بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للهِ الدَّاعِي إِلَى بَابِهِ، المُوَفِّقِ مَن شَاءَ لِصَوَابِهِ، أَنعَمَ بِإِنزَالِ كِتَابِهِ، يَشتَمِلُ عَلَى مُحكَمٍ وَمُتَشَابِه، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ، وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ فَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، أَحمَدُهُ عَلَى الهُدَى وَتَيسِيرِ أَسبَابِهِ.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَرجُو بِهَا النَّجَاةَ مِن عِقَابِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَكمَلُ النَّاسِ عَملًا فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ أَفضَلِ أَصحَابِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي أَعَزَّ اللهُ بِهِ الدِّينَ وَاستَقَامَتِ الدُّنيَا بِهِ، وَعَلَى عُثمَانَ شَهِيدِ دَارِهِ وَمِحرَابِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ المَشهُورِ بِحَلِّ المُشكِلِ مِنَ العُلُومِ وَكَشفِ نِقَابِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن كَانَ أَولَى بِهِ.
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى قَرْيَةً أَوْ مَكَانًا وَأَرَادَ النُّزُولَ فِيهِ
هَذَا البَابُ فِيهِ أَذكَارٌ مَروِيَّةٌ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُهَا الشَّخصُ المُسَافِرُ إِذَا رَأَى قَريَةً يُرِيدُ النُّزُولَ فِيهَا، أَو رَأَى مَكَانًا يُنَاسِبُ أَن يَنزِلَ وَيَرتَاحَ فِيهِ أَو يَنَامَ فِيهِ، وَهَذَا فِيهِ مِن مَعَانِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ وَالِاعتِمَادِ عَلَيهِ فِي كُلِّ الأُمُورِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا.
كَانَ العَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلُوا مَنزِلًا أَو مَكَانًا فِي سَفَرِهِمُ استَعَاذُوا بِالجِنِّ بِزَعمِهِم، فَلَمَّا جَاءَ الإِسلَامُ هَدَمَ هَذِهِ العَادَاتِ القَبِيحَةَ، وَجَعَلَ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ فِي كُلِّ الأُمُورِ، وَأَمَرَ بِهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 23]
قِصَّةُ إِسلَامِ الْجَعْدِ بنِ قَيْسٍ
وَمِنَ القَصَصِ الَّتِي تُروَى فِي هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِىُّ فِى شَرَفِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى الإِصَابَةِ فِى تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ، فِي قِصَّةِ إِسلَامِ الْجَعْدِ بنِ قَيْسٍ الْمُرَادِىِّ: فَقَد أَسْلَمَ بِسَبَبِ مَا سَمِعَهُ مِنْ جِنِّىٍّ مُسْلِمٍ مِنْ أَتْبَاعِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإِنَّهُ قَالَ — وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ —: خَرَجْنَا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نُرِيدُ الْحَجَّ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ اسْتَعَذْنَا بِعَظِيمِ الْوَادِى وَعَقَلْنَا رَوَاحِلَنَا، فَلَمَّا هَدَأَ اللَّيْلُ وَنَامَ أَصْحَابِى إِذَا هَاتِفٌ مِنْ بَعْضِ أَرْجَاءِ الْوَادِى يَقُولُ:
| أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمُعَرِّسُ بَلِّغُوا | إِذَا مَا وَقَفْتُمْ بِالْحَطِيمِ وزَمْزَمَـــا | |
| مُحَمَّــــدًا الْمَبْعُــوثَ مِنَّـا تَحِيَّةً | تُشَيِّعُهُ مِــنْ حَيْثُ سَــــارَ وَيَمَّمَا | |
| وَقُولُوا لَهُ إِنَّــــا لِدِينِكَ شِــيعَـةٌ | بِذَلِكَ أَوْصَانَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَا |
- الْمُعَرِّسُ: هُوَ الْمُسَافِرُ الَّذِى نَزَلَ لَيْلًا فِى مَكَانٍ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ فِى السَّيْرِ
- الشِّيعَةُ: الأَنْصَارُ
فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلامِهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
الحَدِيثُ الأَوَّلُ: دُعَاءُ دُخُولِ القَريَةِ
رَوَى النَّسَائِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إِلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا:
«اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا»
- وَمَا أَظْلَلْنَ: أَىْ وَمَا كَانَ تَحْتَ السَّمَوَاتِ
- وَمَا أَقْلَلْنَ: أَىْ وَمَا كَانَ عَلَيْهَا
- وَمَا ذَرَيْنَ: أَىْ وَمَا تَحْمِلُ
تَرجَمَةُ صُهَيْبِ بنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ
هو صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ أَبُو يَحْيَى النَّمِرِيُّ، الرُّوْمِيُّ البَدْرِيُّ المُهَاجِرِيُّ، وَيُعْرَفُ بِالرُّوْمِيِّ لأَنَّهُ أَقَامَ فِي الرُّوْمِ مُدَّةً. وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَزِيْرَةِ، سُبِيَ مِنْ قَرْيَةِ نِيْنَوَى مِنْ أَعْمَالِ المَوْصِلِ، وَقَدْ كَانَ أَبُوْهُ أَوْ عَمُّهُ عَامِلًا لِكِسْرَى، ثُمَّ إِنَّهُ جُلِبَ إِلَى مَكَّةَ، فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ جُدْعَانَ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ.
حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ؛ حَبِيْبٌ، وَزِيَادٌ، وَحَمْزَةُ؛ وَسَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَكَعْبُ الأحبارِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي لَيْلَى، وَآخَرُوْنَ. وَلَهُ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ حَدِيْثا.
كَانَ مِنْ كِبَارِ السَّابِقِيْنَ البَدْرِيِّيْنَ. وَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ، اسْتَنَابَهُ عَلَى الصَّلَاةِ بِالمُسْلِمِيْنَ إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ أَهْلُ الشُّوْرَى عَلَى إِمَامٍ. وَكَانَ مَوْصُوْفًا بِالكَرَمِ وَالسَّمَاحَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَهُوَ الَّذِي قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ:أَبَا يَحْيَى.
قَالَ عَمَّارُ بنُ ياسرٍ: لَقِيْتُ صُهَيْبًا عَلَى بَابِ دَارِ الأَرْقَمِ، وَفِيْهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَدَخَلْنَا، فَعَرَضَ عَلَيْنَا الإِسْلَامَ، فَأَسْلَمْنَا. وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «صُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّوْمِ»
وَرَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَبِلَالٌ، وَخَبَّابٌ، وَصُهَيْبٌ، وَعَمَّارٌ، وَسُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارٍ».
هِجرَةُ صُهَيبٍ
وَقَد رُوِيَ أَنَّهُ أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا وَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَنَثَلَ كِنَانَتَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُم، وَايْمُ اللهِ لا تَصِلُوْنَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي، ثُمَّ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي، فَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَخَلَّيْتُمْ سَبِيْلِي؟ قَالُوا: نَفْعَلُ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَبِحَ البَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ البَيْعُ أَبَا يَحْيَى» وَنَزَلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 207]
مَاتَ صُهَيْبٌ بِالمَدِيْنَةِ، فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ، عَنْ سَبْعِيْنَ سَنَةً.
شَرحُ الحَدِيثِ
«اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ» أَي أَنتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبعِ، أَي خَالِقُهُنَّ، وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ لَا يَحتَاجُ إِلَى السَّمَاوَاتِ، فَالِاحتِيَاجُ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ.
وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ، اللَّهَ تَعَالَى غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ أَىْ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ أَزَلًا وَأَبَدًا.
أَقوَالُ السَّلَفِ فِي تَنزِيهِ اللهِ عَنِ المَكَانِ
- مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُودَ».
- وَمَا رَوَاهُ الزَّبِيدِىُّ عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَلِىِّ بنِ الْحُسَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «سُبْحَانَكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ لا يَحْوِيكَ مَكَانٌ، لا تُحَسُّ وَلا تُمَسُّ وَلا تُجَسُّ».
وَيَكْفِى فِى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]
- وَمِنَ الحَدِيثِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ»
- وَقَالَ الْبَيْهَقِىُّ: اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِى نَفْىِ الْمَكَانِ عَنْهُ تَعَالَى بِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ: «أَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ» وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ شَىْءٌ وَلا دُونَهُ شَىْءٌ لَمْ يَكُنْ فِى مَكَانٍ.
- وَقَالَ سَيِدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَانَ اللَّهُ وَلا مَكَان وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَان»، رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ فِى الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَوْضِعُ إِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
مَعنَى أَلفَاظِ الحَدِيثِ
«وَمَا أَظْلَلْنَ» أَىْ وَمَا كَانَ تَحْتَ السَّمَوَاتِ. «وَرَبَّ الأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ» أَىْ وَمَا كَانَ عَلَيْهَا. «وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ» نِسبَةُ الإِضلَالِ إِلَى الشَّيَاطِينِ نِسبَةٌ مَجَازِيَّةٌ، وَإِلَّا فَخَالِقُ الضَّلَالِ وَالهِدَايَةِ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الإِيمَانِ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 125]
قِصَّةُ أَبِي جَهلٍ فِرعَونِ هَذِهِ الأُمَّةِ
هَذَا أَبُو جَهلٍ كَانَ يَعلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيٌّ مُرسَلٌ، وَيَعلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَلَكِنَّهُ كَذَّبَهُ فَأَضَلَّهُ اللهُ وَأَغوَاهُ.
رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ: إِنَّ الْمُسْتَفْتِحَ يَوْمَ بَدْرٍ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ لَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ: اللهُمَّ أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ فَقُتِلَ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 19]
مَقتَلُ أَبِي جَهلٍ
أَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
مَا تَنْقِمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنِّي بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثٌ سِنِّي لِمِثْلِ هَذَا وَلَدَتْنِي أُمِّي
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الصَّفِّ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ، أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي أَيْضًا مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحَبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ. فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. وَالْآخَرُ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ.
وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَصْرَعِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، فَهُمَا شُرَكَاءُ فِي قَتْلِ فِرْعَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَرَأْسِ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ»
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَرَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي مَرَرْتُ بِبَدْرٍ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَضْرِبُهُ رَجُلٌ بِمِقْمَعَةٍ مَعَهُ حَتَّى يَغِيبَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ مِرَارًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَاكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ يُعَذَّبُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
مَعنَى «وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ»
«وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ» أَىْ وَمَا تَحْمِلُ الرِّيَاحُ مِن خَلقِ اللهِ، وَوَكَّلَ بِهَا سُبحَانَهُ مَلَائِكَةً يَتَصَرَّفُونَ بِهَا، فَالفَاعِلُ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ، وَكُلُّ هَذَا بِخَلقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر/ الآية 62]
الأَسبَابُ لَا تَخلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا
يُوجَدُ حَيَوَانٌ يُقَالُ لَهُ السَّمَندَلُ — قَالَ فِي القَامُوسِ: السَّمَنْدَلُ طَائِرٌ بِالهِندِ لَا يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ — هَذَا الحَيَوَانُ يَتَلَذَّذُ بِالنَّارِ وَلَا تُحرِقُهُ وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ، هَذَا جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى دَلِيلًا لَنَا عَلَى أَنَّ النَّارَ لَا تَخلُقُ الإِحرَاقَ، بَلِ اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخلُقُ الإِحرَاقَ إِثْرَ مُلَامَسَةِ النَّارِ.
وَكَذَلِكَ قِصَّةُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ بِالحِيْرَةِ فَهَيَّؤُوا لَهُ سُمًّا قَاتِلًا لِسَاعَتِهِ، فَقَالَ لَهُم: هَاتُوا، فَسَمَّى اللهَ تَعَالَى وَتَنَاوَلَهُ فَلَم يُؤَثِّر فِيهِ شَيئًا.
وَرُوِيَ أَنَّ جَارِيَةً كَانَتْ لِأَبِي مُسْلِمٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، مَا زِلْتُ أَجْعَلُ السُّمَّ فِي طَعَامِكَ كَذَا وَكَذَا فَمَا أَرَاهُ ضَرَّكَ، قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَقُولُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ آكُلَ:
بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
الحَدِيثُ الثَّانِي: الِاستِعَاذَةُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ
وَرَوَى النَّسَائِىُّ وَابْنُ مَاجَه وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِىُّ وَالطَّبَرَانِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا — وهي زَوجَةُ عُثمَانَ بنِ مَظعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ وَأَخُو النَّبِيِّ فِي الرَّضَاعَةِ —قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ:
«إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَىْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ»
مَعنَى كَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ
لِيُعلَم أَنَّ كَلَامَ اللهِ لَيسَ شَيئًا لَهُ أَبعَاضٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى «كَلِمَاتِ» بِلَفظِ الجَمعِ لِلتَّعظِيمِ. وَمِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الأَلفَاظَ المُنَزَّلَةَ عَلَى الأَنبِيَاءِ لَيسَت عَينَ كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 109]
فَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يَجِبُ اتِّصَافُ اللهِ بِهِ عَقلًا وَنَقلًا هُوَ شَيءٌ غَيرُ الكَلَامِ اللَّفظِيِّ، لَيسَ حَرفًا وَلَيسَ صَوتًا، وَأَمَّا هَذِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَهِيَ عِبَارَاتٌ عَن ذَلِكَ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ.
مَعنَى «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»
«مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» أَي: أَطلُبُ مِنكَ أَن تُعِيذَنِي مِن شَرِّ مَا خَلَقْتَهُ أَنتَ، هَذَا دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَكُلِّ مَا يَحصُلُ مِنَ العِبَادِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر/ الآية 62]
«فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَىْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» أَي يَنْتَقِلَ عَنْهُ.
والله تعالى أعلم وأحكم.