المقدمة
الحمدُ لله الَّذِي لشرعه يَخضَعُ مَن يعبُد، ولِعَظَمتِه يخشعُ مَن يَركع ويسجُد، ولِطِيب مناجاتِه يسهرُ المتَهجِّدُ ولا يرقُد، ولِطَلبِ ثوابِه يَبذِلُ المُجَاهدُ نَفسَه ويَجهَد، يتَكَلَّمُ سبحانَه بكلامٍ يجِلُّ أن يُشَابِه كَلاَمَ المخلوقين ويَبعد، أحمده حَمدَ مَن يَرجُو الوقوفَ على بابِه غيرَ مُشَرَّد، وأشهد أن لا إِله إِلَّا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةَ مَن أخلصَ لله وتَعَبَّد، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الَّذي قام بواجب العبادِة وتَزَوَّد، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ الصديق الَّذِي ملأ قلَوب مُبغِضيهِ غَمًّا ينفُد، وعلى عُمَرَ الَّذِي كَانَ يُقَوِّي الإِسلامَ ويَعضُد، وعلى عثمان الَّذِي جاءَته الشهادةُ فلم يترَدَّد، وعلى عليٍّ الَّذِي كان ينسفُ زرعَ الكُفرِ بسيفِه ويَحصُد، وعلى آلِهِ وأصحابِه صلاةً مُستَمرَّة على الزمانِ المُؤبَّد، وسلَّم تسليمًا كثيرا، أما بعد:
فَقَدْ وَصَلْنَا فِي شَرْحِنَا لِهٰذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الْحَدِيثِ الثَّامِنِ وَالسِّتِّينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هٰذَا الْبَابِ، وَهُوَ بَابٌ فِي وُجُوبِ الْاِنْقِيَادِ لِحُكْمِ اللَّهِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ دُعِيَ إِلَى ذٰلِكَ وَأُمِرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نُهِيَ عَنْ مُنْكَرٍ.اهـ نَقْرَؤُهُ وَنَشْرَحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله: عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَت عَلَى رَسُول الله ﷺ: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللهُ﴾ الآية [البقرة: 283] اشتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصحَابِ رَسُول الله ﷺ فَأتَوا رَسُول الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أي رسولَ الله، كُلِّفنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ والجِهَادَ والصِّيامَ والصَّدَقَةَ، وَقَد أُنزِلَت عَلَيكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها. قَالَ رَسُول الله ﷺ: «أتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكتَابَينِ مِن قَبلِكُم: سَمِعنَا وَعَصَينَا؟ بَل قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ» فَلَمَّا اقتَرَأَهَا القومُ، وَذَلَّت بِهَا ألسنَتُهُم أنزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]. فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأنزَلَ الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: نَعَم ﴿رَبَّنَا وَلا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا﴾ قَالَ: نَعَم ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ قَالَ: نَعَم ﴿وَاعفُ عَنَّا وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا أَنتَ مَولانَا فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعَم.اهـ رَوَاهُ مُسلِمٌ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
(هٰذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي نَذْكُرُهَا هُنَا فِي هٰذَا الْحَدِيثِ هِيَ خَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ وُرِدَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَحَادِيثُ عَدِيدَةٌ تُبَيِّنُ فَضْلَهَا عُمُومًا وَفَضْلَ بَعْضِهَا خُصُوصًا كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ مِنْهَا، وَالَّتِي هِيَ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، وَكَهٰذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِي آخِرِهَا،
فقد روي عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَخرُجُ مِنَ البَيتِ إِذَا سَمِعَ سُورَةَ البَقَرَةِ تُقرَأُ فِيهِ».اهـ
وفي روايةٍ عَن عَبدِ اللهِ بن مسعود قَالَ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَفِرُّ مِنَ البَيتِ يَسمَعُ فِيهِ سُورَةَ البَقَرَةِ».اهـ
وعَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقرَءُوا البَقَرَةَ، فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسرَةٌ».اهـ
وروي عَن جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ، عَن عَمِّهِ جَرِيرِ بنِ زَيدٍ أَنَّ أَشيَاخَ أَهلِ المَدِينَةِ حَدَّثُوهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: أَلَم تَرَ ثَابِتَ بنَ قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ، لَم تَزَل دَارُهُ البَارِحَةَ تَزهَرُ مَصَابِيحَ؟ قَالَ: «فَلَعَلَّهُ قَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ». فَسُئِلَ ثَابِتٌ، فَقَالَ: قَرَأتُ سُورَةَ البَقَرَةِ.اهـ
وروي عَن كَعبٍ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أُعطِيَ أَربَعَ آيَاتٍ لَم يُعطَهُنَّ مُوسَى. قَالَ: ” وَالآيَاتُ الَّتِي أُعطِيهَا مُحَمَّدٌ ﷺ {للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ} [البقرة: 284] حَتَّى خَتَمَ البَقَرَةَ. فَتِلكَ ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَآيَةُ الكُرسِيِّ حَتَّى تَنقَضِي. اهـ
وروي عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى كَتَبَ كِتَابًا قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِأَلفَي عَامٍ، فَأَنزَلَ فِيهِ آيَتَينِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَلَا تُقرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقرَبُهَا شَيطَانٌ».اهـ
وروي عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اقرَءُوا هَاتَينِ الآيَتَينِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَإِنَّ رَبِّي أَعطَانِيهِمَا مِن تَحتِ العَرشِ».اهـ
وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، قَالَ: «الآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ إِنَّهُنَّ لِمِن كَنزٍ تَحتَ العَرشِ».اهـ
وعَن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَينِ أَعطَانِيهِمَا مِن كَنزِهِ الَّذِي تَحتَ العَرشِ فَتَعَلَّمُوهُمَا، وَعَلِّمُوهُمَا نِسَاءَكُم وَأَبنَاءَكُم، فَإِنَّهُمَا صَلَاةٌ وَقُرآنٌ وَدُعَاءٌ».اهـ
وَعَن مُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: «إِنَّهُنَّ قُرآنٌ، وَإِنَّهُنَّ دُعَاءٌ، وَإِنَّهُنَّ يُرضِينَ الرَّحمَنَ».اهـ
وَعَن أَبِي مَيسَرَةَ، أَنَّ جِبرِيلَ لَقَّنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِندَ خَاتِمَةِ القُرآنِ أَو قَالَ: عِندَ خَاتِمَةِ البَقَرَةِ: آمِينَ. اهـ
وكَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ {فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ} [البقرة: 286] قَالَ: آمِينَ.اهـ
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ؛ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسعُودٍ عِندَ البَيتِ. فَقُلتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنكَ فِي الآيَتَينِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ. فَقَالَ: نَعَم. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الآيَتَانِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مَن قَرَأَهُمَا فِي لَيلَةٍ، كَفَتَاهُ».اهـ
قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ: كَفَتَاهُ مِن قِيَامِ تِلكَ اللَّيلَةِ وَقِيلَ كَفَتَاهُ المَكرُوهَ فِيهَا، وَقِيلَ: مِنَ الشَّيطَانِ وَقِيلَ مِنَ الآفَاتِ وَيَحتَمِلُ مِنَ الجَمِيعِ وَاللهُ أَعلَمُ.اهـ
وَرَوَى مُسلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بَينَمَا جِبرِيلُ قَاعِدٌ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوقِهِ فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَومَ، لَم يُفتَح قَطُّ إِلَّا اليَومَ، فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ. فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرضِ، لَم يَنزِل قَطُّ إِلَّا اليَومَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبشِر بِنُورَينِ أُوتِيتَهُمَا لَم يُؤتَهُمَا نَبِيٌّ قَبلَكَ، فَاتِحَةُ الكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ. لَن تَقرَأَ بِحَرفٍ مِنهُمَا إِلَّا أُعطِيتَهُ».اهـ
وَقَد رَوَى القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ فِي فَضَائِلِ القُرآنِ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ البَاهِلِيَّ قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اقرَءُوا القُرآنَ فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِصَاحِبِهِ، اقرَءُوا الزَّهرَاوَينِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَسُورَةَ آلِ عِمرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأتِيَانِ يَومَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَو كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَو كَأَنَّهُمَا فِرقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَن صَاحِبِهِمَا». قَالَ أَبُو عُبَيدٍ: يَعنِي ثَوَابَهُمَا.اهـ
[قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِ مُسلِمٍ: قَالُوا: سُمِّيَتا الزَّهرَاوَينِ لِنُورِهِمَا وَهِدَايَتِهِما وَعَظِيمِ أَجرِهِمَا. كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: الغَمَامَةُ وَالغَيَايَةُ كُلُّ شَيءٍ أَظَلَّ الإِنسَانَ فَوقَ رَأسِهِ مِن سَحَابَةٍ وَغَبَرَةٍ وَغَيرِهِمَا قَالَ العُلَمَاءُ المُرَادُ أَنَّ ثَوَابَهُمَا يَأتِي كَغَمَامَتَينِ]،
قَالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن أَبِي مُنِيبٍ عَن عَمِّهِ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمرَانَ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ كَعبٌ: «أَقرَأتَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمرَانَ؟» قَالَ: نَعَم. قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِيهِمَا اسمَ اللهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ استَجَابَ».اهـ
وروي أَنَّ يَزِيدَ بنِ الأَسوَدِ الجُرَشِيَّ، كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ «مَن قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمرَانَ فِي يَومٍ، بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُمسِيَ، وَمَن قَرَأَهُمَا فِي لَيلَةٍ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُصبِحَ». قَالَ: فَكَانَ يَقرَؤُهُمَا كُلَّ يَومٍ وَلَيلَةٍ سِوَى جُزئِهِ.اهـ
وروي عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «مَن قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمرَانَ وَالنِّسَاءَ فِي لَيلَةٍ كَانَ أَو كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ».اهـ
وَفِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ: «أَنَّ الإِمَامَ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ رِجَالٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنِ افْرِضْ لَهُمْ وَأَعْطِهِمْ وَزِدهُم، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ أَسْرَعَ النَّاسُ فِي الْقِرَاءَةِ حَتَّى قَرَأَ سَبْعُمِائَةٍ، فَكَتَبَ إِلَيه عُمَرُ: أَنْ دَعِ النَّاسَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْرَأَ النَّاسُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. قَالَ القَاضِي مُحَمَّدُ بنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ التَّفَقُّهَ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ وَحُدُودِهِ وَمُفَصَّلِهِ وَمُجْمَلِهِ وَخَاصِّهِ وَعَامِّهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ آكَدُ مِنْ حِفْظِ سَوَادِهِ فَيَكُونُ مَنْ حَفِظَ سَوَادَهُ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فِيهِ وَلا عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَعَانِيهِ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَقَدْ أَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا لِأَنَّهُ كَانَ يَتَعَلَّمُهَا بِفِقْهِهَا وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهَا. وَبِاللهِ التَّوْفِيق.اهـ
قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي (ت 1014 هـ) فِي “مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ شَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ” مَا نَصُّهُ: وَذُكِرَ فِي “الْأَذْكَارِ” عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ (أَي عِندَ المَيِّتِ) شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءانِ، قَالُوا: وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْءانَ كُلَّهُ كَانَ حَسَنًا.
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُقْرَأُ أَوَّلُ الْبَقَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَخَاتِمَتُهَا عِنْدَ رِجْلِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وعندَ الطّبَراني مِن طَرِيق عبدِ الرّحمَن بنِ العَلاءِ بنِ اللَّجْلاج قال: قال ليْ أبي: يا بُنَيّ إذَا وضَعتَني في لَحْدي فقل: بِسم الله وفي سَبِيل الله وعلى مِلّةِ رسولِ الله. ثم سُنَّ علَيَّ التُّرابَ سَنًّا [قال في تاج العروس: سَنَّ عليه الماءَ: صَبَّهُ عليه صَبّاً سَهْلًا] ثم اقرأ عند رأسي بفاتحةِ البقَرة وخَاتِمَتِها، فإنّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ ذلك، هكَذا هوَ عندَ الطّبَراني.اهـ
عبدُ الله بنُ عُمرَ رضي الله عنهُما كانَ يَقرأ على القَبر بَعدَ الدَّفْن أوّلَ البقَرة إلى أربعِ ءاياتٍ مِن أوّلِ البقرة والآيتَين في ءاخِرها ءامَن الرّسول. هذا ثَابتٌ.اهـ
الإمامُ أحمَدُ رأى أُناسًا يَقرؤون على القَبر فنَهاهُم، ثم صَدِيقٌ لهُ مِن أَهلِ العِلمِ قالَ لهُ: مَاذا تَقُول في فُلان، فقال: ثِقَةٌ، فقال: هوَ كانَ يَقرأ على الأمواتِ عندَ القَبر فَرَجَعَ الإِمَامُ أَحمَدُ بَل وَقَالَ ارجِع لِلرَّجُلِ وَقُل لَهُ أَن يَقرَأَ.
وَقَد صَحَّحَ الإِمَامُ ابنُ حِبَّانَ حَدِيثَ: “اقرَؤُا يَس عَلَى مَوتَاكُم“.
العِبرَةُ بِعُمُومِ اللَّفظِ، هَذَا الحَدِيثُ لَفظُهُ شَامِلٌ يَشمَلُ المَيِّتَ وَالْمُحتَضَرَ)
(فَأَقُولُ لَكُمْ بَعْدَ كُلِّ هٰذِهِ الْفَضَائِلِ: عَجَبًا لِمَنْ يَسْمَعْ كُلَّ هٰذَا وَلَا يَتَعَلَّمُ قِرَاءَةَ الْبَقَرَةِ وَلَا يَقْرَأُ بِهَا فِي بَيْتِهِ، فَحَافِظُوا أَحْبَابِي عَلَيْهَا فَهِيَ رُقْيَةٌ لِلْبَيْتِ وَتَحْصِينٌ لَكُمْ وَلِأَهْلِيكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَبَرَكَةٌ فِي البَيتِ)
(وَلَقَدْ وَرَدَتْ كُلُّ هٰذِهِ الْفَضَائِلِ فِي هٰذِهِ الْآيَاتِ أَيْ فِي خَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِمَا جَمَعَتْ مِنْ مَعَانِي التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَأُصُولِ الْإِيمَانِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هٰذَا أَعْظَمُ الْعُلُومِ وَأَفْضَلُهَا وَأَجَلُّهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِهٰذِهِ الْأُصُولِ بُعِثَ الْأَنْبِيَاءُ وَلِأَجْلِ نَشْرِهَا قَاتَلَ نَبِيُّنَا ﷺ وَجَاهَدَ وَسَعَى لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ لِإِظْهَارِهِ،
فَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ عُمُومًا وَفِي بَعْضِهِ فَضَائِلَ كَثِيرَةً وَلَا سِيَّمَا تِلْكَ الْآيَاتُ وَالسُّوَرُ الَّتِي فِيهَا التَّوْحِيدُ وَأُمُورُ الْعَقِيدَةِ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ فَفِيهَا الْكَثِيرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، وَكَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ لِمَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْحَشْرِ لِمَا تَحْوِي الْعَدِيدَ الْعَدِيدَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى، وَكَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ)
عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَت عَلَى رَسُول الله ﷺ: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ (أي خَلقًا ومِلكًا) (أَيَّ أَنَّ كُلَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَلْقِ اللهِ، وَهُوَ مِلْكٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاللهُ تَعَالَى مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنَادِي مَلَكٌ فِي أَهْلِ الْمَحْشَرِ فَيَقُولُ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ثُمَّ يَقُولُ: للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وهنا يَحسُنُ التَّنبِيهُ إِلَى مَا فِي بَعضِ التَّفَاسِيرِ مِن أَنَّ اللهَ يَسأَلُ يَومَ القِيَامَةِ لِمَنِ المُلكُ اليَومَ، ثُمَّ هُوَ يُجِيبُ نَفسَهُ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنَّمَا المَلَكُ هُوَ الَّذِي يُنَادِي: لِمَنِ المُلكُ اليَومَ ثُمَّ يُجِيبُ المَلَكُ: للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ،
فقد بيَّنَ الفقهاء عَدَمَ صِحَّةِ أَيِّ حَدِيثٍ فِي نِسبَةِ الصَّوتِ إِلَى اللهِ ومن أراد النظرَ في هذا فَليُطَالِع مَا أَلَّفَ الحَافِظُ أَبُو المَكَارِمِ المَقدِسِيُّ فَقَد أَلَّفَ جُزءًا فِي تَضعِيفِ أَحَادِيثِ الصَّوتِ عَلَى وَجهِ التَّحقِيقِ، وَكَذَلِكَ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتحِ نَفَى نِسبَةَ الصَّوتِ للهِ، وَالبَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ قَد صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَدِيثٌ فِي نِسبَةِ الصَّوتِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَيَنبَغِي التَّنَبُّهُ مِن هَذَا كَي لَا يَدخُلَ إِلَى قَلبِ امرِئٍ بِسَبَبِ غَفلَتِهِ أَو جَهلِهِ وَتَسَرُّعِهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ ثُمَّ يَسكُتُ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ – حَاشَا للهِ – فَمَنِ اعتَقَدَ هَذَا فَقَد كَذَّبَ الدِّينَ وَنَسَبَ الشَّبَهَ للهِ.
فَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يُبتَدَأُ وَلَا يُختَتَمُ وَلَا يَتَخَلَّلُهُ انقِطَاعٌ، وَلَا يَصِلُ العَبدُ إِلَى الإِحَاطَةِ بِحَقِيقَةِ كَلَامِ اللهِ مَهمَا تَفَكَّرَ وَأَطلَقَ فِكرَهُ فِي سَاحَاتِ الوَهمِ يَصُولُ أَو يَجُولُ فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ، وَاللهُ الهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.
فَمِن أُصُولِ العَقِيدَةِ اعتِقَادُ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌ لَا ابتِدَاءَ لَهُ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً وَلَا يُبتَدَأُ وَلَا يُختَتَمُ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ عَنِ اللهِ نَاطِقٌ، لِأَنَّ النُّطقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحَرفٍ وَصَوتٍ وَاللهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِحَرفٍ وَصَوتٍ، بَل يُقَالُ مُتَكَلِّمٌ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَيسَ بِحَرفٍ وَصَوتٍ،
القُرءَانُ وَالتَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ وَالزَّبُورُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللهِ إِن قُصِدَ بِهَا الكَلَامُ الذَّاتِيُّ فَهِيَ أَزَلِيَّةٌ لَيسَت بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ، وَإِن قُصِدَ بِهَا اللَّفظُ المُنَزَّلُ الَّذِي بَعضُهُ بِلُغَةِ العَرَبِ وَبَعضُهُ بِالعِبرَانِيَّةِ وَبَعضُهُ بِالسُّريَانِيَّةِ فَهُوَ حَادِثٌ مَخلُوقٌ للهِ، لَكِنَّهَا لَيسَت مِن تَصنِيفِ مَلَكٍ وَلَا بَشَرٍ، وَهِيَ عِبَارَاتٌ عَنِ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌ وَلَا بِأَنَّهُ عِبرَانِيٌ وَلَا بِأَنَهُ سُريَانِيٌ، وَكُلٌ يُطلَقُ عَلَيهِ كَلَامُ اللهِ، أَي أَنَّ صِفَةَ الكَلَامِ القَائِمَةَ بِذَاتِ اللهِ أَيِ الثَّابِتَةَ لَهُ يُقَالُ لَهَا كَلَامُ اللهِ، وَاللَّفظَ المُنَزَّلَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَن كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ يُقَالُ لَهُ كَلَامُ اللهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ القُرءَانَ لَهُ إِطلَاقَانِ أَي لَهُ مَعنَيَانِ، الأَوَّلُ إِطلَاقُهُ عَلَى الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الَّذِي لَيسَ هُوَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَلَا غَيرِهَا، وَالثَّانِي إِطلَاقُهُ عَلَى اللَّفظِ المُنَزَّلِ الَّذِي يَقرَؤُهُ المُؤمِنُونَ)
(إِذًا قَولُهُ تَعَالَى: [للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ]، مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ سُبحَانَهُ وَهَذَا مَا يُعطِيهِ الدُّعَاءُ الوَارِدُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، فعَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ افتَقَدَهُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَتَى مُعَاذًا فَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَاذُ، مَا لِي لَم أَرَكَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِيَهُودِيٍّ عَلَيَّ أُوقِيَّةٌ مِن تِبرٍ فَخَرَجتُ إِلَيكَ فَحَبَسَنِي عَنكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً تَدعُو بِهِ فَلَو كَانَ عَلَيكَ مِنَ الدّينِ مِثلُ جَبَلِ صَبِرٍ أَدَّاهُ اللهُ عَنكَ – وَصَبِرٌ جَبَلٌ بِاليَمَنِ –فَادعُ بِهِ يَا مُعَاذُ قُلِ: اللهم مَالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ، وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكِ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ، وتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ، وَتُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، وَتُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، وَتَرزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ رَحمَنَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، تُعطِي مَن تَشَاءُ مِنهُمَا، وتَمنَعُ مَن تَشَاءُ، ارحَمنِي رَحمَةً تُغنِيني بِهَا عَن رَحمَةِ مَن سِوَاكَ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيهِ)
وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ (يَعني مِنَ السُّوءِ) يُحَاسِبكُم بِهِ اللهُ﴾ الآيَةَ [البَقَرَة:283] (يُكَافئكُم ويُجَازِيكُم، ولا تَدخُل الوَساوِسُ وحَديثُ النَّفس فيمَا يُخفِيهِ الإنسَانُ، لأنّ ذلكَ مما ليسَ في وُسعِه الخُلُوُّ مِنهُ ولَكِن مَا اعتقَدَه وعَزَمَ علَيهِ، والحاصِلُ أنّ عَزْمَ الكُفرِ كُفرٌ، وخَطرَةُ الذّنُوبِ مِن غَيرِ عَزمٍ مَعفُوَّةٌ، وعَزمُ الذُّنُوبِ إذَا نَدِمَ علَيهِ ورَجَعَ عَنهُ واستَغفَر مِنهُ مَغفُورٌ. وأمّا قَولُه علَيه السّلام: “إنّ اللهَ عفَا عن أُمَّتي مَا حَدّثَت به أَنفُسَها مَا لم تَعمَل أو تَتكَلَّم بهِ“، رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ، (فالحَديثُ مَحمُولٌ على مَا دُونَ العَزم، على الهَمِّ الذي دُونَ العَزم وهوَ التّردُّدُ في فِعلِ المعصِيَةِ معَ رُجحَانِ جَانِب الفِعل) فالجُمهُور على أنّ الحَديث في الخطرة دُونَ العَزم وأنّ المؤاخذَة في العَزم ثَابتَةٌ، والْعَزْمَ غَيْرُ الْخَاطِرِ، فَالْخَاطِرُ هُوَ الَّذِي يَرِدُ عَلَى الْبَالِ بِدُونِ إِرَادَةٍ، هٰذَا لَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، لِأَنَّهُ بِدُونِ إِرَادَةٍ، وَلَوْ كَانَ خَطَرَ لَهُ خَاطِرٌ خِلَافَ التَّوْحِيدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بِإِرَادَةٍ فَقَدْ صَارَ عَزْمًا بَعْدَ ذٰلِكَ، فَهٰذَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ)
وأمّا ما يُروَى عَن عائشةَ رضيَ الله عنها مِن أنّها قالت: ما هَمَّ العَبدُ بالمعصِيَةِ مِن غَيرِ عمَلٍ يُعاقَبُ على ذلكَ بما يَلحَقُه مِنَ الهمّ والحَزَن في الدُّنيا.اهـ فلا صِحّةَ له.
وفي أكثَرِ التّفَاسِير أنّهُ لَمّا نزَلَت هَذه الآيةُ جَزِعَتِ الصّحَابَةُ رَضِيَ الله عنهم وقالوا: أَنُؤاخَذُ بِكُلِّ مَا حَدَّثَت بهِ أَنفُسُنا فنَزلَ قَولُه “آمَنَ الرّسولُ” إلى قَولِه “لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إلا وُسعَها لَها مَا كَسَبَت وعلَيها مَا اكتَسَبَت” فتَعلَّقَ ذلكَ بالكَسبِ.
وفي بَعضِها أنّها نُسِخَت بهَذِه الآيةِ، والمُحَقِّقُونَ على أنّ النَّسخَ يَكُونُ في الأحكَامِ لا في الأخبَارِ) (تتمة الآية: [فَيَغفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ]، أي فَهوَ يَغفِرُ ويُعَذِّبُ، [وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ]: مِنَ المغفرةِ والتّعذِيبِ وغَيرِهما، [قَدِيرٌ]، قَادِرٌ)
اشتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصحَابِ رَسُول الله ﷺ (لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَمْلِكُ الْخَاطِرَ الَّذِي يَرِدُ عَلَى الْبَالِ بِدُونِ إِرَادَةٍ) فَأتَوا رَسُول الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ (هِيَ عَادَةُ الخَائِفِ الوَجِلِ)، فَقَالُوا: أَيْ رسولَ الله (أيْ هُنَا يَعنِي: يَا رَسُولَ اللهِ، فَهِيَ حَرفٌ لِنِدَاءِ القَرِيبِ)، كُلِّفنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ (أَي مَا نُطِيقُ الإِتيَانَ بِهِ): الصَّلاةَ والجِهَادَ والصِّيامَ والصَّدَقَةَ (أَي كَلَّفَنَا اللهُ بِالصَّلَاةِ وَبِالجِهَادِ وَبِالصِّيَامِ وَبِالصَّدَقَةِ أَيِ الزَّكَاةِ الوَاجِبَةِ وَهَذِهِ أُمُورٌ نُطِيقُهَا)، وَقَد أُنزِلَت عَلَيكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها (قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ المَازِرِيُّ رحمه الله يُحتَمَلُ أَن يَكُونَ إشفاقهم وقولهم لا نطيقها لكونهم اعتَقَدُوا أَنَّهُم يُؤَاخَذُونَ بِمَا لَا قُدرَةَ لَهُم عَلَى دَفعِهِ مِنَ الخَوَاطِرِ الَّتِي لَا تُكتَسَبُ فَلِهَذَا رَأَوهُ مِن قِبَلِ مَا لَا يُطَاقُ وَعِندَنَا أَنَّ تَكلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ جَائِزٌ عَقلًا)
(لِيُعْلَمْ أَنَّ اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ اللَّهَ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَنَا بِمَا نَطِيقُ وَمَا لَا نَطِيقُ، يَعْنِي أَنَّ يُكَلِّفَنَا بِأُمُورٍ لَا نَقْدِرُ عَلَيْهَا، فَاللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ، لَيْسَ لَهُ مُكْرِهٌ وَلَا مُوجِبٌ لِعَمَلِهِ وَأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، هُوَ الْآمِرُ النَّاهِي وَلَا آمِرَ لَهُ وَلَا نَاهٍ). قَالَ رَسُول الله ﷺ: (أَيْ قَالَ مُخَوِّفًا لَهُمْ مِنْ قَطِيعَةِ الْعِصْيَانِ وَقَطِيعَةِ امْتِنَاعِ قُبُولِ الْأَوَامِرِ) «أتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكتَابَينِ (أَيِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَتَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْحُكْمَ بِإِيمَانِهِمْ، لَا، وَهُنَا أُفَرِّقُ بَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ مُوسَى وَعِيسَى وَدِينِهِمَا الَّذِي جَاءَا بِهِ، فَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِدِينِ الْإِسْلَامِ، مُوسَى لَمْ يَأْتِ بِالْيَهُودِيَّةِ الَّتِي يَدِينُونَ بِهَا هٰذِهِ الْأَيَّامَ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ اللهَ جِسْمٌ وَقَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَوْلِهِمْ إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ تَعِبَ وَجَلَسَ عَلَى الْعَرْشِ، فَنَزَلَ رَدًّا عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ]، أَيْ مَا مَسَّنَا مِنْ تَعَبٍ، فَهٰؤُلَاءِ الْيَهُودُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ جِسْمٌ لَهُ أَعْضَاءٌ وَيَجْلِسُ عَلَى الْعَرْشِ وَيَصِفُونَهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالتَّعَبِ وَالِاسْتِلْقَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّشْبِيهِ،
وَعِيسَى كَذَلِكَ لَمْ يَأْتِ لِلناسِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ ابْنُ اللهِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يلدْ وَلَمْ يُولَدْ وَيَسْتَحِيلُ عَلَى عِيسَى أَنْ يُخَالِفَ هٰذَا فِي تَبْلِيغِهِ لِلناسِ، أَمَّا تَسْمِيَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَمَعْنَاهَا هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَى أَسْلَافِهِمُ الْكُتُبُ الأَصْلِيَّةُ قَبْلَ التَّحْرِيفِ، التَّوْرَاةُ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَالْإِنْجِيلُ قَبْلَ التَّحْرِيفِ، وَأَمَّا هٰؤُلَاءِ فِي هٰذِهِ الْأَيَّامِ فَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَمَا جَاءَ بِهِ عِيسَى وَمُوسَى هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ، كُلُّهُمْ جَاءُوا بِدِينِ الْإِسْلَامِ، [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ]) مِن قَبلِكُم: سَمِعنَا وَعَصَينَا؟ (وَهُوَ مَا جَاءَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: [وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا]، أَيْ سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ، وَالْقِصَّةُ فِي هٰذَا أَنَّهُ بَعْدَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةَ عَلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذُوا الأَلْوَاحَ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا التَّوْرَاةُ وَأَمَرَهُمْ بِقَبُولِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ، فَقَالُوا لَهُ: انْشُرْهَا عَلَيْنَا فَإِنْ كَانَتْ أَوَامِرُهَا وَنَوَاهِيها سَهْلَةً قَبِلْنَاهَا، فَعِنْدَئِذٍ قَالَ لَهُمْ: اقْبَلُوهَا بِمَا فِيهَا، فَلَمَّا رَاجَعُوهُ مِرَارًا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ فَرَفَعُوا الْجَبَلَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ غَمَامَةٌ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا بِمَا فِيهَا سَقَطَ هٰذَا الْجَبَلُ عَلَيْكُمْ، فَقَبِلُوا ذٰلِكَ وَأُمِرُوا بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، وَلَمَّا نَشَرَ نَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْوَاحَ التَّوْرَاةِ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا اهْتَزَّ، انْقَلَعَ جَبَلُ الطُّورِ وَصَارَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ أَظَلَّهُمْ فَخَافُوا أَنْ يَهْلِكُوا، فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ قَبِلُوا ذٰلِكَ وَسَجَدُوا عَلَى شَقِّ وُجُوهِهِمْ وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وَهُمْ سُجُودٌ، فَصَارَتْ عَادَةً لِليَهُودِ أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ عَلَى جَانِبِ وُجُوهِهِمْ، وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) بَل قُولُوا: سَمِعنَا (أَي سَمِعنَا مَا أَمَرتَنَا بِهِ سَمَاعَ قَبُولٍ) وَأَطَعنَا (أَي أَطَعنَا أَمرَكَ) غُفرَانَكَ رَبَّنَا (أَي نَسأَلُكَ مَغفِرَتَكَ يَا رَبَّنَا) وَإِلَيكَ المَصِيرُ» (أَي إِلَيكَ لَا إِلَى غَيرِكَ الرُّجُوعُ) فَلَمَّا اقتَرَأَهَا القومُ (أَي لَمَّا قَرَأَهَا الصَّحَابَةُ وَهِيَ الآيَةُ: [للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللهُ])، وَذَلَّت بِهَا ألسنَتُهُم (أَيِ: انقَادَت بِالِاستِسلَامِ وَاستَسلَمُوا لِحُكمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) أنزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا (أَي عَقِبَ نُزُولِهَا مِن غَيرِ فَاصِلٍ): ﴿آمَنَ (أَي صَدَّقَ) الرَّسُولُ (المَقصُودُ مُحَمَّدٌ ﷺ) بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ (وَهُوَ القُرآنُ الكَرِيمُ) وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ (أَي كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُؤمِنِينَ آمَنَ) بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ (فَالإِيمانُ بالملائكةِ أنْ نؤمنَ بأنّهم أجسام لطِيفَةٌ لهم أرواح يَنزِلُونَ ويَصعَدُونَ بأَمرِ الله، ولَيسُوا بنُجُومٍ مسَخَّرةٍ ولا بأَنفُسٍ فَلَكِيَّةٍ كمَا ذهَب إليه طائفَةٌ مِن أَهلِ الزَّيغ، ويجبُ الإِيمان بأنّهم لا يَعصُونَ اللهَ، وما يُروَى عن هاروتَ ومَارُوتَ أنّهما شَرِبا الخَمر ثم قَتلا الطِّفلَ الذي كانَت تَحمِلُه المرأةُ ووقَعا علَيهَا فغَيرُ صَحِيح. ثم إنّ الملائِكةَ مُوكَّلُونَ بأعمَالٍ شَتّى مِنهُم مَن هُم مُوكَّلُونَ بالقَطْرِ والنّباتِ، ومِنهُم مُوكَّلُونَ بكِتَابَةِ أعمَالِ بَني ءادمَ، وبَعضُهُم مُوكَّلُونَ بتَوفّي الأرواح، وبَعضُهُم مُوكَّلُونَ بحِفظِ بني ءادمَ لأنّهم يَحفَظُونَهم مِن تَلاعُبِ الجِنّ بِهم، إلّا أنّ المقَدَّر لا يَمنَعُونَ وقُوعَه) وَكُتُبِهِ (المَقصُودُ القُرآنُ الكَرِيمُ وَقِيلَ المَقصُودُ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ جَمِيعُهَا) وَرُسُلِهِ (أي نُصَدِّقُهُم كُلُّهُم فِيمَا جَاؤوا بهِ، مَعناهُ لا نُصَدّقُ بَعضًا ونُكَذّبُ بَعضًا. وليسَ مَعناهُ أنّ شَرائعَهم نَتّبعُها كُلَّها لأنَّ شَرعَ نَبِيّنا يَختَلِفُ عن شَرْع مَنْ قَبلَه) لَا نُفَرِّقُ (أي: يقولون لا نفرّق في الإيمان بالرسل) بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ (بِأَن نُؤمِنَ بِبَعضٍ وَنَكفُرَ بِبَعضٍ كَفِعلِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ فِي رُتبَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا، بَل إِنَّهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: [تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ]،
وَأَمَّا حَدِيثُ لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى الله.اهـ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بنِ مَتَّى وَغَيرهَا.
فقال العلماء: هٰذِهِ الْأَحَادِيثُ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضِهِمْ، مَا كَانَ مَأذُونًا لِلصَّحَابَةِ أَنْ يُفَاضِلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ بِآرَائِهِمْ، لَكِن بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذٰلِكَ أَوْ بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ ذٰلِكَ صَارَ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ بِالدَّلِيلِ حَقًّا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ]،
وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ،
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خِيَارُ الْأَنْبِيَاءِ خَمْسَةٌ: مُحَمَّدٌ ﷺ، إِبْرَاهِيمُ، مُوسَى، عِيسَى وَنُوحٌ، وَخِيَارُ الْخَمْسَةِ مُحَمَّد ﷺ»، فَبَعْدَ هٰذَا صَارَ جَائِزًا بِالْإِجْمَاعِ أَنْ نَقُولَ: «مُحَمَّدٌ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» أَوْ «إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى» أَوْ «مُوسَى أَفْضَلُ مِنْ عِيسَى» أَوْ «عِيسَى أَفْضَلُ مِنْ نُوحٍ» أَوْ «نُوحٌ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ».اهـ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي «عُمْدَةِ الْقَارِي»: «وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى (لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ]، وَقَالَ: (لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) قُلْتُ: أُجِيبُ كَانَ هٰذَا قَبْلَ إِعْلَامِهِ بِسِيَادَةِ وَلَدِ آدَمَ».اهـ وَقَالَ الْمُفَسِّرُ الْمَشْهُورُ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ»: «الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الْكُلِّ». ا.هـ.
وَقَالُوا سَمِعنَا (أجَبْنَا قَولَكَ) وَأَطَعنَا (أي أطعنا أمرك) غُفرَانَكَ (أي اغفِرْ لنَا غُفرَانَكَ) رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ﴾ (أَي إِلَيكَ المَرجِعُ وَالمَآبُ، فَإِنَّ فِي كِتَابِ اللهِ ءايةً عظيمةً كفَى بهَا واعظةً عندَ وقوعِ المصائبِ وتعطِي وَتُذَكِّرُ بِهَذَا المَعنَى، قالَ تعالَى فِي سورةِ البقرةِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرٰتِ وَبَشّرِ الصَّـٰبِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ راجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، (إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ) علاجٌ عظيمٌ لكلِّ مَنْ أُصيبَ بمصيبةٍ قليلةٍ أمْ كثيرةٍ، ومصيرُ العبدِ ومرجِعُهُ إلَى اللهِ تعالَى) [البقرة:285].
فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى (لَفظُ النَّسخِ هُنَا مِن لَفظِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي وَلَيسَ مِن قَولِ الرَّسُولِ ﷺ)
خلاصة الكلام في هذه الآيات الكريمة: هو أن هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللهُ﴾، بعض العلماء حملَها على العزم، وهذا يكون في القلب، فإذا عزمت على المعصية فهذا حرام، فالعزم على المعصية معصية،
وحمل هؤلاء لفظ الحديث الذي نشرحه في مسلم أنها منسوخة على أنه ليس من لفظ النبي ﷺ وهو من لفظ الراوي،
وبعض العلماء قال إنها منسوخة، كما جاء في لفظ الحديث في صحيح مسلم، وهو كما قلت ليس من قول النبي ﷺ، وهؤلاء القائلون بالنسخ قالوا: نسختها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾.اهـ
وَذَكَرَ الإِمَامُ الوَاحِدِيُّ رحمه الله الِاختِلَافَ فِي نَسخِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ وَالمُحَقِّقُونَ يَختَارُونَ أَن تَكُونَ الآيَةُ مُحكَمَةً غَيرَ مَنسُوخَةٍ وَاللَّهُ أَعلَمُ)، فَأنزَلَ الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا (إلا طَاقَتَها وقُدرَتَها، وَالوُسْعُ مَا يَسَعُ الإنسَانَ ولا يَضِيْقُ علَيهِ ولا يُحْرَجُ فيهِ، أيْ لا يُكَلّفُها إلا مَا يتّسِعُ فيهِ طَوقُه ويتَيَسَّرُ علَيهِ) لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت (يَنفَعُها مَا كَسَبَت مِن خَيرٍ ويَضُرُّهَا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ شَرٍّ، وخُصَّ الخَيرُ بالكَسْبِ والشّرُّ بالاكتِسَابِ لأنّ الافتِعَالَ لِلانْكِمَاشِ، والنّفْسُ تَنكَمِشُ في الشَّرّ وتَتكَلَّفُ لِلخَيرِ، وجائزٌ أن يُقالَ فُلانٌ اكتَسَب حسَناتٍ كبِيرة، وكسَب فلانٌ شرًّا كبيرًا يجوزُ لُغَةً وشرعًا، يجوز لكن لحِكمَةٍ اللهُ تعالى في سورة البقرة عَبَّر عن عمَل العَبدِ الحسَنات بمادّة الكَسْب وعن عمَل العبدِ السّيئات بِمَادَّةِ الاكتساب، الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَ يُثَابُونَ عَلَى كَسْبِهِمْ لِلْحَسَنَاتِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى كَسْبِهِمْ لِلسَّيِّئَاتِ. فَإِثَابَةُ الطَّائِعِينَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَعِقَابُ الْعَاصِينَ عَدْلٌ مِنْهُ،
الْكَسْبُ أَمْرٌ دُونَ الْخَلْقِ وَهُوَ الْعَزْمُ الْمُصَمَّمُ عَلَى فِعْلِ الشَّىْءِ، لَمَّا يُوَجِّهُ وَيُعَلِّقُ الْعَبْدُ قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ بِشَىْءٍ يَخْلُقُ اللهُ ذَلِكَ الشَّىْءَ، وَالْكَسْبُ عَلَى مَفْهُومِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ شَىْءٌ غَامِضٌ مِنْ أَغْمَضِ الْمَسَائِلِ فِي عِلْمِ الْكَلامِ)
(فقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أَيْ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ أَيْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ، {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} أَيْ مِنَ الْمَعَاصِي، أَيْ عَلَيْهَا وَبَالُ مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاصِي، أَيْ تَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ إِثْبَاتُ الْكَسْبِ لِلْعَبْدِ. فَكُلُّ أَعْمَالِ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ أَيْ هُوَ يُوجِدُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَىْءٌ)
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا (أي إن تَركْنَا أَمْرًا مِنْ أوَامِرِكَ سَهْوًا) أَو أَخطَأنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: نَعَم ﴿رَبَّنَا وَلا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا (أي عِبأً يَأصِرُ حَامِلَهُ أي يَحبِسُه مَكانَه لثِقَلِه، استُعِيرَ للتّكلِيف الشّاقِّ مِن نَحوِ قَتْلِ الأَنفُسِ وقَطْعِ مَوضِع النّجَاسَةِ مِنَ الثَّوبِ وغَيرِ ذَلكَ) كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا﴾ (كاليَهُود) قَالَ: نَعَم ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ (منَ العُقُوبَاتِ النّازِلَةِ بمَنْ قَبْلَنَا) قَالَ: نَعَم ﴿وَاعفُ عَنَّا (امْحُ سَيّئاتِنا) وَاغفِر لَنَا (واسْتُر ذُنُوبَنا وليسَ بتَكْرَارٍ فالأَوَّلُ للكَبائِر والثّاني للصّغَائِر) وَارحَمنَا (بتَثقِيل مِيزانِنا معَ إفْلَاسِنَا) أَنتَ مَولانَا (سيّدُنا ونَحنُ عَبِيدُكَ، أو نَاصِرُنا أو مُتَولّي أمُورَنا) فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعَم.اهـ رواه مسلم.
(يُُعْلَمُ مِنْ هٰذَا أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ أَيْسَرُ الشَّرَائِعِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى كَلَّفَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا بِأُمُورٍ تَشُقُّ كَثِيرًا عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا إِنْ كَلَّفَنَا بِهَا، فَقَدْ أَمَرَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعَجَلَ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ وَجَعَلَ ذٰلِكَ شَرْطًا لِتَوْبَتِهِمْ، وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ الْبِكْرَ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهٰذَا شَدِيدٌ شَدِيدٌ، فَلَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمِثْلِ هٰذِهِ الْأَحْكَامِ، بَلْ جَعَلَ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَيْسَرَ الشَّرَائِعِ، وَمَعَ ذٰلِكَ تَجِدُ فِي هٰذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يُقَصِّرُ وَيَتْرُكُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى).