الحديث (113) · الذي فيه ذِكرُ سبب نزول سورة النصر (2)

الدرس ١٠٦ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٨:٣٦

المقدمة

الحَمْدُ للهِ الذِي خَصَّ أَهْلَ السُّنَّةِ بِالتَّوْفِيْق، وَسَلَكَ بِهِمْ فِي صَحِيْحِ نَقْلِهَا وَإِيْضَاحِ مَعَانِيْهَا سَوَاءَ الطَّرِيْق، وَرَقَّاهُمْ بِبَرَكَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهَا مِنْ حَضِيْضِ التَّقْلِيْدِ إِلَى ذِرْوَةِ التَّحْقِيْق، وَأَسْكَتَ بِصَوْلَةِ حُجَجِهَا كُلَّ مِهْذَارٍ مِنْطِيْق، أَحْمَدُهُ، وَهُوَ بِجَمِيْعِ الْمَحَامِدِ حَقِيْق، وَأَشْكُرُهُ شُكْرَ مَنْ عَلِمَ فَضْلَهُ وَسَأَلَهُ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيْق، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ شَهَادَةَ مَنِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِمَعَارِفِهَا، وَاتَّسَعَ لِقَبُوْلِهَا مِنْ غَيْرِ ضِيْق، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلٌ خُصَّ مِنَ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِالرُّكْنِ الْوَثِيْق، وَمِنَ الْمِلَّةِ الْحَنِيْفِيَّةِ بِالْمَنْهَجِ الْوَاضِحِ الْأَنِيْق، وَمِنَ الرِّئَاسَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِالشَّرَفِ الشَّامِخِ وَالْكَرَمِ الْعَرِيْق، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىْ آلهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، صَلَاةً تُوْصِلُ إِلَىْ السَّعَةِ، وَتُنَجِّيْ مِنَ الْمَضِيْق، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ صَحَابَتِهِ الْكِرَام، أَبِيْ بَكْرٍ الْمُلَقَّبِ بِالْعَتِيْق، وَعَلَىْ عُمَرَ الْمُؤَيَّدِ مِنَ اللهِ بِالتَّوْفِيْقِ، وَعَلَىْ عُثْمَانَ الذِيْ تَجَرَّدَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا وَجَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَقْتَ الضِّيْق، وَعَلَىْ عَلِيٍّ أَبِيْ الْحَسَنَيْنِ وَزَوْجِ الزَّهْرَاءِ الثَّابِتِ عَلَىْ حَسَنِ الطَّرِيْق، أَمَّا بَعْدُ: 

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ عمر رضي الله عنه يُدْخِلُنِي مَعَ أشْيَاخِ بَدرٍ فكأنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نفسِهِ، فَقَالَ: لِمَ يُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا ولَنَا أبْنَاءٌ مِثلُهُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ منْ حَيثُ عَلِمْتُمْ! فَدعانِي ذاتَ يَومٍ فَأدْخَلَنِي مَعَهُمْ فما رَأيتُ أَنَّهُ دعاني يَومَئذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، قَالَ: مَا تقُولُون في قولِ الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ}؟ [النصر: 1] فَقَالَ بعضهم: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نَصَرنَا وَفَتحَ عَلَيْنَا، وَسَكتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. فَقَالَ لي: أَكَذلِكَ تقُول يَا ابنَ عباسٍ؟ فقلت: لا. قَالَ: فما تقول؟ قُلْتُ: هُوَ أجَلُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أعلَمَهُ لَهُ، قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} وذلك علامةُ أجَلِكَ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} فَقَالَ عمر رضي الله عنه: مَا أعلم مِنْهَا إلَّا مَا تقول. رواه البخاري.

الشرح

وصلنا إلى قول الحافظ النووي رحمه الله: قَالَ: كَانَ عمر رضي الله عنه (وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ بِالْمَدِينَةِ، وَحَمَلَ الدِّرَّةَ وَأَدَّبَ بِهَا واستمدت هيبتها من حاملها حتى قيل ان دِرة عمر اهيب من سيف الحجاج، وَجَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَفَتَحَ الْفُتُوحَ، وَمَصَّرَ الْأَمْصَارَ، وَجَنَّدَ الْأَجْنَادَ، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَفَتَحَ الشَّامَ كُلَّهُ، وَفَتَحَ مِصْرَ، وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَطَرَابُلُسَ الْغَرْبِ، وَبَرْقَةَ وَبِالْعِرَاقِ الْقَادِسِيَّةَ، وَالْحِيرَةَ، وَمَدَائِنَ كِسْرَى. وَكُورَةَ الْفُرَاتِ، وَدِجْلَةَ، وَالْأَبُلَّةَ، وَالْبَصْرَةَ، وَالْأَهْوَازَ، وَفَارِسَ وَنَهَاوَنْدَ، وَهَمَذَانَ، وَالرَّيَّ، وَخُرَاسَانَ، وَإِصْطَخْرَ، وَأَصْبَهَانَ، وَالسُّوسَ، وَمَرْوَ، وَنَيْسَابُورَ، وَجُرْجَانَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا فِي اللَّهِ، خَشِنَ الْعَيْشِ، خَشِنَ الْمَطْعَمِ، شَدِيدًا فِي ذَاتِ اللَّهِ، يُرَقِّعُ الثَّوْبَ بِالْأَدِيمِ، وَيَحْمِلُ الْقِرْبَةَ عَلَى كَتِفَيْهِ، مَعَ عِظَمِ هَيْبَتِهِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ عُرْيًا، وَكَانَ قَلِيلَ الضَّحِكِ لَا يُمَازِحُ أَحَدًا، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ. وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّكَ فَظٌّ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَلَأَ قَلْبِي لَهُمْ رُحْمًا، وَمَلَأَ قُلُوبَهُمْ لِي رُعْبًا. وكان بعض الرعية لا يستطيع أن يعرض حاجته على عمر رضي الله عنه هيبة منه، فاجتمع عدد من الصحابة رضوان الله عليهم لإعلامه بذلك، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وكان أجرأهم عليه عبد الرحمن بن عوف. فقالوا له: “لو كلمت أمير المؤمنين للناس، فإنه يأتي الرجل طالب الحاجة، فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يقض حاجته”، فدخل على عمر رضي الله عنه، فكلمه، فقال: “يا أمير المؤمنين، لِنْ للناس، فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك”. فقال عمر رضي الله عنه: “يا عبد الرحمن أنشدك الله أعلي وعثمان وطلحة والزبير وسعد أمروك بهذا؟” فقال: “اللهم نعم”. قال: “يا عبد الرحمن، والله لقد لنتُ للناس حتى خشيت الله في اللين ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟” فقام عبد الرحمن يبكي يجر رداءه، يقول بيده: أف لهم بعدك، أف لهم بعدك. رواه ابن سعد في الطبقات. وَكَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلًا كَتَبَ لَهُ عَهْدًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، وَلَا يَأْكُلَ نَقِيًّا، وَلَا يَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلَا يُغْلِقَ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَهُ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ فَيَكْذِبُ فِيهِ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ، فَيَقُولُ عُمَرُ: احْبِسْ هَذِهِ احْبِسْ هَذِهِ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ كُلُّ مَا حَدَّثْتُكُ بِهِ حَقٌّ غَيْرَ مَا أَرَدْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ، وَأَمَّا عُمَرُ فَأَرَادَتْهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ. وَكَانَ يَلْبَسُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ جُبَّةَ صُوفٍ مَرْقُوعَةً بَعْضُهَا بِأَدَمٍ، وَيَطُوفُ بِالْأَسْوَاقِ عَلَى عَاتِقِهِ الدِّرَّةُ يُؤَدِّبُ بِهَا النَّاسَ

 وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ أَرْبَعُ رِقَاعٍ، وَإِزَارُهُ مَرْقُوعٌ بِأَدَمٍ. وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِحَاجَتِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ – بَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارُ الْحَائِطِ -: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! بَخٍ بَخٍ، وَاللَّهِ لِتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ يا ابن الْخَطَّابِ أَوْ لِيُعَذِّبَنَّكَ. وَقِيلَ إِنَّهُ حَمَلَ قِرْبَةً عَلَى عَاتِقِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ نَفْسِي أَعْجَبَتْنِي فَأَرَدْتُ أَنْ أُذِلَّهَا. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَلَا يَزَالُ يُصَلِّي إِلَى الْفَجْرِ. وَمَا مَاتَ حَتَّى سَرَدَ الصَّوْمَ، وَكَانَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، حَتَّى اسْوَدَّ جِلْدُهُ وَيَقُولُ: بِئْسَ الْوَالِي أَنَا إِنْ شَبِعْتُ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ يَسْمَعُ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ، فَيُحْمَلُ صَرِيعًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيُعَادُ أَيَّامًا لَيْسَ بِهِ مَرَضٌ إِلَّا الْخَوْفُ. وَقِيلَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَأَى عُمَرَ وَهُوَ يَعْدُو إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَدْ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ. فَقَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ) يُدْخِلُنِي (أي يأمرني ويأذن لي بالدخول إلى مجلسه ويجعلني من أهل مشورته وخاصته، وما ذلك من عمر بن الخطاب إلا لمعرفته بحال ابن عباس رضي الله عنه فإن عمر كان يقدِّم أهل العلم والورع والتقى‏) مَعَ أشْيَاخِ بَدرٍ (قال ابن حجر: أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ عَادَةُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي السَّابِقَةِ،) (وقوله أشياخ بدر: أحد جموع شيخ، والمراد منه ذوو الأسنان من الصحابة البدريين وهم من أفاضل الصحابة وأكارمهم: أي: يدخله معهم في المشورة والمَهمات وإدخاله معهم مع كبر سنهم وصغر سنه لكبر قدره بما عنده من العلوم والمعارف. وهذا يدل على أن عمر كان يشاور أهل العلم والسابقة في الإسلام، فهذا هو مجلس عمر رضي الله عنه، لأن أهل العلم هم أهل المراتب العالية وأهل المشورة وأهل الفهم وهم من ينبغي أن يلتجئ الناس إليه في المشورة فهم أهل الأمانة والفهم، وعمر نفسه كان يحرص على هذا فيروى عنه رضي الله عنه أنه كان يقول: «لَا تَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ وَاعْتَزِلْ عَدُوَّكَ وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ إِلَّا الْأَمِينَ ‌وَلَا ‌أَمِينَ ‌إِلَّا ‌مَنْ يَخْشَى اللَّهَ عز وجل وَيُطِيعُهُ وَلَا تَمْشِ مَعَ الْفَاجِرِ فَيُعَلِّمُكَ مِنْ فُجُورِهِ وَلَا تُطْلِعْهُ عَلَى سِرِّكَ وَلَا تُشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ إِلَّا الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ سُبْحَانَهُ». وقد قيل في مرتبة العلم وأهله:

وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ أَرْفَعُ رُتْبَةً … وَأَجَلُّ مُكْتَسَبٍ وَأَسْنَى مَفْخَرِ

فَاسْلُكْ سَبِيلَ الْمُقْتَنِينَ لَهُ تَسُدْ … إِنَّ السِّيَادَةِ تُقْتَنَى بِالدَّفْتَرِ

وَالْعَالِمُ الْمَدْعُوُّ حَبْرًا إِنَّمَا … سَمَّاهُ بِاسْمِ الْحَبْرِ حَمْلُ الْمِحْبَرِ

وَبِضَمْرِ الْأَقْلَامِ يَبْلُغُ أَهْلُهَا … مَا لَيْسَ يُبْلَغُ بِالْجِيَادِ الضُّمَّرِ)

فكأنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نفسِهِ (قال الفيومي: وَجَدْتُ عَلَيْهِ مَوْجِدَةً غَضِبْتُ. وقال ابن حجر: الْمَوْجِدَةُ الْغَضَبُ يُقَالُ: وَجَدَ فِي نَفْسِهِ إِذَا غَضِبَ، وَيُقَالُ أَيْضًا: وَجَدَ إِذَا حَزَنَ، وَوَجَدَ ضِدُّ فَقَدَ، وَوَجَدَ إِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِمَصَادِرِهِمَا) (قال ابن حجر: وَهَذَا الْقَائِلُ الَّذِي وجَدَ في نفسِهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ البخاري في موضع آخر، ففي رواية: كَانَ عُمَرُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ)، فَقَالَ (أي هذا الذي وجد في نفسه): لِمَ يُدْخِلُ هَذَا (أي ابنَ عباسٍ) مَعَنَا ولَنَا أبْنَاءٌ مِثلُهُ؟! (قال ابن حجر: وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْلَهُ أَيْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ، لَا فِي مِثْلِ فَضْلِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَدًا فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْرَ السِّنِّ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَنَا مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ) فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ (أي ابنَ عباس) منْ حَيثُ عَلِمْتُمْ! (وفي رواية: إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ وَفِي رِوَايَةِ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَمُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَفِطْنَتِهِ، وفي رواية عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ: أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا. وقد قَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِهِ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ – يَعْنِي عُمَرَ – يُدْنِيكَ، فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يَسْمَعُ مِنْكَ كَذِبًا وَفِي رِوَايَةِ: وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْهُ) (وإدناء عمر لعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع يدل على أنه يقدِّم آل بيت النبي ويحبهم ويقربهم، ولا توجد عداوة بين عمر وآل البيت الكرام كما تزعم بعض الفرق وبعض المنتسبين لآل البيت زورا وبهتانا، وعمر نفسه تزوج بنت علي بن أبي طالب، فلو كانت بينهم عداوة كيف يزوج علي بنته لعمر، وإن الله عزَّ جلَّ قد شرَّف رسوله محمدًا ﷺ بأنّهُ الفاضلُ المِفضال، وشرَّف من انتسب إليه من ءاله الطاهرين بحمل نور النبوةِ والكمال، الذي يُضيءُ الكونَ هدايةً وجلالًا على جلال، ويجلو الغِشاوةَ عنِ العيونِ بسِرِّ فريدِ الاكتِحال، ويمحو ظُلْمَةَ الجهلِ في مختلِفِ العصورِ والأزمانِ ويختِمُ لعاشقِهِ المحسِنِ بحُسْنِ الْمَآل. وليس هذا فحسب، بل ازداد هؤلاءِ الأهلُ شرفًا حين خصهم الرسول ﷺ بالعديد من الخيرِ الْمَدِيد، ونبّهَ على عظيمِ فضلِهِم بالأحاديث الشريفة الدالة على فضلهم ومناقبهم التي هي فريدَةُ كلِّ فريد، فضلًا عما جاء في فضلهم من ءايِ الذكر الحكيم الرشيد، المرغبة بحبهم وإنصافهم من كلِّ عنيد، وإعطائهم حقوقَهم وتعظيمَهُم وإن أبى كلُّ جبارٍ عتيد، والمُحَذِرةِ من مجافاتِهِم أو إنقاصهِم حقوقَهُم التحذيرَ الشديد. وهذه الأحاديثُ النبويةُ الشريفةُ زخرت بها كافة كتب السنَّة المطهرة التي تشرّفَ بروايتِهَا كلُّ سعيد، فحب آل البيت من الشريعة وليس تشيعًا وَتَزَمُّتًا، فالله أمرنا بحبهم وجعل الصلاة عليهم من سنن الصلاة) فَدعانِي ذاتَ يَومٍ (أي ناداني عمر) فَأدْخَلَنِي مَعَهُمْ (مع أشياخ بدر في مجلسه المعتاد) فما رَأيتُ (الرؤيا أحيانا تأتي بمعنى العلم، مثل التي وردت هنا، فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ فِي اللُّغَةِ تَكُونُ لِلرُّؤْيَةِ بِالْعَيْنِ وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ قَالَ الشَّاعِرُ:

رَأَيْتُ اللَّهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَىْءٍ **** مُحَاوَلَةً وَأكْثَرَهَمْ جُنُودًا

أَيْ عَلِمْتُ اللَّهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَىْءٍ قُدْرَةً وَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ أَكْثَرُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ جُنُودًا لِأَنَّ مِنْ جُنُودِهِ الْمَلائِكَةَ وَهُمْ أَكْثَرُ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ ذَوِي الأَرْوَاحِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَلائِكَةُ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمَادَاتِ أَيْضًا. وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ أي أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ وَالْمُرَادُ أَوْلادُ عَادٍ وَهُمْ عَادٌ الأُولَى أَشَارَ اللَّهُ إِلَى مَصَارعِهِمْ وَالْمَقْصُودُ تَوَعُّدُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَنَصْبُ الْمَثَلِ لَهاَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ قُوَةٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ.) أَنَّهُ دعاني يَومَئذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ (أي لِيُعْلِمَهُم)، قَالَ: مَا تقُولُون (عمر رضي الله عنه يعلم تفسير هذه الآية، ولكن سأل أهل مجلسه ليثبت لهم ويبرهن على فقه وعلم عبد الله بن عباس وأنه أهل ليحضر مثل هذا المجلس ويكون من أهل المشورة. وفي رواية ابن سعد «فقال: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله») في قولِ الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ}؟ (والمقصود ماذا تقولون في تفسير هذه السورة الكريمة سورةِ النصر، قال القرطبي: وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإِجْمَاعٍ. وَتُسَمَّى سُورَةَ (التَّوْدِيعِ). وَهِيَ ثَلَاثُ آيَاتٍ. وَهِيَ آخِرُ سُورَةٍ نزَلَتْ جَمِيعًا قَالَهُ ابْنُ عُبَّاسٍ فِي صحيح مسلم. وَالنَّصْرُ: الْعَوْنُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ نَصَرَ الْغَيْثُ الْأَرْضَ: إِذَا أَعَانَ عَلَى نباتها، من قحطها. وَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّصْرِ نَصْرُ الرَّسُولِ عَلَى قُرَيْشٍ. وَأَمَّا الْفَتْحُ فَهُوَ فَتْحُ مَكَّةَ. وإِذا بِمَعْنَى قَدْ، أَيْ قَدْ جَاءَ نَصْرُ اللهِ، لِأَنَّ نُزُولَهَا بَعْدَ الْفَتْحِ) فَقَالَ بعضهم: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نَصَرنَا وَفَتحَ عَلَيْنَا (وجعلوا هذا الأمر للأمة جمعاء. وهم بهذا تكلموا في تفسيرها بما يعلمون منها وبما يظنون أنه المراد منها ولم يبلغهم نص صريح عن النبي ﷺ في تفسيرها)، وَسَكتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا (من باب أنهم لا يعلمون تفسيرها، وهكذا من الآداب ينبغي لمن لا يعلم شيئا وخصوصا في أمر الدين أن لا يتكلم فيه بل يرده لعالِمِه). فَقَالَ لي: أَكَذلِكَ (أي: كما يقول هؤلاء مما ذكر) تقُول يَا ابنَ عباسٍ؟ فقلت: لا (أي: لا أقول ذلك). قَالَ: فما تقول؟ (في تفسير هذه السورة العظيمة) قُلْتُ: هُوَ أجَلُ رَسُول الله ﷺ أعلَمَهُ لَهُ (أي للنبيّ: أي: إن المراد من السورة تنبيهه على ما يعرف به قرب أجله وعلى ما يأتي به حينئذٍ) (ونتذكر هنا أن الموت مكتوب على كل حيّ من الأنبياء والرّسل وغيرهم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. وقال: {وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ}. فقد خلق الله تعالى آدم من تراب الأرض، وخلق فيه الروح، فكانت روحه في جسده وأرواح ذريّته في أجسادهم في هذه الدّار عاريّة، وقضى عليه وعلى ذريّته أنّه لا بدّ من أن يستردّ أرواحهم من هذه الأجساد، ويعيد أجسادهم إلى ما خلقت منه، وهو التّراب، ووعد أن يعيد الأجساد من الأرض مرّة ثانية، ثمّ يردّ إليها الأرواح مرّة ثانية رجوعا دائما لا رجعة فيه في دار البقاء إما إلى جنة وإما إلى نار والعياذ بالله. قال الله تعالى: {فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ}، وقال تعالى: {مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى}، وقال: {وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا}، وأرانا دليلا في هذه الدار على إعادة الأجساد من التراب بإنبات الزّرع من الأرض، وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر، ومن عرف هذا استعد لما هو قادم لا شك فيه، وقد قيل:

استعدّي للموت يا نفس واسعَي …. لنجاةٍ فالحازمُ المستعدّ

قد تيقّنتِ أنّه ليس للح …. يّ خلودٌ ولا من الموت بدّ

إنّما أنت مستعيرةُ ما سو …. ف تَرُدِِّين والعواري تردّ

كيف يهوى امرؤٌ لذاذةَ أيا …. مٍ عليه الأنفاسُ فيها تُعَدّ  

وقد قيل: 

فما أهل الحياة لنا بأهل … ولا دار الحياة لنا بدار

وما أموالنا والأهل فيها … ولا أولادنا إلاّ عواري

وأرواحنا إلى أجل قريب … سيأخذها المعير من المعار

وإن مفارقة الجسد للرّوح لا تقع عند غالب الناس إلا بعد ألم عظيم تذوقه الرّوح والجسد جميعا، فإنّ الرّوح قد تعلّقت بهذا الجسد وأَلِفَتْهُ، واشتدّت أُلفتُها له وامتزاجُها به ودخولهُا فيه، حتّى صارا كالشيء الواحد، فلا يتفارقان إلا بجهد شديد وألم عظيم، ولم يذق غالب أبناء آدم في حياتهم ألمًا مثله، وإلى ذلك الإشارة بقول الله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ}. قال الرّبيع بن خثيم: أكثروا من ذكر هذا الموت؛ فإنّكم لم تذوقوا قبله مثله. ويتزايد الألم بمعرفة المحتضِر بأنّ جسده إذا فارقته الرّوح صار في غالب بني آدم جيفةً يأكله الهوامّ، ويبليه التّراب حتّى يعود ترابا، وأنّ الرّوح المفارقة له لا تدري أين مستقرّها، هل هو في الجنّة أو النّار؟ فإن كان عاصيا مصرًّا على المعصية إلى الموت، فربّما غلب على ظنّه أنّ روحه تصير إلى النّار، فتتضاعف بذلك حسرته وألمه، وربّما كُشف له مع ذلك عن مقعده من النّار فيراه أو يبشّر بذلك، فيجتمع له مع كرب الموت وألمه العظيم معرفته بسوء مصيره، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت، فلا تسأل عن سوء حاله. وقد سمّى الله ذلك سكرة؛ لأنّ ألم الموت مع ما ينضمّ إليه كالذي يُسكر صاحبَه فيُغيبَ عقلَه غالبا، قال الله تعالى: {وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}، وقد قيل: 

ألا للموت كأس أيّ كأس … وأنت لكأسه لا بدّ حاسي

إلى كم والمماتُ إلى قريب … تُذَكّر بالممات وأنت ناسي

وقد أمر النّبيّ ﷺ بكثرة ذكر الموت، فقال: «أكثروا ذكر هاذم اللّذّات، الموت». وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد؛ منها: أنّه يحثّ على الاستعداد له قبل نزوله، ويقصّر الأمل، ويرضي بالقليل من الرّزق، ويزهّد في الدّنيا، ويرغّب في الآخرة، ويهوّن مصائب الدّنيا، ويمنع من الأشر والبطر والتّوسّع في لذّات الدّنيا. وفي حديث أبي ذرّ المرفوع الذي خرّجه ابن حبّان في «صحيحه» وغيره: «إنّ صحف موسى عليه السلام كانت عبرا فيها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك! عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبت لمن رأى الدّنيا وسرعة تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها!». وقد روي أنّ الكنز الذي كان للغلامين كان لوحا من ذهب مكتوب فيه هذا أيضا. وقال الحسن: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النّعيم نعيمهم، فالتمسوا عيشا لا موت فيه. وقال: فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحا. وقد قيل: 

يا غافل القلب عن ذكر المنيّات … عمّا قليل ستُلقى بين أموات

فاذكر محلّك من قبل الحلول به … وتب إلى الله من لهو ولذّات

إنّ الحِمام له وقت إلى أجل … فاذكر مصائب أيّام وساعات

لا تطمئنّ إلى الدّنيا وزينتها … قد آن للموت يا ذا اللّبّ أن ياتي

قال بعض السّلف: شيئان قطعا عنّي لذاذة الدنيا؛ ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله عز وجل أي الحساب. وقد قيل:

وكيف يَلَذُّ العيشَ من كان موقنا … بأنّ المنايا بغتة ستعاجله

وكيف يلذّ العيش من كان موقنا … بأنّ إله الخلق لا بدّ سائله

قال أبو الدّرداء: كفى بالموت واعظا، وكفى بالدّهر مفرّقا، اليوم في الدّور، وغدا في القبور.اهـ فغفلة الإنسان عن الموت مع أنّه لا بدّ له منه من العجب. والموجب لها طول الأمل.

كلّنا في غفلة والموت … يغدو ويروح

لبني الدّنيا من الموت … غَبوق وصَبوح

سيصير المرء يوما … جسدا ما فيه روح

نُحْ على نفسك يا مسكين … إن كنت تنوح

لتموتنّ ولو عمّرت … ما عمّر نوح

فكيف يطمع في البقاء وما من الأنبياء إلاّ مات إلا عيسى عليه السلام؟ أم كيف يُؤْمَنُ هجومُ المنايا ولم يسلم الأصفياء والأحباء؟ هيهات هيهات)، قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} وذلك علامةُ أجَلِكَ (أي علامة قرب انقضاء أجلك) {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}

 (التواب من أسماء الله الحسنى: هوَ الذي يَقبَلُ التوبةَ كلَّمَا تكرَّرَتْ. قال تعالى: [وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ]، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس وأنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنْهُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ (أي غالب بني آدم هذا حالهم) وَادِيًا مِنْ ذَهَبِ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ). فاللهُ تعالى هوَ الذي يقبلُ التوبةَ عنْ عبادِه ويغفرُ السيئاتِ ويتجاوزُ عنِ الذنوبِ العظامِ بفضلِه وكرمِه ومَنِّهِ عزَّ وجلَّ مَا دامَ العبدُ أقبلَ على التوبةِ الصحيحةِ بشروطِها فهوَ سبحانَه وعدَ عبادَه بالمغفرةِ، فيُمحى الذنبُ وأثَرُه بعدَ التوبةِ الكاملةِ الشروطِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)، 

والتوبةُ إمَّا أَنْ تكونَ كاملةً وإمَّا أَنْ تكونَ غيرَ كاملةٍ؛ فالتوبةُ الكاملةُ تكونُ بالرُّجُوعِ عنْ جميعِ المعاصي، أما التوبةُ الناقصةُ فهيَ أنْ يتوبَ مِنْ بعضِ معاصيهِ دونَ بعضٍ، وأمَّا أقسامُ التوبةِ فهمَا اثنانِ: توبةٌ نصوحٌ: وهيَ أَنْ يتوبَ مِنَ الذَّنبِ ولا يعودَ إليهِ أبدًا. أمَّا القسمُ الثاني مِنْ أقسامِ التوبةِ فهيَ التوبةُ غيرُ النصوحِ: وهيَ أَنْ يعودَ إلى الذَّنبِ بعد أَنْ تابَ منهُ. فالإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذاك من رحمة الله تعالى فإن الله هو التواب الرحيم، والذنب وإن عظم قدره كالكبائر وكثر عدده إذا قوبل بفضل الله وعفوه كان حقيرًا يسيرًا، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} وقال البوصيري:

يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ **** إنَّ الكَبائرَ في الغُفرانِ كاللَّمَمِ

لعلَّ رَحْمَةَ رَبِّي حينَ يَقْسمُها **** تَأْتي عَلَى حَسَبِ العِصْيانِ في القِسَم

جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: واذنوباه واذنوباه فقال هذا القول مرتين أو ثلاثا فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: قل اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي و رحمتك أرجى عندي من عملي فقالها ثم قال: عد فعاد ثم قال: عد فعاد فقال: قم فقد غفر الله لك) فَقَالَ عمر رضي الله عنه: مَا أعلم مِنْهَا إلَّا مَا تقول (وهذا يدل كما قلنا على سعة علم عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال السيوطي: اشْتُهِرَ بِالتَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةُ: الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. أَمَّا الْخُلَفَاءُ فَأَكْثَرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالرِّوَايَةُ عَنِ الثَّلَاثَةِ نَزِرَةٌ جَدًّا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْكَثِيرُ وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: “سلوني فوالله لا تسألوني عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ”. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَهُوَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ”: وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: “اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ” وَفِي رِوَايَةٍ: “اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ”. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: “اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ”. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُ كَائِنُ حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمَّى الْبَحْرَ لِكَثْرَةِ عِلْمِه. وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّة. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يسأله عن {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فسله ثم تعال أخبرني فذهب فسأله فقال: كانت السموات رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَكَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ فَفَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ وَهَذِهِ بِالنَّبَاتِ فَرَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَقُولُ: مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَالْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أُوتِيَ عِلْمًا. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَسَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَذَكَرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ عمر: مالك يا ابن عَبَّاسٍ صَامِتٌ لَا تَتَكَلَّمُ! تَكَلَّمْ وَلَا تَمْنَعُكَ الْحَدَاثَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَجَعَلَ أَيَّامَ الدُّنْيَا تَدُورُ عَلَى سَبْعٍ وَخَلَقَ أَرْزَاقَنَا مِنْ سَبْعٍ وهي في قوله تعالى “فَأَنْبَتْنَا فِيْهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُوْنًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا“. وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ : وهي  كما جاء في الآيات القرآنية تراب – طين – طين لازب – صلصال – صلصال من حمأ مسنون – صلصال كالفخار – ثم نفخ فيه الروح. وَخَلَقَ فوقنا سماوات سبعا وَخَلَقَ تَحْتَنَا أَرْضِينَ سَبْعًا وَأَعْطَى مِنَ الْمَثَانِي سَبْعًا وَنَهَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نِكَاحِ الْأَقْرَبِينَ عَنْ سَبْعٍ: جاء ذكرهن في قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)) [النساء:23]، سبع من النسوة يحرمن من جهة النسب، والنسب أصله الإضافة؛ لأنك تقول: فلان بن فلان، فنسبته إليه يعني: أضفته إليه. وهذا هو النسب. وَقَسَمَ الْمِيرَاثَ فِي كِتَابِهِ عَلَى سَبْعٍ وَنَقَعُ فِي السُّجُودِ مِنْ أَجْسَادِنَا عَلَى سَبْعٍ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ سَبْعًا وَرَمَى الْجِمَارَ بِسَبْعٍ فَأَرَاهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شهر رمضان فتعجب عمر، وقال: وما وَافَقَنِي فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ شُؤُونُ، رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤَدِّينِي فِي هَذَا كَأَدَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ).اهـ رواه البخاري.