المقدمة
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي مَدَحَ سيدَ الأولينَ والآخرينَ فقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾ وجعلَ الحِلْمَ وحُسْنَ الخُلُقِ شعارَ الصَّالحين، أَحْمَدُهُ تعالَى بأنْ خَصَّنَا بالنَّبيِّ المَكِينِ، والرَّسولِ الأمِينِ، سيِّدِ المُرسَلِينَ، وخَاتَمِ النَّبيِّينَ، وأرسَلَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ إلى كافَّةِ المُكلَّفينَ مِنَ الخَلقِ فَخَتَمَ بهِ النبيين، واصطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ واجتَبَاهُ لِبَيانِ شَرائعِ الدين، ورَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الأولينَ والآخرين، أحمدُه سبحانَه حمدَ الشاكِرين، وأسأله معونَة الصابِرِين، واسْتَجِيرُ بِهِ من العذابِ المُهين، وأشهد أنْ لا إِله إِلَّا الله الملكُ الحقُّ المُبين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المصطفى الأمين، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكرٍ أولِ تابعٍ من الرجال على الدِّين، وعلى عمرَ القويِّ في أمر الله فلا يَلِين، وعلى عثمانَ زوجِ ابنتِي الرسولِ ونعمَ القرِين، وعلى عليٍّ بَحْر العلومِ سيدِ آل بيت الرسول الطاهرين، وعلى أصَحابِه الطَّيِّبين وَالسَّابقين الأوَّلِين، فالصَّلاةُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اقتَفَى أثَرَهُ وأحْيَا سنَّتَهُ إلَى يومِ الفصلِ وَالدِّينِ، أمَّا بعدُ:
كنا في الدرس الماضي نشرح في حديث شعب الإيمان ولم نتمَّهُ، نقرأه ونكمل شرحه الآن بإذن الله تعالى.
الحديث (125)
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: التاسع: عَنْهُ، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبعُونَ أَوْ بِضعٌ وسِتُونَ شُعْبَةً: فَأفْضَلُهَا قَولُ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريقِ، والحَياءُ شُعبَةٌ مِنَ الإيمان». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الشرح
وصلنا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: والحَياءُ شُعبَةٌ مِنَ الإيمان (قالَ الرّسُول ﷺ: “الحَياءُ شعبة مِنَ الإِيمان” لأَنَّ الشّرعَ دائِرٌ عَلى هذا، يَدُورُ عَلَى أَنْ يَمنَعَ الإِنْسانُ نَفْسَهُ مِنْ تَرْكِ الواجِب، عَلَى أَنْ يَفعَلَ ما أَوْجَبَ اللهُ تعالَى وَما يُحِبُّهُ الله وَعَلَى أَنْ لا يَقَع فِيما حَرَّمَ اللهُ وَفِيما كَرِهَ اللهَ وَعلَى أَنْ يَتَحَلَّى بِالأَخْلاقِ الحَسَنَة، بِمحاسِنِ الأَخْلاق. الشّرعُ (الإِسْلامُ) دائِرٌ عَلى هذا، أَي كُلّ شرَائِع الإسْلام، هذا الذي فِيها، إِمّا هِيَ أَمرٌ بِواجِب، أَوْ بِـمَسنُون، أَوْ نَهْيٌ عَنْ حرامٍ أَو مَكروهٍ وَدَعوَةٌ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ الإِنْسانُ بِذلِكَ، يُؤَدِّي الواجِبات وَيَجْتَنِب المحرَّمات وَأَنْ يَأْخُذَ مِمّا أَباحَ اللهُ تعالَى بِما لا يُخْرِمُ مُروءَتَهُ وَما يُوافِقُ محاسِنَ الأَخْلاق.
بَعضُهم قال: أَقَلُّ الحياءِ أَنْ تَكُونَ بِحَيثُ لا يَراكَ اللهُ حَيثُ نَهاك وان تكون حَيثُ أُمِرْت. ما أُمِرْتَ بِفِعْلِهِ تَفْعَلُهُ وَلا تَترُكُهُ وَما أُمِرْتَ بِتَركِهِ تتْرُكُهُ وَلا تَكُونُ فِيهِ. بَعضُهم قال هذا أَقَلُّ الحياءِ.
وَفِى الحَدِيثِ أَنَّهُ قِيلَ: “يا رَسُولَ الله، عَوْراتُنا، ما نَأْتِي منها وَما نَذَر؟” يَعنِى عَورَةُ أَجْسادِنا مِنْ أَيْشٍ نَحفَظُها؟ فقال ﷺ: “إِحْفَظ عَوْرَتَكَ إِلّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ ما مَلَكَت يَمِينُك“، قالَ السّائِل: “يا رَسُولَ الله، فِإِنّا نَكُونُ فِى الخَلْوَة”، يَعنِى إِذا كُنْتُ فِى الخلوَة ليسَ مَعِي إِنْسانٌ ءاخَر، قال: “اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحيَى مِنْهُ” أَوْ كما قالَ ﷺ.
لذلِكَ ذَكَرَ العُلَماءُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ كَشْفُ العَوْرَةِ فِى الخَلْوَة إِلّا لِحاجَة لأَنَّ اللهَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحيَى مِنْهُ، إِذا كُنْتَ تَسْتَحِي أَنْ تَكْشِفَ عَوْرَتَكَ أَمامَ النّاس، فاللهُ تعالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ. هذا هُوَ الحياءُ، أَي الذي مَدَحَهُ الرّسُولُ. الحياءُ مِنْهُ ما هُوَ ممدوح وَهُوَ ما ذَكَرناهُ هُنا وَمِنْهُ ما هُوَ مذْموم وَأَمّا الحياءُ الْمَذمومُ، فَهُو ما يَمْنَعُكَ مِنْ تَحْصِيلِ الخَير وليسَ هُوَ المرادُ هُنا. مِثلُ هذا ما جاءَ عَنْ سيدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ: “لا يستَحي الكَبيرُ أَنْ يَتَعَلَّم كما لا يستَحْي أَنْ يَأْكُلَ الخُبز”، إِذا تعَلَّم، هذا ما فِيه ما يَعِيبُهُ أَوْ يُنقِصُ مِنْ قَدْرَهُ بيْنَ النّاس. وَفِي مِثْلِ هذا قالَتِ السيدَةُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ: “نِعمَ النّساءُ نِساءُ الأَنْصار، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَياءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّين” نساءُ الأَنصار كُنَّ شَدِيداتِ مِنَ الحياء، كانَت تَمشي تَستُرُ عَيْنًا وَتُبْدِي عَيْنًا، تَكتَفِى بِعَينٍ واحدَة لِتَرَى مِنْ شِدَّةِ حَيائِهِنّ وَمَعَ ذلِكَ لَمْ يَمنَعْهُنَّ حياءُهُنَّ مِنَ التَّفَقُّهِ فِى الدِّين. حَياؤُهُنَّ عَلَى وَجْهِهِ كان، ليسَ الحياءَ المذْمُومَ الذي ذَمَّهُ شَرْعُ اللهِ تعالَى.
وَقالَ مُجاهِد: “لا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحٍ وَلا مُتَكَبِّر”، وَأَرادَ بِالمسْتَحِي الْمُتَّصِفَ بهذا الحَياءِ المذْمُوم.
وَتأْتِي كَلِمَةُ الحَياء بِمعانٍ. يَعنِى الحياء أَنْواع. نَوْعٌ الذي ذَكَرْناه.
وَمِنَ الحَياءِ أَيْضًا حَياءُ الحِشْمَة. يَحْتَشِمُ الإِنْسان مِنْ إِنْسانٍ ءاخَر كَما حَصَلَ مَعَ سيِّدِنا عَلِيّ. عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ كانَ مَذّاءًا، ينزلُ منهُ المذيُ بِكَثرَةٍ، فاسْتَحيَا أَنْ يَسأَلَ النّبيّ لأَنَّهُ كانَ زَوْجَ ابنَتِهِ. احْتَشَمَ مِنْ ذلِك. فقالَ لأَحَدِ الصّحابَة: أَنتَ سَلهُ عن هذا، ماذا أَفعَل؟ يلزَمنِي الغُسْلُ أَوْ يَكفِى أَنْ أَتَوَضَّأ. قَبْلَ أَنْ يَسأَل، كُلَّما أَمْذَى اغْتَسَلَ. ثُمَّ قالَ سَلهُ: يَلْزَمُنِي الغُسْلُ أَوْ يَكفِي أَنْ أَتَوَضَّأ؟ قال: “فَإِنَّنِي أَسْتَحْيي أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ الله ﷺ لِمكانِ ابْنَتِهِ”، أَي لأَنَّ ابنتهُ زَوْجَتِي وَهذا حَياءُ الحِشْمَة.
وَمِنْهُ حَياءُ الإِنْعام وَهُوَ حَياءُ الرّبّ عَلَى الوَجهِ الذي يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلّ. كَما جاءَ فِى الحَدِيثِ القُدْسِي: إِنِّي أَسْتَحْي إِذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ فقالَ: يا رَبِّ أَنْ أَرُدَّهُما خائِبَتَيْن، أَوْ كما قالَ. هذا حَياءٌ يَلِيقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلّ، لَيسَ انْفِعالًا وَلا صِفَةً مِنْ صِفاتِ المخْلُوقات)».
(وَفِي الْحَدِيثِ تَشْبِيهُ الْإِيمَانِ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَشُعَبٍ، كَمَا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ تَشْبِيهَ الْكَلِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، أَيْ: أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي الْقَلْبِ، وَفَرْعُهَا أَيْ: شُعَبُهَا مَرْفُوعَةٌ فِي السَّمَاءِ)». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «البِضْعُ» من ثلاثة إِلَى تسعة بكسر الباء وقد تفتح. وَ «الشُّعْبَةُ»: القطعة.
الحديث (126)
أما الحديث الذي سنتكلم عنه الآن فهو حديث عظيم ذكره النووي رحمه الله بروايتين وهما يُظْهِرَان سماحة الدين ورأفة أحكام الشريعة وفضل الإسلام، ويبين أيضًا كثرة طرق الخير وتنوعها وسهولة الوصول إليها وكسب الحسنات ولو بعمل يسير قليل متيسر لأكثر الناس.
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: العاشر: وَعَنْهُ: أنَّ رَسُول ﷺ قَالَ: «بَينَما رَجُلٌ يَمشي بِطَريقٍ اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» قالوا: يَا رَسُول اللهِ، وَإنَّ لَنَا في البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فقَالَ: «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وفي رواية للبخاري: «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، فأدْخَلَهُ الجَنَّةَ» وفي رواية لهما: «بَيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يقتلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيل، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
- المُوقُ: الخف.
- وَ«يُطِيفُ»: يدور
- حول «رَكِيَّةٍ»: وَهِي البئر.
الشرح
العاشر (أي الحديث العاشر من باب في بيان كثرة طرق الخير وهو الحديث السادس والعشرون بعد المائة): عَنْهُ (أي عن أبي هريرة رضي الله عنه): أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: «بَينَما رَجُلٌ (قال ابن حجر: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِه) (ولا بد أن يكون هذا الرجل مؤمنا لأنه في الحديث أن الله غفر له والله تعالى لا يغفر لرجل كافر، ويجوز المغفرة عند أهل السنة للعبد المؤمن المذنب ولو كان من أهل الكبائر ولو عُذِّب في النار مدة بسبب ذنوبه فإن الله يُخرِجه من النار ويخلد في الجنة بسبب إيمانه فالإيمان سبب للخلود في الجنة بإذن الله تعالى، روى الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ“. فيجوز عند أهل السنة غُفْرَانُ غَيْرِ الْكُفْرِ مِنَ الذُّنُوْبِ لِبَعْضِ أَهْلِ الكَبَائِرِ بِلَا تَوْبَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]، وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: [فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ]، الشَفَاعَةُ لِلكُفَّارِ، فَلَا تَكُوْنُ لَهم شَفَاعَةُ تَخْفِيْفٍ لِلْعَذَابِ وَلَا شَفَاعَةُ إِنْقَاذٍ مِنْهُ) يَمشي بِطَريقٍ (في رواية: بَيْنَمَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ.اهـ وفي رواية: يَمْشِي بِفَلَاةٍ.اهـ وفي رواية عَنْ مَالِكٍ: يَمْشِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ) اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ (الكلب قد يطلق على البهيمة المعروفة وقد يطلق على بعض البهائم غيره كالأسد مثلا، قال ابن حجر: الْكَلْبُ مَعْرُوفٌ، وَالْأُنْثَى كَلْبَةٌ، وَالْجَمْعُ أَكْلُبٌ وَكِلَابٌ وَكَلِيبٌ بِالْفَتْحِ، كَأَعْبُدٍ وَعِبَادٍ وَعَبِيدٍ. وَفِيهِ مَنَافِعُ لِلْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ. يَلْهَثُ (بِفَتْحِ الْهَاءِ، اللَّهْثُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هُوَ ارْتِفاعُ النَّفَسِ مِنَ الْإِعْيَاءِ، وقيل: لَهَثَ الْكَلْبُ أَخْرَجَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ وَلَهَثَ الرَّجُلُ إِذَا أَعْيَا،) (وقال الباجي وَاللَّهَثُ شِدَّةُ تَوَاتُرِ النَّفَسِ مِنْ التَّعَبِ، وَيَحْتَمِلُ – وَاَللَّهُ أَعْلَمُ – أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلْبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْكَلْبَ الْمُخْتَصَّ بِهَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ لَهَثًا وَلِذَلِكَ يَلْهَثُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ لَا تَلْهَثُ إلَّا لِسَبَبٍ)
يأكُلُ الثَّرَى (المعنى أَيْ يَلْعَقُ التُّرَابَ النَّدِيَّ،) مِنَ العَطَشِ (أَيْ بِسَبَبِ الْعَطَشِ)، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثلُ (وفي بعض الروايات بفتح لام مثل، أَيْ بَلَغَ مَبْلَغًا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ بِي) الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ (بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ كَصَعِدَ وَزْنًا وَمَعْنًى)، فَسَقَى الكَلْبَ (أي حَتَّى أَرْوَاهُ أَيْ جَعَلَهُ رَيَّانًا)، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» (أَيْ: أَثْنَى عَلَيْهِ فَجَزَاهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَبِلَ عَمَلَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ أَيْ أَظْهَرَ مَا جَازَاهُ بِهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ
قالوا (سُمِّيَ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ في بعض الروايات: سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ): يَا رَسُول اللهِ، وَإنَّ لَنَا في البَهَائِمِ أَجْرًا؟ (أَيْ فِي سَقْيِ الْبَهَائِمِ أَوِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْبَهَائِمِ أَجْرًا) فقَالَ: «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» (قال ابن حجر: أَيْ كُلُّ كَبِدٍ حَيَّةٍ، وَالْمُرَادُ رُطُوبَةُ الْحَيَاةِ، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ لَازِمَةٌ لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَمَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ هُنَا أَنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ، أَيِ الْأَجْرُ ثَابِتٌ فِي إِرْوَاءِ كُلِّ كَبِدٍ حَيَّةٍ، وَالْكَبِدُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى فِي كُلٍّ كَبِدٍ حَيٍّ أَجْرٌ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ إِطْعَامُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وفي رواية للبخاري: «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، فأدْخَلَهُ الجَنَّةَ»
(في هذا الحديث من الفقه: أن الرحمة في القلوب حتى البهائم سبب خير وأجر، وسبب لنزول رحمة رب السماء والأرض؛ فإنه يرحم من عباده الرحماء. وفيه: أن في رحمة الدواب- حتى الكلاب – أجرًا، فدل على أن رحمة ما هو أكرم منها من الدواب كالشاة، والبقر وغيرها، فيها أجر، فذكر ذلك على عادته في الإتيان بجوامع الكلم فقال: (فِيْ كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ))
وفي رواية لهما: «بَيْنَما كَلْبٌ (قلنا ما المراد بالكلب هنا ومنه: الكَلَبُ بِالتَّحْرِيكِ: وهو دَاءٌ يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضِّ الكَلْب الكَلِبِ، فيُصِيبُه شِبْه الجُنون، فَلَا يَعَضُّ أَحَدًا إِلَّا كَلِبَ، وتَعْرِض لَهُ أعْراضٌ رَدِيئة، ويَمْتَنِع مِنْ شُرْب الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشًا.
ومنه الحديث: سيخرجُ من أُمَّتي أقوامٌ تَجارى بِهم تلكَ الأهواءُ كما يَتَجارى الكَلبُ لصاحِبِه ، لا يَبقى منه عِرْقٌ ولا مِفصلٌ إلَّا دخلَه رواه أبو داود
والمقصود بهذا الحديث أهل الأهواء الفاسدة المخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة المجسمة والمشبهة والمعتزلة والقدرية والخوارج والشيعة وغيرهم، وكان الأئمة الأربعة وسلف هذه الأمة يجانبون أهل الأهواء والبدع المردية المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة ولا يخالطونهم ويأمرون بالابتعاد عنهم، واستدلوا على ذلك لما روي في الصحيحين أن النبي أمر بمجانبة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ثم قبل الله توبتهم بعد ذلك،
وكذلك فعل عمر بن الخطاب بصبيغ، هُوَ صَبِيْغُ بْنُ عَسَلٍ الْحَنْظَلِيُّ، قَدِمَ الْمَدِيْنَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَأَعَدَّ لَهُ عَرَاجِيْنَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ صَبِيْغٌ، قَالَ: وَأَنَا عَبْدُ اللهِ عُمَرُ، فَضَرَبَهُ حَتَّىْ أَدْمَىْ رَأْسَهُ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ، قَدْ ذَهَبَ الَّذِيْ كُنْتُ أَجِدُهُ فِيْ رَأْسِيْ.
وَفِيْ رِوَايَةِ أَبِيْ عُثْمَانَ: وَكَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ: لَا تُجَالِسُوْهُ. قَالَ: فَلَوْ جَاءَ وَنَحْنُ مِائَةٌ لَتَفَرَّقْنَا. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَىْ أَبِيْ مُوْسَىْ: لَا تُجَالِسْ صَبِيْغًا وَاحْرِمْهُ عَطَاءَهُ. وَرَوَىْ الدَّارِمِيُّ فِيْ حَدِيْثِ نَافِعٍ أَنَّ أَبَا مُوْسَىْ كَتَبَ إِلَىْ عُمَرَ أَنَّهُ صَلُحَ حَالُهُ فَعَفَا عَنْهُ.اهـ)
يُطِيفُ (أي يدور، وقيل: أي يطوف ويحيط) بِرَكِيَّةٍ (الركية: وَهِيَ الْبِئْرُ، وَجَمْعُهَا رَكَايَا) قَدْ كَادَ يقتلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ (الزانية والجمع البغايا، قال النووي: أَمَّا الْبَغِيُّ فَهِيَ الزَّانِيَةُ وَالْبِغَاءُ بِالْمَدِّ هُوَ الزنى) مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيل (وكانت هذه المرأة الزانية مسلمة من بني إسرائيل ولم تكن كافرة، نعم كانت فاسقة عاصية بهذا الذنب الكبير لكن كانت مسلمة بدليل أنها غفر لها، وليس كما يقول البعض ممن يسمي نفسه داعية في هذه الأيام، يقول: إن الله غفر لها وهي زانية كافرة لأنها سقت كلبا، فهذا ضلال وفساد وضد النصوص الصريحة في الكتاب والسنة فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فَنَزَعَتْ مُوقَها (الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، قال النووي: وَمَعْنَى نَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا أَيِ اسْتَقَتْ يُقَالُ نَزَعْتُ بالدلو اي استقيت به من البئر ونحوها) فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (اختلف الناس في تأويله فمنهم من قال إنما كان الغفران لهذا المذنب بأن وفقه الله تعالى بعد ذلك للتوبة، فكان هذا الفعل سببًا لأن رزق التوبة، والتوبةُ سببًا للمغفرة،
ومنهم من قال إن هذا الفعل بنفسه كفَّر الزنى بعظمه لأن الله تعالى إذا كانت له في العبد إرادةخير وسبقت له أي للعبدعنده عناية ضاعف له الحسنات، حتى تغلب السيئات حتى تكون كالجبل العظيم كما في الحديث الصحيح، وليس يمتنع أن ضوعف لهذا الأجر حتى وازى الزنا، فضلًا من الله تعالى)
(وهذان الحديثان فيهما إثبات لمذهب أهل السنة أن أهل الكبائر مُجَوَّزٌ غفران ذنوبهم وأنهم لا يخلدون في النار ولا يكفرون بمجرد الذنب الكبير دون الكفر، فإن الذَّنْبَ الكبير لا يخرجُ صاحبَه من ملة المسلمين،
وخالف في ذلك الخوارج فقالوا بكفر مرتكب الكبيرة وهذا ضد قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]، وزعمت المعتزلة أن مرتكب الكبيرة لا يسمى كافرا ولا مؤمنا بل هو في منزلة بين المنزلتين، وكلا المذهبين فاسدان والحق مع أهل السنة نصرهم الله،
قال الشيخ محمود القونوي بن أحمد توفي 777 هجري
في كتابه القلائد عند قول الطحاوي «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب» ما نصه: «إشارة إلى تكفيره بفساد اعتقاده كفساد اعتقاد المجسمة والمشبهة والقدرية ونحوهم»).
(وفي هذه الرواية من الفقه: أن لطف الله عز وجل ورحمتَه عبادَه تبلغ إلى أنَّ بغيًا من البغايا المسرفات على نفوسهن بفجورهن مدة عمرها، رَحِمَتْ في وقت واحد كبدًا رطبة، فكان ذلك لها وسيلة إلى رحمة الله عز وجل فأسقط عنها ما كان منها في عمرها لإنابة لحظة في رحمة دابةٍ غير كريمة، فكيف رحمة المسلمين؟!
وفي هذا الأمر توجيه لنا أن العبد المؤمن مهما كان مسرفا على نفسه بالذنوب لا ينبغي أن ييأس من رحمة الله ولا يقنط من عفوه عز وجل، ولْيَذْكُرِ العبد المؤمن الحديث القدسي: “قال الله تعالى: يا ابنَ ءادَم، إنَّك ما دعوتني ورَجَوْتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن ءادم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة”.)
(وإذا كان هذا المذكورُ في الروايتين جزاءَ من سقى كلبا وفك كربه فكيف بالذي يفرج عن المسلمين ويفك كرباتهم، إذا كانت هذه امرأة زانية غفر الله لها زناها بسبب سقياها هذا الكلب شربة ماء على ظمأ فكيف بالذي يقضي حوائج المؤمنين من بني آدم ويفك عنهم، وما أكثر الكربات هذه الأيام عند كثير من الناس مما يظهر لنا ومما يخفى علينا، فكم من الناس هو متعفف صابر لا يُظهِرُ ضجرًا ولا يأسا من واقع الحال وهو مع ذلك صابر على قلة العيش وشدة الأمر، هؤلاء من ينبغي أن نبحث عنهم ونسعى لفك كربهم، فإن لذلك أجرا عظيما لا يعلمه إلا الله عز وجل،
روى ابن الجوزي وغيره عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَرَّ مُسْلِمًا بَعْدِي، فَقَدْ سَرَّنِي فِي قَبْرِي، وَمَنْ سَرَّنِي فِي قَبْرِي، سَرَّهُ اللَّهُ عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ لُقْمَةً حُلْوَةً، لَمْ يَذُقْ مَرَارَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَرَحًا أَوْ سُرُورًا فِي دَارِ الدُّنْيَا، خَلَقَ اللَّهُ عز وجل مِنْ ذَلِكَ خَلْقًا يَدْفَعُ عَنْهُ الآفَاتِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَانَ مِنْهُ قَرِيبًا، فَإِذَا مَرَّ بِهِ قَالَ لَهُ: لَا تَخَفْ، فَيَقُولُ لَهُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ الَّذِي أَدْخَلْتُهُ عَلَى أَخِيكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا”.
وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ».
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِيهَا صَلَاحُ أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ دَرَجَاتٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعُصْمِيُّ نَبِيلًا مِنْ ذَوِي الْأَقْدَارِ الْعَالِيَةِ، وَلَهُ أَفْضَالٌ عَلَى الصَّالِحِينَ وَالْفُقَهَاءِ، قال الحاكم : صحبته حضرا وسفرا ، فما رأيت أحسن وضوءا ولا صلاة منه ، ولا رأيت في مشايخنا أحسن تضرعا وابتهالا منه . قيل لي : إن عشر غلته تبلغ ألف حمل . وحدثني أبو أحمد الكاتب أن النسخة بأسامي من يمونهم تزيد على خمسة آلاف بيت ، وقد عرضت عليه ولايات جليلة ، فأبى .
وكان يَقُولُ: إِنَّ الْفَقِيرَ يَفْرَحُ إِذَا نَاوَلْتُهُ كَاغِدًا، فَيَتَوَهَّمَ أَنَّ فِيهِ فِضَّةً، ثُمَّ يَفْتَحُهُ فَيَفْرَحُ إِذَا رَأَى صَفْرَةَ الدِّينَارِ، ثُمَّ يَزِنَهُ، فَيَفْرَحُ إِذَا زَادَ عَلَى الْمِثْقَالِ)
(ويستفاد من قصة الزانية ومغفرة الله لها أن العمل الصالح القليل قد يطغى على الذنوب الكبيرة الكثيرة، وقد يعمل الواحد أعمالا صورتها الصلاح وتكون كثيرة ولا تنجي صاحبها وقد ينجيه شيء قليل
فقد وروى ابن حبان في “صحيحه” عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “تَعَبَّدَ عَابِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ في صَوْمَعَتِهِ سِتيْنَ عَامًا، فَأَمْطَرَتِ الأَرْضُ فَاخْضَرَّتْ، فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ نزَلْتُ فَذَكَرْتُ الله، فَازْدَدْتُ خَيْرًا، فَنَزَلَ وَمَعَهَ رَغِيْفٌ أَوْ رَغِيْفَانِ، فَبَيْنَمَا هُوَ في الأَرْضِ لَقِيتهُ امْرَأة فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ حَتَّى غَشِيَهَا، ثُمَّ أُغْمِي عَلَيْهِ، فَنَزَلَ الغَدِيْرَ يَسْتَحِمُّ بِمَاءِ، فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغِيْفَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، فَوُزِنَتْ عِبَادَةُ سِتِّيْنَ سَنَة بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ، فَرَجَحَتِ الزَّنْيَةُ بحَسَنَاتِهِ، ثُمَّ وُضعَ الرَّغِيْفُ أَوِ الرَّغِيْفَانِ مَعَ حَسَنَاتِهِ فَرَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ، فَغُفِرَ لَه).