باب وجوب الانقياد لحكم الله

الدرس ١٦٤ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٧:٢٠

المقدمة

الحمدُ لله الذي وسع كرسيه الأرض والسموات، ودلت على وجودهِ العقولُ والآيات، خالقُ الليل والنهارِ والأنوار والظلمات، القريبِ من عباده لا بقرب المسافات، المنزّهِ عن الشكل والصورة والكيفيات، تعالى ربنا عن الحدود والغاياتِ والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الستُّ كسائر المبتدعات، هذا اعتقاد أئمة الهدى أصحابِ الأدلة البينات الواضحات، وعليه نص الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة أولو الفضل والرايات العاليات، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمدٍ سيّدِ الساداتِ وفخرِ الكائنات، المبعوثِ رحمةً للعبادِ المُؤَيّدِ بالمعجزات الباهرات، وعلى صاحبه أبي بكرٍ الذي وصلَ بتقوى ربّهِ أعالي الدرجات، وعلى عمرَ المُحَدَّثِ المُبشّرِ بالكرامات، وعلى عثمان الذي صبر على البلاء حتى أتته المقامات العاليات في الجنات، وعلى عليٍّ صاحبِ المواعظ والعظات، أما بعد:

فقد أنهى الحافظ النووي رحمه الله تعالى باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها، وبدأ بباب في وجوب الانقياد لحكم الله وما يقوله من دُعِيَ إِلَى ذلِكَ وأُمِرَ بمعروف أَوْ نُهِيَ عن منكر، وهو بهذا الترتيب رحمه الله كأنه يقول لقارئ كتابه رياضِ الصالحين: بعد أن تحافظ على السنة والآداب النبوية ابق ملتزما بها وبما جاء عن رسول الله ﷺ، وتمسك بهذا الوارد عن نبي الرحمة ﷺ سواء كان نفلا أم فرضا، ولكن تذكر أن الفرض أولى وأهم وله مرتبة متقدمة أكثر في الدين، فإذا ورد إليك حكم من أحكام الله تعالى فالتزمه فورا فإذا أُمرت بمعروف التزم المعروف وإذا نهيت عن منكر فاجتنبه فورا، وإنما هذا الباب تأكيد لأصل القاعدة وأصل الأمر وهو أن المسلم مَن سَلَّمَ أمره لله ولنبيه ﷺ ولحكمه سواء كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر.

باب في وجوب الانقياد لحكم الله

قال الحافظ النووي رحمه الله: باب في وجوب الانقياد لحكم الله وما يقوله من دُعِيَ إِلَى ذلِكَ وأُمِرَ بمعروف أَوْ نُهِيَ عن منكر.

باب في وجوب الانقياد لحكم الله (حكم الله أي أمره عز وجل، وأوامر الله تعالى جاءتنا وبلغتنا عن طريق نبينا ﷺ، وهو سبحانه الحكم العدل، فمن أسماء الله تعالى الحسنى الحَكَمُ: ومعناه أنه هُوَ الحَاكِمُ بَينَ الخَلقِ فِي الآخِرَةِ وَلَا حَكَمَ غَيرُهُ، قَالَ تَعَالَى: [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ]، وقال تعالى: [أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ]، ولا تخلف لحكم الله في خلقه على أي وجه من الوجوه، لا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه، قال الله تعالى: [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، وهذه الآية جَاءَت فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنهُ، في قوله تعالى في سورة الأنعام: [قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ]، 

وقال تعالى في سورة يوسف حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام: [مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ]، 

وقال تعالى في سورة يوسف أيضا حكاية عن حال سيدنا يعقوب عليه السلام: [وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ]،

 وَهَذِهِ الآيَاتُ الثَّلَاثُ إِنَّمَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَحكُمُ بَينَ خَلقِهِ بِالحَقِّ وَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي يَقضِي بَينَ العِبَادِ يَومَ القِيَامَةِ وَمَشِيئَتُهُ نَافِذَةٌ فِي جَمِيعِ خَلقِهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ عُلَمَاءُ التَّوحِيدِ وَالتَّفسِيرِ مِن هَذِهِ الآيَاتِ الكَرِيمَةِ، 

وَقَد ضَلَّ أُنَاسٌ بِتَفسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ وَكَانُوا قَدِ انتَسَبُوا لِلإِسلَامِ قَدِيمًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَنَرَى فُرُوعَهُم إِلَى أَيَّامِنَا هَذِهِ وَهُم فِرقَةُ الخَوَارِجِ، فَبَعدَ مَعرَكَةِ صِفِّينَ استَقَرَّ الرَّأيُّ عَلَى مَا يُعرَفُ بِالتَّحكِيمِ بَينَ الفِئَتَينِ فَحَكَّمَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ أَبَا مُوسَى الأَشعَرِيَّ وَحَكَّمَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ عَمرَو بنَ العَاصِ، فَطَلَعَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ مَن كَفَّرَ الفِئَتَينِ وَهُمُ الخَوَارِجُ مُستَنِدِينَ بِزَعمِهِم إِلَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، مَعَ أَنَّ مَعنَاهَا لَيسَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي فَهِمُوهُ وَقَالُوا بِهِ، قَالُوا: كَيفَ تُحَكِّمَانِ إِنسَانًا وَاللهُ يَقُولُ: [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، قَالُوا: أَنتُمَا حَكَّمتُمَا إِنسَانًا أَنتَ كَفَرتَ وَأَنتَ كَفَرتَ، كَفَّرُوا عَلِيًّا وَكَفَّرُوا مُعَاوِيَةَ وَكَفَّرُوا أَبَا مُوسَى وَكَفَّرُوا عَمرَو بنَ العَاصِ؛ فَمِن هُنَا أَوَّلُ مَا نَشَأَت طَائِفَةُ الخَوَارِجِ لِأَنَّهُم خَرَجُوا عَنِ المُسلِمِينَ فَسُمُّوا الخَوَارِجَ، ثُمَّ بَلَغَ عَلِيًّا ذَلِكَ قِيلَ لَهُ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّكَ حَكَّمتَ إِنسَانًا وَاللهُ يَقُولُ: [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ)، يَعنِي [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، ءَايَةٌ قُرءَانِيَّةٌ هُم أَرَادُوا بِهَا بَاطِلًا، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَا تَمنَعُ تَحكِيمَ البَشَرِ، أَلَيسَ جَاءَ فِي القُرءَانِ إِذَا رَجُلٌ اختَصَمَ مَعَ امرَأَتِهِ أَن يُحَكِّمَ هُوَ شَخصًا مِن أَهلِهِ وَهِيَ تُحَكِّمُ شَخصًا مِن أَهلِهَا، [فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا]، هَذَا التَّحكِيمُ وَارِدٌ فِي الشَّرعِ وَلَهُ مَوَاضِعُ، الحَاصِلُ أَنَّ التَّحكِيمَ مَوجُودٌ فِي الدِّينِ تَحكِيمُ الشَّخصِ فِي بَعضِ المَسَائِلِ الفِقهِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ وَضَعُوا الآيَةَ فِي غَيرِ مَوضِعِهَا، مَا هُوَ مَوضِعُهَا؟ أَحَدُ مَوَاضِعِهَا عِندَ قِصَّةِ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا أَرَادَ أَولَادُهُ أَن يَدخُلُوا مِصرَ وَكَانُوا كُلُّهُم جَمِيلِي الصُّورَةِ وَيُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ أَجمَلَهُم فَقَالَ لَهُم لَا تَدخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادخُلُوا مِن أَبوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، يَعنِي خَشِيَ عَلَيهِم مِن أَن يُصَابُوا بِالعَينِ، وَقَالَ بَعدَ ذَلِكَ: [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، يَعنِي أَنَا أَقُولُ لَكُم هَذَا لَكِنَّ القَضَاءَ النَّافِذَ للهِ، اللهُ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ هَذَا مَعنَى [إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ]، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحكِيمُ إِنسَانٍ بِقَضِيَّةٍ شَرعِيَّةٍ لِذَلِكَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ قَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ. 

ومثل هؤلاء ينطبق وصفهم فيما رواه الترمذي ‏حيث قَالَ رَسُولُ اللهِ ‏ ‏ﷺ: «يَخْرُجُ فِي ءاخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ ‏ ‏يَخْتِلُونَ ‏ ‏الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنْ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ ‏ ‏الْحَلِيمَ ‏ ‏مِنْهُمْ حَيْرَانًا».اهـ

قوله: (يختلون الدنيا بالدين) أي يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد إذا تخفى له (يلبسون للناس جلود الضأن من اللين) كناية عن إظهار اللين مع الناس. وقال القاري: المراد بجلود الضأن عينها أو ما عليها من الصوف وهو الأظهر. فالمعنى أنهم يلبسون الأصواف ليظنهم الناس زهادا وعبادا تاركين الدنيا راغبين في العقبى. وقوله من اللين: أي من أجل إظهار التلين والتلطف والتمسكن والتقشف مع الناس، وأرادوا به في حقيقة الأمر التملق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مريدين لهم ومعتقدين لأحوالهم، انتهى ألسنتهم (أحلى من السكر) بضم السين (وقلوبهم قلوب الذئاب) أي مسودة شديدة في حب الدنيا والجاه (أبي تغترون) الهمزة للاستفهام أي أبحلمي وإمهالي تغترون؟ والاغترار هنا عدم الخوف من الله، وإهمال التوبة، والاسترسال في المعاصي والشهوات (أم علي تجترئون)؟ أم منقطعة؛ أضرب إلى ما هو أشنع من الاغترار بالله أي تعملون الصالحات ليعتقد فيكم الصلاح فيجلب إليكم الأموال وتخدمون (فبي حلفت) أي بعظمتي وجلالي لا بغير ذلك (لأبعثن) من البعث أي لأسلطن ولأقضين (على أولئك) أي الموصوفين بما ذكر (منهم) أي مما بينهم بتسليط بعضهم على بعض (فتنة تدع الحليم) أي تترك العالم الحازم فضلا عن غيره (حيرانا) أي حال كونه متحيرا في الفتنة لا يقدر على دفعها ولا على الخلاص منها لا بالإقامة فيها ولا بالفرار منها.

(وحُكمُ الله لا يوصف بالظلم فهو عز وجل منزه عن ظلم العبيد، هُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الظُّلمِ وَالجَورِ، لِأَنَّ الظُّلمَ هُوَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ]، فَالظُّلمُ هُوَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَقِيلَ التَّصَرُّفُ فِي مِلكِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ، فَلَو أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَذَّبَ أَهلَ السَّمَاوَاتِ وَأَهلَ الأَرضِ لَم يَكُن ظَالِمًا لَهُم، 

فَقَد جَاءَ عَنِ ابنِ الدَّيلَمِيِّ قَالَ: أَتَيتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ فَقُلتُ: يَا أَبَا المُنذِرِ إِنَّهُ حَدَثَ فِي نَفسِي شَيءٌ مِن هَذَا القَدَرِ فَحَدِّثنِي لَعَلَّ اللهَ يَنفَعُنِي، قَالَ: إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ أَرضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم كَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمَالِهِم، وَلَو أَنفَقتَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ الله، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنكَ حَتَّى تُؤمِنَ بِالقَدَرِ وَتَعلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَم يَكُن لِيُخطِئَكَ وَمَا أَخطَأَكَ لَم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا دَخَلتَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيتُ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ فَحَدَّثَنِي مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيتُ حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ فَحَدَّثَنِي مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيتُ زَيدَ بنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي مِثلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَاللهُ تَعَالَى لَوِ ابتَلَى عَبدًا صَالِحًا بِبَلَاءٍ فَلَا يَكُونُ ظَالِمًا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوِ ابتَلَى صَغِيرًا فَفِي الزُّبَدِ فِي الفِقهِ الشَّافِعِيِّ يَقُولُ ابنُ رَسلَانَ: 

كَذَا لَهُ أَن يُؤلِمَ الأَطفَالَا ***** وَوَصفُهُ بِالظَّالِمِ استَحَالَا

ومن هنا يُعلم أنه لَا يَجُوزُ مَا يَقُولُهُ بَعضُ السُّفَهَاءِ لِشَخصٍ ظَلَمَهُ: 

اللهُ يَظلِمُكَ، أَو يَقُولُ لَهُ اللهُ يَظلِمُكَ كَمَا ظَلَمتَنِي، فَمَن نَسَبَ الظُّلمَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بأي لفظ كان فهو خروج من الدين والعياذ بالله، كَمَا ذَكَرَ عُلَمَاءُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَكذِيبًا لِلقُرآنِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: [وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ])

 وما يقوله من دُعِيَ إِلَى ذلِكَ (أي من دعي إلى حكم الله عز وجل، وقد أتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد موضع الضمير تفخيمًا لشأن حكم الله تعالى) وأُمِرَ بمعروف أَوْ نُهِيَ عن منكر (يعني إذا شخص أمرك بمعروف أو نهاك عن منكر ينبغي عليك أن تمتثل لذلك، 

وهنا أنبه إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب وجوبا كفائيا على كل من قدر أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقد قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، وقال رسول الله ﷺ: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. 

قال رسول الله: «إذا رأيتَ أُمّتي تَهاب أن تقولَ للظّالم يا ظَالم فقَد تُوُدِّع منهم» رواه الحاكم. 

وإن الشرع الكريم دعانا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى إبطال الباطل وإحقاق الحقّ، ولقد كثر المفتون اليوم في الدين بفتاوى ما أنزل اللهُ بها من سلطان، وزاد الانحراف وامتد، لذلك كان لا بدّ من بيان الحق من الباطل والصحيح من الزائف. 

فمن الواجب التحذيرُ من أهلِ الضلال الذين ينتسبون إلى الإسلام حتى يحذرهُم الناس كما جاء في حديثٍ رواهُ البيهقي: “حتى متى ترعون عن ذكرِ الفاجر اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس”.

وتوحيدُ الصفِ إنما يكونُ بين المؤمنين ليس بين المؤمنين والضالين فإن هذا يوهمُ الناس بأن الباطل هو الحق.

وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنّه حذّر ممن يغشّ في الطعام، وثبت عنه أيضًا أنّه قال في رجلين كانا يعيشان بين المسلمين: “ما أظنّ فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا” رواه البخاريّ. 

وإذا كان الرسول ﷺ قال للخطيب الذي قال: “من يطع اللهَ ورسولَه فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى”: “بئسَ الخطيبُ أنتَ” وذلك لأنّه جمعَ بين الله والرسول بضمير واحد، فقال له: “قل: ومن يعصِ اللهَ ورسولَه” فلم يسكتْ عن هذا الأمرِ الخفيفِ الذي ليس فيه كفر وإشراك، بل وليس فيه معصية وإنما هو مكروهٌ فكيف يُسكت عمّن يحرف الدّينَ وينشر ذلكَ بين الناس، فهذا أجدر بالتحذير والتنفير منه، والحديثُ رواه مسلم.

وليس ذكرنا لبعض المنحرفين في هذا الموقع من الغيبة المحرمة إنما هو من التحذير الواجب، فقد ثبت أن فاطمةَ بنت قيس قالت لرسول الله ﷺ: “يا رسول الله إنّه خطبني معاوية وأبو جهم” فقال رسول الله ﷺ: “أمَّا أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقِه وأما معاويةُ فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة” رواه مسلم. فإذا كان الرسولُ حذَّرَ فاطمةَ منهما وذكرهما في خلفهما بما يكرهان لهذين السببين أحدهما: كون معاوية شديد الفقر لا يقوم بحاجتها بأمر النفقة، والثاني: أن أبا جهم يكثر ضربَ النساء فكيف أناس ادّعوا العلم وغشوا الناس وجعلوا الكفر إسلامًا!؟ ولهذا حذّر الشافعي رضي الله عنه من حفص الفرد أمام جمعٍ وقال له: “لقد كفرتَ بالله العظيم” رواهُ البيهقي في مناقب الشافعي وروى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في تاريخ دمشق أن الإمام الأوزاعي قال لِغيلان أبي مروان الدمشقي المُعتزلي بعد أن ناظرهُ أمام الخليفة هشام بنِ عبد الملك وكسرهُ لقد كفرتَ باللهِ العظيم. 

وقد امتدحَ اللهُ أمّة سيدنا محمد ﷺ بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما أسلفنا في الآية المباركة، وكذلك فإنّ الله ذمّ الذين كفروا من بني إسرائيل بقوله في سورة المائدة: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾، قال النسفي (ت 710 هـ) في تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّ‌كُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْ‌جِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية 105]، كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها لا يضركم الضّلاّل عن دينكم إذا كنتم مهتدين، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد له من علم الدين حتى تميز المعروف من المنكر وتميز الصالح من الفاسد وإلا لهلك الناس ولصار كل واحد يرى من جهته المنكر والمعروف وقد يخلط فيخالف القواعد الشرعية والأصول التي نص عليها النبي ﷺ، فكيف لنا أن نعرف المعروف معروفا وكيف لنا أن نعرف المنكر منكرا إلا بالشرع فبالشرع تستطيع أن تميز وكيف لك أن تعرف حكم الشرع دون علم، فمن هنا يظهر سر اهتمام النبي ﷺ بتعليم أمور الشريعة ونشرها بين الناس، وإن المتتبع لآيات القرآن ولسيرة النبي ﷺ يظهر له تماما اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام بنشر العلم بين الناس صغيرهم وكبيرهم.اهـ فقد قال الله تعالى : ﴿يأيُّـهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم]. وقد جاء في تَفسيرِ هذه الآية أنَّ وِقَايَةَ النَّفسِ والأهلِ من عَذابِ النّار تكونُ بِتَعَلُّمِ علوم الدين. وأهمُّ هذه العلوم هو عِلمُ التوحيد لأنّه يتعلَّقُ بِمعرفة الله ورسوله. فاعلم أنه يجب على كل مكلّف أن يتعلم من علم الدين قدرًا لا يستغني عنه كل فرد من المكلّفين، وهو ينقسم إلى علم العقيدة وعلم الأحكام. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر]. وقال رسول الله ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ» رواه البيهقي. فهذا دليل على أن الجهل ليس عذرا وأن النية وحدها لا تكفي لصحة العمل. فمن الواجب على المكلّف معرفته واعتقاده من أمور العقيدة: الإيمان بالله وبما جاء عن الله، والإيمان برسول الله وبما جاء عن رسول الله، كمعرفة الشهادتين وصفات الله الواجب معرفتها وتنزيهه تعالى عمّا لا يليق به ونحو ذلك، وتصديق الرسول محمد بكل ما جاء به عن الله من أخبار الأمم السابقة والأشياء التي تحصل في البرزخ ويوم القيامة أو تحليل شىء أو تحريمه ونحو ذلك، ومعرفة الأشياء التي تخرج من الإسلام كأنواع الكفر كي يجتنبه. ومن الواجب معرفته من الأحكام: معرفة أحكام الصلاة من شروط وأركان ومبطلات والطهارة ونحو ذلك).

 (وهنا أأكد أيضا على اتباع الحقّ والنّصيحة في الدّين، فإذا رأيت من ينصحك فاقبل نصيحته ولا تتكبر عن قبولها ما دامت حقا، وليس العبرة بمن قالها، المهم أن تكون حقا وأتتك فاقبلها فورا، قال سيدنا علي رضي الله عنه: «ليسَ الحقُّ يُعرَفُ بالرجال ولكنَّ الرجالَ يُعرفونَ بالحق». ولو سُمع من عالم كلامٌ مخالفٌ للشرع فعلى السامع أن ينبهه عن خطئه إن كان تنبيهه لا يجرّ إلى مفسدة أعظم فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [سورة ءال عمران آية 110]، فقد مدح الله تبارك وتعالى أمة النبي محمد ﷺ بهذه الصفة. وإن العالم التقي الناصح للناس الشفيق على دينه الورع الذي يخاف الله إذا أخطأ فبُيّن له خطؤه ولو أمام جمع من الناس يعود عنه ويبيّن للناس ذلك.

فقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي قال: “خطب عمر بن الخطاب فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء! فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شىء ساقه رسول الله ﷺ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحقّ أن يتّبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى، فما ذاك ؟ قالت: نهيت الناس ءانفًا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سورة النساء آية 20] فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر – مرتين أو ثلاثًا – ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له”.اهـ).

قال الحافظ النووي رحمه الله: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51].

الشرح والتعليق على هذه الآيات: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] (سبق شرح هذه الآية الكريمة وسبب نزولها في الباب السابق، وهي تبين وجوب الامتثال لحكم الله وحكم نبيه ﷺ وهو ما جاء في كتاب الله عز وجل، ولذلك قال الفقهاء إن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو مردود لا يؤخذ به، فقد روى ابن ماجه وغيره أن النبي ﷺ قام فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللهِ، ‌كُلُّ ‌شَرْطٍ ‌لَيْسَ ‌فِي ‌كِتَابِ ‌اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ.اهـ وذلك لأن مصالح العباد منحصرة في كتاب الله عز وجل، فقد قال تعالى: [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]، فما أَوْجَبَهُ عَلَينَا النبي ﷺ فهُوَ واجِبٌ وَما نَهَانا عَنْهُ فَهُوَ حَرام وَعَلَيْنَا أَنْ نَلْتَزِمَهُ وَهذا شىءٌ يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ وَلا يَكُونُ الإِنْسانُ مُسلِمًا إنْ كانَ لا يُؤْمِنُ وَلا يَعتَقِد بِذلك. إِذا اعْتَقَدَ أَنَّ ما أَوْجَبَهُ النّبِيّ لا يَجِب وَما حَرَّمَهُ لا يَحْرُم، هذا لا يَكُونُ مُسْلِمًا، مِثْلُ بَعْضِ النّاس فِي أَيّامِنا، يَقُولون المصالِح وَالمصْلَحَة وَهذه الأَيام تَغَيَّرَت، وَالزَّمان تَغَيَّر، وَالظُّروف تَغَيَّرَت، وَنحْن الآن لا نعيش مثل ما كانَ الصّحابَة يعيشون، والقُرءان نَزَلَ فِي وَقتِهِم وليسَ فِي وَقْتِنا، وهؤلاء الرد عليهم من القرآن الكريم حيث قالَ تعالى ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [سورةَ االإسراء:9] ما قالَ رَبُّنا تَعالى فِي الزَّمَنِ الأَوَّل وَلا الثانِي وَلا الثالِث، ما خَصَّ زَمَنًا دُونَ ءاخَر، بل هذا فِي كُلِّ الأَزْمان، كُلّ الْمَصالِح محْصُورة فِى الأَحْكام فِيما حَكَمَ بِهِ الشّرع! فكُلّ ما طَلَبَ الشّرْع فِعْلَهُ فإن المصْلَحَةَ فِيهِ، سَواء كانَ واجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا! وَكُلّ شَىء حَرَّمَهُ الشّرع أَوْ كَرِهَهُ الشَّرْع، طَلَبَ الشَّرْعُ عَدَمَ فِعْلِهِ، فَلا مَصْلَحَةُ فِيهِ. الشَّرْعُ جاءَ بِما فِيهِ صَلاحُ حالِ العَبْدِ فِي الدُّنْيا وَفِى الآخِرَة) (وكان بعض الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم تُذكَرُ هذه الآية أمامه فلا يتأخر لحظة إلا ويمتثل، فقد روى مسلم في صحيحه وأحمدُ والبيهقي في الشعب وغيرهم أن رجلا من الصحابة واسمه جليبيب يقول أهل السير والتراجم: إنه لا يُعرف له نسب بينهم ولكنه من الأنصار ولم يكن جميلَ الخِلقةِ، أراد رسول الله ﷺ أن يزوجه، فقال: يا رسول الله إذا تجدني كاسدا، فقال: إنك عند الله لست بكاسد، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ بنت في سن الزواج لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهَا حَاجَةٌ؟ أَمْ لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: “زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ”. فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ ‌يَا ‌رَسُولَ ‌اللهِ ‌وَنُعْمَ ‌عَيْنِي. قَالَ: “إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي”. قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ” لِجُلَيْبِيبٍ “. قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُشَاوِرُ أُمَّهَا فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ. فَقَالَتْ: نِعِمَّ. وَنُعْمَةُ عَيْنِي. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ. فَقَالَتْ: أَجُلَيْبِيبٌ، لَا. واللهِ لَا نُزَوَّجُهُ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا: قَالَتِ الْجَارِيَةُ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي، كيف وقد قال تعالى: ((وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌لَهُمُ ‌الْخِيَرَةُ ‌مِنْ ‌أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا)) رضيت وسلمت لما رضي لي رسول الله ﷺ به، فدعا لها رسول الله، وقال: اللهم اصبب الخير عليها صبًّا ولا تجعل عيشها كدًّا، فكانت من أكثر الأنصار نفقة ومالًا مع كونها أَيمًا، فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: شَأْنَكَ بِهَا فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ لَهُ. قَالَ: فَلَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: “هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟” قَالُوا: نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا. قَالَ: ” انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ ” قَالُوا: لَا. قَالَ: ” لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا “. قَالَ: ” فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى “. قَالَ: فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ” قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ” مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (ومعناه محبتي له كاملة وحبه لي كامل)، ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ. قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ امرأة أَنْفَقَ مِنْهَا. وَحَدَّثَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا قَالَ: هَلْ تَعْلَمْ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: ” اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا “. قَالَ فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ منها.اهـ وهذا ببركة تسليمها لحكم الله وحكم رسوله ﷺ)، وَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ (أي إلى كتاب الله وحكم ورسوله) لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (أي من كان هذا حالَه فهو مفلح، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”: أَيِ الْفَائِزُونَ بِالْجَنَّةِ وَالْبَاقُونَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: “المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا”. وهذا يوضّح أن الفلاح هو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب.  [النور: 51]