تحقير الذنوب وهي من المهلكات | رياض الصالحين (63-64)

الدرس ٥٣ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٣:٤٠

الحديث الثالث والستون

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِلُطْفِهِ السَّحَابَ، فَرَوَّى الأَوْدِيَةَ وَالْهِضَابَ، وَأَنْبَتَ الْحَدَائِقَ وَأَخْرَجَ الأَعْنَابَ، يَبْتَلِي ويمتحن وَإِذَا دُعِيَ أَجَابَ، رَفَعَ إِدْرِيسَ وَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ وَكَانَتِ السَّفِينَةُ مِنَ الْعُجَابِ، وَنَجَّى الْخَلِيلَ مِنْ نَارٍ شَدِيدَةِ الالْتِهَابِ، وَكَانَتْ سَلامَةُ يُوسُفَ عِبْرَةً لأُولِي الأَلْبَابِ، أَحْمَدُهُ تعالى حَمْدَ مَنْ أَخْلَصَ وَأَنَابَ، وَأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ أَفْضَلِ نَبِيٍّ نَزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كِتَابٍ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ مُقَدَّمِ الصِّحَابِ، وَعَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَقَتِيلِ الْمِحْرَابِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمَهِيبِ وَمَا سَلَّ سَيْفًا بَعْدُ مِنْ قِرَابٍ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُقَدَّمِ نَسَبُهُ عَلَى الأَنْسَابِ، أما بعد: 

الحديث

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرَّابعُ: عنْ أَنَس رضي اللهُ عنه قالَ: “إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُوِبِقَاتِ” رواه البخاري. وَقالَ: “الْمُوبِقَاتُ” الْمُهْلِكَاتُ. 

الشرح

الرَّابعُ (أي الحديث الرابع من باب المراقبة وهو الثالث والستون من كتاب رياض الصالحين): عنْ أَنَس رضي اللهُ عنه (وهو أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه خادمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وقد مرت ترجمته رضي الله عنه) قالَ (هذا الكلام المروي هو من قول أنس بن مالك رضي الله عنه وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويروى عن غير أنس بن مالك كأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وغيرِه وكذلك يروى عن بعض التابعين): “إِنَّكُمْ (قال هذا الكلام مع الذين يتساهلون في الأعمال) لَتَعْمَلُونَ (اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد) أَعْمَالًا (أَيْ: عَظِيمَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَتَسْتَصْغِرُونَهَا وتتساهلون بها وهذا معنى قوله التالي) هِيَ أَدَقُّ (أفعل التَّفْضِيل من الدقة بِكَسْر الدَّال، وَأَرَادَ بِهِ أَنهم كَانُوا يحقرونها ويهونونها) فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ كُنَّا نَعُدُّهَا (أي نحسبها والمقصود تِلْكَ الْأَعْمَالَ التي تعملونها، وحال الصحابة هكذا لكمال الخشية الناشئة عن كمال المعرفة بالله الحاصلة بحلول نظر النبيّ) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (أَي: فِي زَمَنه وأيامه صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصا في حضوره ينالون من بركاته وأنظاره ما يُلَطِّفُ قلوبهم ويُلَيِّنُهَا وفي هذا يقول أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّا إِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ؟، فَقَالَ: ” لَوْ تَكُونُونَ – أَوْ لَوْ أَنَّكُمْ – تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ عِنْدِي لَصَافَحْتُمُ الْمَلَائِكَةَ بَأَكُفِّكُمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ “، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ، مَا بِنَاؤُهَا؟، قَالَ: ” لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، مِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمُ، وَلَا يَبْؤُسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ”)  قوله مِنَ الْمُوِبِقَاتِ (يُرِيدُ أَنَسٌ بِالْمُوبِقَاتِ الْمُهْلِكَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَهْلِكًا، وهذا كما قيل «لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظم من عصيت» وفي الخبر الآخر “إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ”)” (قال الفيروزأبادي: الوُبُوقُ: الهَلاكُ. وَبَقَ يَبِقُ، كوَعَد يَعِدُ، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا} أَى جعلنا بينهم من العَذاب ما يُهْلكهم. وقال أَبو عبيدة: المَوْبِقُ: المَوْعِدُ. وقال ابن عَرَفَة: مَوْبِقًا أَى مَحْبِسًا. وكلُّ شىء حالَ بين شيئين فهو مَوْبِقٌ. وقيل: المَوْبِقُ: واد في جهنَّم. وأَوْبَقَهُ: أَهْلَكه. وقيل: حَبَسَه، قال الله تعالى: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} أَي يَحْبسُ السُفُن فلا تَجْرى عُقوبةً لأَهلها) (وحالهم هذا من كثرة ما يراقبون قلوبهم ويستحضرون الخشية من الله عز وجل وتمام الخوف من الله تعالى.

 وهم كما قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” خِيَارُ أُمَّتِي فِيمَا أَنْبَأَنِي الْمَلَأُ الْأَعْلَى (أي جبريل) لَقَوْمٌ يَضْحَكُونَ جَهْرًا فِي سَعَةِ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ، وَيَبْكُونَ سِرًّا مِنْ خَوْفِ شِدَّةِ عَذَابِ رَبِّهِمْ وَيَذْكُرُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ، وَالْعَشِيِّ فِي الْبُيُوتِ الطَّيِّبَةِ الْمَسَاجِدِ وَيَدْعُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ رَغَبًا وَرَهَبًا وَيَسْأَلُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ خَفْضًا، وَرَفْعًا وَيُقْبِلُونَ بِقُلُوبِهِمْ عَوْدًا وَبَدْءًا فَمُؤْنَتُهُمْ عَلَى النَّاسِ خَفِيفَةٌ وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ ثَقِيلَةٌ يَدِبُّونَ عَلَى الْأَرْضِ حُفَاةً عَلَى أَقْدَامِهِمْ كَدَبِيبِ النَّمْلِ بِلَا مَرَحٍ، وَلَا بَذَخٍ يَمْشُونَ بِالسَّكِينَةِ وَيَتَقَرَّبُونَ بِالْوَسِيلَةِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيُقَرِّبُونَ الْقُرْبَانَ وَيَلْبَسُونَ الْخُلْقَانِ، يَتَوَسَّمُونَ الْعِبَادَ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي الْبِلَادِ أَرْوَاحُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَقُلُوبُهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا إِمَامُهُمْ، أَعَدُّوا الْجِهَازَ لِقُبُورِهِمْ وَالْجَوَازِ لِسَبِيلِهِمْ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمُقَامِهِمْ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14].اهـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ} [النجم: 60] بَكَى أَصْحَابُ الصُّفَّةِ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنِينَهُمْ بَكَى مَعَهُمْ فَبَكَيْنَا بِبُكَائِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَةٍ (أي لا يدخلها مع الأولين إن لم يعفُ الله عنه)، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ “. وَقالَ (أي البخاري رحمه الله): “الْمُوبِقَاتُ (بضم الميم)” الْمُهْلِكَاتُ (هَكَذَا فسره البُخَارِيّ رحمه الله تعالى) وَمعنى الحَدِيث رَاجع إِلَى قَوْله عز وَجل: {وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم} (النُّور: 51) (وفي الحديث كمال مراقبة القوم لله تعالى وكمال استحيائهم منه، حتى إنهم يرون تلك الأمور التي استهون غيرهم الوقوع فيها مهلكات لهم لشدة خوفهم من الله. أحيا الله قلوبنا من موت الغفلة بمنته، وفيه أن الإنسان ينبغي له أن يحذر من صغار الذنوب فلعلها تكون المهلكة له في دينه، كما يحترز من يسير السموم خشية أن يكون فيها حتفه).

الحديث الرابع والستون

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الْخَامِس: عَنْ أبي هريْرَةَ، رضي اللَّه عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، أنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ” متفقٌ عَلَيهِ. و”الْغَيْرةُ”بفتحِ الغين: وَأَصلهَا الأَنَفَةُ. 

الشرح

الْخَامِس (أي الحديث الخامس من باب المراقبة وهو الرابع والستون من كتاب رياض الصالحين): عَنْ أبي هريْرَةَ رضي اللَّه عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى (غَيْرةُ اللهِ كراهيةُ إتيانِ الفواحِشِ أيْ عدم رضاه بها، قال ابن حجر: الغيرة: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا رَاءٍ قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْقَلْبِ وَهَيَجَانِ الْغَضَبِ بِسَبَبِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاصُ وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ هَذَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَأَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَحْسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ مَا فُسِّرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ الْغَيْرَةُ فِي الْأَصْلِ الْحَمِيَّةُ وَالْأَنَفَةُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِ التَّغَيُّرِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْغَضَبِ وَقَدْ نَسَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ الْغَضَبَ وَالرِّضَا وَقَالَ ابن الْعَرَبِيِّ التَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ بِالدَّلَالَةِ الْقَطْعِيَّةِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِلَازِمِهِ كَالْوَعِيدِ أَوْ إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِالْفَاعِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَشَدُّ الْآدَمِيِّينَ غَيْرَةً رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ يَغَارُ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ وَلِهَذَا كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ.اهـ وقال ابن بطَّال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (449هـ) في كتابه «شرح صحيح البخاري»: «اختلفت ألفاظ هذا الحديث فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ: لا أحد أغير من الله. ذكره في آخر كتاب النكاح، وفي رواية عبيد الله، ورواية ابن مسعود مبينة أن لفظ (شخص) موضوع موضع (أحد)» وقال: «وأجمعت الأمة على أن الله لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يرد به». ثم قال ابن بطال: «وقد تقدم في كتاب النكاح في باب الغيرة، معنى الغيرة من الله: الزجر عن الفواحش والتحريم لها» اهـ وقال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن المُلَقِّن (804هـ) في كتابه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»: «وقال الداودي: قوله: (لا شخص أغير من الله). لم يأتِ متَّصلًا ولم تتلقَّ الأمة مثل هذه الأحاديث بالقبول» ثم قال: «ولم يُسَمِّ نفسَه شخصًا، إنما أتى مرسلًا» وقال: «وقال ابن فورك: لفظ (الشخص) غير ثابت من طريق السند، وإنما منعنا من إطلاق لفظ الشخص لأمور: أحدها: أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع. وثانيها: إجماع الأمة على المنع منه. ثالثها: أن معناه أن تكون أجسامًا مؤلفة على نوع من التركيب» اهـ وقد اتفق كل العلماء على أن الغيرة المضافة إلى الله على معنى أنه يكره لعبده المعاصي، لا على معنى التأثر النفساني والتحسر، فالله ليس كمثله شىء وهو منزه عن الإحساس والشعور واللذة والألم والانبساط والتغير والتطور والتبدل كما قال ربنا سبحانه: ((فلا تضربوا لله الأمثال))، قال القاضي الفقيه ابن جماعة في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: «اعلم أن حقيقة الشخصية لذات لها شخص وحجم مأخوذ من الشخوص وهو الارتفاع وإنما ذلك في الأجسام وهو محال على الله تعالى فوجب تأويل ذلك وكذلك الغيرة عبارة عن حالة نفسانية تقتضي منع الشيء وكراهيته والزجر عنه، واعلم أن إطلاق الشخص لا يكون إلا جسما مؤلفا وسمي بذلك لما له من شخوص وارتفاع، ولفظ الشخص لم يورده البخاري بل حكاه عن عبيد الله بن عمرو، قال الخطابي عن لفظ الشخص: وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفا من الراوي، قال وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث وقد قال الإمام أبو سليمان الخطَّابي (388هـ) في كتابه أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري : «قلتُ: إطلاق (الشخص) في صفة الله تعالى غير جائز، وذلك لأن (الشخص) لا يكون إلا جسمًا مؤلَّفًا، وإنما يُسمى شخصًا ما كان له شُخوصٌ وارتفاعٌ، ومثل هذا النعت منفي عن الله سبحانه، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصْحيفًا من الراوي. والدليل على ذلك أنَّ أبا عَوانة قد روى هذا الخبر عن عبد الملك، فلم يذكُر هذا الحرفَ، وروته أسماء بنت أبي بكر، عن النبي ﷺ فقالت: لا شىء أغيَر من الله، -ولفظ (شىء) هنا، أي موجود لا كالموجودات، وليس معناه (المخلوق والحجم والجسم والكمية) تنزّه الله عن ذلك، قال الله تعالى: ((قل أي شيء أكبر شهادة قل الله))، وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: والله شىء لا كالأشياء. وقد استدل الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي بهذه الآية على جواز قول (والله شىء لا كالأشياء)، أي موجود لا كالموجودات)- هكذا رواه أبو عبد الله قال:  في كتاب النكاح: باب الغيرة: حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا هَمَّام عن يحيى عن أبي سَلَمَة أنَّ عُروة بن الزبير حدَّثه عن أمِّه أسماء أنها سمعَت النبي ﷺ يقول: لا شىء أغيَرُ من الله. وعن يحيى أنَّ أبا سَلَمة حدَّثه أنَّ أبا هريرة حدَّثه أنه سمع عن النبي ﷺ مثلَه. فدلَّت رواية أسماء وأبي هريرة قولَه: لا شىء أغيَرُ من الله، على أنَّ (الشخصَ) وَهْمٌ وتَصحيفٌ» ثم قال: «فمن لم يُمعِن الاستماع لم يأمن الوهمَ، وليس كلُّ الرواة يُراعون لفظَ الحديث حتى لا يتَعَدَّوه، بل كثير منهم يُحدّث على المعنى وليس كلُّهم بفقيهٍ. اهـ والغيرة بالمعنى المتعارف عليه بين الناس محالة على الله، لأن الله منزه عن كل صفات المخلوقين، ولكن معنى ما ورد في الحديث من نسبة الغيرة إلى الله على معنى أن الله يكره لعبده فعل المحرمات. ومعنى «الشيء» هنا الثابت المتحقق الوجود. وقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ الله: وَهَذَا، يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَحْسَنُ مَا يَكُونُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرَةِ اللهِ وَأَثْبَتُهُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ مِنْ كِتَابِهِ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أي: أَزْجَرُ مِنَ اللهِ، وَالْغَيْرَةُ مِنَ اللهِ الزَّجْرُ، وَالله غَيُورٌ بِمَعْنَى زَجُورٌ، يَزْجُرُ عَنِ الْمَعَاصِي» اهـ.) أنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ”. وقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ: ” قَالَ الْحَلِيمِيُّ: ” وَيَدْخُلُ فِي الْغَيْرَةِ الْغَيْرَةُ عَلَى الدِّينِ حَتَّى إِذَا سَمِعَ مُخَالِفًا فِي الدِّينِ يَطْعَنُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَسْكُنْ وَلَمْ يَغُصَّ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ دَفْعًا لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدَّارِ فَيَسْبُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَأَوَّلُ مَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْغَيْرَةُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى دِينِهِ حَتَّى لَا يُسَلِّمَ بِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَاللهُ يُوَفِّقُنَا لِطَاعَتِهِ”) (قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الرَّازِيَّ يَقُولُ: حَضَرْتَ مَجْلِسَ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي وَقَدَّمَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا إِلَيْهِ فَادَّعَتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَنْكَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ: قَدْ أَحَضَرْتُ شُهُودِي، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ الشُّهُودِ: أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ. فَقَامَ وَقَامَتْ، فَقَالَ الزَّوْجُ: بِفِعْلِ مَاذَا يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَتِي، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ الْقَاضِي أَنَّ لَهَا عَلَيَّ مَهْرَهَا خَمْسَمِائَةَ دِينَارٍ كُلَّهَا ذَهَبًا عَيْنًا مَثَاقِيلَ وَلَا تُسْفِرُ عَنْ وَجْهِهَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أُشْهِدُ الْقَاضِي أَنِّي قَدْ وَهَبْتُهَا لَهُ. قَالَ الْقَاضِي: يُكْتَبُ هَذَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ). 

وقد قال بعض الشعراء من أهل السنة والجماعة في معنى هذا الحديث: أي إن الله يغار 

لا يُـشْـبِـهُ الإلـهَ مـا نَـراهُ
عَـنِ الـمـثـالِ قَدْ تـعـالى اللهُ

لـيسَ كَمِثْلِ الصَّانِعِ المصنُوعُ
أقـرَّ هـذا العَـقْـلُ والمسْمُوعُ

وكُلُّ صُورةٍ أتتْ في البالِ
صَـانِـعُـها الرّحمنُ ذو الجلالِ

لَيسَتْ إذًا شَبيهةً بالصَّانِعِ
والعقلُ مَعْ هذا الدليلِ الناصِعِ

إنْ نُسِبَ اللّفظُ إلى السبُّوحِ
وأُطِلق اللفظُ على ذي رُوحِ

إتّفقَ اللّفظُ ومعنًى مُختَلِفْ
صِفَاتُنا ربّي بها لا يتَّصِفْ

واسمَعْ مَعِي مَا قالَهُ المدَّثرُ
إذْ قالَ إنَّ اللهَ مِنّي أغْيرُ

وغَـيْـرةُ اللهِ لـهـا تـفـسِـيـرُ
فاللهُ كـالـمـخـلـوقِ لا يَصِيرُ

غَيْرتُهُ أيْ يَكرهُ الرّحمنُ
أنْ يَفعَلَ الفَواحِشَ الإنسانُ

إنْ قِيلَ أنَّ ربَّنا غَيورُ
معناهُ أنَّ ربَّنا زَجُورُ

يَـزجُـرُنـا اللهُ عَـنِ الأوزارِ
حَـذارِ مِـنْ تَـشْـبِـيـهِـهِ حَذَارِ