المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ مُعطِي الجزيلِ لمنْ أطاعهُ ورَجَاهُ، وشديدِ العقابِ لمَن أعرَضَ عن ذكْرِهِ وعصاهُ، اجْتَبى من شاء بفضلِهِ فقرَّبَهُ وأدْناهُ، وأبْعَدَ مَنْ شاء بعَدْلِه فولَّاهُ ما تَولَّاهُ، أنْزَل القرءانَ رحمةً للعالمينَ ومَنَارًا للسّالِكين مَنْ تمسَّك به نال مُنَاهُ، ومنْ تعدّى حدودَهُ وأضاع حقُوقَه خسِر دينَهُ ودنياهُ، أحْمَدُهُ على ما تفضَّلَ به من الإِحسانِ وأعطاهُ، وأشْكرُهُ على نِعَمِهِ الدّينيةِ والدّنيويةِ وما أجْدَرَ الشّاكرَ بالمـَزِيدِ وأوْلاهُ،
وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له الكاملُ في صفاتِهِ المُتعالي عنِ النُّظَراءِ والأشْباهِ، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي اختاره على البشرِ واصْطفاهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ والتابعينَ لهم بإِحسانٍ ما انْشقَّ الصّبحُ وأشْرقَ ضِياهُ. أما بعد:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:
بَابُ الْقَوْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِى السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِى الدُّعَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي».
الشرح والتعليق على اسم الباب وهذا الحديث
بَابُ الْقَوْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أي ماذا يقول المصلي في الجلوس بين السجدتين من الأذكار، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ من أركان الصلاة، وَهُوَ رُكْنٌ وَلَوْ كَانَتِ الصَّلاةُ نَفْلًا، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا الْجُلُوسُ رُكْنٌ قَصِيرٌ أَمْ لا، فَمَنْ جَعَلَهُ رُكْنًا قَصِيرًا اشْتَرَطَ عَدَمَ تَطْوِيلِهِ، فَعَلَيْهِ إِنْ طَوَّلَهُ فَوْقَ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِقَدْرِ أَقَلِّ التَّشَهُّدِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الآخَرِ يَجُوزُ تَطْوِيلُهُ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِدَالُ فِيهِ اخْتِلافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ أَمْ لا، فَعَلَى اشْتِرَاطِ عَدَمِ تَطْوِيلِهِ مَنْ زَادَ فِيهِ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ أَبْطَلَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُمَا رُكْنَانِ طَوِيلانِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا عَدَمُ الصَّارِفِ فَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ فَزَعًا مِنْ شَىْءٍ رَجَعَ إِلَى السُّجُودِ ثُمَّ يَجْلِسُ.
الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذَا الْجُلُوسِ وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ. وَيُسَنُّ فِي هَذَا الْجُلُوسِ الِافْتِرَاشُ وهو أن ينصب المصلي قدمه اليمنى قائمة على أطراف الأصابع، ويفرش رجله اليسرى بأن يلصق ظهرها بالأرض، ويجلس على باطنها. أَوِ الإِقْعَاءُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى بُطُونِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَهَذَا غَيْرُ الإِقْعَاءِ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ،وهو أن ينصب فخذيه وساقيه، ويعتمد على يديه حال جلوسه كإقعاء الكلب.
ويسن أن يقُوْلَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي”، وَفِي اللَّفْظِ اخْتِلافُ رِوَايَاتٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ رِوَايَةُ الْحَاكِم وَقَدْ صَحَّحَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَيُسَنُّ إِذَا أَرَادَ النُّهُوضَ لِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ جَلْسَةٌ خَفِيفَةٌ فَلَوْ تَرَكَهَا الإِمَامُ فَعَلَهَا الْمَأْمُومُ لِقِصَرِ زَمَنِهَا.
فالجلوس بين السجدتين، من أعمال الصلاة وأعمال الصلاة كلها فيها تعظيم للخالق عز وجل، ولذلك قال الفقهاء: يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ وَشَرْطٍ مِنْ أَعْمَالِ الصلاة: فإن كنت من المريدين حقا للآخرة وتريد الترقي فيها فينبغي أن لا تغفل أولًا عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها،
فإذا سَمِعْتَ نِدَاءَ الْمُؤَذِّنِ فَأَحْضِرْ فِي قَلْبِكَ أي استحضر هَوْلَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَشَمَّرْ بِظَاهِرِكَ وَبَاطِنِكَ لِلْإِجَابَةِ وَالْمُسَارَعَةِ فَإِنَّ الْمُسَارِعِينَ إِلَى هَذَا النِّدَاءِ هُمْ الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءً بالفرح والاستبشار مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في مسنده: «يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها صلى الله عليه وسلم.
وقال الغزالي عن السجود في الصلاة: ثُمَّ تَهْوِي إِلَى السُّجُودِ وَهُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الِاسْتِكَانَةِ فَتُمَكِنَّ أَعَزَّ أَعْضَائِكَ وَهُوَ الْوَجْهُ مِنْ أَذَلِّ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ التُّرَابُ وَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ لَا تَجْعَلَ بَيْنَهُمَا حَائِلًا فَتَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَافْعَلْ فَإِنَّهُ أَجْلِبُ لِلْخُشُوعِ وَأَدَلُّ عَلَى الذُّلِّ، وَإِذَا وَضَعْتَ نَفْسَكَ مَوْضِعَ الذُّلِّ فَاعْلَمْ أَنَّكَ وَضَعْتَهَا مَوْضِعَهَا وَرَدَدْتَ الْفَرْعَ إِلَى أصله فإنك مِنَ التُّرَابِ خُلِقْتَ وَإِلَيْهِ تَعُودُ فَعِنْدَ هَذَا جَدِّدْ عَلَى قَلْبِكَ عَظَمَةَ اللَّهِ وَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَأَكِّدْهُ بِالتَّكْرَارِ فَإِنَّ الْكَرَّةَ الْوَاحِدَةَ ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وَظَهَرَ ذَلِكَ فَلْتُصْدِقْ رَجَاءَكَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فإن رحمته تتسارع إِلَى الضَّعْفِ وَالذُّلِّ لَا إِلَى التَّكَبُّرِ وَالْبَطَرِ فَارْفَعْ رَأْسَكَ مُكَبِّرًا وَسَائِلًا حَاجَتَكَ وَقَائِلًا رَبِّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم أو ما أردت من الدعاء، ثُمَّ أَكِّدِ التَّوَاضُعَ بِالتَّكْرَارِ فَعُدْ إِلَى السُّجُودِ ثَانِيًا كَذَلِكَ:
«رَبِّ اغْفِرْ لِي والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر ويكثر من الاستغفار، فقد صح عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «واللَّه إِنِّي لأَسْتَغْفرُ الله، وَأَتُوبُ إِليْه، في اليَوْمِ، أَكثر مِنْ سَبْعِين مرَّةً» رواه البخاري. وعن الأَغَرِّ بْن يَسار المُزنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «يَا أَيُّها النَّاس تُوبُوا إِلى اللَّهِ واسْتغْفرُوهُ فإِني أَتوبُ في اليَوْمِ مائة مَرَّة» رواه مسلم.
قال العيني: وَإِنَّمَا كَانَ يسْتَغْفر هَذَا الْمِقْدَار مَعَ أَنه مَعْصُوم ومغفور لَهُ لِأَن الاسْتِغْفَار عبَادَة، أَو هُوَ تَعْلِيم لأمته، أَو اسْتِغْفَار من ترك الأَوْلَى أَو قَالَه تواضعًا.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هفوات الطباع البشرية لَا يسلم مِنْهَا أحد، والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن عصموا من الْكَبَائِر فَلم يعصموا من الصَّغَائِر التي ليس فيها خسة ودناءة نفس.
وقوله سبعين مرة: ليس شرطا هذا العدد بعينه وإنما ورد بروايات متعددة بعضها بلفظ سبعين وبعضها بلفظ مائة وغير ذلك وإنما هو للتقريب وَارْحَمْنِي مظاهر رحمة الله كثيرة لا تدخل تحت إحصائنا، ومن أعظم مظاهر رحمة الله الجنة، ففيها مستقر المؤمنين، وهذا معنى ما جاء في الحديث أنه يوجد كتاب فوق العرش مكتوب فيه: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» أَيْ أَنَّ مَظَاهِرَ الرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَظَاهِرِ الْغَضَبِ، الْمَلائِكَةُ مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ قَطَرَاتِ الأَمْطَارِ وَأَوْرَاقِ الأَشْجَارِ، وَالْجَنَّةُ مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ جَهَنَّمَ بِآلافِ الْمَرَّاتِ.
وَكَوْنُ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَوْقَ الْعَرْشِ ثَابِتٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَغَيْرُهُمَا، وَلَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ حِبِّانَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ يَكْتُبُهُ عَلَى نَفْسِهِ – مَعْنَاهُ وَعَدَ – وَهُوَ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي». وفي رواية عند النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنَّهُ أَنْزَلَ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ ءَايَتَيْنِ خُتِمَ بِهِمَا سُورَةُ الْبَقَرَةِ»، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَوْقِيَّةً حَقِيقِيَّةً لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
وَكَلِمَةُ «عِنْدَ» لِلتَّشْرِيفِ لَيْسَ لإِثْبَاتِ تَحَيُّزِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ لِأَنَّ «عِنْدَ» تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الْمَكَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [سورة هود/ الآية 82-83] إِنَّمَا تَدُلُّ «عِنْدَ» هُنَا أَنَّ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ مُجَاوِرَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْمَكَانِ.
فَمَنْ يَحْتَجُّ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةِ عِنْدَ لإِثْبَاتِ الْمَكَانِ وَالتَّقَارُبِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ، وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إِنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أُولَئِكَ الْكَفَرَةِ نَزَلَتْ مِنَ الْعَرْشِ إِلَيْهِمْ وَكَانَتْ مُكَوَّمَةً بِمَكَانٍ فِي جَنْبِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ عَلَى زَعْمِهِمْ.
فإذًا مظاهر رحمة الله أكثر من مظاهر غضبه عز وجل، وكما قلتُ فإن الجنة من مظاهر رحمة الله وهي كبيرة جدا، ولا يدخلها إلا نفس مسلمة، وقدْ روى مسلمٌ عنِ النبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا» ومعناهُ لَا يدخلُ الجنةَ إلَّا مؤمنٌ وفي الترمذيِّ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ»، والرحمة بعد الموت ومغفرة الذنوب تجوز للمؤمن فقط وليس للكافر لكن بعض المؤمنين ثبت أنهم يعذَّبوا في نار جهنم ثم يخرجون منها، يُفهم مما ذكرت أنه لا يجوز الترحم على كافر بعد الموت فالجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة والكافر لا تناله رحمة الله بعد الموت مهما عمل من صور الأعمال الصالحة ومهما أكثر من صور الحسنات، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 23]، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 156]، فالرحمة بعد الموت خاصة بالمؤمنين ليس بغيرهم ممن ينسب إلى الله الولد أو الشبيه أو المكان أو الجسم. فَيُعْلَمُ مِنْ هذا أَنَّ الذي ماتَ كافرًا أصليًا أوْ مرتَدًا بأنِ ارتَدَّ عنِ الإسلامِ ومات على ردته بأي أنواع الردة لَا يدخلُ الجنةَ والعياذُ باللهِ تعالى.
وَاهْدِنِي أي ثبتني على الهداية، وهي مثل قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الآية 6]، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا ليعلمنا أن ندعو به،
والهداية مِنْ جِهَةٍ تُطلَقُ على هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، أَيْ خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام/ الآية 125] وَالإِضْلالُ خَلْقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلالِ. فَالْعِبَادُ مَشِيئَتُهُمْ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [سُورَةَ الإِنْسَان/ الآية 30]. فَالْهِدَايَةُ بِمَعْنَى خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ خَاصَّةٌ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَالَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يُحَبِّبُ الإِسْلامَ إِلَيْهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا فَلا يُحَبِّبُ الإِسْلامَ إِلَيْهِ. وَالإِضْلالُ مَعْنَاهُ خَلْقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا، وَيَخْلُقُ الضَّلالَةَ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عَدْلًا مِنْهُ لا ظُلْمًا.
وَعَافِنِي وقد كثر الدعاء بالعافية والمعافاة في الأحاديث النبوية وسير الصحابة الكرام رضي الله عنهم فقد روى البيهقيُّ في الشعب عَنْ أَوْسَطَ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَخْطُبُ، فَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: -يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَهُمَا فِي النَّارِ، وَسَلُوا اللهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَافَاةِ -أَوْ قَالَ: الْعَافِيَةَ -وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا».اهـ
وَعنْ أبي إِبْراهيمَ عَبْدِ اللَّه بْنِ أبي أَوْفى رضي اللَّهُ عنهمَا أَنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في بعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهمْ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لا تَتَمنَّوا لِقَاءَ الْعدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّه العَافِيَةَ، فَإِذَا لقيتُموهم فاصْبرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّة تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنا عَلَيْهِمْ» متفقٌ عليه.
وقال النووي في شرحه لمسلم: وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِسُؤَالِ الْعَافِيَةِ وَهِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِدَفْعِ جَمِيعِ الْمَكْرُوهَاتِ فِي الْبَدَنِ وَالْبَاطِنِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ الْعَامَّةَ لِي وَلِأَحِبَّائِي وَلِلْمُسْلِمِينَ.اهـ
وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا – يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ – مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ»،
قيل أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَافِيَةِ الصِّحَّةُ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ الطِّيبِيِّ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَافِيَةُ أَحَبَّ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ جَامِعَةٌ لِخَيْرِ الدَّارَيْنِ مِنَ الصِّحَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّلَامَةِ فِيهَا وَفِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَافِيَةَ أَنْ يَسْلَمَ مِنَ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا، وَهِيَ الصِّحَّةُ عِنْدَ الْمَرَضِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُفُوسِ الْعَامَّةِ،
وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَافِيَةِ السَّلَامَةُ مِنَ الْبَلَاءِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مَعَهُ صِحَّةُ الْبَدَنِ أَمْ لَا،
قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: دَخَلَ عَلَيَّ سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيُّ، وَكَانَ بِهِ أَلَمٌ فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: عَافَاكَ اللَّهُ يَا سَيِّدِي فَسَكَتَ وَلَمْ يُجَاوِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ، فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ الْعَافِيَةَ، وَالَّذِي أَنَا فِيهِ هُوَ الْعَافِيَةُ، وَقَدْ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَافِيَةَ وَقَالَ: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَالْآنَ قَطَعَتْ أَبْهَرِي»، وَأَبُو بَكْرٍ سَأَلَ الْعَافِيَةَ وَمَاتَ مَسْمُومًا، وَعُمَرُ سَأَلَ الْعَافِيَةَ وَمَاتَ مَطْعُونًا، وَعُثْمَانُ سَأَلَ الْعَافِيَةَ وَمَاتَ مَذْبُوحًا، وَعَلِيٌّ سَأَلَ الْعَافِيَةَ وَمَاتَ مَقْتُولًا، فَإِذَا سَأَلْتَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَسَلْهُ الْعَافِيَةَ مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَكَ عَافِيَةٌ اهـ
قال ملا علي القاري: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْعَافِيَةُ دَفْعُ الْعَفَاءِ وَهُوَ الْهَلَاكُ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ كَفَافٌ مِنَ الْقُوتِ، وَقُوةٌ لِلْبَدَنِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَاشْتِغَالٌ بِأَمْرِ الدِّينِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَتَرْكُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، وَلَا كَلِمَةَ أَجْمَعُ لِذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْعَافِيَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سَأَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ أَنْ يُعَلِّمَهُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ اخْتَارَ لَفْظَهَا فَقَالَ: يَا عَمِّ إِنِّي أُحِبُّكَ، سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَارْزُقْنِي النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله بأن يرزقه رزقا حلالا طيبا مباركا فيه، قَالَ فِي مُختَارِ الصَّحَاحِ: الرِّزقُ مَا يُنتَفَعُ بهِ.اهـ
وَقَالَ البَيهَقِيُّ: وَمَا مَكَّنَهَا مِنَ الِانتِفَاعِ بِهِ مِن مُبَاحٍ وَغَيرِ مُبَاحٍ رِزقٌ لَهَا.اهـ
فَالرِّزقُ عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ مَا يَنفَعُ وَلَو كَانَ حَرَامًا.اهـ
قال القرطبي: وَالرِّزقُ عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ مَا صَحَّ الِانتِفَاعُ بِهِ حَلَالًا كَانَ أَو حَرَامًا، خِلَافًا لِلمُعتَزِلَةِ فِي قَولِهِم: إِنَّ الحَرَامَ لَيسَ بِرِزقٍ لِأَنَّه لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وَأَنَّ اللهَ لَا يَرزُقُ الحَرَامَ وَإِنَّمَا يَرزُقُ الحَلَالَ، وَالرِّزقُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعنَى المِلكِ، قَالُوا: فَلَو نَشَأَ صَبِيٌّ مَعَ اللُّصُوصِ وَلَم يَأكُل شَيئًا إِلَّا مَا أَطعَمَهُ اللُّصُوصُ إِلَى أَن بَلَغَ وَقَوِيَ وَصَارَ لِصًّا، ثُمَّ لَم يَزَل يَتَلَصَّصُ وَيَأكُلُ مَا تَلَصَّصَهُ إِلَى أَن مَاتَ، قَالُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ: فَإِنَّ اللهَ لَم يَرزُقهُ شَيئًا إِذ لَم يُمَلِّكهُ، وَإِنَّهُ يَمُوتُ وَلَم يَأكُل مِن رِزقِ اللهِ شَيئًا، وَهَذَا فَاسِدٌ،
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ أَنَّ الرِّزقَ لَو كَانَ بِمَعنَى التَّملِيكِ لَوَجَبَ أَلَّا يَكُونَ الطِّفلُ مَرزُوقًا، وَلَا البَهَائِمُ الَّتِي تَرتَعُ فِي الصَّحرَاءِ، وَلَا السِّخَالُ مِنَ البَهَائِمِ، لِأَنَّ لَبَنَ أُمَّهَاتِهَا مِلكٌ لِصَاحِبِهَا دُونَ السِّخَالِ، وَلَمَّا اجتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الطِّفلَ وَالسِّخَالَ وَالبَهَائِمَ مَرزُوقُونَ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَرزُقُهُم مَعَ كَونِهِم غَيرَ مَالِكِينَ عُلِمَ أَنَّ الرِّزقَ هُوَ الغِذَاءُ وَلِأَنَّ الأُمَّةَ مُجمِعَةٌ عَلَى أَنَّ العَبِيدَ وَالإِمَاءَ مَرزُوقُونَ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَرزُقُهُم مَعَ كَونِهِم غَيرَ مَالِكِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ الرِّزقَ مَا قُلنَاهُ لَا مَا قَالُوهُ.اهـ
قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ –وَهُوَ مِن صُلَحَاءِ السَّلَفِ مِن مُعَاصِرِي الإِمَامِ أَحمَدَ – رَحِمَهُ اللهُ: لَمَّا عَلِمتُ أَنَّ رِزقِي لَن يَأكُلَهُ غَيرِي اطمَئَنَّ بَالِي.اهـ
وَقَالَ أَيضًا: لِي أَربَعُ نِسوَةٍ وَتِسعَةٌ مِنَ الأَولَادِ، فَمَا طَمِعَ الشَّيطَانُ أَن يُوَسوِسَ إِلَيَّ فِي شَيءٍ مِن أَرزَاقِهِم.
وقال الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ:
تَوكَّلتُ فِي رِزْقِي عَلَى اللهِ خَـالِقِي *** وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللهَ لَا شَـــكَّ رَازِقِـــي
وَمَا يَكُ مِنْ رِزْقِي فَلَيْـــسَ يَفوتُنِي *** وَلَو كَانَ فِي قَاعِ البِحَارِ الغَوامِقِ
سَيَأْتِــي بِــهِ اللهُ العَظِيــمُ بِفَضْلِـــهِ *** وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنِّي اللِّسَــــانُ بِنَاطِقِ
فَفِي أَيِّ شَيءٍ تَذْهَبُ النَفْسُ حَسْرَةً *** وَقَدْ قَسَمَ الرَّحْمَنُ رِزْقَ الْخَلَائِــقِ
بَابُ دُعَاءِ الْقُنُوتِ
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بنِ عَلِىٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِى الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ».
بَابُ دُعَاءِ الْقُنُوتِ الْقُنُوتُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الدُّعَاءُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: قَنَتَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا دَعَا عَلَيْهِ، وَقَنَتَ لَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ، لَكِنْ صَارَ الْقُنُوتُ بِالْعُرْفِ مُسْتَعْمَلًا فِي دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ في الصلاة.
أما وقت القنوت، فهو أولا: في الركعة الثانية في صلاة الصبح بعد الركوع، روي عن أنس رضي اللّه عنه أن رسول الله ﷺ لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. رواه الحاكم في كتاب الأربعين، وقال: حديث صحيح.
ثانيا: في ءاخر ركعة من الوتر في النصف الثاني من رمضان بعد الركوع: قال النووي الشافعي في الأذكار في كتاب ما يقوله إذا دخل في الصّلاة بابُ القُنوتِ في الصُّبح: “واعلم أن القنوت مشروع عندنا في الصبح وهو سنّة متأكدة، ويستحبُّ القنوت عندنا في النصف الأخير من شهر رمضان في الركعة الأخيرة من الوتر”اهـ
ثالثا: في صلاة الفريضة إذا نزلت على المسلمين مصيبة: يسن القنوت في الصلوات المكتوبة إذا نزلت على المسلمين مصيبة، كما فعل رسول الله ﷺ حين قُتل القراء السبعون مكث شهرا يدعو على من قتلهم.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بنِ عَلِىٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِى الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ مِنَ الأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي شَاءَ الضَّلالَةَ لِمَنْ ضَلَّ مِنْ عِبَادِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [سورة المائدة/ الآية 41]فَاللَّهُ يُخَاطِبُ رَسُولَهُ بِأَنَّهُ شَاءَ أَنْ يُضِلَّ أُولَئِكَ فَضَلُّوا وَكَرِهُوا الإِيمَانَ وَأَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْلُقَ فِيهِمُ الِاهْتِدَاءَ لِأَنَّ اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ، فَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَظِيفَتُهُمُ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوهَا الْبَيَانُ وَالدِّلالَةُ وَالإِرْشَادُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، لَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى خَلْقِ الْهُدَى فِي قُلُوبِهِمْ، لا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُقَ الْهُدَى فِي قَلْبِ عَبْدٍ لا مَلَكٌ وَلا نَبِيٌّ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أَيْ ضَلالَتَهُ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، كَمْ مِنْ أَقَارِبَ لِلرَّسُولِ مَا اسْتَطَاعَ الرَّسُولُ أَنْ يَهْدِيَ قُلُوبَهُمْ فَيُؤْمِنُوا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [سورة البقرة/ الآية 272] أَيْ لَسْتَ مُكَلَّفًا بِأَنْ تَجْعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ مُعْتَقِدِينَ قَلْبًا إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَيَانُ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ أَيْ: مِنْ أَسْوَأِ الْأَدْوَاءِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَهْوَاءِ، وقيل: مِنَ الْمُعَافَاةِ الَّتِي هِيَ دَفْعُ السُّوءِ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ أَيْ تَوَلَّ أَمْرِي وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي فِي جُمْلَةِ مَنْ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وقيل: يَعْنِي أَحْبَبْتَهُمْ أَوْ مِمَّنْ تَقُومُ بِحِفْظِ أُمُورِهِمْ، وليعلم أن الولاية منها الولاية العامة وهي التي تكون لجميع المسلمين، فقد قال الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: “وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمٰنِ وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْءَانِ”. اهـ معناه: الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِى الْوِلايَةِ الْعَامَّةِ أَمَّا الْوِلايَةُ الْخَاصَّةُ فَهِىَ لِأَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ فَقَطْ، وأَشَدُّهُمْ طَاعَةً هُوَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِى هُوَ أَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْءَانِ أَىْ أَشَدُّهُمْ عَمَلًا بِالْقُرْءَانِ.
وهذا الكلام من الطحاوي يدل على أن الولاية لا تكون لمن كان مخالفا لدين الله، كما يزعم بعض الجهلة الدجالين هذه الأيام، فإنهم يتكلمون بكلام فيه مخالفة صريحة للقرآن الكريم ويزعمون أنهم أولياء الله، وفي رد هذا يقول السيد الشريف أحمد الرفاعي الكبير: “كل طريقة خالفت الشريعة فهي زندقة”. وقال أيضا: “إذا رأيت الرجل يطير في الهواء فلا تعتبره حتى تزن أقواله وأفعاله بميزان الشرع”. وقد قال يونس بن عبد الأعلى: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصَّر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ أي أوقع لي البركة فيما أعطيتني، ومعنى البركة من حيث اللغة والشرع: قال ابن منظور: البَرَكَةُ: النَّماء والزيادة. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [سورة هود/ الآية 73]، قال: البركات السعادة. لأن من أسعده الله بما أسعد به النبي ﷺ فقد نال السعادة المباركة الدائمة، قال الأزهري: وكذلك الذي في التشهد.
ونقول تبارك الله: أي تقدس وتنزّه وتعالى وتعاظم، صفة خاصة بالله تعالى لا تكون لغيره.
والتبرّك هو طلب البركة أي الخير، وأما اصطلاحا فهو: طلب الحصول على الخير على وجه السبب، فإذا أراد مسلم أن يتبرك بآثار الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين كما هو ثابت في الكتاب والسنة، فإن معناه أنا أريد من الله أن يجعل لي البركة من أجل الرسول أو الولي، وليس المراد أن يخلق الرسول أو الولي البركة، لأن عقيدة المسلمين أن الأنبياء والأولياء لا يخلقون شيئا بل هم أسباب والله يخلق البركة، والله تعالى هو خالق كل شيء وهو خالق الأسباب والمسببات، ولا يخلق أحد غير الله شيئا من هذا العالم.اهـ
وقد ثبت في كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه شواهد على البركة والتبرك، فقد قال عز وجل عن الكعبة المشرفة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [سورة آل عمران/ الآية 96] فهذا بناء من حجارة قال عنه ربنا عز وجل ﴿مُبَارَكًا﴾ أي أنه خصّه ببركة عظيمة،
وقد قال الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد: فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه قاله النووي في الروضة من زوائده. ورأيته منقولا عن النبي ﷺ قال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر.اهـ
والحجر الأسود أصله من الجنة وأُهبِطَ مع آدم من الجنة.
وقال السيوطي في الدر المنثور: وَأخرج الْأَزْرَقِيّ والجندي عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَوْلَا مَا طبع من الرُّكْن من أنجاس الْجَاهِلِيَّة وأرجاسها وأيدي الظلمَة لاستُشفي بِهِ من كل عاهة.اهـ
وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ أَيِ: احْفَظْنِي من السوء والمكروه والشرور، وليس معنى هذا الكلام أن قدر الله يوصف بالشر، لا، بل المعنى قني الشر الذي قدرته يا رب، فَالمَعنَى: جَنِّبنِي شَرَّ مَا خَلَقتَ مِمَّا فِيهِ شَرٌّ، وَلَيسَ أَنَّ تَقدِيرَ اللهِ يُوصَفُ بِالشَّرِّ. وهذا مثل ما ورد في حديث جبريل حيث قال عليه الصلاة والسلام: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه.اهـ أي أن المخلوقات التي قدرها الله وفيها الخير والشر إنّما وجدت بتقدير الله الأزلي. وأما صفة الله القدر لا يوصف بأنّه شرّ.
ولذلك عدَّ العلماء من الواجبات القلبية الرضا عن الله بمعنى التّسليمِ لَهُ وتركِ الاعتراض، يجبُ علينا الرضا بقضاءِ اللهِ وقدرِه وأن لا نعترض على الله تعالى لا بالقلب ولا باللسان ولا بالفعل لأن الله تبارك وتعالى يملِكُنا وما نَمْلِك، كُلُّ شىء مِلكٌ لله تبارك وتعالى وهو حكيم يفعلُ في مُلكِهِ ما يشاء، الله شاء في الأزل أن يكون قسم من الناس طائعين وأن يكونَ قسم من الناس غيرَ طائعين فكان كذلك، اللهُ شاء في الأزل أن يكون قسمٌ من الناس مُنعمين وأن يكون قسم غيرَ مُنعمين فكان كذلك، اللهُ يفعلُ ما يشاء ولا يُعترضُ عليه بشىءٍ سُبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 23]، الله تبارك وتعالى لهُ ما أعطى ولهُ ما أخذ، حتى يدي التي هي جزءٌ مني لستُ أنا الذي أملِكُها، الله مالِكُها، أنا أنتفع بهذه اليد لكني لا أملِكُها، حتى المال الذي أملِكُهُ المِلكُ الحقيقيُ لهذا المال هو لله تعالى، نحنُ وما نمْلِك مِلكٌ لله واللهُ يفعلُ في مُلكِهِ ما يشاء فعلينا أن نرضى بقضاءِ الله تبارك وتعالى معناهُ أن لا نعترِضَ على الله تبارك وتعالى فيما قضى لا بالقلب ولا باللسان ولا بالجوارح لأنَّ الذي يعترِضُ على الله تبارك وتعالى يكفر. ما معنى الاعتراض على الله؟ الاعتراضُ على الله معناهُ نِسبةُ الظُلم إلى الله معناهُ نِسبةُ عدمِ الحِكمةِ إلى الله وهذا كفر. إبليس ما هو أول كفر كفرهُ؟ اعترض على الله قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 12]، يعني يا رب كيف تأمُرني أن أسجُد له أنا خيرٌ منهُ كيف تأمُرني أن أسجُد له فاعترض على الله فكان هذا أولَ كُفرٍ كفرهُ إبليس.
نحنُ نرضى بقضاءِ الله أي لا نَعترِضُ على الله،
وأما ما قضاهُ اللهُ من المخلوقات فهذا نوعان نوعٌ نرضى بهِ ونُحِبُهُ ونوعٌ نكرهُهُ ولا نُحِبُهُ، الإيمان الله خلقهُ نرضى به، الكفر الله خلقهُ لا نرضى به ولا نُحِبُهُ، الطاعة نرضى بها ونُحِبُها، المعصية لا نرضى بها ولا نُحِبُها لكن لا نَعترِضُ على الله في تقديرِ المعصية كما لا نَعْتَرِضُ على الله في تقديرِهِ للطاعة.
فإذًا القدر الذي منهُ خير ومنه شر ليس تقديرَ الله الذي هو صِفَتُهُ، إنما القدر الذي منهُ خير ومنهُ شر هو المقدور المخلوق الذي حصلُ بتقدير الله، الطاعة التي تحصُلُ بتقدير الله هذه خير، المعصية التي تحصُلُ بتقدير الله هذه شر، اللهُ هو الذي قَدَّرَ حصولَ الخير من قسم من العباد وهو الذي قدر حصولَ الشر من قسم من العباد، الخير بمشيئتِهِ ومحبتِهِ ورضاهُ وأمرِه، الشر بمشيئتِهِ لكن ليس بمحبتِهِ ولا برضاه ولا بأمره. لماذا قلنا بمشيئتِهِ؟ لأنهُ لو كان يحصُلُ بغيرِ مشيئةِ الله لكن اللهُ مغلوبًا عاجزًا تعالى اللهُ عن ذلك لا يحصُلُ في مِلْكِ الله إلا ما أراد سُبحانه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن كما أخبرنا الله في القرءان فَإِنَّكَ تَقْضِي أَيْ: تُقَدِّرُ أَوْ تَحْكُمُ بِكُلِّ مَا أَرَدْتَ وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ، الذي يجب عليه شيء يكون محكوما لغيره يكون مغلوبا على أمره والله غالب على أمره وليس مغلوبا، والذي يجب عليه شيء يكون مقهورا لغيره والله قاهر وقهار وليس مغلوبا مقهورا والعياذ بالله، ليس واجبا على الله شيء، لا يجب على الله أن يثيب المؤمنين ولا أن يعذب الكافرين وإنما هو عز وجل وعد بذلك فيفعل ولا يتخلف وعده سبحانه وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ أيْ لَا يَصِيرُ ذَلِيلًا، أَيْ حَقِيقَةً وَلَا عِبْرَةَ بِالصُّورَةِ، والْمُوَالَاةُ ضِدُّ الْمُعَادَاةِ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَأَيْ: لَا يَعِزُّ فِي الْآخِرَةِ أَوْ مُطْلَقًا وَإِنْ أُعْطِيَ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَمُلْكِهَا مَا أُعْطِيَ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَمْتَثِلْ أَوَامِرَكَ وَلَمْ يَجْتَنِبْ نَوَاهِيَكَ. الله تعالى هو الخَافِضُ الرَّافِعُ، هو الَّذِي يُخفِضُ الجَبَّارِينَ وَيُذِلُّ المُتَكَبِّرِينَ وَيَرفَعُ أَولِيَاءَهُ بِالطَّاعَةِ فَيُعلِي مَرَاتِبَهُم، فَالتَّقِيُّ رَفِيعُ الرُّتبَةِ بِالتَّقوَى وَالعَاصِي مَخفُوضُ الدَّرَجَةِ بِالمَعَاصِي وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَكَم مِن مُتَكَبِّرٍ كَافِرٍ تَكَبَّرَ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ أَذَلَّهُ اللهُ تَعَالَى، فَهَذَا أَبُو لَهَبٍ عَدُوُّ اللهِ وَعَدُوُّ رَسُولِهِ ﷺ اذله الله يُروَى عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: “فَوَاللهِ مَا عَاشَ إِلَّا سَبعَ لَيَالٍ – أَي أَبُو لَهَبٍ بَعدَ غَزوَةِ بَدرٍ- حَتَّى ضَرَبَهُ اللهُ بِالعَدَسَةِ” [قَالَ ابنُ الأَثِيرِ في النهاية: “إِنَّ أَبَا لَهَبٍ رَمَاهُ اللهُ بِالعَدَسَةِ”، وَهِيَ بَثَرَةٌ تُشبِهُ العَدَسَةَ تَخرُجُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الجَسَدِ مِن جِنسِ الطَّاعُونِ تَقتُلُ صَاحِبَهَا غَالِبًا.اهـ]، فَقَتَلَتهُ، فَلَقَد تَرَكَهُ ابنَاهُ لَيلَتَينِ أَو ثَلَاثَةً مَا يَدفِنَاهُ حَتَّى أَنتَنَ فَقَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ لِابنَيهِ: أَلَا تَستَحِيَانِ، إِنَّ أَبَاكُمَا قَد أَنتَنَ فِي بَيتِهِ، فَقَالَا: إِنَّا نَخشَى هَذِهِ القُرحَةَ، وَكَانَت قُرَيشٌ يَتَّقُونَ العَدَسَةَ كَمَا يَتَّقُونَ الطَّاعُونَ، فَقَالَ الرَّجُلٌ: انطَلِقَا فَأَنَا مَعَكُمَا، قَالَ: فَواللهِ مَا غَسَلُوهُ إِلَّا قَذفًا بِالمَاءِ عَلَيهِ مِن بَعِيدٍ ثُمَّ احتَمَلُوهُ فَقَذَفُوهُ فِي أَعلَى مَكَّةَ إِلَى جِدَارٍ وَقَذَفُوا عَلَيهِ الحِجَارَةَ تَبَارَكْتَ أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُكَ فِي الدَّارَيْنِ رَبَّنَا أَيْ: يَا رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ أَيِ: ارْتَفَعَ عَظْمَتُكَ وَظَهَرَ قَهْرُكَ وَقُدْرَتُكَ عَلَى مَنْ فِي الْكَوْنَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيِ ارْتَفَعْتَ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ شَيْءٍ.
والله تعالى أعلم وأحكم