بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ الصِّفَاتِ الْجَلِيِّ الآيَاتِ، رَافِعِ السماوات وَسَامِعِ الأَصْوَاتِ، تَنَزَّهَ عَنِ الآلاتِ وَتَقَدَّسَ عَنِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَتَعَظَّمَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، جَلَّ عَنِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، حَيٌّ بِحَيَاةٍ تَنَزَّهَتْ عَنْ طَارِقِ الْمَمَاتِ، عَالِمٌ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ جَمِيعَ الْمَعْلُومَاتِ، قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ، سَمِعَ فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ سَمْعِهِ خَفِيُّ الأَصْوَاتِ، وَأَبْصَرَ سَوَادَ الْعَيْنِ فِي أَشَدِّ الظُّلُمَاتِ، أَحْمَدُهُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالاتِ، حَمْدًا يَدُومُ بِدَوَامِ الأَوْقَاتِ، وَأُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ كَافِرًا بِاللاتِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ محمّدًا عبده وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالأَدِلَّةِ الْوَاضِحَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ النَّاهِضِ يَوْمَ الرِّدَّةِ عَلَى أَقْدَامِ الثَّبَاتِ، الْقَائِمِ بِنَصْرِ الإِسْلامِ وَقَدْ قَعَدَ أَهْلُ الْعَزَمَاتِ، وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ فِي الْقَضِيَّاتِ، كَانَ إِذَا مَشَى خَافَ الشَّيْطَانُ مِنْ تِلْكَ الْخَطَوَاتِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ بِالْقُرْآنِ فِي الظُّلُمَاتِ، الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِأَيْدِي الْعِدَاةِ، وَعَلَى عَلِيٍّ ذِي الْمَنَاقِبِ الْعَالِيَاتِ، الْمَخْصُوصِ بِأُخُوَّةِ الرَّسُولِ دُونَ ذَوِي الْقَرَابَاتِ، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والخيرات،
أمَّا بعدُ:
مِن أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ:
مَا زِلنَا نَشرَحُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَكُنَّا شَرَحْنَا شَيئًا مِنهَا وَنُكمِلُ بِإِذنِ اللهِ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَهُ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.
نَصُّ الحَدِيثِ:
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّىِّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا:«مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ تَقُولِينَ إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّىِّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَوَّلًا أُبَيِّنُ وَأُذَكِّرُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ العَظِيمَ النَّفعِ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَفضَلِ بَنَاتِهِ وَأَفضَلِ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَحَبِّ بَنَاتِهِ إِلَى قَلبِهِ ﷺ، وَفَاطِمَةُ قَبلَ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِشَيءٍ قَلِيلٍ مِنْ فَضَائِلِهَا أُذَكِّرُ أَنَّهَا حَبِيبَةُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَلَيسَ كُلُّ مَنْ يَدَّعِي حُبَّ فَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ وَآلِ البَيتِ مُتَّهَمًا بِالتَّشَيُّعِ وَالرَّفضِ، لَا، بَلْ هَؤُلَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ أَحبَابُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، فَأَهلُ السُّنَّةِ يُحِبُّونَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَلَيسَ مَعنَى حُبِّ فَاطِمَةَ أَنْ تَلعَنَ وَتَسُبَّ عَائِشَةَ وَأَبَاهَا رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بَلِ المُوَازَنَةُ مَطلُوبَةٌ وَهِيَ المَنهَجُ الحَقُّ.
أَقُولُ وَبِاللهِ التَّوفِيقُ: هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ، وَيَكفِيهَا عَظَمَةُ الِاسمِ المَقرُونَةُ بِهِ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنهَا، فَعَظَمَةُ النِّسبَةِ وَفَخَامَتُهَا تُغنِي عَنِ التَّعرِيفِ، وَلَكِنَّنِي أَذكُرُهَا حُبًّا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهِي بِنتُ الحَبِيبِ المَحبُوبِ، وَزَوجَةُ الحَبِيبِ الخَلِيفَةِ الإِمَامِ وَأُمُّ الحَبِيبَينِ الحَسَنَينِ الخَلِيفَةِ الحَسَنِ وَالشَّهِيدِ السَّعِيدِ الحُسَينِ، وَجَدَّةُ الأَشرَافِ، وَكُلُّ نَسَبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَمُرُّ بِهَا، وَكَفَى بِهَذَا فَخرًا وَعِزًّا وَشَرَفًا، وَأَزِيدُ عَلَى هَذَا فَأَقُولُ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَفضَلِ الأُمَمِ، إِذَا ذُكِرَتْ نِسَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ فَهِيَ فِي المُقَدِّمَةِ وَفِي الطَّلِيعَةِ، رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَأَرضَاهَا، هِيَ مِنْ نَاسِكَاتِ الْأَصْفِيَاءِ وَصَفِيَّاتِ الْأَتْقِيَاءِ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، السَّيِّدَةُ الْبَتُولُ الْبَضْعَةُ الشَّبِيهَةُ بِالرَّسُولِ أَكثَرُ أَوْلَادِهِ بِقَلْبِهِ لُصُوقًا وَأَوَّلَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِهِ لُحُوقًا كَانَتْ عَنِ الدُّنْيَا وَمُتْعَتِهَا عَازِفَةً، وَبِغَوَامِضِ عُيُوبِ الدُّنْيَا وآفَاتِهَا عَارِفَةً، سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِيْنَ فِي زَمَانِهَا، البَضْعَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَالجِهَةُ المُصْطَفَوِيَّةُ، بِنْتُ سَيِّدِ الخَلْقِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَبِي القَاسِمِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ القُرَشِيَّةُ، الهَاشِمِيَّةُ، وَأُمُّ الحَسَنَيْنِ.
وَالزَّهرَاءُ مَعنَاهُ البَيضَاءُ المُشرِقَةُ، وَالرَّسُولُ فِي حَيَاتِهِ مَا كَانَ يُسَمَّى أَبَا الزَّهرَاءِ، إِنَّمَا بَعضُ المَدَّاحِينَ صَارُوا يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، إِنَّمَا فِي حَيَاتِهِ كَانَ يُسَمَّى أَبَا القَاسِمِ. مَوْلِدُهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَبْلَ المَبْعَثِ بِقَلِيْلٍ، وَتَزَوَّجَهَا الإِمَامُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فِي ذِي القَعْدَةِ، أَوْ قُبَيْلَهُ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. فَوَلَدَتْ لَهُ الحَسَنَ، وَالحُسَيْنَ، وَمُحْسِنًا، وَأُمَّ كُلْثُوْمٍ، وَزَيْنَبَ. وَكَانَ سِنُّهَا يَومَ تَزوِيجِهَا خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً وَخَمسَةَ أَشهُرٍ. وَكَانَ سِنُّ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَئِذٍ إِحدَى وَعِشرِينَ سَنَةً وَخَمسَةَ أَشهُرٍ. وَرَوَتْ عَنْ: أَبِيْهَا ﷺ. وَرَوَى عَنْهَا: ابْنُهَا؛ الحُسَيْنُ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَغَيْرُهُم. وَرِوَايَتُهَا فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهَا وَيُكْرِمُهَا وَيُسِرُّ إِلَيْهَا. وَمَنَاقِبُهَا غَزِيْرَةٌ. كَانَتْ صَابِرَةً، دَيِّنَةً، خَيِّرَةً، صَيِّنَةً، قَانِعَةً، شَاكِرَةً للهِ. وَقَدْ غَضِبَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا أَبَا الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هَمَّ بِمَا رَآهُ سَائِغًا مِنْ خِطْبَةِ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ، فَفِي البُخَارِيِّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا، وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ» فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ. تَرَكَ عَلِيٌّ الخِطْبَةَ رِعَايَةً لَهَا وَتَنْفِيذًا لِمَا أَحَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ عَلَيْهَا، وَلَا تَسَرَّى. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ، تَزَوَّجَ، وَتَسَرَّى رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
وَذَكَرَ المُسَبِّحِيُّ: أَنَّ فَاطِمَةَ تَزَوَّجَ بِهَا عَلِيٌّ بَعْدَ عُرْسِ عَائِشَةَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، وَلِفَاطِمَةَ يَوْمَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ وَنِصْفٌ.اهـ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ أَصْغَرَ مِنْ زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا زَوْجَةِ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ؛ وَمِنْ رُقَيَّةَ زَوْجَةِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا. وَقَدِ انْقْطَعَ نَسَبُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ قِبَلِ فَاطِمَةَ؛ قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: انْقَرَضَ عَقِبُ زَيْنَبَ. وَروى الترمذي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَّلَ فَاطِمَةَ وَزَوْجَهَا وَابْنَيْهِمَا بِكِسَاءٍ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، وَطَهِّرْهُم تَطْهِيْرا».اهـ وَرَوَى أَحمَدُ وَالحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، فَقَالَ:«أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ».اهـ وَعِندَ الحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَا يُبْغِضُنَا أَهْلَ البَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ».اهـ وَعِندَ أَحمَدَ وَالحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوْعًا: «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ – أَيْ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ -: خَدِيْجَةُ، وَفَاطِمَةُ.اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ الحَاكِمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ».اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:«أَلَا تَنْطَلِقُ بِنَا نَعُودُ فَاطِمَةَ فَإِنَّهَا تَشْتَكِي» قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِهَا فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ: أَدْخَلُ أَنَا وَمَنْ مَعِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَمَنْ مَعَكَ يَا أَبَتَاهُ وَلَكِنْ وَاللهِ مَا عَلَيَّ إِلَّا عَبَاءَةٌ، فَقَالَ لَهَا: «اصْنَعِي بِهَا كَذَا وَاصْنَعِي بِهَا كَذَا» فَعَلَّمَهَا كَيْفَ تَسْتَتِرُ، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا عَلَى رَأْسِي مِنْ خِمَارٍ قَالَ: فَأَخَذَ خَلَقَ مُلَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اخْتَمِرِي بِهَا» ثُمَّ أَذِنَتْ لَهُمَا فَدَخَلَا فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدِينَكِ يَا بُنَيَّةُ؟» قَالَتْ: إِنِّي لَوَجِعَةٌ وَإِنَّهُ لَيَزِيدُني فِي أَنَّهُ مَا لِيَ طَعَامٌ آكُلُهُ قَالَ: «يَا بُنَيَّةُ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ» قَالَتْ: تَقُولُ يَا أَبَتِ فَأَيْنَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ؟ قَالَ: «تِلْكَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عالَمِهَا وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِكِ أَمَا وَاللهِ زَوَّجْتُكِ سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».اهـ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا أَفضَلُ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَيُبَيِّنُ زُهدَهَا وَقِلَّةَ مَعِيشَتِهَا وَيُبَيِّنُ شِدَّةَ حَيَائِهَا وَحِرْصَهَا عَلَى التَّسَتُّرِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَأَرْضَاهَا، وَهَذَا الَّذِي يَنبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ عَلَيهِ مِنَ الرِّضَا بِالقَلِيلِ وَالتَّسَتُّرِ وَشِدَّةِ الحَيَاءِ. وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ ﷺ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»اهـ وَعِندَ أَبِي نُعَيمٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَلَكًا اسْتَأذَنَ اللهَ فِي زِيَارَتِي، فَبَشَّرَنِي أَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أُمَّتِي، وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ».اهـ
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قِيْلَ لَهَا: أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ؟ – فَأَجَابَتْ مِمَّا تَرَاهُ هِيَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا – قَالَتْ: فَاطِمَةُ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ؛ وَمِنَ الرِّجَالِ زَوْجُهَا – وَلَا يَتَعَارَضُ أَنَّهُ هُوَ ﷺ أَجَابَ أَنَّ عَائِشَةَ أَوْ خَدِيجَةَ أَحَبَّ إِلَيهِ وَأَنَّ أَبَا بَكرٍ هُوَ أَحَبُّ الرِّجَالِ إِلَيهِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقَدْ يَكُونُ الأَمرُ مِنْ حَيثِيَّةٍ وَهُنَاكَ مِنْ حَيثِيَّةٍ أُخرَى -، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا.اهـ
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ كَلَامًا وَحَدِيْثًا بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَرَحَّبَ بِهَا، وَكَذَلِكَ كَانَتْ هِيَ تَصْنَعُ بِهِ.اهـ
وَكَانَ لَهَا مِنَ البَنَاتِ: أُمُّ كُلْثُوْمٍ؛ زَوْجَةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَزَيْنَبُ؛ زَوْجَةُ عَبْدِ اللهِ بنِ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ.اهـ
وَعِندَ أَبِي نُعَيمٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا خَيْرٌ لِلنِّسَاءِ؟» فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فَسَارَّ عَلِيٌّ إِلَى فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ: فَهَلَّا قُلْتَ لَهُ: خَيْرٌ لَهُنَّ أَنْ لَا يَرَيْنَ الرِّجَالَ وَلَا يَرَوْنَهُنَّ فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: «مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا؟» قَالَ: فَاطِمَةُ. قَالَ: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي».
وَعِندَ الحَاكِمِ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصْدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا، قَالَ: وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ سَلْهَا فَإِنَّهَا لَا تَكْذِبُ”.اهـ
وَعِندَ الحَاكِمِ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ شُجْنَةٌ مِنِّي – وَشُجنَةٌ: بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسرِهَا: الرَّحِمُ المُشتَبِكَةُ -، يَبْسُطُنِي مَا يَبْسُطُهَا، وَيَقْبِضُنِي مَا يَقْبِضُهَا».اهـ
وَفِي التِّرمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الفَجْرِ، يَقُوْلُ: «الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ البَيْتِ» ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 33].اهـ
وَلَهَا فِي (مُسْنَدِ بَقِيٍّ): ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيْثًا، مِنْهَا حَدِيْثٌ وَاحِدٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.اهـ وَكَانَتْ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَلِيلَةَ المَالِ فَقِيرَةَ الحَالِ زَاهِدَةً فِي هَذِهِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَعِندَ أَبِي نُعَيمٍ عَنِ ابْنِ أَعْبُدَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: (يَا ابْنَ أَعْبُدَ أَلَا أُخْبِرُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ، كَانَتِ ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَكْرَمَ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ زَوْجَتِي فَجَرَّتْ بِالرَّحَا حَتَّى أَثَّرَتِ الرَّحَا بِيَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتِ الْقِرْبَةُ بِنَحْرِهَا، وَقَمَّتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، وَأَوْقَدَتْ تَحْتَ الْقِدْرِ حَتَّى دَنِسَتْ ثِيَابُهَا، وَأَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ ضُرٌّ).اهـ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: (لَقَدْ طَحَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى مَجَلَتْ يَدُهَا وَرُبُّما أَثَّرَ قُطْبُ الرَّحَا فِي يَدِهَا).اهـ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ حَامِلًا، فَكَانَتْ إِذَا خَبَزَتْ أَصَابَ حَرْفُ التَّنُّورِ بَطْنَهَا فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَقَالَ: «لَا أُعْطِيكِ وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ، أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ إِذَا أَوَيْتِ إِلَى فِرَاشِكِ تُسَبِّحِينَ اللهَ تَعَالَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدِينَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرِينَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ».اهـ وَكَانَتْ رَضِيَ اللهُ عَنهَا شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِرَسُولِ اللهِ وَشَدِيدَةَ الحُزنِ عَلَى مَوتِهِ ﷺ، فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: وَا كَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ التُّرَابَ).اهـ وَلَيسَ قَولُهَا هَذَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا مِنْ بَابِ النَّدبِ أَوِ النِّيَاحَةِ، فَالنَّدبُ وَالنِّيَاحَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَرَوَى ابنُ الجَوزِيِّ فِي «الوَفَاءِ» عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: لَمَّا رُمِسَ – أَيْ دُفِنَ – رَسُولُ اللهِ ﷺ جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا فَوَقَفَتْ عَلَى قَبرِهِ وَأَخَذَتْ قَبضَةً مِنْ تُرَابِ القَبرِ فَوَضَعَتْهُ عَلَى عَينَيهَا وَبَكَتْ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:
| مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَــدٍ | أَلَّا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَـا | |
| صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَــوْ أَنَّهَا | صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا |
قِيلَ فِي شَرحِ هَذِهِ الأَبيَاتِ: تَقُولُ السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ الزَّهرَاءُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: إِنَّ مَنْ شَمَّ نَفَحَاتِ الطِّيبِ وَعَبِيرَ العِطْرِ الذَّكِيِّ الَّذِي يَعبِقُ مِنْ تُرَابِ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ أَغنَاهُ ذَلِكَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِشَمِّ عَبِيرِ الطِّيبِ مِنَ الغَوَالِي – وَالغَوَالِي: جَمعُ غَالِيَةٍ، وَهِيَ أَخلَاطٌ مِنْ أَجمَلِ وَأَذْكَى أَنوَاعِ الطِّيبِ وَالعُطُورِ، وَعُمْدَتُهَا مِنَ المِسكِ وَالعُودِ -. وَالْمَعنَى: أَنَّ طِيبَ تُرَابِ قَبرِ الرَّسُولِ ﷺ أَحلَى وَأَذكَى مِنْ سَائِرِ الطُّيُوبِ، فَمَنْ شَمَّهُ اسْتَغنَى عَن شَمِّ غَيرِهِ مِنَ العُطُورِ.
ثُمَّ تَقُولُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَاصِفَةً شِدَّةَ مُصِيبَتِهَا الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيهَا بِفَقدِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَوتِ وَرَحِيلِ أَبِيهَا وَحَبِيبِهَا رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: إِنَّ هَذِهِ المُصِيبَةَ كَأَنَّهَا لِهَولِهَا وَشِدَّتِهَا عِدَّةُ مَصَائِبَ عَظِيمَةٍ جُمِعَتْ فِي مُصِيبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مِنْ هَولِهَا لَوْ وَقَعَتْ عَلَى النَّهَارِ المُشرِقِ لَاسْوَدَّ وَاستَحَالَ لَيلًا مُظلِمًا حَالِكًا، فَكَيفَ بِهَا إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الإِنسَانِ الضَّعِيفِ؟! وَفِي هَذَا مِنْ بَرَاعَةِ الوَصفِ وَقُوَّةِ العَاطِفَةِ وَدِقَّةِ التَّعبِيرِ مَا يَتَقَاطَرُ مِنهُ شَهدُ البَلَاغَةِ وَيَعبِقُ بِرَيحَانِ الفَصَاحَةِ، وَصِدقِ العَاطِفَةِ، وَحَرَارَةِ الشَّوقِ وَأَلَمِ المُصَابِ الجَلَلِ؛ فَيُحَرِّكُ فِي القَلبِ بَوَاعِثَ الشَّوقِ وَالحَنِينِ إِلَى سَيِّدِ المُرسَلِينَ وَحَبِيبِ رَبِّ العَالَمِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.اهـ فَرَضِيَ اللهُ عَنِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ وَأَرضَاهَا.اهـ
وَرُوَي أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ أَهلِهِ ﷺ لُحُوقًا بِهِ:
فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ مَسْرُوْقٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ اجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً. فَجَاءتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. فَلَمَّا رَآهَا، رَحَّبَ بِهَا، قَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي». ثُمَّ أَقْعَدَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ. فَلَمَّا قَامَ، قُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُوْلُ اللهِ بِالسِرِّ وَأَنْتَ تَبْكِيْنَ، عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَالِي عَلَيْكِ مِنْ حَقٍّ، لَمَا أَخْبَرْتِنِي مِمَّ ضَحِكْتِ؟ وَمِمَّ بَكَيْتِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِي سِرَّ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ حَقٍّ لَمَا أَخْبَرْتِنِي. قَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ، فِي المَرَّةِ الأُوْلَى، حَدَّثَنِي: «أَنَّ جِبْرِيْلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَأَنِّي لَا أَحْسِبُ ذَلِكَ إِلَاّ عِنْدَ اقْتِرَابِ أَجَلِي، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَنِعْمَ السَّلَفُ لَكِ أَنَا». فَبَكَيْتُ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي، قَالَ:«أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوْنِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ العَالَمِيْنَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟» قَالَتْ: فَضَحِكْتُ.اهـ
وَقَد رُوِيَ الكَثِيرُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ حَيَائِهَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَحِرصِهَا عَلَى المُبَالَغَةِ فِي التَّسَتُّرِ، فقد رُوِيَ عَنْ كَهْمَسٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَمَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِيْهَا سَبْعِيْنَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَقَالَتْ لأَسْمَاءَ: إِنِّي لأَسْتَحْيِي أَنْ أَخْرُجَ غَدًا عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِهِ جِسْمِي – أَي عِندَمَا أَمُوتُ وَيَحمِلُنِي الرِّجَالُ لِلدَّفنِ أَنْ يَصِفَ الكَفَنُ جِسمِي -. قَالَتْ: أَوَلَا نَصْنَعُ لَكِ شَيْئًا رَأَيْتُهُ بِالحَبَشَةِ؟ فَصَنَعَتِ النَّعْشَ، فَقَالَتْ: سَتَرَكِ اللهُ كَمَا سَتَرْتِنِي.اهـ
وروي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَاشَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَدُفِنَتْ لَيْلًا.اهـ قَالَ بعضُ أهلِ السِّيَر: هَذَا أَثْبَتُ الأَقَاوِيْلِ عِنْدَنَا. وَصَلَّى عَلَيْهَا العَبَّاسُ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا هُوَ وَعَلِيٌّ وَالفَضْلُ. وَقَالَ سَعِيْدُ بنُ عُفَيْرٍ: مَاتَتْ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِهَا، وَدُفِنَتْ لَيْلًا.
وروي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: مَكَثَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهِيَ تَذُوْبُ أَيْ حُزْنًا.اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ بَعضِ الصَّحَابَةِ: “مَا رَأَيْتُ فَاطِمَةَ ضَاحِكَةً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا يَوْمًا أَفْترَتْ بِطَرْفِ نَابِهَا، قَالَ: وَمَكَثَتْ بَعْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ”.اهـ وَعَنْ محمدٍ البَاقِرِ: أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِنْتَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً. وُلِدَتْ وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الكَعْبَةَ. قَالَ: وَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ. وَعَنْ عُمَارَةَ بنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ أُمِّ جَعْفَرٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: إِنِّي أَسْتَقْبِحُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ، يُطْرَحُ عَلَى المَرْأَةِ الثَّوْبُ، فَيَصِفُهَا – أَيْ: يُظهِرُ حَجمَ أَعضَائِهَا -. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ! إِذَا مِتُّ فَغَسِّلِيْنِي أَنْتِ وَعَلِيٌّ، وَلَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ عَلَيَّ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ، جَاءتْ عَائِشَةُ لِتَدْخُلَ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: لَا تَدْخُلِي. فَشَكَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَاءَ، فَوَقَفَ عَلَى البَابِ، فَكَلَّمَ أَسْمَاءَ. فَقَالَتْ: هِيَ أَمَرَتْنِي. قَالَ: فَاصْنَعِي مَا أَمَرَتْكِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هِيَ أَوَّلُ مِنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا فِي الإِسْلَامِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ.اهـ وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَابنُ حَجَرٍ وَغَيرُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُبِ: يَا أَهْلَ الْجَمْعِ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى تَمُرَّ“.اهـ وَهَذَا الحَدِيثُ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعضُهُم إِلَّا أَنَّ الحَاكِمَ صَحَّحَهُ وَهُوَ يُروَى فِي الفَضَائِلِ.
وَهُنَا أَذكُرُ أَنَّ بَعضَ الطَّوَائِفِ وَالفِرَقِ كَالرَّوَافِضِ أَيِ الشِّيعَةِ يَتَمَسَّكُونَ بِبَعضِ المَروِيَّاتِ فِي بَعضِ الكُتُبِ وَمِنهَا كُتُبُ أَهلِ السُّنَّةِ لِلطَّعنِ فِي أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَيَعتَبِرُونَهُ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ، فَيَقُولُ الرَّوَافِضُ أَيِ الشِّيعَةُ: إِنَّ عُمَرَ دَخَلَ بَيتَ فَاطِمَةَ وَكَسَرَ ضِلعَهَا وَأَرَادَ حَرقَ بَيتَهَا، وَأَنَّ أَبَا بَكرٍ أَرَادَ حَرقَ بَيتَ فَاطِمَةَ بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَأَقُولُ: وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمُ الطَّعنَ فِي أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ إِلَّا أَنَّهُمْ أَيضًا طَعَنُوا فِي عَلِيٍّ وَبَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَيثُ لَا يَعلَمُونَ، فَعَلَى زَعمِ الشِّيعَةِ إِنَّ عَلِيًّا وَالصَّحَابَةَ عَلِمُوا بِهَذَا الأَمرَ وَلَمْ يُنكِرُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهَذَا الأَثَرُ المَروِيُّ فِي هَذَا يُسَمِّيهِ الشِّيعَةُ: حَدِيثَ كَسرِ الضِّلعِ وَحَرقِ البَيتِ، وَهُوَ مَروِيٌّ فِي بَعضِ الكُتُبِ، وَلَكِنْ بِأَسَانِيدَ وَاهِيَةٍ مُنقَطِعَةٍ مَوضُوعَةٍ، فَلَا يَصِحُّ هَذَا وَالعِيَاذُ بِاللهَ.
وَأَيضًا فِي القِصَّةِ المَعرُوفَةِ بِقِصَّةِ فَدَكَ: فَأُوَضِّحُ الَّذِي جَرَى بَينَ فَاطِمَةَ وَأَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي أَمرِ فَدَكَ وَأَرضِ خَيبَرَ – أَرضُ فَدَكَ هِيَ مِنْ أَرضِ خَيبَرَ كَانَتْ فِي سَهمِ رَسُولِ اللهِ بَعدَ فَتحِهِ خَيبَرَ، وَبَعدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكرٍ تَطلُبُ مِيرَاثَهَا مِن هَذِهِ الأَرضِ -: رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ». ثُمَّ روى الْبُخَارِيُّ: عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟». وهذَا يدلُّ على فقهِهَا وعلمِها رضيَ الله عنها. فَهَذِهِ عائشة إِحْدَى النِّسَاءِ الْوَارِثَاتِ – إِنْ لَوْ قُدِّرَ مِيرَاثٌ – قَدِ اعْتَرَفَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ مَا تَرَكَهُ صَدَقَةً لَا مِيرَاثًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَقِيَّةَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَافَقْنَهَا عَلَى مَا رَوَتْ، وَتَذَكَّرْنَ مَا قَالَتْ لَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ عِبَارَتَهَا تُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُنَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، وروى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحنُ مَعَاشِرَ الأَنبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ.اهـ وهذا في البخاري. فقالت له فاطمة: أرض فَدَكَ النّبيّ أعطاني إيّاها قبل أن يموت، فقال لها من يشهدُ لك؟ هو لا يُكذّبها ولكنّه خليفة وحاكم، عنده أدوات الاجتهاد التي عنده، التي بناء عليها سيحكم لها بشيء تطلبه، لا بد من أدلّة للحكم، فقال لها من يشهد لكِ بذلك؟ فقالت: زوجي علي. ولكن الحكم لا بد من اثنين، فقال لها: يا فاطمة تأخذينها بشهادة رجل وامرأة! أنا لا أعطيك هذه الأرض. انظروا إلى تصرّف أبي بكر الصّديق، فقالت فاطمة: لِمَ لا تجعل عليًّا هو من ينظر في أمر هذه الأرض بعد وفاة رسول الله ﷺ.وفي رواية البخاري: فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ – أي معاتَبَةً لهُ – فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فهي بَشَر، ولكنّها أفضلُ نساء أمّة سيدنا محمد ﷺ، ولكنّها عتبت فهي غير معصومة، حصل منها كما يحصل مع بني آدم، أَسِفَتْ كما يأْسف بنو آدم، عتبت على أبي بكر. وروَى البيهقيُّ مِنْ طريقِ الشعبيِّ «أنَّ أبا بكرٍ عادَ فاطمةَ، فقالَ لها عليّ: هذا أبو بكر يستأذنُ عليكِ، فأذِنَتْ له، فدخَلَ عليها فنظر إليها وقال لها: (والله ما تركت الدّار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل بيت النبي فترضَّاها حتى رضِيت).اهـ
زيادةُ توضيحٍ:
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ تَأَمَّلَ مَا دَارَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ مِنَ الْمُعَاتَبَةِ وَمِنَ الِاعْتِذَارِ وَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنَ الْإِنْصَافِ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ الْآخَرِ وَأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً عَلَى الِاحْتِرَامِ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِنْ كَانَ الطَّبْعُ الْبَشَرِيُّ قَدْ يَغْلِبُ أَحْيَانًا، لَكِنَّ الدِّيَانَةَ تَرُدُّ ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ الرَّافِضَةُ بِتَأَخُّرِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَاطِمَةُ وَهَذَيَانُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُدْفَعُ فِي حجتهم، وَقد صحّح ابن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَأَمَّا مَا يحتجون به فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وغيره من الحفاظ.اهـ
وَأَمَّا تَغَضُّبُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، فإنَّما هوَ علَى وجهِ العتابِ وليسَ للمجافاةِ والمنافرةِ والتخاصمِ المخالفِ للشّرعِ، فهو كان منعها مَا سَأَلَتْهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَقَدِ اعْتَذَرَ إِلَيْهَا بِعُذْرٍ يَنبغي قَبُولُهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَهِيَ مِمَّنْ تَنْقَادُ لِنَصِّ الشَّارِعِ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا الْمِيرَاثَ، كَمَا خَفِيَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى أَخْبَرَتْهُنَّ عَائِشَةُ بِذَلِكَ، وَوَافَقْنَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يُظَنُّ بِفَاطِمَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا اتَّهَمَتِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِيمَا أَخْبَرَهَا بِهِ حَاشَاهَا وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ؟! رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. أمّا هؤلاء الرّافضة فقد فتحوا شَرًّا عَرِيضًا، وَجَهْلًا طَوِيلًا، وَأَدْخَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ، وَلَوْ تَفَهَّمُوا الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لَعَرَفُوا لِلصِّدِّيقِ فَضْلَهُ، وَقَبِلُوا مِنْهُ عُذْرَهُ الَّذِي يَنبغي عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبُولُهُ، وَلَكِنَّهُمْ طَائِفَةٌ مَخْذُولَةٌ، وَفِرْقَةٌ مَرْذُولَةٌ، يَتَمَسَّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ، وَيَتْرُكُونَ الْأُمُورَ الْمُحْكَمَةَ الْمُقَرَّرَةَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَقَدِ اعْتَرَفَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْبَيْتِ بِصِحَّةِ مَا حَكَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، روى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فقَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بن أبي طالب: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَحَكَمْتُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فَدَكَ.اهـ ومما يذكره المؤرخون وأهل الحديث فقد ثبتت مُبَايَعَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لأبي بكر إِمَّا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أَوْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنَ الْوَفَاةِ. وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُفَارِقِ الصِّدِّيقَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ لَمَّا خَرَجَ الصِّدِّيقُ شَاهِرًا سَيْفَهُ يُرِيدُ قِتَالَ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَ مِنْ فَاطِمَةَ رضي الله عنها عَتْبٌ عَلَى الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ مَا كَانَتْ مُتَوَهِّمَةً مِنْ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ مِيرَاثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِمَ تَعْلَمْ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه. أنه قال: «لا نورث من تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ» فَحَجَبَهَا وَغَيْرَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ وَعَمَّهُ عَنِ الْمِيرَاثِ بِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَنْظُرَ علي فِي صَدَقَةِ الْأَرْضِ الَّتِي بِخَيْبَرَ وَفَدَكَ فَلَمْ يُجِبْهَا إِلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ فِي جَمِيعِ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. هُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ التَّابِعُ لِلْحَقِّ رضي الله عنه، فَحَصَلَ لَهَا – وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْبَشَرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ الْعِصْمَةِ – عَتْبٌ وَتَغَضُّبٌ وَلَمْ تكلِّم الصّديق حتى ماتت، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فَلَمَّا مَاتَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ أَبِيهَا ﷺ رَأَى عَلِيٌّ أَنْ يُجَدِّدَ الْبَيْعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه كَمَا في الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا معما تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْبَيْعَةِ قَبْلَ دَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ فيما رواه الحاكم: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمَشُورَةِ وَإِنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَخَبَرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ بالنَّاس وَهُوَ حَيٌّ وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرْنَاهُ ظَهَرَ لَهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارِ عَلَى تَقْدِيمِ أبي بكر، وظهر برهان قوله ﷺ: «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ». وَظَهَرَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافَةِ عَيْنًا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاس، لَا لِأَبِي بَكْرٍ كَمَا قَدْ زَعَمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا لَعَلِّي كما يقوله طائفة من الرَّافِضَةِ. وَلَكِنْ أَشَارَ إِشَارَةً! قَوِيَّةً يَفْهَمُهَا كُلُّ ذِي لُبٍّ وَعَقْلٍ إِلَى الصِّدِّيقِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وروى البيهقي أنه قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عندما ضربه الخوراج: أَلَا تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَخْلِفَ، وَلَكِنْ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بالنَّاس خَيْرًا فَسَيَجْمَعُهُمْ بَعْدِي عَلَى خَيْرِهِمْ، كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ عَلَى خَيْرِهِمْ. وثبت في الصحيحن أن النبي ﷺ لم يوصِ تصريحا لأحد بالخلافة، وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه يَرُدُّ عَلَى فِرْقَةِ الرَّافضة فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى إِلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا لَمَا ردَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فإنَّهم كَانُوا أطوع لله ولرسوله في حياته ﷺ بعد وفاته مِن أنْ يَفْتاتوا عَلَيْهِ فَيُقَدِّمُوا غَيْرَ مَنْ قَدَّمَهُ وَيُؤَخِّرُوا مَنْ قَدَّمَهُ بِنَصِّهِ، حَاشَا وَكَلَّا وَلَمَّا، وَمَنْ ظَنَّ بالصَّحابة رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَهُمْ بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ عَلَى مُعَانَدَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَمُضَادَّتِهِمْ فِي حُكْمِهِ وَنَصِّهِ، وَمَنْ وَصَلَ مِنَ النَّاس إِلَى هَذَا الْمَقَامِ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ وَكَفَرَ بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ. ثُمَّ لَوْ كَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه نَصٌّ فلِمَ لمْ يَحْتَجّ بِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ عَلَى إِثْبَاتِ إِمَارَتِهِ عَلَيْهِمْ وَإِمَامَتِهِ لَهُمْ؟ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَنْفِيذِ مَا مَعَهُ مِنَ النَّصِّ فَهُوَ عَاجِزٌ وَالْعَاجِزُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَهُوَ خَائِنٌ وَالْخَائِنُ الْفَاسِقُ مَسْلُوبٌ مَعْزُولٌ عَنِ الْإِمَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِ النَّصِّ فَهُوَ جَاهِلٌ. ثُمَّ وَقَدْ عَرَفَهُ وَعَلِمَهُ مَنْ بعده هذا مُحَالٌ وَافْتِرَاءٌ وَجَهْلٌ وَضَلَالٌ، وحاشاه وهو البّر العالِم الإمام. وَإِنَّمَا يَحْسُنُ هَذَا فِي أَذْهَانِ الْجَهَلَةِ الطَّغَامِ وَالْمُغْتَرِّينَ مِنَ الْأَنَامِ، يُزَيِّنُهُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّحَكُّمِ وَالْهَذَيَانِ وَالْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ، عِيَاذًا بِاللهِ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّخْلِيطِ وَالْخِذْلَانِ وَالتَّخْبِيطِ وَالْكُفْرَانِ، وَمَلَاذًا بِاللَّهِ بِالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ وَالْوَفَاةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَالْمُوَافَاةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالْإِيقَانِ وَتَثْقِيلِ الْمِيزَانِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النِّيرَانِ وَالْفَوْزِ بِالْجِنَانِ إِنَّهُ كَرِيمٌ مَنَّانٌ رَحِيمٌ رَحْمَنٌ«مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ مَعنَاهُ انتَبِهِي لِمَا سَأَقُولُهُ لَكِ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّهَا تَعلَمَ أَمرًا يَأمُرُ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ وَتَمتَنِعُ عَنهُ، لَا، بَلِ المَعنَى: انتَبِهِي لِمَا سَأُملِيهِ عَلَيكِ وَأَقُولُهُ لَكِ وَالتَزِمِي بِهِ مِن بَابِ النَّدبِ تَقُولِينَ إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ مَعنَاهُ: إِذَا دَخَلتِ فِي الصُّبحِ أَوِ المَسَاءِ قُولِي هَذَا الكَلَامَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ إِنَّ مِمَّا نَصَّ عَليهِ القُرءانُ وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَأَجمَعَتْ عَلَيهِ الأُمَّةُ وَجَاءَ بِهِ الأَنبِيَاءُ وَدَعَا إِلَيهِ الإِسلَامُ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا بِدَايَةَ وَلَا نِهَايَةَ لَهُ وَأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، وَمِنْ صِفَاتِهِ سُبحَانَهُ الحَيَاةُ؛ وَهِيَ صِفَةٌ لَيسَتْ كَصِفَاتِ الأَحيَاءِ، وَهُوَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لَيسَتْ بِجَسَدٍ وَلَا رُوحٍ وَلَا قَلبٍ وَلَا غِذَاءٍ وَلَا تَنَفُّسٍ وَلَا شَرَايِينَ، وَهُوَ سُبحَانَهُ لَا يَحتَاجُ إِلَى طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَهُوَ يُطعِمُ وَلَا يُطعَمُ. وَالآيَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صِفَةِ الحَيَاةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [سورة الفرقان/ الآية 58]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 255]، فَهُوَ حَيٌّ لَا كَالأَحيَاءِ إِذْ أَنَّ حَيَاتَهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيسَتْ بِدَمٍ وَرُوحٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ حَيَاتِهِ وُجُودُ هَذَا العَالَمِ، فَلَو لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ يُوجَدْ شَيءٌ مِنَ العَالَمِ لِأَنَّ مَنْ لَيسَ حَيًّا لَا يَتَّصِفُ بِالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالعِلمِ، لَكِنْ وُجُودُ العَالَمِ ثَابِتٌ بِالحِسِّ وَالضَّرُورَةِ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا اسمُ اللهِ القَيُّومُ: فَهَذَا الثَّابِتُ فِي أَفضَلِ آيَةٍ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ آيةِ الكُرسِيِّ حَيثُ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 255]، وَفِي هَذَا إِثبَاتُ القَيُّومِيَّةِ للهِ تَعَالَى، وَالقَيُّومِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ استِغنَائِهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ شَىءٍ وَاحتِيَاجِ كُلِّ شَىءٍ إِلَيهِ. فَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ وَلَا إِلَى مَكَانٍ؛ لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ وَهُوَ الَّذِي أَوجَدَ كُلَّ الأَمَاكِنِ وَالجِهَاتِ فَلَا يَحتَاجُ إِلَيهَا، بَل هِيَ مُفتَقِرَةٌ فِي وُجُودِهَا إِلَيهِ سُبحَانَهُ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ مَا أَعظَمَ أَنْ يَستَغِيثَ العَبدُ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَنقَطِعَ إِلَيهِ وَهَذَا مِنْ أَسرَارِ هَذَا الدُّعَاءِ المُبَارَكِ، أَستَغِيثُ بِرَحمَتِكَ أَيْ أَنْ تَشمَلَنِي بِهَا، وَمَنْ شَملَتْهُ رَحمَةُ رَبِّ العَالَمِينَ هَنِيئًا لَهُ، مَا يَضُرُّهُ بَعدَ ذَلِكَ، وَهَذَا حَالُ المُسْلِمِ الكَامِلِ المُوَحِّدِ المُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ أَنَّهُ يَستَعِينُ بِخَالِقِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ حَاجَاتِهِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، حَتَّى مَعَ مُبَاشَرَةِ الأَسبَابِ فَإِنَّ اعْتِمَادَكَ عَلَى اللهِ خَالِقِ الأَسْبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ وَخَالِقِ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ، وَهُوَ الرَّحْمَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ فِي الدُّنيَا، وَلِلمُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ الَّتِي لَا يَنَالُ الرَّحْمَةَ فِيْهَا إِلَّا مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ. وَفِي تَحقِيقِ هَذِهِ المَعَانِي يُرْوَى فِي بَيَانِ حَالِ المُتَوَكِّلِينَ المُسْتَعِينِينَ بِاللهِ مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَيهِمْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَكُرَبِهَا مَا رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيُّ فِيْ كِتَابِهِ الْوَفَا بِتَعْرِيْفِ فَضَائِلِ الْمُصْطَفَىْ عَنْ أَبِيْ بَكْرٍ الْمِنْقَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ فِيْ حَرَمِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَكُنَّا عَلَى حَالَةٍ فَأَثَّرَ فِيْنَا الْجُوْعُ، فَوَاصَلْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعِشَاءِ حَضَرْتُ قَبْرَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ الْجُوْعَ الْجُوْعَ، وَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِيْ أَبُو الشَّيْخِ: اجْلِسْ فَإِمَّا أَنْ يَكُوْنَ الرِّزْقُ أَوِ الْمَوْتُ، قَالَ أَبُوْ بَكْرٍ: فَنِمْتُ أَنَا وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالطَّبَرَانِيُّ جَالِسٌ يَنْظُرُ فِيْ شَىْءٍ فَحَضَرَ بِالبَابِ رَجُلٌ مِنْ ءَالِ عَلِيِّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَدَقَّ الْبَابَ، فَإِذَا مَعَهُ غُلَامَانِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِعَاءٌ كَبِيْرٌ فِيْهِ شَىْءٌ كَثِيْرٌ. فَجَلَسْنَا وَأَكَلْنَا، وَظَنَنَّا أَنَّ الْبَاقِيَ يَأْخُذُهُ الْغُلَامُ، فَوَلَّى وَتَرَكَ عِنْدَنَا الْبَاقِيَ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الطَّعَامِ قَالَ الرَّجُلُ: يَا قَوْمِ أَشَكَوْتُمْ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَإِنِّيْ رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ فَأَمَرَنِيْ بِحَمْلِ شَىْءٍ إِلَيْكُم.اهـ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ أَيْ أَمرَ دُنيَايَ وَآخِرَتِي، فَمَنْ صَلَحَ أَمرُ دُنيَاهُ كَانَ فِيهَا طَالِبًا لِلآخِرَةِ مُقبِلًا إِلَيهَا غَيرَ مُنغَمِسٍ فِي مَلَذَّاتِ وَشَهَوَاتِ الدُّنيَا المُحَرَّمَةِ، هَكَذَا صَلَاحُ أَمرِ الدُّنيَا، بِأَنْ تَأخُذَ مِنهَا مَا يُقَرِّبُكَ لِلآخِرَةِ، وَأَمَّا صَلَاحُ أَمرِ الآخِرَةِ يَكُونُ بِأَنْ يُصرَفَ العَبدُ عَنِ العِقَابِ وَالعَذَابِ فِي قَبرِهِ وَفِي مَوَاقِفِ القِيَامَةِ وَفِي النَّارِ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يُصلِحَ لَنَا أَمرَ دُنيَانَا وَأَمرَ آخِرَتِنَا وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ الخَلقُ محتاجون إلى الله في كل حين والله تعالى غني عن العالمين ولا يحتاج إلى خلقه طرفة عين، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ غَنِيٌّ عَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالعَرشِ وَالكُرسِيِّ وَكُلِّ الخَلقِ، قَالَ الحَسَنُ البِصْرِيُّ فِي مَعنَى الصَّمَدِ وهو بمعنى القيوم: الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّوَالُ كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَلَا أَيْنَ وَلَا أَوَانَ، وَلَا عَرْشَ وَلَا كُرْسِيَّ، وَلَا جِنِّيَّ وَلَا إِنْسِيَّ وَهُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ.اهـ رَوَاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
والله تعالى أعلم وأحكم