظاهر حالهم، وَاعْتَزَلَ الْمُسْلِمُونَ كَلَامَ أولئكَ النفرِ الثلاثةِ خمسين ليلة ثم نزلت الآيات من سورة التوبة بقبوله تعالى توبتهم

نذكر من الحديث القدر الذي سنشرحه منه ونعلق عليه في هذا الدرس:

قال الحافظ النووي: وعَنْ عبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالكٍ، وكانَ قائِدَ كعْبٍ رضِيَ الله عنه (أي من يقوده حيث يريد) مِنْ بَنِيهِ (وهم عبد الله هذا وعبيد الله وعبد الرحمن) حِينَ عَمِيَ (أي كعب بن مالك)، قَالَ: سَمِعْتُ كعْبَ بنَ مَالكٍ رضِي الله عنه يُحَدِّثُ حدِيْثَهُ (المذكورَ من تَخَلُّفِهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وتوبته بعد ذلك وقبول توبته) حِين تخَلَّف عَنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (وكان له سوابقُ حميدةٌ في الإسلام فقد كان ممن شهد العقبة والمشاهدَ كلَّها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا بدرًا وتبوكَ، وجُرِحَ يوم أُحُدٍ، أحدَ عشرَ جرحًا في سبيل الله، وهو أحد شعراء النبيّ صلى الله عليه وسلم المجاهدين بألسنتهم وأيديهم)، في غزوةِ تبُوكَ (ويقال إنها غزوة العسرة والفاضحة: اختلف في سببها، فقيل إن جماعة من الأنباط الذين يقدُمون بالزيت من الشام إلى المدينة ذكروا للمسلمين أن الرّوم جمعوا جموعا كثيرة بالشام، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء ولم يكن لذلك حقيقة، ولمّا بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك ندب الناس إلى الخروج-، وقيل: إنّ اليهود قالوا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنّها أرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلّا الشام. فلما بلغ، تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء 76] رواه ابن أبي حاتم، والبيهقي بإسناد حسن. وقيل غيرُ ذلك) (وفيها حصل ما رواه أحمد وغيره أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فَاجْتَمَعَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: «لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: أَمَّا أَنَا فَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِىءَ مِنْهُ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ أَكْلُهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا، وَكَانُوا يَحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسَاجِدَ وَطَهُوراً أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلاَةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْت، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذلِكَ إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ في بِيَعِهِمْ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ؟ قِيلَ لِي: سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلَمِنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّه»). قَال كعْبٌ: لمْ أَتخلَّفْ عَنْ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غَزْوَةٍ غَزَاها قطُّ إِلَّا في غزْوَةِ تَبُوكَ (وعدة الغزوات التي خرج فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسعة منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وقيل إنه قاتل بني النضير. وكانت سراياه سبعًا وأربعين سرية)، غَيْرَ أَنِّي قدْ تخلَّفْتُ في غَزْوةِ بَدْرٍ (قال ابن حجر: هِيَ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ نُسِبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كَانَ نَزَلَهَا وَيُقَالُ بَدْرٌ اسْمُ الْبِئْرِ الَّتِي بِهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا أَوْ لِصَفَاءِ مَائِهَا فَكَانَ الْبَدْرُ يُرَى فِيهَا وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ إِنْكَارَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ بَنِي غِفَارٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَأْوَانَا وَمَنَازِلُنَا وَمَا مَلَكَهَا أَحَدٌ قَطُّ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَمٌ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ)، ولَمْ يُعَاتِبْ (من الغَضَب) أَحدًا تَخلَّفَ عنْهُ، إِنَّما خَرَجَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم والمُسْلِمُونَ يُريُدونَ عِيرَ (العِيرُ: الإبلُ بأحْمالها، يُريد إبلَهم ودَوَابَّهُم الَّتِي كَانُوا يُتاجِرُون عَلَيْهَا) قُريْشٍ (الذي يجمع قبيلة قريش على ما قال بعضهم هو فهر بن مالك والذي هو أكثر شهرة وعليه جرى الرافعي والنووي أن الذي يجمع قريشا هو النضر بن كنانة فإذا قلنا النبي عليه الصلاة والسلام من قبيلة قريش معناه يجتمع كل هذه القبيلة وهم الذين يجتمعون جدهم واحد وهو النضر بن كنانة على ما ذهب إليه الأكثر. وهي قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: [إِنَّا وَلَدُ النَّضْرِ ابن كنانة لا نقفوا « قفا فلان فلانا: إذا قذفه بما ليس فيه أي لا نتهمها ولا نقذفها، وقيل: معناه لا نترك النسب إلى الآباء، وننتسب إلى الأمهات» أُمَّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا]. وَقَالَ وَائِلَةُ بن الأسقع: قال النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ]. متفق عليه. 

فَإِنْ أَرَدْتَ بِقُرَيْشٍ الْحَيَّ صَرَفْتَهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ به القبيلة لم تصرفه،

وَالتَّقْرِيشُ: الِاكْتِسَابُ، وَتَقَرَّشُوا أَيْ تَجَمَّعُوا. وَقَدْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، فَجَمَعَهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فِي الْحَرَمِ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا. قَالَ الشَّاعِرُ: 

أَبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ

وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلَى أَقْوَالٍ: أحدهما: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَالتَّقَرُّشُ: التَّجَمُّعُ وَالِالْتِئَامُ. قَالَ أَبُو جِلْدَةَ الْيَشْكُرِيُّ:

إِخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا … فِي حَدِيثٍ مِنْ دَهْرِهِمْ وَقَدِيمِ 

الثَّانِي-: لِأَنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا يَأْكُلُونَ مِنْ مَكَاسِبِهِمْ. وَالتَّقَرُّشُ: التَّكَسُّبُ. وَقَدْ قَرَشَ يَقْرُشُ قَرْشًا: إِذَا كَسَبَ وَجَمَعَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَبِهِ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ. الثَّالِثُ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُفَتِّشُونَ الْحَاجَّ «جماعة الحجاج» مِنْ ذِي الْخَلَّةِ (الحاجة والفقر)، فَيَسُدُّونَ خَلَّتَهُ. وَالْقَرْشُ: التَّفْتِيشُ. قَالَ الشَّاعِرُ:

أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا … عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ

الرَّابِعُ: مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟ فَقَالَ: لِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَقْوَى دَوَابِّهِ يُقَالُ لَهَا الْقِرْشُ، تَأْكُلُ وَلَا تُؤْكَلُ، وَتَعْلُو وَلَا تُعْلَى. وَأَنْشَدَ قَوْلَ تُبَّعٍ: 

وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْ … – رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا

تَأْكُلُ الرَّثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْ … – رُكُ فِيهَا لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشَا

هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ … يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا « أي سريعا»

وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نبي … يُكثر القتل فيهم والخموشا « وهو مثل الخدش يكون في البدن والوجه»).

حتَّى جَمعَ اللهُ تعالَى بيْنهُم (أي المسلمين) وبيْن عَدُوِّهِمْ (أي كفار قريش) عَلَى غيْرِ ميعادٍ (وهذا ما جاء في كتاب الله عز وجل حيث يقول سبحانه: ((إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا))، وَلَقَدْ شهدْتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ليْلَةَ العَقبَةِ (وَهِي: الَّتِي بَايع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا الْأَنْصَار على الْإِسْلَام والإيواء والنصر، وَذَلِكَ قبل الْهِجْرَة، والعقبة هِيَ الَّتِي فِي طرف منى الَّتِي تُضَاف إِلَيْهَا جَمْرَة الْعقبَة، وَكَانَت بيعَة الْعقبَة مرَّتَيْنِ كَانُوا فِي السّنة الأولى اثْنَي عشر، وَفِي الثَّانِيَة سبعين كلهم من الْأَنْصَار) حِينَ تَوَاثَقْنَا (أَي: تعاهدنا وتعاقدنا) عَلَى الإِسْلامِ، ومَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشهَدَ بَدْرٍ (ما أحبّ أني شهدت بدرا ولم أشهدها قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره أن ليلة العقبة كانت أفضل لأنها وقعت قبل الهجرة، والمسلمون قليل والإسلام ضعيف)، وإِن كَانتْ بدْرٌ أَذْكَرَ (أكثر ذكرا، وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ وَلِذَلِكَ [قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (وَهِيَ أَعْظَمُ الْمَشَاهِدِ فَضْلًا لِمَنْ شَهِدَهَا، وَفِيهَا أَمَدَّ اللَّهُ بِمَلَائِكَتِهِ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْآيَةِ، تظاهرت الرِّوَايَاتُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَضَرَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَاتَلَتْ، ومن ذلك قول بعض الصحابة: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَمْتَرِي. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْتَحُ «أجذب الدلو من البئر مستقيما» مِنْ قَلِيبِ بَدْرٍ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، ثُمَّ ذَهَبَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قط إلا التي كانت قَبْلَهَا. قَالَ: وَأَظُنُّهُ ذَكَرَ: ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَكَانَتِ الرِّيحُ الْأُولَى جِبْرِيلَ نَزَلَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتِ الرِّيحُ الثَّانِيَةُ مِيكَائِيلَ نَزَلَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ يَمِينِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الرِّيحُ الثَّالِثَةُ إِسْرَافِيلَ نَزَلَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَةِ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَّ أَحَدَنَا يُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْسِ الْمُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ. وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهُمْ بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلَ سِمَةِ النَّارِ قَدْ أُحْرِقَ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ وَكَانَتْ عَلَامَةُ ضَرْبِهِمْ فِي الْكُفَّارِ ظَاهِرَةً، لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ أَصَابَتْ ضَرْبَتُهُمُ اشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْفَائِدَةُ فِي كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ لَتَسْكِينِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةَ مُجَاهِدِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّ عَسْكَرٍ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ تَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَيُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ) في النَّاسِ (أي بين الناس) مِنهَا (أي من بيعة العقبة) وكانَ مِنْ خَبَري حِينَ تخلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غَزْوَةِ تبُوك أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ (قطّ بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء مَضْمُومَة فِي أفْصح اللُّغَات وَهِي ظرف لاستغراق مَا مضى فَيخْتَص بِالنَّفْيِ واشتقاقه من قططته أَي قطعته فَمَعْنَى مَا فعلت قطّ مَا فعلته فِيمَا انْقَطع من عمري) أَقْوَى (في البدن) ولا أَيْسَرَ (في المال والقدرة على الخروج للغزو) مِنِّي حِينَ (أي زمن) تَخلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَة (ومراده أني كنت من أيسر الناس ومن أقواهم ومن أقدرهم على تجهيز نفسي، وليس المراد أنه أقواهم وأيسرهم على الإطلاق، فالعرب تقول: ما رأيت أحداً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، ويريدون أنه من أحسنهم)، واللَّهِ (يحلف بالله ليؤكد المعنى الذي ذكره قبلُ) ما جَمعْتُ قبْلها رَاحِلتيْنِ قطُّ حتَّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الْغَزوَةِ (وهذا تأكيد لكونه موسِرًا وقت هذه الغزوة)، (وهنا ينبغي أن نَتَّعِظَ وننتبه إلى أمر مهم ودرسٍ نعتبر به من هذه الحادثة التي جاءت في قصة كعب بن مالك: وهو أن الشخصَ قد يكون له مواقفُ ومواطنُ صالحةٌ كثيرةٌ لكنَّهُ قد يَزِلُّ في موقف واحد، ويغلبه الشيطان في فترة ضعف ولو كانت قصيرة، وهذا فيه دليل على ضعف أكثر الناس وفيه إثباتٌ لقوله عز وجل: ((وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيْفًا))، فالواحد منا إذا تفكَّر في خاصة نفسه وتذكرَ ضعفَه فإنه ينبغي عليه أن يكون مُستَعِدًّا لمواجهةِ هذا العدوِّ شديدِ العداوة وهو إبليسُ الخبيثُ، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ وَالْخِرْقَةُ بِيَدِي أَشَدُّ بِهَا لِحْيَتِهِ قَالَ: فَجَعَلَ يَغْرِقُ (أي يغشى عليه) ثُمَّ يُفِيقُ وَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا (أي يحرك يديه كأنه يُبْعِدُ شيئا عن وجهه) ويقولُ: ” لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ فَفَعَلَ هَذَا مَرَّةً، وَثَانِيَةً فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قُلْتُ: يَا أَبَتِ إِيشْ هَذَا الَّذِي لَهَجْتَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَا تَدْرِي قُلْتُ: لَا فَقَالَ: إِبْلِيسُ – لَعَنَهُ اللهُ – قَائِمٌ بِحِذَائِي عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ يَقُولُ: يَا أَحْمَدُ فُتَّنِي فَأَقُولُ لَا حَتَّى أَمُوتَ “، وهذا فيه منتهى المتابعة لمخالفة الشيطان وعدم الاستسلامِ له والتأمين له، وروي مثلُ هذا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: ” تَبَدَّى إِبْلِيسُ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: نَجَوْتَ قَالَ مَا نَجَوْتُ وَمَا أَمِنْتُكَ بَعْدُ “. وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ: ” اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزْنِيَ، أَوْ أَعْمَلَ بِكَبِيرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَمِثْلُكَ يَقُولُ: هَذَا وَيَخَافُهُ وَقَدْ بَلَغْتَ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغْتَ وَانْقَطَعَتْ عَنْكَ الشَّهَوَاتِ، وَقَدْ شَافَهْتَ النَّبِيَّ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعْتَهُ، وَأَخَذْتَ عَنْهُ؟ قَالَ: وَيْحَكَ وَمَا يُؤَمِّنُنِي وَإِبْلِيسَ حَيٌّ “. وروى البيهقي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ مَنْزِلَهُ بِحِمْصَ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ فَلَمَّا جَلَسَ يَتَشَهَّدُ جَعَلَ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنَ النِّفَاقِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا أَنْتَ وَالنِّفَاقُ؟ قَالَ: ” اللهُمَّ غَفْرًا – ثَلَاثًا – مَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ؟ مَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ؟ وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَتَنُ فِي سَاعَةٍ فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ” وهذا حالُ العبدِ يَقِظِ القلب ينبغي أن يكون متيقِّظًا لمصائد الشيطان وحبائله، وقد قالت العرب: إذَا كانَ عدوُّكَ نملة، فلا تنم له، ولقد قيل: إذا كان عدوُّكَ نملةً فلا تستهِنْ بهِ فكيف إذا كان شيطانا رجيما، فالشيطان يريد أن يبعدنا عن الخيرات، ولذلك قال سفيان الثوري: وَإِذَا هَمَمْتَ بِصَدَقَةٍ أَوْ بِبِرٍّ أَوْ بِعَمَلٍ صَالِحٍ فَعَجِّلْ مُضِيَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الشَّيْطَانُ.اهـ والشيطان هو الذي يريد أن يوقعَنا في المعصية والضلال، يريد أن يوقعنا في الكفر بالله والعياذ بالله فإن لم يستطع فإنه يحاول إيقاعَنا في الكبائر فإن لم يستطع فإنه يحاول إيقاعَنا في الصغائر فإن لم يستطع فإنه يحاول إبعادَنا عن الخير والطاعة والجماعة حتى ينفرد بنا فيسهُل عليه أن يوقعنا في الحرام والعياذ بالله تعالى، 

روى أبو داود عن أَبي الدَّرْدَاءِ ، قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم يقولُ: «فَعَلَيْكَ بالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ»، وفي رواية عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلْيُكْم بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ”. وهذا حال إبليس اللعين وهذه طريقة النجاة منه، وإن العلماء هم من يغلقوا أبواب الشيطان ويفضحوا غروره للناس ويبينوا للناس كيفية الخلاص منه ومن حبائله، وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ هَلاكًا مِنِّي فَقِيلَ وَكَيْفَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُحْدِثُ الْبِدْعَةَ فِي مَشْرِقٍ أَوْ مَغْرِبٍ فَيَحْمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيَّ فَإِذَا انْتَهَتْ إِلَيَّ قَمَعْتُهَا بِالسُّنَّةِ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ كما أخرجها. وهذا سبب في تفضيل العلماء على الجهلاء، وقد جاءت وصايا العلماء من السلف الصالح بلزوم الجماعة والحضِّ عليها فقد قال ابن شوذب قَالَ إن من نعمة اللَّه عَلَى الشاب إذا نسك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها، وقال يوسف بْن أسباط يَقُول كان أبي قدريا وأخوالي روافض فأنقذني اللَّه بسفيان. وقال عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَك عَنْ سفيان الثوري قَالَ استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء. وقد قال قَالَ الجنيد بْن مُحَمَّد الطريق إِلَى اللَّه عز وجل مسدودة عَلَى خلق اللَّه تعالى إلا عَلَى المقتفين آثار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين لسنته كَمَا قَالَ اللَّه عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. 

ولَمْ يكُن رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُريدُ غَزْوةً (أي أراد أن يتوجَّه إلى غزوة) إِلَّا ورَّى (أَي: أوهم بغَيْرهَا وَهُوَ من التورية، وَهِي: أَن يذكر لفظ يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا: أقرب من الآخر فيوهم إِرَادَة الْقَرِيب وَهُوَ يُرِيد الْبعيد، قال ابن الأثير: أَيْ سَتَره وكَنَى عَنْهُ، وأوْهَم أَنَّهُ يُريد غَيْره، وأصلُه مِنَ الْوَرَاءِ: أَيْ ألْقَى البَيَانَ وراءَ ظَهْره) بغَيْرِهَا حتَّى كَانَتْ تِلكَ الْغَزْوةُ (وهذا معنى الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحَرْبُ خَدْعَةٌ». قال ابن حجر: قَالَ ابن الْمُنِيرِ مَعْنَى الْحَرْبُ خَدْعَةٌ أَيِ الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ لَا الْمُوَاجَهَةُ وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ وقد ذَكَرَ بعض اهل السير أَنَّ أَوَّلَ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، قال العيني: (الْحَرْب خَدعة) وَضبط الْأصيلِيّ: خدعة، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الدَّال، وَعَن يُونُس: ضم الْخَاء وَفتح الدَّال، وَعَن عِيَاض: فتحهما، وَقَالَ الْقَزاز: فتح الْخَاء وَسُكُون الدَّال لُغَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولغته أفْصح اللُّغَات، وَقَالُوا: الخدعة الْمرة الْوَاحِدَة من الخداع، فَمَعْنَاه: أَن من خدع فِيهَا مرّة وَاحِدَة عطب وَهلك وَلَا عودة لَهُ). 

الْحَمْدُ للَّهِ الْعَلِيِّ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ , الْقَاهِرِ الظَّاهِرِ الْمُبِينِ , لا يَعْزُبُ عَنْ سَمْعِهِ أَقَلُّ الأَنِينِ , وَلا يَخْفَى عَلَى بَصَرِهِ حَرَكَاتُ الْجَنِينِ , ذَلَّ لِكِبْرِيَائِهِ جَبَابِرَةُ السَّلاطِينِ , وَقَلَّ كَيْدُ الشَّيَاطِينِ , قَضَى قَضَاءَهُ كَمَا شَاءَ عَلَى الْخَاطِئِينَ  فَهُؤَلاءِ أَهْلُ الشِّمَالِ وَهَؤُلاءِ أَهْلُ الْيَمِينِ , جَرَى الْقَدَرُ بِذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِ الْعَامِلِينَ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ , وَأَسْأَلُهُ مَعُونَةَ الصَّابِرِينَ , وَأُصَلِّي على رسوله المقدَّمِ على النبيين , وعلى آله وصحبه الشاكرين، ومن اقتفى أثرهم واستَنَّ بسنتهم ليوم الفصل والدين، أما بعد:

نكمل في شرح حديث كعب بن مالك رضي الله عنه

نص القدر الذي سنشرحه من الحديث في هذا الدرس

فَغَزَاها رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقْبَلَ عَدَدًا كَثِيرًا، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ «يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ» قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إلاَّ ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى له ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله تعالى، وَغَزا رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – غَاديًا والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذلك يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَكنتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ – رضي الله عنه: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلًا مُبْيَّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قّدْ أظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَمْ أَنْجُ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم – قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى.

الشرح

قال رحمه الله تعالى: فَغَزَاها (أي غزوة تبوك) رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في حَرٍّ شَديدٍ (وهنا يتكلم كعبٌ رضي الله عنه عن الظروف والأحوال التي حصلت في هذه الغزوة وكانت أسبابا في تخلُّفه وضعف نفسه وركونه ودخل منها الشيطان له فهَبَّطَ عزيمته عن الخروج للغزو)، وَاسْتَقْبَلَ سَفرًا بَعِيدًا (أي إلى تبوك) وَمَفَازًا (المَفَاز والمَفَازَة: البَرِّيَّة القَفْر. والجمْع: المَفَاوِز، سُمِّيت بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُهْلِكَة، مِن فَوَّزَ، إِذَا ماتَ. وَقِيلَ: سُمِّيت تَفَاؤلا مِنَ الفَوْز: النَّجاة) وَاسْتَقْبَلَ عَددًا كَثيرًا (أي من العدو وهم الروم)، فجَلَّى (أَيْ كَشف وَأَوْضَحَ، ويجوز بتشديد اللام وتخفيفها) للْمُسْلمِينَ أَمْرَهُمْ ليَتَأَهَّبوا (أي ليستعدوا) أُهْبَةَ (الأهبة، بِضَم الْهمزَة تجهيزها مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ) غَزْوِهِمْ (أي ليجهزوا ما يحتاجونه في الغزو) فَأَخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِمُ (أي بمقصدهم، وهذا فيه دليل على أن الوجه تطلق على معانٍ عدةٍ في لغة العرب وإذا أطلقت على الله لا يراد بها الجارحة قطعًا، فمعنى قوله تعالى: “كل شيء هالك إلا وجهه” أي إلا ملكه كما قال البخاري) الَّذي يُريدُ، وَالْمُسْلِمُون مَع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كثِيرٌ (وقد كَانَ مَعَه أَرْبَعُونَ ألفا وَقيل: سَبْعُونَ ألفا) وَلاَ يَجْمَعُهُمْ (أي يجمع أسماءهم) كِتَابٌ (والكتاب في اصطلاح المصنفين اسم للمكتوب مجازًا) حَافِظٌ (يحفظ أسماءهم ويضبطها) (قال أحد رواة الحديث وهو التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري) “يُريدُ (أي كعب بن مالك) بذلكَ (أي الكتاب الحافظ) الدِّيَوانَ” (الدِّيوَانُ: هُوَ الدَّفتر الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ أسماءُ الْجَيْشِ وأهْل العَطَاء. وأوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ عُمَر، وَهُوَ فارسيٌّ مُعرَّبٌ) قَالَ كَعْبٌ: فقلَّ رَجُلٌ يُريدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ (عن الغزو) إِلَّا ظَنَّ أَنَّ ذلكَ سَيَخْفى (على الناس وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) له مَا لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْيٌ مِن اللَّهِ تعالى (يكشف حاله ويبين أمرَه فالله عز وجل لا تخفى عنه خافية)، وغَزَا رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم تلكَ الغزوةَ (أي غزوة تبوك) حِينَ طَابت (أي أينعت ونضجت وآن وقت أكلها) الثِّمَارُ والظِّلالُ (أي كثرت الظلال)، فَأَنا إِلَيْهَا أَصْعرُ (أَيْ أَمْيَلُ) (لا يخفى أن هذه الظروف كلِّها قد لا تخطر ببال كثير ممن عاينها، لكن كعب بنَ مالك رضي الله عنه انتبه في سرده لهذه القصة لكل هذه الظروف لأنها كانت سببا في زلة عنده وهي تخلفه عن الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن الشيطان خبيث دخل لهذا الصحابي الجليل من هذه المداخل ونفسه تبعت هذه الراحة فوقع ما وقع من تقدير الله عز وجل وهو تخلفه عن الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم)، فتجهَّز رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَالْمُسْلِمُون معهُ، وطفِقْت (طَفِقَ: بِمَعْنَى أخَذَ فِي الفِعْل وجَعَل يَفْعَل، وَهِيَ مِنْ أَفْعَالِ المُقارَبةِ) أَغدو (أخرج في الغدوِّ أي الصباح) لِكىْ أَتَجَهَّزَ معهُ فأَرْجعُ ولمْ أَقْض شَيْئًا (أي لم أُجَهِّز راحلتي ونحوها مما يحتاجه الغزو والسفر الطويل)، وأَقُولُ في نَفْسى: أَنا قَادِرٌ علَى ذلِكَ إِذا أَرَدْتُ (يتعجَّب من نفسه، وهو أنه قادر على ذلك فلماذا لم يفعل، هنا نقول: سبحان الله إذا أراد أمرا نفذ ووقع وحصل وقد قَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لابن عباس فيما رواه الحاكم في المستدرك: أَرَأَيْتَ الْهُدْهُدَ كَيْفَ يَجِيءُ فَيَنْقُرُ الْأَرْضَ فَيُصِيبُ مَوْضِعَ الْمَاءَ وَهُوَ يَجِيءُ إِلَى الْفَخِّ وَهُوَ يُبْصِرُهُ حَتَّى يَقَعَ فِي عُنُقِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ الْقَدْرَ إِذَا جَاءَ حَالَ دُونَ الْبَصَرِ»، وفي رواية إذا جاء القدر عمي البصر)  ، فلمْ يَزلْ يَتَمادى بي (أي ما زال حالي هكذا من الغدو والإبطاء عن التجهز) حتَّى اسْتمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ (بِكَسْر الْجِيم، وَهُوَ: الْجهد فِي الشَّيْء وَالْمُبَالغَة فِيهِ،)، فأَصْبَحَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم غَاديًا (أي مُبَكِّرًا للخروج) والْمُسْلِمُونَ معَهُ (أي من تجهز وقام معه منهم)، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازي (بفتح الجيم وكسرها، وهو ما يُحتاج إليه في هذه الغزوة، فإنه لم يجهزه كما ذلك) شيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَم أَقْض شَيْئًا (وظاهر كلامه رضي الله عنه أنه كان بين الخروج وعدمِه ولكن النفس والشيطان غلباه فتخلف، وهنا ينبغي أن ننتبه إلى مداخل الشيطان، وأن الواحد ينبغي أن ينتبه ويعزم على الخير ويفعله فإبليس يريد أن يُثنِيَك عن الخير ويبعدَك عنه)، فَلَمْ يزَلْ يَتَمادَى بِي (أي يكثر هذا الأمر والشعور في قلبي) حَتَّى أَسْرعُوا (أي خرجوا مسرعين ذاهبين للغزو) وتَفَارَط الْغَزْوُ (أَي: فَاتَ وَسبق من الفرط وَهُوَ السَّبق، وقال القاضي عياض: وقوله وتفارط الغزو وقيل معناه تأخر وقته وفات من أراده وهو من السبق أي سبق الغزاة فلم يلحقهم غيرهم)، فَهَمَمْتُ (ترددت هل أذهب أم لا) أَنْ أَرْتَحِلَ فأَدْركَهُمْ، فَيَا ليْتَني فَعلْتُ (وخـلصت من ورطة التخلف، وفيه الندم على ما فات من عمل البرّ، وقد قيل: 

وما نيلُ المطالِب بالتمني *** ولكن تؤخذُ الدنيا غِلابا

ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، (وهنا ينبغي شرح مسئلة مهمة في أمر القدر: وهو أن كل ما يحصل في هذا العالم هو بتقدير الله عز وجل، وقَالَ بَعْضُ العُلَماءِ: القَدَرُ هُوَ تَدْبيرُ الأَشْياءِ علَى وجْهٍ مُطَابِقٍ لِعِلْمِ الله الأزَليّ ومَشِيئَتِه الأزَليَّةِ فيُوجِدُها في الوَقْتِ الذي عَلِمَ أَنَّها تَكُونُ فيه فَيدخُلُ في ذَلِكَ عَمَلُ العَبْدِ الخَيْرَ والشَّرَّ باختِيَارِه. ويَدُلُّ علَيه قولُ رَسُولِ الله إلى جِبْريلَ حِينَ سَأَلَهُ عن الإيمانِ: “الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ بالله ومَلائِكتِه وكتُبِه ورُسُلِهِ واليَوم الآخِرِ وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرّه” رواه مسلم. ومَعْنَاهُ أنَّ المَخْلُوقَاتِ التي قَدَّرَها الله تَعالى وفيها الخَيرُ والشَّرُّ وُجِدَت بتَقْديرِ الله الأزليّ، وأمَّا تَقْدِيرُ الله الذي هُوَ صِفَةُ ذاتِهِ فَهُوَ لا يُوصَفُ بالشَّرّ بل تقديرُ الله للشرِ الكفر والمعصية وتقديرُه للإيمانِ والطاعةِ حسنٌ منه ليس قبيحًا، فإرادةُ الله تعالى نَافِذَةٌ في جميعِ مُرَادَاتِهِ على حَسَبِ عِلمِهِ بها، فما علِمَ كَونَهُ أرادَ كونَه في الوقتِ الذي يكونُ فيه، وما عَلِمَ أنَّه لا يكونُ لم يُرِدْ أن يكون، فلا يَحدُثُ في العالم شىءٌ إلا بمشِيئتِهِ ولا يُصيبُ العبدَ شىءٌ من الخيرِ أو الشرّ أو الصحةِ أو المرضِ أو الفقْرِ أو الغِنى أو غيرِ ذلك إلا بمشيئةِ الله تعالى، ولا يُخطئ العبدَ شىءٌ قدَّرَ الله وشاءَ أن يصيبَهُ، فقد وَرَدَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ بعضَ بناتِهِ: “ما شاءَ الله كانَ وما لم يشأ لم يَكُن” رواهُ أبو داودَ في السُّنَنِ ثمَّ تَواتَرَ واستفاضَ بين أفرادِ الأمَّةِ. وَرَوى البيهقيُّ رحمَه الله تعَالى عن سيّدِنا عَليٍّ رضيَ الله عنْه أنَّه قالَ: “إنَّ أحَدَكُم لَنْ يَخْلُصَ الإيمانُ إلى قَلبِه حتّى يَستَيْقِنَ يَقِينًا غَيْرَ شَكٍّ أنَّ مَا أصَابَه لم يَكُن لِيُخطِئَهُ ومَا أخطأَهُ لم يكن لِيُصِيبَهُ، ويُقِرَّ بالقَدَرِ كلِّهِ”. أيْ لا يَجوزُ أن يُؤْمنَ ببعْض القَدَرِ ويَكْفُرَ ببعضٍ.. وَرَوَى الحَافِظُ أبُو نُعَيْم عن ابنِ أخي الزُّهْرِيّ عن عمّه الزُّهريّ أنّ عُمرَ بنَ الخطابِ كان يحبُّ قصيدةَ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ التي مِنها هذِه الأبْياتُ، وهيَ: [الرمل]

إِنَّ تَقْوى ربّنَا خَيرُ نَفَلْ وبإذنِ الله رَيْثي وعَجَلْ

أحمَدُ الله فَلا نِدَّ لهُ بيَدَيْهِ الخيرُ ما شَاءَ فَعلْ

مَنْ هَداهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهتَدى ناعِمَ البَالِ ومَنْ شَاءَ أضَل 

ومَعنى قولِه “إِنَّ تَقْوى ربّنا خَيرُ نفَل”، أي خَيرُ ما يُعطاه الإنسانُ. ومَعْنى قَولِه “وبإذن الله رَيْثي وعَجَل”، أي أَنّه لا يُبطِئ مُبْطِئ ولا يُسْرِعُ مُسْرِعٌ إلا بمشِيئَةِ الله وبإذنِه. وقَوْلِه “أحْمَدُ الله فَلا نِدَّ لَهُ”، أيْ لا مِثْلَ له. وقولِه “بيديه الخَيْرُ”، أيْ والشَّرُّ. وإنَّما اقتَصَرَ على ذِكر الخَير من بابِ الاكتِفاءِ كقَولِه تعالى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ (81)﴾ [سورة النحل]، أي والبردَ لأن السرابيلَ تقي منَ الأمرينِ ليسَ منَ الحرّ فقط. وقولِه “ما شَاءَ فَعَل”، أي ما أرادَ الله حُصولَهُ لا بُدَّ أن يَحصُلَ وما أرادَ أن لا يَحصُلَ فَلا يَحْصُلُ. وقولِه “من هَداهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهتَدَى”، أي من شَاءَ الله له أن يكونَ على الصّراطِ الصَّحيحِ المستَقيمِ اهتَدَى. وقولِه “ناعِمَ البالِ”، أي مُطمئنَّ البَالِ. وقولِه “ومَنْ شاءَ أضَلّ”، أي مَن شَاءَ له أن يكونَ ضَالا أضَلَّهُ. 

قال الله تعالى : ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر ءاية 49]. وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [سورة الفرقان ءاية 2]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سيكون في أمتي أقوامٌ يكفرون بالله وبالقرءان وهم لا يشعرون فقلت يا رسول الله كيف يقولون قال يُقِرّون ببعض القدر ويكفرونَ ببعض يقولون إن الخير من الله والشرَّ من الشيطان » رواه الإمام أحمد بن الحسين أبي بكر البيهقي رحمه الله بإسناده إلى رافع بن خَدِيج صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله هو خالق الخير والشر لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشر وهو يفعل ما يريد، لا يُسأل عما يفعل. قال الله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) [سورة الفلق 1 – 2].. فإذا سأل سائل الإنسان مخير أم مسير ؟ فالجواب أن يقال: إن الإنسان مختارٌ تحت مشيئة الله، فالإنسان له اختيار لكنه لا يخرج عن مشيئة الله. مشيئة الإنسان يخلقها الله. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة التكوير] فلا يقال الإنسان له اختيار مستقل عن مشيئة الله ولا يقال الإنسان لا مشيئة له. الإنسان يكتسب أعماله فقط ولا يخلقها. قال الله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ فالإنسان لا يكون منه إلا ما قدَّرَ الله كما قال عليه الصلاة والسلام: « وقل اعملوا فكل ميَسَرٌ لما خلق له » وحظ العبد من فعله توجيه القصد نحو العمل ، والله يخلقه عند ذلك إن شاء ، فالعباد مظاهرٌ لاكتساب الأعمال لا حظ لهم في الخلق قال الله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّـهِ ﴾ معناه لا خالق إلا الله وروى ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله صانع كلِ صانعٍ وصنعتِه » أي صانع العبدِ وفعلِه. ومن أقوى الأدلة لأهل السنة أن الله هو خالق فعلِ العبد لا حظَّ للعبد في الخلق، قولُه تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ رَمَىٰ ﴾[سورة الأنفال آية 17] معناه وما رميت يا محمدُ خلقًا، إذ رميت كسبًا، ولكن الله رمى خلقًا. 

وقد التقى مُعتزليّ بالإمامِ أبي إسحاق الأسفراييني رضي الله عنه فبدأ المُعتزليّ كلامهُ بقولهِ: سبحان من تنزه عن الفحشاء يريد بذلك أن الله لم يشأ حصول الشر ولم يخلقه، فقال له أبو إسحاق: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء فقال المعتزلي: أيحبُ ربُنا أن يُعصى ؟ فقال أبو إسحق: أيُعصى رَبُنا قهرا؟ (والمراد أن المعصية تحصل بمشيئة الله وخلقه لها فالله لا يتأذى من معاصي العباد ومن شتمهم إياه كنسبة الولد له) فقال المعتزلي: أرأيتَ إن منعني الهدى وحكم علي بالردى أحسنَ إلي أم أساء ؟ فقال أبو إسحق: إن منعك ماهو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فإنه يختص برحمته من يشاء، فسكت المُعتزلي وانقطع لأن الإمام أبا إسحق كَسَرَهُ بالحجةِ. فتبينَ أن كل مادخلَ في الوجودِ بمشيئةِ الله وعِلمِه وتقديرهِ وخلقه سواءٌ في ذلك الجسمُ والعمل الخيرُ والشر الكُفرُ والإيمانُ إلا أن الخيرَ يحبهُ الله وأمرَ به والشر لا يحبهُ الله ونهى عنهُ. وقد روى ابنُ حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لو عذَّب أهل أرضهِ وسمواته لعذَّبَهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهم ولو رحِمَهُم كانت رحمتُهُ خيرا لهم من أعمالِهم ولو أنْفَقْتَ مثلَ أُحدٍ ذهباً في سبيل الله ماقَبِلَهُ الله منك حتى تُؤمنَ بالقدرِ وتعلمَ أنَّ ما أصابَك لم يكن ليُخطئَكَ وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مُتَّ على غيرِ هذا دَخَلْت النار ».

قال كعب بن مالك: فَكنتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ (أي المتخلفين من مؤمن معذور أو منافق مغرور) بَعْد خُرُوجِ رسُول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَحْزُنُنِي (أي أن هذا المذكور من حالي بين هؤلاء يتسبب لي بالحزن، يعني أنا لست مثلَ كلِّ هؤلاء فلست معذورا ولست منافقا) أَنِّي لا أَرَى لِي أُسْوَةً (قدوة في الحال، مثلي)، إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْه (أَي: مطعونًا عَلَيْهِ فِي دينه مُتَّهمًا بالنفاق، وَقيل: مَعْنَاهُ مستحقرًا، تَقول: غمصت فلَانا إِذا استحقرته،) في النِّفاقِ (وتطلق كلمة النفاق ويراد بها النفاق في المعتقد كأن يُظهر الإيمان ويبطن الكفر، وتطلق على النفاق في الفعل)، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ تعالَى مِن الضُّعَفَاءِ (أي المعذورين ممن لا يقدر على الغزو وهو معذور شرعًا)، ولَمْ يَذكُرْني رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حتَّى بَلَغ تَبُوكَ (كما أخبر كعبًا بهذا غيرُه من الصحابة ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو، فهو لم يكن معهم)، فقالَ (أي النبي صلى الله عليه وسلم) وَهُوَ جَالِسٌ في القوْمِ (الْقَوْمُ فِي الْأَصْلِ: مصدرُ قَامَ، فوُصف بِهِ، ثُمَّ غَلَب عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَوَّامون عَلَى النِّسَاءِ بِالْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَقُمْن بها) بتَبُوك: ما فَعَلَ كعْبُ بْنُ مَالكٍ؟ فقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَة (السَّلَمِي بفتحِها ويجوزُ في لغة كسرُها، المدني وهم ببطن من الأنصار، قال ابن حجر: بِكَسْرِ اللَّامِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِنْ قَوْمِي وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِيمَنِ اسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ السَّلَمِيَّ بِفَتْحَتَيْنِ فَهُوَ هَذَا): يا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ (تثنية برد، قال ابن الأثير: البُرْد نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَبْرَاد وبُرُود، والبُرْدَة الشَّمْلَةُ المخطَّطة)، وَالنَّظرُ (أي وحبسه النظر) في عِطْفَيْهِ (أَي: جانبيه، قال ابن الأثير: العِطَاف والمِعْطَف: الرّداءُ.. وسُمّي عِطَافًا لوُقوعِه عَلَى عِطْفَيِ الرجُل، وَهُمَا ناحِيَتا عُنُقه، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى إعجابه بِنَفسِهِ ولباسه). (قال القرطبي: وكانت نسبة باطلة بدليل ردّ العدل الفاضل معاذبن جبل عليه) فَقال لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضيَ اللَّهُ عنه: بِئس مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا علَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا (ففيه جواز ذمّ المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد عن عرضه)، (فائدة: معاذ بن جبل رضي الله عنه لم يسكت لقول هذا الرجل في كعب بن مالك، وهنا نأخذ فائدة وهي أن نرد الغيبة عن المسلم فقد روى الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” وفي رواية: ” مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنْ نَارٍ ” وليُعْلَم أنه كما يحرم قول الغيبة فإنه يحرم سماعها أيضا فقد قال الله تعالى في وصف المتقين {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} القصص. وفي هذا دليل على حُرمة سماع الغيبة فمن حضر مجلسًا يشتغل أهله بالغيبة والوقوع في أعراض الناس فعليه أن ينهى عن الغيبة إن كان مستطيعًا بالقوة وإلا فبلسانه وإلا فارق المجلس منكرًا بقلبه ولا ذنب عليه) فَسكَت رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (أي عن السؤال عن حال كعب). فبَيْنَا هُوَ علَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبْيَّضًا (الْمُبَيِّضُ بكسر الباء هُوَ لَابِسٌ الْبَيَاضَ ) يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ (أَيْ يَتَحَرَّكُ وَيَنْهَضُ أَيْ يرْفَعُه ويُظْهره يُقَالُ زَالَ بِهِ السَّراب إِذَا ظهرَ شخصُه فِيهِ خَيالا وَالسَّرَابُ هُوَ مَا يَظْهَرُ لِلْإِنْسَانِ فِي الْهَوَاجِرِ فِي الْبَرَارِيِّ كَأَنَّهُ مَاءٌ)، فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: كُنْ أَبَا خَيْثمَةَ (قال السُّهَيْلِيُّ: لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الدّعَاءُ كَمَا تَقُولُ أَسْلِمْ سَلّمَك اللهُ، وقال النووي: قِيلَ مَعْنَاهُ أَنْتَ أَبُو خَيْثَمَةَ قَالَ ثَعْلَبُ الْعَرَبُ تَقُولُ كُنْ زَيْدًا أَيْ أَنْتَ زَيْدٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ كُنْ هُنَا لِلتَّحَقُّقِ وَالْوُجُودِ أَيْ لِتُوجَدْ يَا هَذَا الشَّخْصُ أَبَا خَيْثَمَةَ حَقِيقَةً وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ تَقْدِيرُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَبَا خَيْثَمَةَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ هَذَا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَيْثَمَةَ وَقِيلَ مالك بْنُ قَيْسٍ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُكْنَى أَبَا خَيْثَمَةَ إِلَّا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ)، فَإِذا هوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَاريُّ (روى ابن الأثير وغيره عن ابن إسحاق ” أَنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ أَخَا بَنِي سَالِمٍ رَجَعَ بَعْدَ مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي: إِلَى تَبُوكَ، أَيَّامًا إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ فِي حَائِطٍ، قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلٍّ بَارِدٍ، وَمَاءٍ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مَهْنَأٍ، وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ، فِي مَالِهِ مُقِيمٍ، مَا هَذَا بِالنَّصَفَةِ، وَاللَّهِ لا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَيِّئَا لِي زَادًا فَفَعَلَتَا، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَدْرَكَهُ بِتَبُوكَ حِينَ نَزَلَهَا، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ “، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ، فَلَمَّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ”، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ ” قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ: 

لَمّا رَأَيْتُ النّاسَ فِي الدّينِ نَافَقُوا … أَتَيْتُ الّتِي كَانَتْ أَعَفَّ وَأَكْرَمَا

وَبَايَعْتُ بِالْيُمْنَى يَدِي لِمُحَمّدٍ … فَلَمْ أَكْتَسِبْ إثْمًا وَلَمْ أَغْشَ مَحْرَمًا

وَهُوَ الَّذي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لمَزَهُ المنافقون. فقد روى البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: ” لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ، فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ المُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلَّا رِئَاءً، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ، وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ}. يقول ابن حجر إن الذين جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم بالصاع أكثر من واحد، منهم المذكور في هذه الرواية في البخاري وهو أبو عقيل ومنهم أبو خيثمة الأنصاري المذكور في حديث كعب بن مالك.

وهنا ينبغي التوضيح والتنبيه لحال الصحابة رضي الله عنهم: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عزم على الخروج لغزو الروم في غزوة تبوك حث الصحابة على الصدقة فمنهم من تبرع بمال كثير ومنهم من لم يكن يجد إلا القليلَ كصاع من قمح فقدَّمه فعابه المنافقون في ذلك فنزلت الآية، ومن الذين تصدقوا بالكثير عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقد جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا قَالَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي أَرْبَعَةُ آلَافٍ أَلْفَيْنِ أُقْرِضُهُمَا رَبِّي وَأَلْفَيْنِ أُمْسِكُهُمَا لِعِيَالِي فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ. وقال بعض أهل السير: حضّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الصّدقات فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- جاء بماله كلِّه أربعةِ آلاف درهم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هل أبقيت لأهلك شيئا؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بنصف ماله، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هل أبقيت لأهلك شيئا؟» قال: نعم مثل ما جئت به، وحمل العباس، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن عبادة- رضي الله عنهم- وحمل عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- مائتي أوقية إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وتصدّق عاصم بن عدي- رضي الله عنه- بسبعين وسْقا من تمر، وجهّز عثمان بن عفان- رضي الله عنه- ثلث ذلك الجيش حتى إنه كان يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم (ما يربطون به سقاءهم). وروي أن عثمان حمل على تسعمائة بعير ومائة فرس بجهازها، وقال ابن إسحاق أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. ونقل ابن هشام عمّن يثق به: أن عثمان- رضي الله عنه- أنفق في جيش العسرة ألف دينار، غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك. قال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض». وروى الترمذي وحسّنه عن عبد الرحمن بن سمرة- رضي الله عنه- قال: جاء عثمان إلى رسول- صلى الله عليه وسلّم- بألف دينار في كمّه حين جهز رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جيش العسرة، فصبّها في حجر النبي- صلى الله عليه وسلّم- فجعل النبي- صلى الله عليه وسلّم- يقلّبها بيده ويقول: «ما ضرّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم» يرددها مرارا. وروى الترمذي، والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب رضي الله عنه- قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فحثّ على جيش العسرة، فقال عثمان- رضي الله عنه- عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثمّ نزل مرقاة أخرى من المنبر فحثّ فقال عثمان- رضي الله عنه-: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها ثم نزل مرقاة أخرى فحث فقال عثمان- رضي الله عنه-: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول بيده- هكذا- يحركها كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» أو قال: – بعدها-.

وفعل الصحابة رضي الله عنهم وتسابقهم في الخيرات والتبرع عند النبي صلى الله عليه وسلم فيه درس عظيم للمسابقة في الخيرات وتقديم الكثير والقليل، وأن الشخص لا يستحي من القليل أن يقدمه لوجه الله تعالى فإنه سيكون ذخرا له يوم القيامة وإن الله يُنَمِّي له أجر هذه الصدقة حتى تكون كجبل أحد كما في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم. 

قَالَ كَعْبٌ: فَلَّما بَلَغني أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَدْ توَجَّهَ (للمدينة) قَافِلًا (أي رَاجعًا من سَفَره إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ قدومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة فِي رَمَضَان) منْ تَبُوكَ حَضَرَني بَثِّي (أَيْ أشدُّ حُزني، والبَثُّ فِي الْأَصْلِ أشَدّ الْحُزْنِ والمرضُ الشَّدِيدُ، وبه يعلم أن عطف الحزن عليه في قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} من عطف العام على الخاص)، فَطَفِقْتُ (أي أخذت) أَتَذَكَّرُ الكذِبَ (خطر بباله أن يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه طرد هذا الخاطر، والكذب هو الكلام بخلاف الواقع وهو حرام سواء كان الكاذب جادًّا أم مازحا) وَأَقُولُ (أي كعب بن مالك): بِمَ (أي أقول بأي شيء من الأعذار مطابقة للواقع أم لا) أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ (أي من كراهيته لتخلفي وعدم رضاه به، والسَّخْطُ والسُّخْطُ: الكَراهيةُ لِلشَّيْءِ وعدُم الرِضا بِهِ، وإذا أطلق على الله كما جاء به الْحَدِيثُ «إِنَّ اللَّهَ يَسْخَطُ لَكُمْ كَذَا» أَيْ يكرَهُه لَكُمْ ويمنَعُكم مِنْهُ ويعاقبكُم عَلَيْهِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةِ العُقوبة عَلَيْهِ) غَدًا (الغَد أَصْلُهُ: غَدْوٌ، فَحُذِفَتْ وَاوُهُ) وَأَسْتَعينُ عَلَى ذلكَ (أي المخرج لي من سخطه وعدم رضاه) بِكُلِّ ذِي (أي صاحب) رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي (وإن الله سبحانه وتعالى قد حفظه من فعل ذلك وسلك به عنه بصدقه أحسن المسالك)، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قدْ أَظَلَّ (أي: أقبل ودنا كأنه ألقى عليه ظلَّه) قَادِمًا (أَي: دنا قدومه إِلَى الْمَدِينَة) زاحَ عَنِّي (أَيْ زَال وذَهَب. الْبَاطِلُ (الكذب الذي خطر ببالي، وهو ما كان عزم عليه من التنصل من سخطه بالإخبار بغير مطابق للواقع) حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنجُ مِنْهُ (أي من سخطه نجاة نافعة) بِشَيءٍ (مِنَ الكذبِ) أَبَدًا (الأَبَد: الدَّهْرُ، أَيْ لِآخِرِ الدَّهْرِ، أي لا أنجو به نجاة أبدية وإن نجوت به في الحال، لكن يحصل خلافه عند كشف الله لنبيه عن حقيقة الأمر كما جرى للمنافقين) فَأجْمَعْتُ صِدْقَهُ (أَيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ وهذا من فضل الله تعالى على كعب بن مالك رضي الله عنه، أنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وطرد ما جاء بباله من العزم على الكذب، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: وعزمت أَنه لَا ينجيني إِلَّا الصدْق) وأَصْبَحَ رَسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم – قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ (تحية المسجد، إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته) ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ (أي ليسلموا عليه ويهنئوه بالسلامة)، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلك (أي: المذكورَ من صلاة التحية والجلوس للناس) جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ (أَي: الَّذين تَأَخَّرُوا عَن الذّهاب مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قال أبو حيان في: لفظ المخلفون يقتضي الذم والتحقير، وهي أمكن من لفظ المتخلفين إذ هم مفعول بهم ذلك) يعْتذرُون إِليْه (أَي: يظهرون الْعذر) وَيَحْلفُون لَهُ (على ما يعتذرون به)، وَكَانُوا بِضْعًا (البِضْع فِي الْعَدَدِ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ يُفْتح، مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التّسْع. وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ، لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ العَدد.. وَالبُضْع بضم الباء يطْلق عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ مَعًا، وَعَلَى الفَرْج) وثمَانين رَجُلًا (ومنهم من اعتذر بالمرض ومنهم من اعتذر بغيره مما هو كاذب فيه) فَقَبِلَ منْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ (أَي: ظَاهِرَهمْ، أي: ما أظهروه إجراء للأحكام على ظاهر) وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ (أي: سأل الله غفر ذنب المتخلف عنه) وَوَكلَ (وَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ: أَيْ ألْجأته إِلَيْهِ واعتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ. ووَكَّلَ فلانٌ فُلَانًا، إِذَا اسْتكْفاه أمرَه ثِقَةً بكفايَتِه، أَوْ عَجْزا عَنِ القِيام بِأَمْرِ نفسِه) سَرَائرَهُمْ (جمع سريرة: أي ما أخفوه من النفاق وقصد الإخبار بخلاف الواقع) إِلى الله تعَالى (وهذا فيه إثبات أن الحكم في الشريعة الإسلامية على الظاهر). 

الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ , الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ، الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ , الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ , تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ , وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ , نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحَ دَلِيلٍ , أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ , وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأُصَلِّي وأسلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ , وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ , وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ , وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ , صلاةً وسلاما تُرضيه عنا وتَردُ بها عنا الأقاويل، أما بعد. 

تكملة شرح حديث كعب بن مالك رضي الله عنه حيث يقول: حتَّى جئْتُ (أي كعب بن مالك إلى أن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم)، فلمَّا سَلَّمْتُ تبسَّمَ تبَسُّمَ الْمُغْضَبِ (أي الغضبان، وقال ابن الأثير: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «الغَضَب» فِي الْحَدِيثِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ، فَأَمَّا غَضَب اللَّهِ فَهُوَ إنْكاره عَلَى مَنْ عَصاه، وسَخَطُه عَلَيْهِ، وإعْراضُه عَنْهُ، ومُعاقَبَتُه لَهُ. وَأَمَّا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَمِنْهُ مَحْمُود ومَذموم، فَالْمَحْمُودُ مَا كَانَ فِي جانِب الدِّين وَالْحَقِّ، والمذمومُ مَا كَانَ فِي خِلافه.اهـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرح ظهر في وجهه وإذا غضب ظهر في وجهه أيضًا، فقد روى ابن حبان عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال : كانَ رسولُ اللَّهِ أشدَّ حياءً مِنَ العذراءِ في خِدْرِها، إذا رأى شيئًا يَكْرَهُهُ، عَرَفْنَا ذلِكَ في وجهِهِ) (وَفِي رواية: فَأَعْرض عَنهُ، فَقَالَ: يَا نَبِي الله! لِمَ تعرض عني؟ فوَاللَّه مَا نافقت وَلَا ارتبت وَلَا بدلت) ثمَّ قَالَ: “تَعَالَ (أي أقبل)” فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ (أي جلست أمامه)، فقالَ لِي:”مَا خَلَّفَكَ؟ (أي ما السبب الذي منعك عن الخروج معنا للغزو) أَلَمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ (أي اشتريت) ظَهْرَك (الظَّهْر: الإبلُ الَّتِي يُحمل عَلَيْهَا وتُرْكب) (والمعنى أَي: اشْتريت راحلتك)،”قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا (يعني من الناس الذين يعيشون في الدنيا) لَرَأَيْتُ (أي لرأيتُ نفسي قادرًا على ذلك) أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطِه بعُذْرٍ (بأن أُوَرِّي له كلامًا يرضاه مني أو غير ذلك)، لقدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا (أَيْ فَصَاحَةً وَقُوَّةً فِي الْكَلَامِ وَبَرَاعَةً بِحَيْثُ أَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ مَا يُنْسَبُ إِلَيَّ مِمَّا يقبل وَلَا يُرَدُّ إِذَا أَرَدْتُ)، وَلَكنَّني وَاللَّهِ لقدْ عَلِمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بهِ عنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ يُسْخِطُكَ عَليَّ (أي ولكني مع الحال المذكورة لا أفعل لعلمي بأن الله يُجَلِّي لك الأحوال ويظهر لك الصادق والكاذب من المقال، ففيه التنبيه على اجتناب المعاصي، فإنها وإن كانت قد تحلو ساعة مباشرتها بتزيين الشيطان وإغوائه إلا أنها مُرة المَجنى مَنقَصَةٌ في المعنى لمن استنارت بصيرته وجليت سريرته)، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صدْقٍ تَجِدُ (أي تغضب) علَيَّ فِيهِ (أي بسببه) إِنِّي لأَرْجُو فِيه (أي في الصدق) عُقْبَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ (أي: العاقبة الحسنة أي: أرجو من الله تعالى أن يُعقبني خيرًا بتوبته علي وإرضاء نبيه عني، وقد حقق الله له رجاءه، وقال النووي: أَيْ أَنْ يُعْقِبَنِي خَيْرًا وَأَنْ يُثَبِّتَنِي عَلَيْهِ)، واللَّهِ ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ (أتخلَّف بسببه عن الخروج معك)، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى (في البدن) وَلا أَيْسرَ مِنِّي (في المال) حِينَ تَخلَّفْتُ عَنكَ قَالَ: فقالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:”أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ (أي يُظهِرَ الله لنا ما في سابق علمه من أمرك فنتبعَ أمره فيك) (أي يقضي الله فيك من المؤاخذة بجريرة ذنب التخلف المحرم من غير عذر أو العفو عنه أو التوبة عليه) فقمتُ “وَثَارَ (قام ووثب) رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ (من قوم كعب بن مالك) فاتَّبعُوني، فقالُوا لِي: واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذنْبتَ ذَنْبًا قبْل هذَا (أي أن كعبا رضي الله عنه لم يكن معروفا عندهم بمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا)، لقَدْ عَجَزْتَ فِي أنْ لا تَكُونَ اعتذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفُون فقَدْ كَانَ كافِيَكَ ذنْبَكَ اسْتِغفارُ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَك (أي يكفي أمرَ الذنب أن يستغفر لك النبي صلى الله عليه وسلم فيغفر الله لك باستغفاره لك ولم تعرض نفسك لهذا وإظهار أنك تخلفت بلا عذر). قَالَ: فَواللهِ ما زَالُوا يُؤنِّبُونَنِي (التَّأْنِيب: المبالغَة فِي التَّوبيخ والتَّعنِيف) حتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلى رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأَكْذِبَ نفسْي (أي: أقول إنها كاذبة في قولي السابق ما كان لي من عذر)، ثُمَّ قُلتُ لهُم: هَلْ لَقِيَ هَذا (أي الصدق في المقال وذكر الواقع الذي لمتوني به) معِي مِنْ أَحدٍ؟ (فيهون علي الأمر وأجد لي مساويا في ذلك) قَالُوا: نَعَمْ لقِيَهُ مَعَكَ رَجُلان قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ (أي من الإخبار بانتفاء العذر المانع من الخروج)، وَقيلَ لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ (أي: من انتظار ظهور ما سبق به القضاء في شأنهما)، قَال قُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بْنُ ربِيعةَ الْعَمْرِيُّ (ولفظه في مسلم: العامري والمقروء العمري، وقال النووي في شرحه لمسلم: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ الْعَامِرِيُّ وَأَنْكَرَهُ الْعُلَمَاءُ وَقَالُوا هُوَ غَلَطٌ إِنَّمَا صَوَابُهُ الْعَمْرِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ)، وهِلالُ بْنُ أُميَّةَ الْوَاقِفِيُّ (قال النووي: هُوَ بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ مَنْسُوبٌ إِلَى وَاقِفٍ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ قَيْسِ ابْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ وَاقِفٍ وَاسْمُ وَاقِفٍ مَالِكُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيُّ) قَالَ: فَذكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدَا بدْرًا (أي: غزوة بدر الكبرى وأهلها لهم الشرف الأعلى بين الصحابة)، فِيهِمَا أُسْوَةٌ (قال ابن الأثير: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الأُسْوَة والمُوَاساة فِي الحدِيث، وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا: القُدْوَة، وَالْمُوَاسَاةُ الْمُشَارَكَةُ والمسَاهَمَة فِي المعَاش وَالرِّزْقِ). قَالَ: فَمَضيْت (أي: مصممًا على ما وقع مني من الإخبار بالصدق) حِينَ ذَكَروهُمَا لِي. وَنهَى رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنْ كَلامِنَا (فيه بيان هوان من ظهرت منه المعصية فلم يسلم عليه إلى أن يقلع وتظهر توبته) أَيُّهَا الثلاثَةُ مِن بَينِ (أي دون) مَنْ (أي سائر من) تَخَلَّفَ عَنهُ (وذلك لرفع شأن هؤلاء الكرام وإعراضه عن باقي المتخلفين لأنهم اعتذروا، ومنهم المعذور حقيقة، ومنهم المنافقون اعتذروا ظاهراً فقبل منهم ذلك لأن الأحكام الشرعية مبناها عليه، وقد فضح الله سرائرهم وأظهر للمؤمنين ضمائرهم كما يأتي آخر الحديث)، (ولا يخفى أن ذلك كان تأديبا منه صلى الله عليه وسلم وتربية لأصحابة في أن لا يتخلف عن أمره أحد منهم ولو كان صاحبَ سوابقَ حسنةٍ قبل ذلك، فلا يركنن الواحد على عمله ويُضعِفَ عزيمتَه بل ينبغي أن يبقى سبَّاقًا في الخيرات والطاعات مهما أحسن قبل ذلك لا يفتر ولا يَركَن، وقال النووي: وَفِي هَذَا هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي) قالَ: فاجْتَنَبَنا النَّاسُ (أي صاروا مجانبين، هم في جانب ونحن في جانب، تنفيذا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) أَوْ قَالَ (شك من الراوي): تَغَيَّرُوا لَنَا (عما كنا نعهده من الأنس والوداد منهم) حَتَّى تَنَكَّرَتْ (تغيرت) لِي فِي نَفْسي الأَرْضُ (أي تغيرت لي لا لغيري في نفسي، وحاصله أن تكدر الأحوال يوهم النفس تغيرَ الدار ويخيل إليها ما لم يقع بحال)، فَمَا هيَ (أي أرض المدينة المنورة التي أعيش فيها بين أهلي) بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ (والحاصل أنه لعظم ما اشتدّ عليه الأمر توهم أنه تغيرَ عليه كل شيء حتى الأرض، فإنها توحشت وصارت كأنها غير الأرض التي كان يعرفها قبل ذلك)، فَلَبِثْنَا (أي أقمنا) عَلَى ذَلكَ (أي على هذه الحال من عدم تكليم الناس لنا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم) خمْسِينَ ليْلَةً (ونهارًا وحذف ذكر النهار للاكتفاء). فأَمَّا صَاحبايَ (أي: المشاركان لي في هذا الحال) فَاستَكَانَا (أَيْ خَضَعَا) وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ (أي: على خطيئتهما ففيه بكاء الإنسان على خطيئته، وفي الحديث: وابك على خطيئتك) وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ (أَيْ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا وَأَقْوَاهُمْ)، فَكُنتُ أَخْرُج (إلى المسجد وغيره) فَأَشهَدُ الصَّلاةَ (المفروضة) مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ (أي أدور) في الأَسْوَاقِ (جمع سوق، وسميت بذلك لسَوق الناس بضائعهم إليها، وقيل: للوقوف فيها على الساق) وَلا يُكَلِّمُنِي أَحدٌ، وآتِي رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (تشرفًا برؤيته وإراحة القلب من ألم الكرب، ففيه أن حبه له الأكيد، لم يغيره عنه ما صدر من الأمر فيه بالتبعيد، فرؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم تريح القلوب وبذكره تنكشف الكروب وتزول الهموم ورحم الله من قال: 

أُداوي بذكر المُصطفى سُقْمَ مُهجتي **** ولا داءَ من داءِ النَّوى عنه أَدرأُ

أُفِيضُ على حَرِّ الحَشا بَرْدَ ذِكرِه **** عَسى نارُ أَحزاني عن القَلبِ تُطْفَأُ) 

فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ (يستفاد منه جلوس الشخص بعد الصلاة في مصلاه للذكر أو للدعاء ونحوِ ذلك)، فَأَقُولُ في نفسِي: هَل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِّ السَّلامِ أَم لاَ؟ (لم يجزم كعب بتحريك شفتيه عليه السلام، ولعل ذلك بسبب أنه لم يكن يديم النظر إليه من الخجل) ثُمَّ أُصلِّي قَريبًا مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ (أَي: أنظر إِلَيْهِ فِي خُفْيَة، وفيه أن مسارقة النظر في الصلاة لا يبطلها)، فَإِذَا أَقبَلْتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ (أي النبي صلى الله عليه وسلم)، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي (لعُمُوم النَّهْي عَن كَلَامهم)، حَتى إِذا طَال ذلكَ (أي ذلك الأمر بجفوة الناس وعدم تكليمهم لي) عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ (أي إعراض) الْمُسْلمينَ (تنفيذا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم) مَشَيْتُ حَتَّى تَسوَّرْتُ (أَيْ عَلَوتُ.) جدارَ حَائطِ (هو البستان إذا كان علـيه دائر بناء) أبي قَتَادَةَ (هو أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ واسْم أبي قَتَادَة الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ على الصحيح، توفّي بِالْكُوفَةِ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى هُوَ عَلَيْهِ، فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَهِدَ أُحُدًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ، أَفْلَحَ وَجْهُكَ، فَمَاتَ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً؛ وَكَأَنَّهُ ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً) وَهُوَا ابْن عَمِّي (قيل: إِنَّمَا قَالَ: إِنَّه ابْن عمي، لِكَوْنِهِمَا مَعًا من بني سَلمَة وَلَيْسَ هُوَ ابْن عَمه أخي أَبِيه) وأَحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ (أي من أكثرهم محبوبية إليّ لقرابته في النسب، أو لغير ذلك من السبب)، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فَواللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ (لورود النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن تكليم كعب وصاحبيه لما حصل منهم، ويستفاد منه إيثار طاعة الله ورسوله على مودة الصديق والقريب ونحوهما)، فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قتادَة أَنْشُدكَ باللَّهِ (بِفَتْح الْهمزَة وَضم الشين الْمُعْجَمَة، أَي: أَسأَلك بِاللَّه، وأصل الكلمة من النشيد وهو الصوت) هَلْ تَعْلَمُني (أي بما علمته من حالي وسابق أمري في الإسلام) أُحبُّ الله وَرَسُولَه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ (ومحبة الله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم تكون بطاعتهما في الأوامر واجتناب النواهي، ويكون حسنُ المتابعة بأداء ما أوجب واجتناب ما حرم، فالعبد التقي هو الذي يطيع ربه وهذه علامة المحبة الصادقة، يقول ذو النون المصري: (من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله (أي سيدنا محمد ﷺ) في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه). والمحب الصادق مِنْ شأنِهِ وحالهِ أن لا يخالف حبيبه ومحبوبَه كما قالت العارفة بالله السيدة الجليلة رابعة العدوية رضي الله عنها: 

تعصي الإله وأنت تزعم حبه **** هذا لعمري في الفعال شنيع

لو كان حبُّكَ صادقا لأطعته **** إن المحب لمن يحبُّ مطيع

فَسَكَتَ (أي أبو قتادة في جواب كعب بن مالك)، فَعُدتُ (أي كعب بن مالك) فَنَاشَدتُه (أي استحلفته بالله عن الشيء المذكور قبلُ وهو أنه يعلمه يحب الله ورسوله) فَسكَتَ (أي أبو قتادة)، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ (قال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بها تكليمه لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده بالله، فقال أبو قتادة مظهرًا لاعتقاده لا ليسمعه، إذ مَنْ حلف لا يكلم فلانًا فسأله عن شيء فقال: الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث، فإن لم يُرِد ذلك فلا حَنِث.اهـ) فَفَاضَتْ عَيْنَايَ (قال ابن الأثير: فَاضَ الْمَاءُ والدَّمْع وَغَيْرُهُمَا يَفِيضُ فَيْضًا إِذَا كَثُر، وَمِنْهُ «أَنَّهُ قَالَ لِطَلْحة: أَنْتَ الفَيَّاض» سُمِّي بِهِ لِسَعَة عَطائه وكَثْرته)، وَتَوَلَّيْتُ (أي رجعتُ عنه من حيث أتيتُ) حَتَّى تَسَوَّرتُ الْجدَارَفبَيْنَا أَنَا أَمْشي (قال ابن الأثير: أصْلُ بَيْنَا: بَيْن، فأشْبِعَت الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ ألِفا، يُقَالُ بَيْنَا وبَيْنَمَا، وهُما ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى المُفاجأة، ويُضافان إِلَى جُملة مِنْ فِعْل وَفَاعِلٍ، ومُبتدأ وَخَبَرٍ، وَيَحْتَاجَانِ إِلَى جَوَابٍ يَتِم بِهِ الْمَعْنَى، تَقُولُ بَيْنَا زَيْدٌ جالسٌ دَخَل عَلَيْهِ عَمْرٌو، وَإِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، وإذَا دَخَل عليْه) في سُوقِ المدينةِ (أي المدينة المنورة، وهي دار الهجرة والإيمان وتسمى كذلك بطيبة والـمَجبورة والمحبوبة والمنورة والمعصومة من المسيح الدجال الذي لا يدخلها) إِذَا نَبَطيٌّ (وهو الفلاح وسمي به لأنه يستنبط الـماء أي: يستـخرجه، والنَّبَطُ والنَّبِيطُ: الْماء الَّذِي يَخْرُج مِنْ قَعْرِ الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَت) (وَهَذَا النَّبَطِيُّ الشَّامِيُّ كَانَ نَصْرَانِيًّا كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ إِذَا نَصْرَانِيٌّ جَاءَ بِطَعَامٍ لَهُ يَبِيعُهُ وَيُقَالُ إِنَّ النَّبَطَ يُنْسَبُونَ إِلَى نَبَطِ بْنِ هَانِبَ بْنِ أُمَيْمِ بْنِ لَاوِذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ) منْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّام (ذكر الْكَلْبِيّ فِي (كتاب الْبلدَانِ) إِنَّمَا سميت بسام بن نوح لِأَنَّهُ أول من نزلها. قَالَ الْكَلْبِيّ: وَلم ينزلها سَام قطّ، قَالَ: وَلما أُخرِجَ النَّاسُ من بابل أَخذ بَعضهم يمنة فسميت الْيمن، وتشاءم آخَرُونَ فسميت الشَّام. وَكَانَت الشَّام يُقَال لَهَا: أَرض كنعان، قَالَ: وَكَانَ فالخُ بنُ عَامر هُوَ الَّذِي قسم الأَرْض بَين بني نوح عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزَجاجي فِي كَلَامه على الزَّاهِر: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضِهَا من بعض، فشبِهَت بالشامات) مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يبيعُهُ بالمدينةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كعْبِ بْنِ مَالكٍ؟ فَطَفِقَ (أي أخذَ) النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَني فَدَفَعَ إِلى كتَابًا منْ مَلِكِ غَسَّانَ (وَهُوَ من جملَة مُلُوك الْيمن، سكنوا الشَّام وهُوَ جبلة بن الْأَيْهَم)، وكُنْتُ كَاتِبًا (أي أكتب وأقرأ). فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ (أي النبي صلى الله عليه وسلم) قدْ جَفاكَ (أي أعرض عنك)، ولمْ يجْعلْكَ اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ (أي منقطعًا بدار تهان فيها، أَي: ذل وصغار) وَلا مَضْيعَةٍ (أَي: حَيْثُ يضيع حَقك)، فَالْحقْ بِنا (أي تعال إلينا) نُوَاسِكَ (من المواساة، وَزَاد فِي رِوَايَة بن أَبِي شَيْبَةَ فِي أَمْوَالِنَا فَقُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ قَدْ طَمِعَ فِيَّ أَهْلُ الْكُفْرِ)، فَقلْتُ حِينَ قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْبَلاءِ (أي الامتحان والاختبار) (الله تعالى ابتلى كعب بن مالك بهذا كله لِيُظْهِرَ للناس مَن الصابر الثابت على دينه ومن غير الصابر، وأما الله تعالى فإنه يعلم من يصبر ومن لا يصبر، فلا يكون شأن البعض التحول عن الإيمان إلى الطغيان وعن الشكر إلى العصيان لوقوع المصيبة عليهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾، وَهذَا مثلُ قَوْلِهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [سُورَةَ مُحَمَّد/31] مَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نُمَيِّزَ أَيْ نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ يُجَاهِدُ وَيَصْبِرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا قَبْلُ كَمَا نَقَلَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى، وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/37]. أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ مِنَ الْبَلايَا حَتَّى يُظْهِرَ وَيُمَيِّزَ لِعِبَادِهِ مَنْ هُوَ الصَّادِقُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي يَصْبِرُ عَلَى الْمَشَقَّاتِ مَعَ إِخْلاصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَنْ هُوَ غَيْرُ الصَّادِقِ الَّذِي لا يَصْبِرُ) فَتَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ (أَي: قصدت بهَا. أَي: بِالْكتاب الَّذِي أرْسلهُ ملك غَسَّان، التنور والتنور مَعْرُوف وَهُوَ مَا يخبز فِيهِ) فَسَجَرْتُهَا (أَي أوقدته وَدَلَّ صَنِيعُ كَعْبٍ هَذَا عَلَى قُوَّةِ إِيمَانِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَإِلَّا فَمَنْ صَارَ فِي مِثْلِ حَالِهِ مِنَ الْهَجْرِ وَالْإِعْرَاضِ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ احْتِمَالِ ذَلِكَ.

 وَتَحْمِلُهُ الرَّغْبَةُ فِي الْجَاهِ وَالْمَالِ عَلَى هِجْرَانِ مَنْ هَجَرَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَقَوِيَ عِنْدَهُ يَقِينُهُ وَرَجَّحَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النَّكَدِ وَالتَّعْذِيبِ عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنَ الرَّاحَةِ وَالنَّعِيمِ حُبًّا فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَعند بن عَائِذٍ أَنَّهُ شَكَا حَالَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ مَا زَالَ إِعْرَاضُكَ عَنِّي حَتَّى رَغِبَ فِيَّ أَهْلُ الشِّرْكِ) حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ (أي استمررت على ذلك الأمر المذكور من غير زيادة عليه حتى مضت أربعون ليلة ويومًا) مِن الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ (أي أبطأ) الْوَحْيُ (أي جبريل بأن ينزل بما فيه خلاصهم من هذا الكرب العظيم) إِذَا رسولُ رسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأْتِينِي (وهَذَا الرَّسُول هُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت الأنصاري وهو الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين وذلك خصوصية له رضي الله، عنه لما كلم صلى الله عليه وسلم رجلا في شيء فأنكر فقال خزيمة أنا أشهد فقال صلى الله عليه وسلم أتشهد ولم تستشهد؟ فقال نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا؟ فأمضى شهادته وجعلها بشهادة رجلين)، فَقَالَ: إِنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأَمُرُكَ أَنْ تَعْتزِلَ امْرأَتَكَ (اسْمهَا: عُميرَة بنت جُبَير بن صَخْر بن أُميَّة الْأَنْصَارِيَّة، أم أَوْلَاده الثَّلَاثَة: عبد الله وَعبيد الله ومعبد، قَالَ الذَّهَبِيّ: صلَّت الْقبْلَتَيْنِ وَهِي زَوْجَة كَعْب بن مَالك)، فقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا (فإن معنى كلمة اعتزال الزوجة عند العرب تحتمل معنى التطليق وغيره من ترك الجماع مثلا)، أَمْ مَاذا أَفعْلُ؟ (وهذا يُظهِر كم أن هذا الصحابي رضي الله عنه مطيع للرسول صلى الله عليه وسلم حتى في هذا فإنه يسأل ماذا يفعل على التحديد حتى لا يفعل فعلا يكون فيه مخالفة لأمره صلى الله عليه سلم، وخصوصا بعد تخلفه عنه) قَالَ: لاَ بَلْ اعتْزِلْهَا (أمره بترك مخالطتها مخالطة الزوجات من الجماع ومقدماته) فَلَا تقربَنَّهَا، وَأَرْسلَ إِلى صَاحِبيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ (أي باعتزال أزواجهم كذلك). فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحقِي بِأَهْلكِ (هَذَا اللَّفْظ من الْكِنَايَات، فليس طلاقًا إلا إذا أراد الطلاق به) فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ (أي حتى يُظهِرَ الله ما قضى به وقدَّره في الأزل في أمرنا هذا ونعلم حكمه وقضاءه فيه) في هذَا الأَمرِ، فَجَاءَت امْرأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ (هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ عَاصِمٍ) رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ هِلالَ بْنَ أُميَّةَ شَيْخٌ (كبير في السن) ضَائعٌ (أي أنه ليس عنده من يخدُمه) ليْسَ لَهُ خادِمٌ (أي: من يقوم بما يحتاجه من خدمة)، فهلْ تَكْرهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ:”لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ (وهذا كناية عن الجماع)” فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَركةٍ إِلَى شَيءٍ (لا حاجة إلى منعه من ذلك، فإنه ليس فيه داعية تحركه إلى الجماع ومقدماته لما هو فيه من الكرب)، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي (على تخلفه) مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ (الذي تعلَمُه) مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَال لِي بعْضُ أَهْلِي (أي كعب بن مالك): لَو اسْتأَذنْتَ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في امْرَأَتِكَ (أي أن تبقى زوجتك عندك فتخدمك)، فقَدْ أَذِنَ لامْرأَةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ (ولو قيل كيف كلمه بعض أهله وقد ورد النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن تكليم الثلاثة، فقد قال ابن حجر: وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ بَعْضُ وَلَدِهِ أَوْ مِنَ النِّسَاءِ وَلَمْ يَقع النهى عَن كَلَام الثَّلَاثَة للنِّسَاء اللَّاتِي فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَخْدُمُهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ) فقُلْتُ: لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ومَا يُدْرِيني مَاذا يَقُولُ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (أي: من الإذن في ذلك أو المنع منه) إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ (وأشار به إلى وجه احتمال منعه دون هلال لكونه رجلًا شابًّا، أو إلى أنه ليس بضائع لقدرته على خدمة نفسه) فلَبِثْتُ بِذلك (أي بعد ذلك والحال هكذا من جفاء الناس لي وحتى زوجتي ليست عندي) عشْرَ ليالٍ (أي مع أيامها)، فَكَمُلَ (بتثليث الميم: أي تمّ بضمها إلى الأربعين السابقة على الأمر باعتزال الزوجة) لَنا خمْسُونَ لَيْلَةً (ويوما) مِنْ حينَ نُهي عَنْ كَلامنا.ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صباحَ خمْسينَ لَيْلَةً (أي في صباح تلك الليلة المكملة لخمسين ليلة) عَلَى ظهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الْحال الَّتي قد ذكَر اللَّهُ تعالَى مِنَّا (أي التي وصفها الله تعالى في القرآن في سورة التوبة، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خُلَّفُوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحُبَتْ})، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي (أي: قلبي من فرط الوحشة والغمّ بحيث لا يسعها أنس ولا سرور) وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرضُ بمَا رَحُبَتْ (أي وسعت، ومنه قولهم للقادم: مرحبًا: أَيْ لَقِيت رُحْبًا وسَعَة والرُّحبة السَّعة)، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ (شخص يصرخ، وقيل هو أبو بكر الصديق وقال في رواية: قد تاب الله على كعب) أوفَى (أي صعد وارتفع، وقيل: أَيْ أَشْرَفَ وَاطَّلَعَ) عَلَى سَلْعٍ (وَهُوَ جبل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ ذِرْوَة سلع أَي أَعْلَاهُ وَزَاد بن مَرْدَوْيهِ وَكُنْتُ ابْتَنَيْتُ خَيْمَةً فِي ظَهْرِ سَلْعٍ فَكُنْتُ أَكُونُ فِيهَا) يَقُولُ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ (من الْبشَارَة وَفِي رِوَايَة عمر بن كثير عِنْد أَحْمد عَن كَعْب: إِذْ سَمِعت رجلا على الثَّنية يَقُول: كَعْب كَعْب، حَتَّى دنا مني، فَقَالَ: بشروا كَعْبًا)، فخرَرْتُ سَاجِدًا (أَي: أسقطت نَفسِي على الأَرْض حَال كوني سَاجِدا، وسجد سجدة الشكر على اندفاع ما كان فيه من الحال وبلوغه إلى نعمة البشرى والإقبال. وفيه أن سجدة الشكر كانت معلومة عندهم معمولا بها فيما بينهم، وَفِيه مَشْرُوعِيَّة سَجْدَة الشُّكْر، سجدة الشكر تستحب عند هجوم نعمة كحدوث ولد أو مال أو قدوم غائب أو نصر على عدو، وعند اندفاع نِقمة كنجاة من غرق أو حريق، ولا تستحب لاستمرار النعمة واندفاع النقمة. وهي كسجدة التلاوة المفعولة خارج الصلاة شروطًا وكيفية. وسجدة التلاوة تفتقر إلى شرائط الصلاة كطهارة وستر واستقبال القبلة وترك كلام الناس، ولو سجد غير المصلي وجب أن يكبر للإحرام ناويًا السجود، ونُدِبَ رفعُ يديه مع التكبير كإحرام الصلاة، ثم يهوي للسجود مكبرًا، ثم يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس، ويشترط له السلام، ولا يشترط التشهد، فإن كان في الصلاة كبّر للهُوِيّ وللرفع من السجود ندبًا، ولا يجوز السجود بلا سبب بنية التقرب إلى الله تعالى، وكذلك لا يجوز السجود لشخص مسلم أو غيره ولو بنية التحية)، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ ( أي أعلم) رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم النَّاسَ بِتوْبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا (أي: بتوفيقه إيانا لها) حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفجْرِ فذهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُوننا (بقبول التوبة) (وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مُعْتَنِيَةً بِأَمْرِي فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ قَالَ إِذًا يُحَطِّمُكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُوكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا)، فذهَبَ قِبَلَ (أي جهة) صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ (قال الفربري: وخرج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه فما استطاع المشي لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حمارًا، وبشر مرارة بن الربيع سلـمة بن سلامة فأقبل حتى توافوا، يعني: الثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم)، وَرَكَضَ إليَّ رَجُلٌ فرَسًا (قال ابن حجر: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ وَقيل: هُوَ الزبير بن الْعَوام) وَسَعَى ساعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي (هُوَ حَمْزَة بن عمر، روى عَنهُ أهل الْمَدِينَة وَكَانَ يسْرد الصَّوْم) وَأَوْفَى عَلَى الْجَبلِ (أي ارتفع وأشرف على الجبل)، وكَان الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ (أي وكان صوت الذي على الجبل أسرع من الآخر)، فلمَّا جَاءَنِي الَّذي سمِعْتُ صوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ (فيه استحباب إجازة البشير بخُلعَةٍ وإلا فبغيرها. والخُلعَة أحسن وهي المعتادة، وفيه كسوة البشير وإن لم يملك غيره، وفيه جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين وجواز البذل والهبات عندها) ببشارَتِهِ واللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يوْمَئذٍ (قال ابن حجر: يُرِيدُ مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَاحِلَتَانِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً ثُمَّ وجدت فِي رِوَايَة بن أَبِي شَيْبَةَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فَفِيهَا وَوَاللَّهِ مَا أملك يَوْمئِذٍ ثَوْبَيْنِ غَيرهمَا وَزَاد بن عَائِذٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَلَبِسَهُمَا).

الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيمِ فَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ , الْعَظِيمِ فَلا يَحْوِيهِ مَكَانٌ , أَنْشَأَ آدَمَ وَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ بِنُعْمَانَ , وَرَفَعَ إِدْرِيسَ إِلَى أَعَالِي الْجِنَانِ , وَنَجَّى نُوحًا وَأَهْلَكَ كَنْعَانَ , وَسَلَّمَ الْخَلِيلَ بِلُطْفِهِ يَوْمَ النِّيرَانِ , وَيُوسُفَ مِنَ الْفَاحِشَةِ حِينَ الْبُرْهَانِ , وَبَعَثَ شُعَيْبًا إِلَى مَدْيَنَ يَنْهَى عَنِ الْبَخْسِ وَالْعُدْوَانِ , أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَمْلأُ الْمِيزَانَ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي علَا دِينُهُ وَبَانَ, وَعَلَى صَاحِبِهِ أبو بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ , وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي كَانَ يَفْرَقُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ , وَعَلَى زَوْجِ الابْنَتَيْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ , وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ وَسَيِّدِ الشُّجْعَانِ , صلاة تنقذنا بها من النيران، وتدخلنا بها الجنان، أما بعد. 

تكملة شرح حديث كعب بن مالك رضي الله عنه:

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ (استعارهما من أبي قَتَادَة) فَلَبسْتُهُمَا وانْطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ (أقصد) رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَلَقَّانِي (يستقبلونني) النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا (جماعة جماعة) يُهَنِّئُونَنِي بِالتَّوْبَةِ (أي بأن الله وفَّقني للتوبة وأنزل في القرآن قبوله توبَتنا) وَيَقُولُون لِي: لِتَهْنِكَ (قال العيني: بِكَسْر النُّون) تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ (فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير بل على ندبها إذا كانت دينية فإنها إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة)، حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللهِ رضي الله عنه (أحدُ العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه) يُهَرْوِلُ (الْهَرْوَلَةُ: بَيْنَ المَشْي والْعَدْوِ، وإذا أطلقت على الله فلها معنى لائقٌ به عز وجل غير هذا كما في الحديث: «مَن أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُه هَرْوَلَةً» وَهُو كِنَايَة عَنْ سُرْعَة إجَابة اللَّه تَعالى، وقَبُولِ تَوْبَة العَبْد، ولُطْفه وَرَحْمَته، وليس معناه أن الله ينتقل من مكان لمكان والعياذ بالله فهو منزه عن الجسمية وعن سائر صفات الأجسام وعن أن يُخلِيَ مكانًا ويملأَ آخر) حَتَّى صَافَحَنِي وهَنَّأَنِي (فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكرامًا والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحًا)، واللَّهِ (يحلف تأكيدًا للحال الذي حصل منهم تجاهه، وهنا ينبغي التنبيه على أمر: وهو أن المسلم عندما يكون خارجًا من بلاء أو تائبًا من ذنب ينبغي التلطف معه، ليثبت على الطاعة، ولا يُتعَاملْ معه بالازدراء والاحتقار، فمن منا منزه عن الذنب؟ نعلم أنه زلَّ وأخطأ لكن ينبغي التلطف به وتثبيته على التوبة وإبعاده أكثر وأكثر عن المعصية، وبعضهم يظن وقتها أنه إذا جاء تائبا أن الناس سترفضه لقبح فعله، فليُقابل بالبشاشة والتلطف والإحسان لترغيبه بالتوبة ولينسى ما حصل قبل ذلك فيقبل على التوبة والطاعة دون أن يُحِسَّ نفسه غريبا بين أهله وأصحابه، فلا ينبغي أن نعين الشيطان عليه بل ينبغي أن نعينه على الشيطان) مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَان كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلحَة (قال القرطبي: أي إنها أكدت في قلبه محبته وألزمته حرمته حتى عدها من الأيدي الجسيمة). قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (أي قلت له: السلام عليكم)، قَالَ (أي بعد ردِّ السلام عليه): وَهوَ يَبْرُقُ (أي يلمع ويظهر عليه النور والاستبشار بما حصل من قبول توبة كعب وصاحبيه) وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ (وهذا فيه إشارة إلى كمال خلقه صلى الله عليه وسلم فإنه أخبرنا وحثنا على أن نحب لأخينا المسلم ما نحب لأنفسنا من الخير، وأي خير أعظم من زوال الأدران التي تلطخت فيها القلوب بالمعصية وصفيت فيها لعلَّام الغيوب عز وجل، فصافي القلب يفرح لأخيه المسلم بنعمة دنيوية جاءته فكيف بنعمة أخروية مثل هذه من قبول توبتهم بعد تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رأينا نعمة هجمت على أخينا المسلم سواء كانت دنيوية أم أخروية فلنذكر الله عز وجل ولا نحسده عليه وهذا ما فعله كاملُ الأوصاف والأخلاق محمدٌّ صلى الله عليه وسلم) “أَبْشِرْ (أي افرح بالبشارة و البشارة هي الخبر السار الذي يظهر أثره في بشَرة الوجه أي جلدتِهِ) بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُنذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ (أي سوى يوم إسلامه، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه)،”فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (أي: قلته اجتهادًا لأنك رأيت حصول مقصود الزجر بما وقع في هذه المدة، فالقول الصواب الذي عليه العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز أن يجتهد فيما لم ينزل به عليه الوحي ولكن اجتهاده لا يكون خطأ، كالمجتهدين الآخرين من أمته مثل الشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم، فهؤلاء يجتهدون واجتهادهم يحتمل الخطأ والصواب أما اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد لا يحتمل الخطأ، وإذا كان من هو دون النبي كالأئمة الأربعة يجتهد فكيف هو صلى الله عليه وسلم) أَم مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ (أم هو وحي من عند الله) قَالَ:”لَا (أي ليس من اجتهادي) بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ (نزل الوحي عليَّ بما يُفَرِّجُ الكرب عنكم ويفك الضيق، وفي رواية أنه قال لا ليس من عندي بل هو من عند الله وقرأ عليهم الآيات التي نزلت ببيان حالهم وبيان قبول توبة الله عليه من سورة التوبة والتي سنذكرها) (قال ابن حجر: وَعند ابن مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا نَزَلَتْ تَوْبَتِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلْتُ يَدَهُ وَرُكْبَتَهُ)،” وكانَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا سُرَّ (من أمر) اسْتَنارَ وَجْهُهُ (أي: زاد نورا إلى نوره) حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمرٍ (آثر ذكر القمر لأنه يُتمكن من النظر إليه ويُؤنسُ من شاهده من غير أذى يتولد عنه بخلاف الشمس لأنها تغشى البصر وتؤذي. وقال العيني في شرح البخاري: فَإِن قلت: لِمَ لم يقل: كَأَنَّهُ قمر؟ فَمَا الْحِكْمَة فِي تَقْيِيده بالقطعة؟ قلت: قيل: للِاحْتِرَاز من قِطْعَة السوَاد الَّتِي فِي الْقَمَر)، (وفي البخاري في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ.اهـ قال بعض شرَّاح البخاري: لأن الله تعالى أعطاه كل الحسن فجمال يوسف وكل جمال البشر جزء من جماله صلى الله عليه وسلم 

قال البوصيري: 

منزه عن شريك في محاسنه **** فجوهر الحسن فيه غير منقسم

فإن قلت: إذا كان كذلك، فلم لم تفتتن النساء بجمال محمد صلى الله عليه وسلم كما افتتِنَّ بجمال يوسف؟ أجيب: بأن جمال محمد قد ستره الله بالجلال والهيبة كالشمس، لا يستطيع أحد أن يتأمل فيها إذا قرب منها، ولذا لم تُرو أغلبُ الشمائل الشريفة، إلا عن صغار الصحابة، كالحسن والحسين وعبد الله بن عمر وغيرهم، لا عن كبارهم، لقيام الجلال بقلوبهم فيمنعهم من وصفه، وأما جمال يوسف فهو ظاهر ، فحينئذ يتأمل فيه المتأمل ويصفه الواصف، غير أنه يعجَز عن استعياب محاسنه. 

(قال كعب بن مالك) وكُنَّا نعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ (أي معرفة السرور منه في وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم)، فلَمَّا جلَسْتُ بَيْنَ يدَيْهِ قُلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي (أي: من شكر الله على توبتي أي التوفيق لها وقبولها، أو إن من علامة صدق توبتي) (وهذا في إشارة إلى ما ينبغي على المؤمن الذي أنعم الله عليه بنعمة ماذا يفعل، ينبغي عليه أن يفكر في الشكر لله عز وجل، فبالشكر تدوم النِّعَم) 

(قال كعب بن مالك) أَنْ أَنْخَلِعَ (أي أُخْرِجُ مِنْهُ وَأَتَصَدَّقُ بِهِ وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لاسيما ما عظم منها) مِن مَالي (أي من جميع مالي) صدَقَةً (أي أجعل مالي كله صدقة لله شكرا مني له سبحانه على قبول توبتي) إِلَى اللَّهِ وإِلَى رَسُولِهِ (كلمة: إِلَى بِمَعْنى اللَّام، أَي: صَدَقَة خَالِصَة لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:”أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ (أي دفعا لضرر التصدق بكله، بأن يبقى فقيرا محتاجا وربما أفضى به إلى سؤال الناس وإلى الدخول في مفاسد) فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ (قال النووي في شرحه لمسلم: وإنما أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لايصبر عَلَى الْإِضَاقَةِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا صَدَقَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَإِنَّهُ كَانَ صَابِرًا رَاضِيًا)، “فَقُلْتُ إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذي بِخيْبَر (وهي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، وأما لفظ خيبر فهو بلسان اليهود الحِصنُ، ولكون هذه البقعة تشتمل على هذه الحصون سمّيت خيابر، وقد فتحها النبي صلى الله عليه وسلم، كلها في سنة سبع للهجرة وقيل سنة ثمان). وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ اللهَ تَعَالىَ إِنَّما أَنْجَانِي (من وصمة إثم التخلف عن المأمور به) بالصِّدْقِ (أي بإخباري بالخبر المطابق للواقع) 

(وقال كعب بن زهير:    

وفي الحِلْمِ إِدْهانٌ (أي لين) وفي العَفْوِ دُرْبَةٌ (أي رياضة) **** وفي الصدق مَنجاةٌ مِن الشر فاصْدُقِ

وقال بعضُهم: 

الصدق منجاة لأربابه **** وقربة تدني من الرب (أي تُقَرِّبُ قرب الطاعة من الله عز وجل لا قرب المكان فالله منزه عن المكان والجهة)

وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتي (أي من شكر توبتي) أَنْ لا أُحدِّثَ (أي إنسان حديثًا  في أي شأن كان) إِلَّا صِدْقًا ما بَقِيتُ (أي مدة بقائي ما لم يمنع من الصدق مانع. وإلا كأن كان فيه إفساد مصلحة للمسلمين في حروبهم أو نحو ذلك فلا، وفي الحديث المحافظة على سبب التوبة)، فوالله مَا علِمْتُ أَحَدًا مِنَ المسلمِين أَبْلاْهُ اللَّهُ تَعَالَى (أي أنعم الله عليه) في صدْقِ الْحَديث (أي بسبب صدق الحديث) مُنذُ ذَكَرْتُ ذَلكَ (أي أن ألتزم صدقَ الحديث) لرِسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِي اللَّهُ تَعَالَى (أي بتيسير الدوام على ذلك والوفاء بالالتزام)، وَاللَّهِ مَا تَعمّدْت كِذْبَةً (قال النووي: بفتح الكاف وكسرها كل ذلك مع إسكان الذال،) مُنْذُ قُلْت ذَلِكَ (أي ذكرت له الأمر على ما هو عليه في أمر تخلفي عنه) لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو (من الله تعالى) أَنْ يَحْفظني اللَّهُ تَعَالى (من الكذب، فالله تعالى هو الحفيظ، معناهُ الحافِظُ لمنْ يَشاءُ مِنَ الشرِّ والأَذَى والهَلَكَةِ فقد قال تعالى: ((فاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ)) فَالحَفِيظُ هُوَ الَّذِي صَانَكَ فِي حَالِ الشَّكْوَى وَالمِحْنَةِ، وَالحَفِيظُ هُوَ الَّذِي هَدَاك لِلتَّوْحِيدِ، وَالحَفِيظُ هُوَ الَّذِي حَفِظَ سِرَّكِ وَنَجْوَاكَ وَصَانَ ظَاهِرَكَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: “مَا مَنْ عَبْدٍ حَفِظَ جَوَارِحَهُ إِلَّا حَفِظَ اللهُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ وَمَا مِنْ عَبْدٍ حَفِظَ اللهُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ إِلَّا جَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى عِبَادِهِ” وَكَانَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قَدْ جَاوَزَ المِائَةَ سَنَة وَهُوَ مُمَتَّعٌ بِقُوتِهِ وَعَقْلِهِ فَوَثَبَ يَوْمًا وثبةً شَدِيدَةً فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَذِهِ جَوَارِحُ حَفِظْنَاهَا عَنِ المعَاصِي فِي الصِّغَرِ فَحِفِظَهَا اللهُ عَلَيْنَا فِي الكِبَرِ، قالَ تاجُ الدينِ السبكيُّ: ورُوِيَ أَنَّ نَاسًا ضربوا أحدَ الفقهاءِ بالسيوفِ فَلَمْ تَقْطَعْ سيوفُهُم فيهِ فَسُئِلَ عن ذلكَ فقالَ كنتُ أقرأُ: ((وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)) ((فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)) ((وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ)) ((وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) ((إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)) ((إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)) إلى آخرِ السورةِ، قالَ ابنُ السبكيِّ: وكانَ يقولُ كنتُ خرجتُ يومًا معَ جماعةٍ فرأينا ذئبًا يلاعبُ شاةً عجفاءَ ولا يضرُّهَا بشيءٍ فلمَّا دَنَوْنَا نَفَرَ عنهَا الذئبُ فوجَدْنَا فِي رَقَبَةِ الشاةِ كتَابًا مربوطًا فَحَلَلْنَاهُ فَقَرَأْنَا فيهِ هذهِ الآياتِ) فِيمَا بَقِي (أي فيما بقي من عمري، فهو يرجو حِفظَ الله عز وجل له)، قَالَ (أي كعب بن مالك): فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ (أي أدام الله توبته، وهي بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم تشريف مكانته في إعلاء رتبته) وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ (قال القرطبي: أَيْ فِي وَقْتِ الْعُسْرَةِ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ أَوْقَاتِ تِلْكَ الْغَزَاةِ وَلَمْ يُرِدْ سَاعَةً بِعَيْنِهَا. وَقِيلَ: سَاعَةُ الْعُسْرَةِ أَشَدُّ السَّاعَاتِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ. وَالْعُسْرَةُ صُعُوبَةُ الْأَمْرِ. قَالَ جَابِرٌ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ عُسْرَةُ الظَّهْرِ وَعُسْرَةُ الزَّادِ وَعُسْرَةُ الْمَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَتِ الْعُسْرَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى بَعِيرٍ يَعْتَقِبُونَهُ بَيْنَهُمْ وَكَانَ زَادَهُمُ التَّمْرُ الْمُتَسَوِّسُ وَالشَّعِيرُ الْمُتَغَيِّرُ وَالْإِهَالَةُ أي الشحم الْمُنْتِنَةُ وَكَانَ النَّفَرُ يُخْرِجُونَ مَا مَعَهُمْ إِلَّا التَّمَرَاتِ بَيْنَهُمْ فَإِذَا بَلَغَ الْجُوعُ مِنْ أَحَدِهِمْ أَخَذَ التَّمْرَةَ فَلَاكَهَا حَتَّى يَجِدَ طَعْمَهَا ثُمَّ يُعْطِيهَا صَاحِبَهُ حَتَّى يَشْرَبَ عَلَيْهَا جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ كَذَلِكَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يَبْقَى مِنَ التَّمْرَةِ إِلَّا النَّوَاةُ فَمَضَوْا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِدْقِهِمْ وَيَقِينِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ: خَرَجْنَا فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ مِنَ الْعَطَشِ، وَحَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا فَادْعُ لَنَا. قَالَ: (أَتُحِبُّ ذَلِكَ)؟ قَالَ: نَعَمْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى أَظَلَّتِ السَّمَاءُ ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا. [فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (افْعَلُوا) [فَجَاءَ عُمَرُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلُوا قَلَّ الظَّهْرُ وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أزوادهم فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ الْبَرَكَةَ. قَالَ: (نَعَمْ) ثُمَّ دَعَا بِنِطَعٍ وهو بساط من جلد فَبُسِطَ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ الْأَزْوَادِ فجعل الرجل يجئ بِكَفِّ ذُرَةٍ وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذلك شي يَسِيرٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَزَرْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْرُ رَبْضَةِ الْعَنْزِ أي جثتها إذا بركت فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ قَالَ: (خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى- وَالَّذِي لا إله إلا هوما بقي في العسكر وعاء إلا ملؤوه، وَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صحيحه بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْمَثَلُ بِجَيْشِ الْعُسْرَةِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَغْزُ قَبْلَهُ فِي عَدَدٍ مِثْلِهِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ وَيَوْمَ أُحُدٍ سَبْعَمِائَةٍ وَيَوْمَ خَيْبَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَيَوْمَ الْفَتْحِ عَشَرَةَ آلَافٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَيْشُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَزِيَادَةً، وَهِيَ آخِرُ مَغَازِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ وَأَقَامَ بِتَبُوكَ شَعْبَانَ وَأَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ وَبَثَّ سَرَايَاهُ وَصَالَحَ أَقْوَامًا عَلَى الْجِزْيَةِ)}، حَتَّى بَلَغَ (أي: كعب في قراءته) وتمامها قوله تعالى: ((مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ (أَيْ تَمِيلُ- عَنِ الْحَقِّ فِي الممانعة والنصرة) ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ (قِيلَ: تَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ أَنْ تَدَارَكَ قُلُوبَهُمْ) )): {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا (أي كعب وصاحبيه) (قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَقيل مَعْنَى” خُلِّفُوا” تُرِكُوا، لِأَنَّ مَعْنَى خَلَّفْتُ فُلَانًا تَرَكْتُهُ وَفَارَقْتُهُ قَاعِدًا عَمَّا نَهَضْتُ فِيهِ. وَقِيلَ” خُلِّفُوا” أَيْ أُرْجِئُوا وَأُخِّرُوا عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِمْ بِشَيْءٍ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ، وَاعْتَذَرَ أَقْوَامٌ فَقَبِلَ عذرهم، وَأَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ حَتَّى نَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ) حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ (أَيْ بِمَا اتَّسَعَتْ يُقَالُ: مَنْزِلٌ رَحْبٌ وَرَحِيبٌ وَرُحَابٌ، أَيْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِرَحْبِهَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَهْجُورِينَ لَا يُعَامَلُونَ وَلَا يُكَلَّمُونَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى هِجْرَانِ أَهْلِ الْمَعَاصِي حَتَّى يَتُوبُوا)} حَتَّى بَلَغَ (أي كعب بن مالك، وتمام الآية: ((وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ (أَيْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ بِالْهَمِّ وَالْوَحْشَةِ، وَبِمَا لَقُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْجَفْوَةِ) وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ (أَيْ تَيَقَّنُوا أَنْ لَا مَلْجَأَ يلجئون إِلَيْهِ فِي الصَّفْحِ عَنْهُمْ وَقَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ إِلَّا إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ تَضِيقَ عَلَى التَّائِبِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، كَتَوْبَةِ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ) ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (أَيْ فَسَّحَ لَهُمْ وَلَمْ يُعَجِّلْ عِقَابَهُمْ كما فعل بغيرهم، قال عز وجل:” فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ” )، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ)) ): {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (في الأيمان والعهود بأن تلزموا الصدق، وهَذَا الْأَمْرُ بِالْكَوْنِ مَعَ أَهْلِ الصِّدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِّدْقُ وَذَهَبَ بِهِمْ عَنْ مَنَازِلِ الْمُنَافِقِينَ. قَالَ مُطَرِّفٌ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: قَلَّمَا كَانَ رَجُلٌ صَادِقًا لَا يَكْذِبُ إِلَّا مُتِّعَ بِعَقْلِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مَا يُصِيبُ غَيْرَهُ مِنَ الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ)}. الصدق سيف حازم، ما وضع على شيء إلا قطعه. ويكون في الأقوال، وهو صيانتها من الكذب، ولو أدى إلى التلف. وفي الأفعال، وهو صيانتها من الرياء وطلب العوض. وفي الأحوال، وهو تصفيتها من قصد فاسد، كطلب الشهرة. قال القشيري: الصادقون هم السابقون الأولون، كأبي بكر وعمر وغيرهما، والصدق: استواء السِّرِّ والعلانية، وهو عزيز، وكما يكون في الأقوال يكون في الأحوال، وهو أتمّ. هـ

قالَ كعْبٌ: واللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدانِي اللَّهُ لِلإِسْلام أَعْظمَ في نَفسِي مِنْ صِدْقي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ (قال النووي في شرحه لمسلم: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَكَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِ البخارى قال العلماء لفظة لا فى قوله أن لاأكون زَائِدَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنْ أَكُونَ كَذَبْتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ما منعك ألاَّتسجد إذ أمرتك، وقوله: كَذَبْتُهُ: أي قلت له قولًا كذبًا)، فأهلِكَ (قال النووي: بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْفَصِيحِ الْمَشْهُورِ وَحُكِي فَتْحُهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ) كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا (أي: هلاكًا كهلاك الذين كذبوا الله القول في ادعاء الإيمان من المنافقين) إِن الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا (أي قال عنهم) حِينَ أَنزَلَ (على النبي صلى الله عليه وسلم) الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأحدٍ (أي عن أحد، ثم بين ذلك القول المجمل المنزل فيهم بقوله)، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ (رجعتم) إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ (بترك المعاتبة) فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ (فأعطوهم طلبهم) إِنَّهُمْ رِجْسٌ (قذر لخبث باطنهم فلا يؤثر فيهم العتاب، بخلاف المؤمن إذا فرطت منه زلة فوبخ عليها طهره التوبيخ بالتوبة منها والاستغفار) وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ (يعني تكفيهم النار عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ (أي: غرضهم بالحلف طلب رضاكم لينفعهم في دنياهم) فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (أي ولا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخط الله، بل يكونون عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، قال العيني: الْفَاسِقين، أَي: الخارجين عَن طَاعَة الله وَطَاعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْفِسْق هُوَ الْخُرُوج وَمِنْه سميت الْفَأْرَة: فويسقة، لخروجها من جحرها)}. 

قَالَ كَعْبٌ: كنَّا خُلِّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ (بتأخير أمرنا وبيان شأننا فلم يقض فينا بشيء) عَنْ أَمْرِ أُولِئَكَ (المعتذرين) الَّذِينَ (كذبوا الله ورسوله) قَبِلَ مِنْهُمْ (عذرهم في التخلف، أخذًا بظاهر حالهم قبل نزول الوحي عليه في أمرهم) رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حِينَ حَلَفُوا لَهُ (إنهم صادقون فيما اعتذروا به)، فبايعَهُمْ (أي: عاقدهم على الإسلام وعاهدهم عليه) وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ (دعا لهم بالمغفرة)، وَأرْجَأَ (أي أخَّرَ، فالإرجاء هو التأخير، ومنه أُطلِق اسمُ المرجئة على فرقة تقول: إن العبد لا يعذب يوم القيامة ما دام على الإسلام، أي أن الله يؤخر العذاب عنه ما دام مسلما، وهذا معنى قولهم: لا يضر مع الإسلام ذنب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: صنفان من أمتي ليس لهما نصيب في الإسلام: القدرية والمرجئة) رَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أمْرَنا (فلم يقض فيه بشيء) حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى (أي: أبرز وأظهر ما سبق به قضاؤه) فِيهِ (في أمرنا) بِذَلكَ (الذي علمناه من الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم)، قَالَ اللُّه تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} (وهو ما مر تفسيره وبيانه) وليْسَ الَّذي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفنا (أي: من تخليفنا المخبَر عنه)  تَخَلُّفُنا عَن الغَزْو، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْليفُهُ إِيَّانَا (عمن قبله من أولئك المعتذرين، أي خُلِّفوا عن الذين اعتذروا فخلَّفهم النبي صلى الله عليه وسلم لينزل عليه الوحي في أمرهم، فلذا سمُّوا هنا المخلَّفين) (قال العيني: وَحَاصِل معنى قَول كَعْب أَنه فسر قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} (التَّوْبَة: 118) أَي: أُخرّوا حَتَّى تَابَ الله عَلَيْهِم، وَلَيْسَ المُرَاد أَنهم خلفوا عَن الْغَزْو) وإرجاؤُهُ (تأخيره) أَمْرَنَا (أي بيانه وإيضاحه، وقال: قوله “وإنما هو تخليفه: أَي: تخليف الله إينا أَي: تَأْخِيره إيانا أَي: تَأْخِيره أمرنَا عَن أَمر من حلف لَهُ وَاعْتذر إِلَيْهِ فَقبل مِنْهُ اعتذاره وحلفه   واستغفر لَهُ) عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ (أي عن أمر من حلف له) واعْتذَرَ إِليْهِ (من المعذورين) فَقَبِلَ مِنْهُ (ظاهرَ أمره). مُتَّفَقٌ عليه. 

وفي رواية “أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خَرَجَ (من المدينة) في غَزْوةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخميسِ، وَكَان يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ (لسفره) يَوْمَ الخمِيس”. وفي رِوَايةٍ (للبخاري):”وَكَانَ لاَ يَقدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نهَارًا (ونهى عن طروق المسافر أهله ليلًا ما لم يشع خبر قدومه كأن كان في رجوع ووصلوا لقرب البلد نهارًا وعُلمَ ذلك الخبرُ لأهل البلد فلا بأس بالقدوم ليلا حينئذٍ) في الضُّحَى (أي وقت الضحى من أول النهار، لأنه أطيب ما في النهار لما فيه من حسن الهواء، وزيادة الأضواء: وخروج الناس للاجتماع واللقاء، وللتبايع ونحوه، ولذا شرعت فيه صلاة لئلا يستغرق الوقت بأمر الدنيا ويلهو بإخوانه عن إصلاح شأنه). فَإِذَا قَدِم بَدَأَ بالمْسجدِ (قبل دخول منزله اهتماماً به، وتعظيماً لشعائر الله تعالى، وتقديمًا لحق الله تعالى على حق نفسه وأهله، وشكرًا لنعمته عليه بسلامته من وعثاء السفر) فصلَّى فِيهِ ركْعتيْنِ (تحيةً) ثُمَّ جَلَس فِيهِ (ليسلِّمَ عليه الناس ويسمع أخبارهم وما حصل لهم في سفره إن احتيج ذكرُه له)”. 

تنبيه وإشارة: هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كان لهم سوابق حسنة في الإسلام من حضور بيعة العقبة ولم يتخلفوا عن غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكعب بن مالك رضي الله عنه كان من المدافعين عن الدعوة الإسلامية بلسانه فهو أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا، وتخلفوا في هذه فقط، تقاعسوا عن نصرة الدين والدعوة في هذه فقط فكان هذا حالَهم، فهذا فيه تنبيه لنا أن لا نتأخر عن شيء فيه نصرة لدين الله عز وجل، ولا نتقاعس ولا نركن إلى أعمالنا مهما كثرت بل ينبغي علينا أن نبقى على أهبة الاستعداد لنصرة الدين وينبغي أن تبقى الحرقةُ على دين الله فينا ولا نركن إلى الأموال الزائلة والظلال الفارهة وإنما ندافع عن دين الله مهما اشتدت الظروف وصَعُبَت فإن معادن الرجال تظهر عند الشدائد، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصل لنا هذه الرسالة ونبهنا أن لا نتقاعس عن نصرة الدين بما تصرف مع هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم، وما زلنا إلى أيامنا هذه نقرأ الآياتِ التي نزلت في أمرهم من سورة التوبة ونقرأ حديثَهم الذي هو مروي في الصحيحين كما ذكرنا، ولكن ينبغي أن نأخذ العبرة من هذا الحال، فإن حبَّ الدنيا رأس كل خطيئة والدنيا تَغُرُّ وتُهلِك، فاحذر فجأة الفوات وفجأة الموت وانتبه ماذا قدمت وماذا أخرت، وكل يفضي إلى ما قدَّم، وصدق ربنا عز وجل حيث يقول: ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) فأنت مرتهن بعد الموت بعملك بما تعمل في هذه الدنيا قبل الموت. وقال سبحانه: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)). أَيْ مُرْتَهَنَةٌ بِكَسْبِهَا، مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِهَا، إِمَّا خَلَّصَهَا وَإِمَّا أَوْبَقَهَا 

وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ بعد ذكر حديث هؤلاء الثلاثة: سُبْحَانَ الله: مَا أكل هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَالا حَرَامًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا أفسدوا فِي الأَرْض وأصابهم مَا سَمِعْتُمْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحُبَتْ، فَكيف بِمن يواقع الْفَوَاحِش والكبائر؟ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم.