تحنيك المولود والتبرك ومداعبة الصغار | رياض الصالحين (44)

الدرس ٣٥ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٣:٥٣

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعنْ أَنَسٍ رضي اللَّه عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طلْحةَ رضي اللَّه عنه يَشْتَكي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فرغَ قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَأَخْبرهُ، فَقَالَ: “أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:”اللَّهمَّ باركْ لَهُما “فَولَدتْ غُلامًا فقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأَتِيَ بِهِ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وبَعثَ مَعهُ بِتمْرَات، فَقَالَ:”أَمعهُ شْيءٌ؟ “قَالَ: نعمْ، تَمراتٌ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَمضَغَهَا، ثُمَّ أَخذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِي الصَّبيِّ ثُمَّ حَنَّكَه وسمَّاهُ عبدَ اللَّهِ. متفقٌ عَلَيهِ. 

وفي روايةٍ للْبُخَاريِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: فَرَأَيْتُ تَسعةَ أَوْلادٍ كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُودِ. وَفي روايةٍ لمسلِم: ماتَ ابْنٌ لأبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وشَرِبَ، ثُمَّ تَصنَّعتْ لهُ أَحْسنَ مَا كانتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلكَ، فَوقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أَنْ رأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعِ وأَصَابَ مِنْها قَالتْ: يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَايْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ فَطَلبوا عاريَتَهُم، ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهم؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ. قَالَ: فغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تركتنِي حتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبرتِني بِابْني، فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأخْبَرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “بَاركَ اللَّه لكُما في ليْلتِكُما”. قَالَ: فحمَلَتْ، قَالَ: وكَانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في سفَرٍ وهِي مَعَهُ وكَانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا أَتَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَفَرٍ لَا يَطْرُقُها طُرُوقًا فَدنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخاضُ، فَاحْتَبَس عَلَيْهَا أَبُو طلْحَةَ، وانْطلَقَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. قَالَ: يقُولُ أَبُو طَلْحةَ إِنَّكَ لتعلمُ يَا ربِّ أَنَّهُ يعْجبُنِي أَنْ أَخْرُجَ معَ رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا خَرَجَ، وأَدْخُلَ مَعهُ إِذَا دَخَلَ، وقَدِ احْتَبَسْتُ بِما تَرى. تقولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طلْحةَ مَا أَجِد الَّذي كنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ، فانْطَلقْنَا، وضَربهَا المَخاضُ حينَ قَدِمَا فَولَدتْ غُلامًا. فقالَتْ لِي أُمِّي: يا أَنَسُ لا يُرْضِعُهُ أَحدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فلمَّا أَصْبحَ احتملْتُهُ فانطَلقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. وذَكَرَ تمامَ الْحَدِيثِ. 

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وهذا الحديث في رياض الصالحين ذكره النووي رحمه الله تعالى بأكثر من رواية سنشرح فيه ما يتيسر لنا بإذن الله تعالى ونكمل ما بقي منه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. 

وعنْ أَنَسٍ رضي اللَّه عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ (وهو الذي كان أنس بن مالك يقول فيه فيما رواه البخاري: إِنْ كَانَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِى صَغِيرٍ «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ»، النغير تصغير نُغَر تصغير طائر نوع من الطيور كان هذا أبوعمير عنده هذا الطائر ثم مات الطائر. النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول له يا أبا عمير ما فعل النغير يمازح هذا الولد الصغير، قَالَ الترمذي: وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُمَازِحُ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَنَّى غُلامًا فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ. وَفِيهِ أَنَّهُ لا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ. وَإِنَّمَا، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟” لأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَحَزِنَ الْغُلامُ عَلَيْهِ فَمَازَحَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ” يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟: ولا خفاء بأن قوله “ليلعب به” أي لا على وجه التعذيب للطائر. واما إعطاء الطائر للغلام الصغير ليعذبَه فلا، هو ممنوع منه إنما المراد إعطاؤه الطائر ليلعب به من غير تعذيب للطائر، من غير أنْ يعذبه.اهـ وقيل كناه النبي بأبي عمير إشارة إلى قصر عمره. وعند ابن ماجه حديثٌ في قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة: «فولدت غلاما صبيحا، فكان أبو طلحة يحبه حبا شديدا، فعاش حتى تحرّك فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزنا شديدا حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فراح روحة فمات الصبيّ») لأبي طلْحةَ رضي اللَّه عنه (هو أبو طلحة الأنصاري، وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ كما قال البخاري في صحيحه، وهو صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ بَنِي أَخْوَالِهِ، وَأَحَدُ أَعْيَانِ البَدْرِيِّيْنَ، وَأَحَدُ النُّقَبَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ. رَوَى عَنْهُ: رَبِيْبُهُ؛ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَزَيْدُ بنُ خَالِدٍ الجُهَنِيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُهُ؛ أَبُو إِسْحَاقَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي طَلْحَةَ. وَكَانَ قَدْ سَرَدَ الصَّوْمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يفعل ذلك أيام النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يُشغل عن الخروج والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: إِنَّ أَبَا طَلْحَةَ عَاشَ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْبَعِيْنَ سَنَةً يَسْرُدُ الصَّوْمَ، وقيل: عَاشَ بَعْدَهُ نَيِّفا وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وروى ابن إسحاق أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ مِمَّنْ شَهِدَ العَقَبَةَ وَبَدْرا. وَمَنَاقِبُهُ كَثِيْرَةٌ. وقال أنس: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنِّي فِيْكَ لَرَاغِبَةٌ، وَمَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ كَافِرٌ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرِي، لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَأَسْلَمَ، وَتَزَوَّجَهَا. قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْنَا بِمَهْرٍ كَانَ قَطُّ أَكْرَمَ مِنْ مَهْرِ أُمِّ سُلَيْمٍ: الإِسْلامِ. وروى الحاكم أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: لاَ أَتَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلاَ أَذُمُّهُمَا. وقال أنس: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَرْمِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ رَجُلا رَامِيا. وجاء عن أنس أنه قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، انْهَزَمَ نَاسٌ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَكَانَ رَامِيا شَدِيْدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الجُعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُوْلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انْثُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ)، ثُمَّ يُشْرِفُ إِلَى القَوْمِ، فَيَقُوْلُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ، لا تُشْرِفْ، لا يُصِيْبُكَ سَهْمٌ، نَحْرِي دُوْنَ نَحْرِكَ. كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: (صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ ” أي أشد على المشركين من صوت جماعة والفئة الجماعة”)، وفي رواية: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ)، وَكَانَ إِذَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: نَفْسِي لِنَفْسِكَ الفِدَاءُ، وَوَجْهِي لِوَجْهِكَ الوِقَاءُ.. وأخرج الشيخان عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ، عَنْ أَنَسٍ: نَحَرَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَلَقَ، فَنَاوَلَ الحَلاَّقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ شِقَّهُ الأَيْسَرَ، وَقَالَ: (احْلِقْ)، وَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ. وكان من أكثر الناس إنفاقا في سبيل الله، قَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِيْنَةِ مَالا مِنْ نَخْلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُوْ بِرَّهَا وَذُخْرَهَا، فَضَعْهَا يَا رَسُوْلَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ: (بَخٍ بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِيْنَ)، وروى ابن سعد أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَرَأَ: {انْفِرُوا خِفَافا وَثِقَالا}، فَقَالَ: اسْتَنْفَرَنَا اللهُ وَأَمَرَنَا، شُيُوْخَنَا وَشَبَابَنَا، جَهِّزُوْنِي. فَقَالَ بَنُوْهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ! إِنَّكَ قَدْ غَزَوْتَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ الآنَ. قَالَ: فَغَزَا البَحْرَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيْرَةً يَدْفِنُوْنَهُ فِيْهَا إِلَّا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ. وَالأَشْهَرُ: أَنَّهُ مَاتَ بِالمَدِيْنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ البَرْقِيِّ: أَبُو طَلْحَةَ بَدْرِيٌّ، نَقِيْبٌ، صَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ. وَكَانَ جَلْداً، صَيِّتًا، آدَمَ، مَرْبُوْعا، لا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ. رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَيِّفاً وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثا، مِنْهَا فِي الصَّحِيْحَيْنِ حَدِيْثَانِ. وَتَفَرَّدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيْثٍ. رضي الله عنه وأرضاه) يَشْتَكي (أي: هو مريض، وليس المراد أنه صدرت منه شكوى، لكن لما كان المريض يحصل منه ذلك استعمل في كل مريض)، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة (أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم)، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ (أي مات، وفي رواية: «فأمرت أمه أنسا أن يدعو أبا طلحة وألا يخبره بموت ابنه»)، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ (أي رجع إلى بيته، وفي رواية: «وكان أبو طلحة صائما») قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ (أي ما قام به من صحة أو زيادة مرض) قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ (هي أُمُّ سُلَيْمٍ الغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ الأَنْصَارِيَّةُ، وَيُقَالُ: الرُّمَيْصَاءُ، وَيُقَالُ: سَهْلَةُ، وَيُقَالُ: أُنَيْفَةُ، وَيُقَالُ: رُمَيْثَةُ، بِنْتُ مِلْحَانَ بنِ خَالِدِ بنِ زَيْدِ بنِ حَرَامِ بنِ جُنْدُبِ بنِ عَامِرِ بنِ غَنْمِ بنِ عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ الأَنْصَارِيَّةُ، الخَزْرَجِيَّةُ. أُمُّ خَادِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ. فَمَاتَ زَوْجُهَا مَالِكُ بنُ النَّضْرِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بنُ سَهْلٍ الأَنْصَارِيُّ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا عُمَيْرٍ، وَعَبْدَ اللهِ. شَهِدَتْ حُنَيْنا وَأُحُدا. مِنْ أَفَاضِلِ النِّسَاءِ. وروي عن أُمِّ سُلَيْمٍ: أَنَّهَا آمَنَتْ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتْ: فَجَاءَ أَبُو أَنَسٍ وَكَانَ غَائِبا، فَقَالَ: أَصَبَوْتِ؟ فَقَالَتْ: مَا صَبَوْتُ، وَلَكِنِّي آمَنْتُ. وَجَعَلَتْ تُلَقِّنُ أَنَسا: قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قُلْ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدا رَسُوْلَ اللهِ، فَفَعَلَ، فَيَقُوْلُ لَهَا أَبُوْهُ: لاَ تُفْسِدِي عَلَيَّ ابْنِي. فَتَقُوْلُ: إِنِّي لاَ أُفْسِدُهُ. فَخَرَجَ مَالِكٌ، فَلَقِيَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَتْ: لا جَرَمَ، لا أَفْطِمُ أَنَسًا حَتَّى يَدَعَ الثَّدْيَ، وَلاَ أَتَزَوَّجُ حَتَّى يَأْمُرُنِي أَنَسٌ وروى البخاري ومسلم عن أنس قال: لَمْ يَكُنْ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ بَيْتا غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقِيْلَ لَهُ، فَقَالَ: (إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوْهَا مَعِي)، وأَخُوْهَا هُوَ حَرَامُ بنُ مِلْحَانَ الشَّهِيْدُ، الَّذِي قَالَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُوْنَةَ: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، لَمَّا طُعِنَ مِنْ وَرَائِهِ، فَطَلَعَتِ الحَرْبَةُ مِنْ صَدْرِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وروى مسلم أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى نِطْعٍ، فَعَرِقَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ تَمْسَحُ العَرَقَ، فَقَالَ: (مَا تَصْنَعِيْنَ؟) . قَالَتْ: آخُذُ هَذِهِ البَرَكَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْكَ. وروى الترمذي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَقِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَشَرِبَ مِنْهَا قَائِمًا، فَقَامَتْ إِلَى فِيِّ السِّقَاءِ، فَقَطَعَتْهُ. رَوَاهُ: عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، فَزَادَ: وَأَمْسَكَتْهُ عِنْدَهَا. وثبت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ بِمِنَى؛ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ شِقَّ شَعْرِهِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَكَانَتْ تَجْعَلُهُ فِي سُكِّهَا. وجاء عن أنس أنه قال: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ، فَقَالَ: (إِنِّي صَائِمٌ) . ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، وَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَلأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي خُوَيْصَّةٌ. قَالَ: (مَا هِيَ؟). قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ. وروى البخاري ومسلم عن أنس قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَخَلْتُ الجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشْفَةً بَيْنَ يَدَيَّ، فَإِذَا أَنَا بِالغُمَيْصَاءِ بِنْتِ مِلْحَانَ) رَوَتْ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيْثا، اتَّفَقَا لَهَا عَلَى حَدِيْثٍ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيْثَيْنِ) رضي الله عنها وعن زوجها أبي طلحة وعن ابنها أنس بن مالك).

الجزء الثاني

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعنْ أَنَسٍ رضي اللَّه عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طلْحةَ رضي اللَّه عنه يَشْتَكي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فرغَ قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَأَخْبرهُ، فَقَالَ: “أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:”اللَّهمَّ باركْ لَهُما “فَولَدتْ غُلامًا فقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأَتِيَ بِهِ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وبَعثَ مَعهُ بِتمْرَات، فَقَالَ:”أَمعهُ شْيءٌ؟ “قَالَ: نعمْ، تَمراتٌ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَمضَغَهَا، ثُمَّ أَخذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِي الصَّبيِّ ثُمَّ حَنَّكَه وسمَّاهُ عبدَ اللَّهِ. متفقٌ عَلَيهِ.

الشرح والتعليق

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعنْ أَنَسٍ رضي اللَّه عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طلْحةَ رضي اللَّه عنه يَشْتَكي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ (وَالْمعْنَى: أَن نَفسه كَانَت قلقة منزعجة بِعَارِض الْمَرَض، فسكنت بِالْمَوْتِ، وَظن أَبُو طَلْحَة أَن مرادها: سكنت بِالنَّوْمِ لوُجُود الْعَافِيَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (هدأ نَفَسُه) أَي: سكن لِأَن الْمَرِيض يكون نَفسه عَالِيا فَإِذا زَالَ مَرضه سكن، وَكَذَا إِذا مَاتَ، وقولها هذا من حسن المعاريض، وَهُوَ مَا احْتمل لَهُ مَعْنيانِ: فَإِنَّهَا أخْبرت بِكَلَام لم تكذب فِيهِ، وَلَكِن ورت بِهِ عَن الْمَعْنى الَّذِي كَانَ يحزنها، أَلا يرى أَن نَفسه قد هدأ، كَمَا قَالَت بِالْمَوْتِ وَانْقِطَاع النَّفس، وأوهمته أَنه استراح من قلقه، وَإِنَّمَا استراح من نصب الدُّنْيَا وهمها. وَقَالَ ابْن بطال، رَحمَه الله تَعَالَى: هدأ نَفسه من معاريض الْكَلَام، وأرادت بِسُكُون النَّفس: الْمَوْت، وَظن أَبُو طَلْحَة، رَحمَه الله تَعَالَى، أَنَّهَا تُرِيدُ بِهِ سُكُون نَفسه من الْمَرَض وَزَوَال الْعلَّة وتبدلها بالعافية، وَإِنَّهَا صَادِقَة فِيمَا خيل إِلَيْهِ فِي ظَاهر قَوْلهَا، وَبَارك الله لَهَا بدعائه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرزقا تِسْعَة أَوْلَاد من الْقُرَّاء الصلحاء، وَذَلِكَ بصبرهما فِيمَا نالها ومراعاتها زَوجهَا)، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ (الطعام الذي يؤكل عند العشاء، وهو ما بين المغرب والعتمة) فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا (أي جامعها)، فَلَمَّا فرغَ (من حاجاته من طعام وغيره) قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ (أي استروا الصبي بالدفن، أي ادفنوه فإنه قد مات)، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَأَخْبرهُ (أي أخبره بما كان من أم سليم لكنه لم يخبره بأنه حصل بينهما جماع في تلك الليلة)، فَقَالَ: “أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ (قال النووي في شرحه لمسلم: هُوَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْجُمْهُورُ يُقَالُ أَعْرَسَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ قالوا ولايقال فِيهِ عَرَّسَ بِالتَّشْدِيدِ وَأَرَادَ هُنَا الْوَطْءَ وَسَمَّاهُ إِعْرَاسًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فِي الْمَقْصُودِ قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ رُوِيَ أَيْضًا أَعَرَّسْتُمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ قَالَ وَهِيَ لُغَةٌ يُقَالُ عَرَّسَ بِمَعْنَى أَعْرَسَ قَالَ لَكِنْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَعْرَسَ أَفْصَحُ مِنْ عَرَّسَ فِي هَذَا وَهَذَا السُّؤَالُ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ صَنِيعِهَا وَصَبْرِهَا وَسُرُورًا بِحُسْنِ رِضَاهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ دَعَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ فِي لَيْلَتِهِمَا فاستجاب الله تَعَالَى ذَلِكَ الدُّعَاءَ وَحَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَجَاءَ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ إِسْحَاقُ وَإِخْوَتُهُ التِّسْعَةُ صَالِحِينَ عُلَمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) قَالَ: نَعَمْ (وهي من حروف الجواب لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب)، قَالَ:”اللَّهمَّ (أي يا الله) باركْ لَهُما (دعا لهما بالبركة وهي النماء والزيادة) ” فَولَدتْ (بعد ذلك الوطء المدعو بالبركة فيه) غُلامًا (واسمه عبد الله كما سيظهر في الروايات الأخرى) فقَالَ لِي (المتكلم راوي الحديث أنس بن مالك رضي الله عنه) أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأَتِيَ بِهِ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (ليحلّ نظره الشريف عليه، ولينال شيئا من بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وبَعثَ مَعهُ بِتمرَات (للتحنيك كما سيظهر)، فَقَالَ (أي النبي صلى الله عليه وسلم بعدما جِيءَ له بالمولود):”أَمعهُ شْيءٌ؟ (أي: يحنَّكُ به) “قَالَ (أي أنس): نعمْ، تَمراتٌ (أي معه تمراتٌ أرسلوا بها) فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَمضَغَهَا (لتختلط بريقه الشريف ويقدر الصبي على إساغتها، فيكون أول ما يدخل جوفه الممتضغ بريق المصطفى فيسعد ويبارك فيه)، ثُمَّ أَخذَهَا (أي: التمرات الممضوغات المختلطة بريق المصطفى صلى الله عليه وسلم) مِنْ فِيهِ (أي من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم) فَجَعَلَهَا في فِي الصَّبيِّ (أي في فم الصبي) ثُمَّ حَنَّكَه (قال النووي: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّحْنِيكُ أَنْ يَمْضُغَ التَّمْرَ أَوْ نَحْوَهُ ثُمَّ يُدَلِّكُ بِهِ حَنَكَ الصَّغِيرِ وَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَنَّكْتُهُ وَحَنَكْتُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَالرِّوَايَةُ هُنَا فَيُحَنِّكُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ.اهـ وقال أيضا: فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ حَمْلِ الْأَطْفَالِ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الِاسْتِحْبَابِ الْمَوْلُودُ فِي حَالِ وِلَادَتِهِ وَبَعْدَهَا وليحنكه من هو من أهل الفضل بتمرة ليكون أول مايدخل فِي جَوْفِهِ رِيقُ الصَّالِحِينَ فَيَتَبَرَّكَ بِهِ، وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَاللِّينِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالصِّغَارِ وَغَيْرِهِمْ. وقال النووي أيضا: اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عندولادته بِتَمْرٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَمَا فِي مَعْنَاهُ وَقَرِيبٌ منه مِنَ الْحُلْوِ فَيَمْضُغُ الْمُحَنِّكُ التَّمْرَ حَتَّى تَصِيرَ مَائِعَةً بِحَيْثُ تُبْتَلَعُ ثُمَّ يَفْتَحُ فَمَ الْمَوْلُودِ وَيَضَعُهَا فِيهِ لِيَدْخُلَ شَيْءٌ مِنْهَا جَوْفَهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَنِّكُ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِهِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ الْمَوْلُودِ حُمِلَ إِلَيْهِ) وسمَّاهُ عبدَ اللَّهِ. متفقٌ عَلَيهِ. 

وهذا الحديث فيه دليل لأهل السنة على جوا التبرك بآثار الأنبياء والصالحين فقد قال النووي وغيره: فيه حجة للتبرك بآثار الصالحين.اهـ وهو من باب طلب البركة التي جعلها الله في الأنبياء والصالحين فالله تعالى خالق البركات والفضائل وهو جعلها في أنبيائه ولا سيما في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجعلها في الأولياء والصالحين، فلا ضرر في التبرك بآثارهم وطلب هذه البركة التي خلقها الله عز وجل، وهذا الحديث وغيره مما هو منتشر في الصحيحين وغيرها من كتب أهل السنة والجماعة يدل على ذلك فقد أفرد البخاري ومسلم وغيرهما أبوابا كثيرة سموها باب التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم، وباب قرب النبي من الناس وتبركهم به، وباب طيب عرق النبي صلى الله عليه وسلم وجواز التبرك به، وغير ذلك من الأبواب والأحاديث التي لن نحصرها في مجلس أو اثنين، ففي الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث المسندة ممن ينقل علم أهل السنة والجماعة مئات الأحاديث التي فيها جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتا في حضوره وفي غيابه ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم ذلك بل كان يُقِرُّهم على ذلك فهو يعلم أنهم يطلبون من البركة التي خلقها الله عز وجل ولا ضرر في ذلك. 

وأدلة هذا كما ذكرت كثيرة من كتاب الله عز وجل ومن الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. فقد قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ﴿ اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾. 

اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته ولا زال المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك وجواز هذا الأمر يعرف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قسم شعره حين حلق في حجة الوداع فقد روى البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قسم شعره بين أصحابه أي ليتبركوا به لا ليأكلوه لأن الشعر لا يؤكل، وليستشفعوا إلى الله بما هو منه ويتقربوا بذلك إليه، قسم بينهم ليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم وكان أحدهم أخذ شعرة والآخر أخذ شعرتين وما قسمه إلا ليتبركوا به فكانوا يتبركون به في حياته وبعد مماته، حتى إنهم كانوا يغمسونه في الماء فيسقون هذا الماء بعض المرضى تبركا بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الحافظ البيهقي في دلائل النبوة والحاكم في مستدركه وغيرهما أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها، ثم طلبوها فوجدوها، فقال خالد : اعتمر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فحلق رأسه، وابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي، إلا رزقت النصر. أي ببركة شعر النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ البوصيري رواه أبو يعلى بسند صحيح وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ورواه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. أمّا اقتسَامُ الشَّعر فأخرجَهُ البخاريُّ ومسلِمٌ من حديثِ أنَسٍ، ففي لفظِ مسلمٍ أنهُ قال لمَّا رَمَى صلى الله عليه وسلم الجمْرَةَ ونَحَرَ نُسُكَهُ وحلَقَ ناولَ الحالِقَ شِقَّهُ الأيمنَ فحلَقَ ثمَّ دَعَا أبا طلحةَ الأنصاريَّ فأعطاهُ ثمَّ ناولَهُ الشِّقَّ الأيْسَرَ فقال: “احْلِق”، فحلَقَ فأعطاهُ أبا طلحةَ فقالَ: “اقسِمْهُ بينَ النَّاسِ”. وفي روايةٍ لمسلم أيضًا “فبدأَ بالشّقّ الأيْمَنِ فوزَّعَهُ الشّعْرَةَ والشَّعرَتينِ بين النَّاسِ” ثم قالَ بالأيْسَرِ فصنَعَ مثلَ ذلكَ ثم قال: “هاهُنا أبو طلحةَ” فدفعَهُ إلى أبي طلحةَ. وفي روايةٍ أُخرى لمسلمٍ أيضًا أنّه عليه الصلاةُ والسلامُ قال للحَلاقِ “ها”، وأشارَ بيدِهِ إلى الجانبِ الأيْمَنِ فقسَمَ شعَرَهُ بينَ مَن يليْهِ، ثم أشارَ إلى الحلاقِ إلى الجانبِ الأيْسَرِ فحلَقَهُ فأعْطاهُ أُمَّ سُلَيْم. فمعنَى الحديثِ أنّهُ وزَّعَ بنَفْسِه بَعْضًا بينَ النّاسِ الذينَ يَلُونَهُ وأعْطَى بعضًا لأبي طلحةَ ليوزّعَهُ في سائرِهم وأعْطَى بعضًا أمّ سُلَيم ففيهِ التبَرُّكُ بآثارِ الرسولِ، فقد قَسمَ صلى الله عليه وسلم شعرَهُ ليتَبرَّكُوا به وليسْتَشفِعُوا إلى الله بما هو منهُ ويتقرَّبوا بذلكَ إليهِ، قسمَ بينَهُم ليكونَ برَكةً باقيةً بينَهُم وتَذْكِرَةً لهم. روى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك قال «رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ثم أمر بالبُدْنِ فنحرت والحلاق جالس عنده فسوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شعره بيده ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على شق جانبه الأيمن على شعره ثم قال للحلاق “احلق” فحلق فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شعره يومئذ بين من حضره من الناس الشعرة والشعرتين ثم قبض بيده على جانب شقه الأيسر على شعره ثم قال للحلاق “احلق” فحلق فدعا أبا طلحة الأنصاري فدفعه إليه». اهـ قال الإمام الحافظ ابن حبان (ت 354 هـ) «فِي قِسْمَةِ المصطفى صلى الله عليه وسلم شَعْرَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ بِأَنَّ شَعْرَ الإِنْسَانِ طَاهِرٌ، إِذِ الصَّحَابَةُ إِنَّمَا أَخَذُوا شَعْرَهُ صلى الله عليه وسلم لِيَتَبَرَّكُوا بِهِ، فَبَيْنَ شَادٍ فِي حُجْزَتِهِ، وَمُمْسِكٍ فِي تِكَّتِهِ، وَآخِذٍ فِي جَيْبِهِ يُصَلُّونَ فِيهَا، وَيَسْعَوْنَ لِحَوَائِجِهِمْ وَهِيَ مَعَهُمْ، وَحَتَّى إِنَّ عَامَّةً مِنْهُمْ أَوْصَوْا أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ الشَّعْرَةُ فِي أَكْفَانِهِمْ. وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يَقْسِمْ عَلَيْهِمْ صلى الله عليه وسلم الشَّيْءَ النَّجِسَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا». اهـ 

وروى مسلم عن عبد الله، مولى أسماء بنت أبي بكر قال: أخرجت إلينا جبة طيالسة كسروانية. لها لبنة ديباج. وفرجيها مكفوفين بالديباج. فقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت. فلما قبضت قبضتها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها والطيالسة جمع طيلسان، بفتح اللام على المشهور كسروانية بكسر الكاف وفتحها. والسين ساكنة والراء مفتوحة. وهو نسبة إلى كسرى صاحب العراق ملك الفرس لبنة بكسر اللام وإسكان الباء وهي رقعة في جيب القميص، وفرجيها مكفوفين كذا وقع في جميع النسخ: وفرجيها مكفوفين. ومعنى المكفوف أنه جعل لها كفة، بضم الكاف، وهي ما يكف به جوانبها ويعطف عليها. ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين. 

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك. قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها. وليست فيه. قال : فجاء ذات يوم فنام على فراشها. فأتيت فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك، على فراشك. قال فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم، على الفراش. ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعين؟ يا أم سليم! فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت استنقع أي اجتمع. عتيدتها أي كالصندوق الصغير تجعل المرأة فيه ما يعز من متاعها. ففزع أي استيقظ من نومه. 

وعن داود بن أبي صالح قال : أقبل مروان يوما، فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ برقبته. وقال: أتدري ما تصنع؟ قال : نعم. فأقبل عليه، فإذا هو : أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه فقال : جئت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، ولم آت الحجر سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله). رواه أحمد والطبراني وغيرهما وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وروى البخاري وغيره أن عِتبان بن مالك، كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحب أن أصلي، وفي رواية للبخاري : فقال: (أين تحب أن أصلي لك من بيتك). فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ في الفتح: وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين.اهـ 

وذكر الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يتحرى الصلاة في الأماكن التي كان يصلي فيها رسول الله. قال الحافظ الزبيدي في الإتحاف: وإنما كان ابن عمر يصلي في هذه المواضع للتبرك.

وأخرج البخاري عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُــولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. 

وروى البخاري وغيره عن جابر بن عبد الله أنه قال: جاءني النبي يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب من وضوئه علي فعقلت. وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة. 

وقال أبو موسى : دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال لهما: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وفي رواية مسلم: ثم قال “اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وأبشرا ” فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة.اهـ بالهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر، سميت بذلك لأنهم يهجرون السير عندها. (فضل وضوئه) ما فضل من الماء الذي توضأ منه. (فيتمسحون) يمسح كل منهم بما أخذه وجهه ويديه تبركا. (وبين يديه عنزة) قدامه عصا أقصر من الرمح. (قدح) ما يشرب فيه. (مج فيه) صب ما تناوله من الماء بفمه في الإناء. (لهما) لأبي موسى وبلال رضي الله عنهما. (نحوركما) جمع نحر، وهو موضع القلادة من الصدر.

وفي صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن البيهقي : فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِى كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ.

وروى ابن حبان وغيره عن نافع قال : “كان ابن عمر يتتبع ءاثار رسول الله وكل منزل نزله رسول الله ينزل فيه فنزل رسول الله تحت شجرة فكان ابن عمر يجيء بالماء فيصبه في أصل الشجرة كي لا تيبس”.اهـ 

وقال البخاري بَاب ‏‏الشُّرْبِ مِنْ ‏ قَدَحِ ‏ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَآنِيَتِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ‏ ‏أَلَا أَسْقِيكَ فِي ‏ قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهِ .اهـ 

روى البخاري في الصحيح عن ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏قَالَ : فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِنَا يَا ‏سَهْلُ ‏فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ ‏فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، قال : فَأَخْرَجَ لَنَا ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏ذَلِكَ ‏‏ الْقَدَحَ ‏ فَشَرِبْنَا مِنْهُ قَالَ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ ‏عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ.اهـ

ثم تبع الصحابة في خُطتهم في التبرك بآثاره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أسعده الله وتوارد ذلك الخلف عن السلف واستمر ذلك إلى هذا الوقت وعن ثابت قال: كنت إذا أتيت أنسًا يخبر بمكاني، فأدخل عليه، فآخذ بيديه فأقبلهما، وأقول : بأبي هاتان اليدان اللتان مستا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبّل عينيه وأقول : بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ : رَأَيْتُ أَبِي يَأْخُذُ شَعرةً مِن شَعرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُهَا عَلَى فِيْهِ يُقبِّلُهَا. وَأَحسِبُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنِهِ، وَيَغْمِسُهَا فِي المَاءِ وَيَشرَبُه يَسْتَشفِي بِهِ. ورَأَيْتُــهُ أَخذَ قَصْعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَسلهَا فِي حُبِّ المَاءِ، ثُمَّ شَرِبَ فِيْهَا، وَرَأَيْتُهُ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتَشفِي بِهِ، وَيَمسحُ بِهِ يَدَيْهِ وَوَجهَه، قُلْتُ: أَيْنَ المُتَنَطِّعُ المُنْكِرُ عَلَى أَحْمَدَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ سَأَلَ أَبَاهُ عَمَّنْ يَلمَسُ رُمَّانَةَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَمَسُّ الحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ، فَقَالَ: لاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، أَعَاذنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِنْ رَأْيِ الخَوَارِجِ وَمِنَ البِدَعِ.اهـ

ونقل البهوتي الحنبلي في كشاف القناع عن الإمام المجتهد إبراهيم الحربي وهو من علماء السلف أنه قال: يستحب تقبيل حجرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 

‏وروى البخاري عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏لِعَبِيدَةَ ‏ ‏عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَبْنَاهُ ‏ ‏مِنْ قِبَلِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ فَقَالَ ‏‏لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي ‏شَعَرَةٌ ‏ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.اهـ وذكر النووي في كتاب تهذيب الأسماء والصفات (ج3 ص24): وأوصى عمر بن عبد العزيز أن يدفن معه شىء كان عنده من شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني. ففعلوا ذلك.

وقد جمع هذه الأدلة وغيرها أحد الشعراء جزاه الله خيرا حيث قال:

أَبْدَأُهَـا بِقَــــوْلِ بِـــسْــــمِ اللَّهِ
تَنَـزَّهَ الرَّحْمٰنُ عَنْ أَشْــبَــــاهِ

وَأَحْمَـدُ الإِلَهَ ذَا الْجَـــــلالِ
لِفَضْـلِهِ بِالْهَـدْىِ وَالنَّــــوَالِ

ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّـلامُ مِنَّــــا
عَلَى نَبِىٍّ لِلْفَــــلاحِ سَــــــــــنَّا

طَرِيقَـةَ التَّبَـرُّكِ الْمَيْمُونَـــهْ
فِى ذَاكَ أَهْـلُ الْعِلْمِ يَتْبَعُـونَــهْ

فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَنْ  أَتَاكُمْ يَدَّعِــــى
بِأَنَّـــــهُ غَـْيرَ الْهُدَى لَمْ يَتْبَـعِ

وَقَدْ أَحَـلَّ حُرْمَةً ضَـــلالا
مِنْ جَهلِهِ أَوْ حَـرَّمَ الْحَــــــلالا

قُولُوا لَهُ إِذْ حَـرَّمَ  التَّبَرُّكَـــــا
بِأَثَـرِ النَّبِىِّ زَادَ شَـــرُّكَــا

إِنَّ اقْتِسَــــامَ الشَّعْرِ يَا مُمَــــارِى
رَوَاهُ مُسْـِلمٌ كَذَا الْبُخَــارِى

وَقِسْمَةُ الأَظْفَــارِ أَيْضًا تُسْنَدُ
صَحِيحَةً كَمَـا رَوَاهَا أَحْمَـــــدُ

وَجُبَّةُ النَّبِىِّ سَـلْ أَسْـمَـــاءَ
أَمَـا رَأَتْ فِى مَائِهَا الشِّـفَــــاءَ

هَـاكَ دَلِيلًا مِنْ أَبِى أَيُّـــوبِ
يَمَسُّ بِالْخـَدِّ ثَرَى الْمَحْبُــــوبِ

أَنْعِمْ بِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَـــرَا
جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ الْحَجَرَا

فَمُسْـلِمٌ أُولاهُــمَا رَوَاهَـــا
صَحِيحَةَ الإِسْـنَادِ عَنْ مَوْلاهَا

وَأَحْمَدٌ رَوَى الْحَدِيثَ الثَّـــانِى
رَدَّ الصَّحَــــابِىِّ عَلَى  مَرْوَانِ

وَخَالِدٌ لِلْجَيْشِ فِى قَـــلَنْسُوَةْ
قَالَ اطْلُبُوا سَبَبُ ذاكَ مـا هُوَهْ

لِأَنَّ فِى الطَّيَّاتِ شَعْرَاتِ النَّبِىّ
وَذَاكَ فِى الْيَرْمُوكِ يَرْوِى الْبَيْهَقِىّ

وَمَسْحُ أَحْمَدٍ لِرَأْسِ حَنْظَلَــهْ
بِكَفِّـهِ وَدَاعِيًـــا بِالْخَــيْرِ لَــهْ

مَنْ جَاءَهُ وَالْوَجْهُ مِنْـهُ وَارِمُ
بِمَسْــحَةٍ يَعُــــودُ وَهُوَ سَــالِمُ

بَرَكَـةُ النَّبِىِّ طَـــابَ عَرْفُهُ
مَـوْضِـعُ كَــفِّهِ فَكَــــــيْفَ كَفُّهُ

الطَّبَـرَانِىُّ رَوَى وَأَحْمَــدُ
مُـطَوَّلًا عَنِ الثِّقَــاتِ يُسْــــــنِدُ

وَثَابِتٌ قَدْ كَرَّرَ  التَّقْبِيـلا
يـَـدًا وَعَيْنًا رَأَتِ الرَّسُـولا

وَأَنَسٌ عَنْ مِثْلِ ذَاكَ مَا زَجَرْ
مُجَـوِّزًا رَوَى أَبُـو يَعْلَى الأَثَرْ

يَا إِخْوَتِى مِنْ فَضْلِـهِ تَبَرَّكُوا
تَمَسَّكُـوا بِهَدْيِهِ لا تَتْرُكُــوا

أَجَـازَهُ نَبِيُّنَـا الْمُعَظَّــمُ
فَـفَتِّشُوا عَنْ ذَيْلِ مَــنْ يُحَرِّمُ

فَإِنَّهُ أَخُو الْجَهُولِ فِى الْغَبَـا
وَمِثْـلَهُ يَأْبَى الْكَـرِيمُ يَصْحَبَا

نَظَمْتُهـا مُرْشِـدَةً عَـزِيزَهْ
أَكْرِمْ بِهَا فِى الْخَيْرِ مِنْ أُرْجُوزَهْ. اﻫ

الجزء الثالث

الحمدُ للهِ مُعطِي الجزيلِ لمنْ أطاعهُ ورَجَاهُ، وشديدِ العقابِ لمـَن أعرَضَ عن ذكْرِهِ و عصاهُ، اجْتَبى من شاء بفضلِهِ فقرَّبَهُ وأدْناهُ، وأبْعَدَ مَنْ شاء بعَدْلِه فولَّاهُ ما تَولَّاهُ، أنْزَل القرءانَ رحمةً للعالمينَ ومَنَارًا للسّالِكين مَنْ تمسَّك به نال مُنَاهُ، ومنْ تعدّى حدودَهُ وأضاع حقُوقَه خسِر دينَهُ ودنياهُ، أحْمَدُهُ على ما تفضَّلَ به من الإِحسانِ وأعطاهُ، وأشْكرُهُ على نِعَمِهِ الدّينيةِ والدّنيويةِ وما أجْدَرَ الشّاكرَ بالمـَزِيدِ وأوْلاهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له الكاملُ في صفاتِهِ المُتعالي عنِ النُّظَراءِ والأشْباهِ، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي اختاره على البشرِ واصْطفاهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ والتابعينَ لهم بإِحسانٍ ما انْشقَّ الصّبحُ وأشْرقَ ضِياهُ. أما بعد: 

فنكمل في شرح الحديث الرابع والأربعين: ونقرأ الجزء الذي سنشرحه إن شاء الله تعالى.

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وفي روايةٍ للْبُخَاريِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة (هو سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ بنِ أَبِي عِمْرَانَ مَيْمُوْنٍ الهِلاَلِيُّ مَوْلَى مُحَمَّدِ بنِ مُزَاحِمٍ، حَافِظُ العَصْرِ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الهِلاَلِيُّ، الكُوْفِيُّ، ثُمَّ المَكِّيُّ. مَوْلِدُهُ: بِالكُوْفَةِ، فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَمائَةٍ. وَطَلَبَ الحَدِيْثَ وَهُوَ حَدَثٌ، وَلَقِيَ الكِبَارَ، وَحَمَلَ عَنْهُم عِلْماً جَمًّا، وَأَتقَنَ، وَجَوَّدَ، وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ، وَعُمِّرَ دَهْرًا، وَازدَحَمَ الخَلْقُ عَلَيْهِ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ عُلُوُّ الإِسْنَادِ، وَرُحِلَ إِلَيْهِ مِنَ البِلادِ، وَأَلْحَقَ الأَحْفَادَ بِالأَجدَادِ. سَمِعَ مِنْ: عَمْرِو بنِ دِيْنَارٍ وَأَكْثَرَ عَنْهُ. وسمع مِنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، وَإِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَصَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ. وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ خَلْقٍ مِنَ الكِبَارِ. حَدَّثَ عَنْهُ: الأَعْمَشُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعْبَةُ وَهَؤُلاءِ مِنْ شُيُوْخِهِ وَعَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى القَطَّانُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَيَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بنُ رَاهْوَيْه، وَأُمَمٌ سِوَاهُم. 

وَلَقَدْ كَانَ خَلْقٌ مِنْ طَلَبَةِ الحَدِيْثِ يَتَكَلَّفُوْنَ الحَجَّ، وَمَا المُحَرِّكُ لَهُم سِوَى لُقِيِّ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ؛ لإِمَامتِهِ وَعُلُوِّ إِسْنَادِهِ. وَجَاوَرَ عِنْدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفَّاظِ. قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: لَوْلا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، لَذَهَبَ عِلْمُ الحِجَازِ. وَعَنْهُ، قَالَ: وَجَدْتُ أَحَادِيْثَ الأَحكَامِ كُلَّهَا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ، سِوَى سِتَّةِ أَحَادِيْثَ، وَوَجَدتُهَا كُلَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ سِوَى ثَلاثِيْنَ حَدِيْثًا. فَهَذَا يُوَضِّحُ لَكَ سَعَةَ دَائِرَةِ سُفْيَانَ فِي العِلْمِ، وَذَلِكَ لأَنَّهُ ضَمَّ أَحَادِيْثَ العِرَاقِيِّينَ إِلَى أَحَادِيْثِ الحِجَازِيِّينَ. وقال أيضًا أي الشافعي: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فِيْهِ مِنْ آلَةِ العِلْمِ مَا فِي سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، وَمَا رَأَيْتُ أَكَفَّ عَنِ الفُتْيَا مِنْهُ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَحَدا أَحْسَنَ تَفْسِيْرا لِلْحَدِيْثِ مِنْهُ. 

وقال أَحْمَدُ بنُ النَّضْرِ الهِلالِيُّ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، فَنَظَرَ إِلَى صَبِيٍّ، فَكَأَنَّ أَهْلَ المَسْجِدِ تَهَاوَنُوا بِهِ لِصِغَرِهِ، فَقَالَ سُفْيَانُ: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} ثُمَّ قَالَ: يَا نَضْرُ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَلِي عَشْرُ سِنِيْنَ، طُوْلِي خَمْسَةُ أَشْبَارٍ، وَوَجْهِي كَالدِّيْنَارِ، وَأَنَا كشُعْلَةِ نَارٍ، ثِيَابِي صِغَارٌ، وَأَكمَامِي قِصَارٌ، وَذَيْلِي بِمِقْدَارٍ، وَنَعلِي كآذَانِ الفَارِ، أَخْتَلِفُ إِلَى عُلَمَاءِ الأَمصَارِ، كَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بنِ دِيْنَارٍ، أَجلِسُ بَيْنهُم كَالمِسْمَارِ، مِحْبَرتِي كَالجَوْزَةِ، وَمَقْلَمَتِي كَالمَوْزَةِ، وَقَلَمِي كَاللَّوزَةِ، فَإِذَا أَتَيْتُ، قَالُوا: أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ الصَّغِيْرِ، ثُمَّ ضَحِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدُ بنُ مُوْسَى: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُوْلُ: مَا كَتَبتُ شَيْئا إِلا حَفِظتَهُ قَبْلَ أَنْ أَكْتُبَهُ. وَحَكَى حَرْمَلَةُ بنُ يَحْيَى: أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ لَهُ وَأَرَاهُ خُبْزَ شَعِيْرٍ: هَذَا طَعَامِي مُنْذُ سِتِّيْنَ سَنَةً. 

وَمِنْ كَلام ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: الزُّهْدُ: الصَّبْرُ، وَارْتِقَابُ المَوْتِ. وَكَانَ سُفْيَانُ رَحِمَهُ اللهُ صَاحِبَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ. قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: كَانَ سُفْيَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، يَقُوْلُ: لا أُحْسِنُ. فَنَقُوْل: مَنْ نَسْأَلُ؟ فَيَقُوْلُ: سَلِ العُلَمَاءَ، وَسَلِ اللهَ التَّوفِيْقَ. وَرَوَى: عَلِيُّ بنُ حَرْبٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ: {وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ} [النِّسَاءُ: 69]، قَالَ: الصَّالِحُوْنَ: هُم أَصْحَابُ الحَدِيْثِ. 

قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ بِشْرٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَشِيَّةَ السَّبْتِ، نِصْفَ شَعْبَانَ، سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَمائَةٍ يَقُوْلُ: كَمُلَ لِي فِي هَذَا اليَوْمِ تِسْعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، وُلِدْتُ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَمائَةٍ. وقيل: عَاشَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ سَنَةً): فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ (هُوَ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ لِمَا أخرجه سعيد بن مَنْصُور ومسدد وابن سَعْدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ كَانَتْ أُمُّ أَنَسٍ تَحْتَ أَبِي طَلْحَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ شَبِيهَةً بِسِيَاقِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ): فَرَأَيْتُ تَسعةَ أَوْلادٍ كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ (قال ابن حجر: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تِسْعَةٌ وَفِي روايةٍ سَبْعَةٌ فَلَعَلَّ فِي أَحَدِهِمَا تَصْحِيفًا أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَبِالتِّسْعَةِ مَنْ قَرَأَ مُعْظَمَهُ)، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُودِ (من تلك الإصابة المدعو لها بالبركة). 

وَفي روايةٍ لمسلِم: ماتَ ابْنٌ لأبِي طَلْحَةَ (وهو الذي كان يناديه النبي صلى الله عليه وسلم أبا عمير كما سبق) مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا (أي لقرابتها الذين عندها وشعروا بوفاة ابنها): لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ (أي عند مجيئه للمنزل) بابنِهِ (أي بوفاة ابنه، وقد كان صائما كما جاء في بعض الروايات فخافت أن يتنغص عليه عيشه فلا يأكل شيئا) حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وشَرِبَ، ثُمَّ تَصنَّعتْ لهُ (بتحسين الهيئة بالحلي ونحوه) أَحْسنَ مَا كانتْ تَصَنَّعُ (أصل تصنع تتصنع فأدغمت إحدى التاءين في الصاد) قَبْلَ ذلكَ (الوقت، وهذا يدل على كمال يقينها وقوة صبرها، وقد مات ابنها وهو عندها في نفس البيت لم يُدفن بعد وهي ثابتة القلب راضية بأمر الله عز وجل مُسَلِّمَةٌ أمرَها لله تعالى لم يظهر عليها الشكاية والألم الذي يظهر عند فقد الابن عادة، بل ظهر منها من التصرفات عكس ما يظهر عادة وهذا يدل على قوة يقينها رضي الله عنها)، فَوقَعَ بِهَا (أي جامعها، وهذا يدل على شدة الإحسان للزوج أنها لم تُظهِر له ابتداء ما يُكَدِّرُ عليه عيشَه ويُنَغِّصُ عليهِ ليس كحال كثير من النساء في هذه الأيام إذا أصابها ما لا يساوي عُشْرَ ما حصل مع أم سليم رضي الله عنها تراها تُنغص على زوجها وتُكَدِّرُ عليه عيشه لأمر عارض دنيوي، وما ذُكِرَ في هذا الحديث مما عملته هذه الصحابية رضي الله عنها يبين ما ينبغي أن تكون عليه النساء ومما حث عليه الإسلام من الإحسان للزوج، ومن حقوق الزوج على زوجته فله أن تطيعه فيما أمر الله، ولا سيما فيما يتعلق بها من الاستمتاع، وألا تمتنع عنه إذا طلبها لغير ضرورة شرعية كأن تكون في حالة حيض أو كان يلحقها ضررٌ، فإن لم يكن لها عذر شرعي ليس لها أن تمنعه نفسها بل عليها معصية كبيرة إن امتنعت من ذلك، وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: “إِنْ دَعَا الرَجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانٌ عَلَيْهَا لَعَنَتَهَا المَلائِكَةُ حَتَى تُصْبِحْ” رواه البخاري ومسلم، وإنّما أمر الشرع بتلبية رغبة الزوج وإطاعته في الفراش لأن الرجل ولا سيما الشاب إن لم يجد ذلك في زوجته قد يحيله ذلك إلى الوقوع بالحرام أو يتعكر صفوه فيكدر سعادتها، لذلك أمرَ الرسول المرأة أن تستجيب لطلب الزوج حتى لو كانت تعمل عملا خشية أن تقع الفتنة وحتى تستمر روابط المحبة بين الزوجين قال عليه الصلاة والسلام: “إِذَا دَعَا الرَجُلُ زَوْجَتُهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَنُوْرِ” رواه البخاري والنسائي. ومن حق الزوج على الزوجة: ألا تصومَ تطوعًا ونفلًا إلا بإذنه وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لَايَحِلُ للمَرْأَةِ أَنْ تَصُوْمَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإذْنِهِ وَلَا تَأذَنُ في بَيْتِهِ إِلَّا بِإذْنِهِ” رواه البخاري ومسلم. وسببُ وحكمة هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في أي وقت وحقه واجب على الفور وصومها تطوعًا ليسَ بفرض فلا يُمنع حقٌّ بنفلٍ وكذلك في الحديث المذكور حرمة أن تُدخل إلى بيته من لا يرضى لأن ذلك يسبب العداوة بين الزوج وزوجته ولكن ليس له منعها من صلة الرحم وزيارة الأقارب، ولا يجوز لها طاعته فيما حرمَ الله أو إعانة على معصية الله لأن القاعدة في ذلك أن لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. ومن حق الزوج على زوجته أن لا تخرج من بيته إلا برضاه إلا لضرورة تبيحُ الخروج لها دون إذنه كالخروج لأمر مهم شرعًا لا يتحصل إلا بالخروج وأما إن كان يرضى ويأذن لها فلا مانع أن تخرج المرأة من بيتها ضمن حدود الحشمة والأدب والستر. ومن حق الزوج على زوجته أن تتزينَ له وتتجمل له بالثياب ونحوه إذا طلب منها، وذلك حتى لا تمتد عينه إلى غيرها فيقع في الحرام. وسواءٌ كانت الزينة التى طلبها اعتادت عليها أو لم تعتد عليها وجبَ عليها تلبيتهُ في ذلك، وعليها أن تمتنع عن كل شىء يعكر عليه الاستمتاع كالروائح الكريهة وما يؤذيه إذا نظرَ إليه. وفي الحديث الذي رواه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قِيْلَ للنَبِيّ أَيُّ النِسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَتِى تَسُرُهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيْعُهُ إِذَا أَمِرَ وَلَا تُخَالِفُهُ في نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ”. وينبغي للمرأة المحافظة على مال زوجها في حضرته وغيبته، وينبغي أن تحترمه ولا تتعالى عليه، وتحفظ قدره فالرجل أولَى الناس بالمرأة من حيث العناية والرعاية وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: “أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى المَرْأَةِ زَوْجُهَا وَأَعْظَمُ النَّاسِ حَقًا عَلَى الرَجُلِ أُمُّهُ” رواه الحاكم وغيره، وكذلك حذرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة من أن تَكْفُرَ العشير أي تنكر فضلَ الزوج عليها ففي الحديث الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَعظُ النساء فيقول لهنَّ: “تَصَدَقْنَّ فَإِنِي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لِمَاذَا يَا رَسُوْلُ اللهِ؟ قَالَ: لِأَنَكُنَّ تُكْثِرْنَّ اللَّعْنَّ وَتَكْفُرْنَّ العَشِيْرَ” رواه البخاري. والعشير هو الزوج والمعنى أنَّ أكثرَ ما هو سبب لدخولهنَّ النار كونهن يكثرنَ من اللعن بغير حق ومنهنَّ من يُكثرنَ كُفرانَ عشرةِالزوج وإحسَانِه، فلو أحسنَ إلى إحداهنَّ الدهر ثم رأتْ منه شيئا قالت: ما رأيتُ منكَ خيرًا قط!. ووردَ في حث المرأة على طاعة زوجها وإرضائه فيما لا معصية فيه: “أَيّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزُوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتْ الجَنَةْ” رواه الترمذي، فالمرأة إذا صبرت على زوجها وأحسنت إليه بما يحب كان لها عند الله ثواب عظيم، وطاعة المرأة لزوجها ليست طاعة إذلال بل طاعة مودةٍ وحنان. فكما أنَّ للرجل ءادابًا في حُسنِ معاشرة زوجته كذلك على المرأة ءاداب في حسن معاشرتها لزوجها الذي له الفضلُ الكثير وقد قال عليه الصلاة والسلام: “لَوْ كُنْتُ ءَامِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا” رواه ابن ماجه، معناه سجود تحية واحترام وليس عبادة ولكن حتى هذا السجود الذي للاحترام حرّمَهُ رسول الله على أمته، ولو كانَّ حلالا لكانَ أولى الناس بفعلهِ المرأةُ لزوجها. وقد قال أحدُ العلماء ناصحًا بعض تلميذاته اللواتي يتلقين العلم الشرعي: “كُوْنِيِ لَيِّنَةً بِيَدِ زَوْجِكِ، أَخْفِضِي صَوْتَكِ أَمَامَهُ وَكَأَنَكِ عِنْدَ مَلِكٍ مِنَ المُلُوْكِ، حَقُّ الزَوْجِ عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ، خَالِفِي نَفْسَكِ بِالتَواضُعِ مَعَهُ. وإياك أن تكلمي زوجك كمَن يُحاكمُه لمجرَّدِ شكٍّ أو ظنٍّ في أمرٍ لا يُعجِبُكٍ فيؤدي ذلك إلى نفورِهِ منك، لا تبحثي في أغراضِهِ بدونِ إذنِهِ إرضاءً لشهوةِ نفسِكِ التي في غير مَحلّها الأمرُ الذي قد يهدمُ بيتَك وأنت لا تشعرين. فلا تلومي إلا نفسك. لقد هدمَت وخرَّبت الغَيرَةُ كثيرًا مِنَ البيوت ولو عَمِلَ الواحدُ مِنَّا بِحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مِنْ حُسْنِ إِسلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْهِ” لارتحنا كثيرًا، لا تقولي نساءُ الرسولِ كُنَّ يغرنَ أنا أيضًا أغارُ، أين أنتِ مِنْ نساءِ رسولِ الله وأينَ زوجُكِ من رسولِ الله، وتذكّري جيدًا أن هذا ليس عذرًا لك للغَيرةِ التي تؤدي بك إلى مخالَفةِ الشرع فقدوتنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وميزاننا شرعُ اللهِ، استغلي محبَّة زوجَكِ لك في طاعةِ الله ولا تبعديهِ عنكِ بِما يكرَه. إياكِ ثم إياكِ أن تطلبي الطلاقَ منه بدونِ عذرٍ شرعي فتقعي في كبائرِ الذنوب، ليس لك عذرٌ أن تطلبي الطلاقَ لأنك تشعرينَ بالنفورِ منه أو لأنه تزوجَ غيركِ أو لأنكِ تغارينَ أو لأنه كثيرُ النومِ كثيرُ الأكلِ قليلُ الحركة. انتبهي وزِنِي أمورَكِ بِميزانِ الشرع لا بِميزانِ الهوى إياكِ ثم إياكِ إن جلبَ لك طعامًا أو ثيابًا أو نَحوَ ذلك أن تتأففي لأنَّ الطعامَ ليسَ كما تريدين والثيابَ ليسَ كما تشتهين والسَّيارة ليس كما تُحبّين، إما أن تأكلي وتشكري أو تسكتي وتَحمدي اللهَ على كلّ حال، احمدي اللهَ على ما أنتِ فيه مِنَ النّعم وتذكري قولَهُ عليهِ السلام: “مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله”. إياكِ أن تكسري قلبَهُ مع أنه أحسنَ إليكِ بِما جلبَ لكِ، قولي له باركَ الله فيك وجزاكَ عني كلَّ خير بدلَ أن تقولي ما هذا الطعام يوجد أجودُ منه، ما هذا اللّباس يوجدُ أحسَنُ منه ما هذه السيارة يوجدُ أحدثُ منها ما هذا المكان الذي جلبتني إليه للنزهة يوجدُ أحلى منه، فإنك إن فعلتِ ذلك كسرتِ قلبَهُ ونفَرَ منكِ وتذكري قولَ اللهِ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ كونِي له خيرَ النساء وهي التي تسرُّهُ إذا نظرَ وتطيعُهُ إذا أمر ولا تخالفُهُ في نفسِها بِما يكره كونِي عونًا له لا عليه، واحفظي نفسَكِ في غَيبتِهِ وحافظي له على ماله. لا تكلمي زوجك بصيغة الآمِرِ وكلّميهِ بصيغَةِ المترجّي المنكسر فإنّ ذلكَ لا يُنقِصُ مِنْ قدرِك بل يرفَعُهُ، قولي له: لو جلبتَ لنا كذا وكذا لو أخذتنا إلى مكانِ كذا مِنْ غيرِ إلزامٍ له وتهديدٍ وتوعّد. وهناكَ نصيحة مهمة ينبغي أن يَعيها كلُ زوج وزوجة وهي مرعاةُ حكم الشرع والدين في المعاملة بين بعضهم البعض وبأن لا يحمل الغضب أحدهما على التلفظ بألفاظ كفرية كسب الله أو الألفاظ البشعة التى فيها نسبة العجز إلى الله تعالى كالذي يقول لزوجته “الله ما بيحملك” والعياذ بالله أو غير ذلك مما شابه هذا اللفظ فإن هذا يخرج من الإسلام ويجعل العلاقة بين الرجل وزوجته علاقة محرمة وليحذر من التسرع بألفاظ الطلاق والشتم واللعن، ورأس الأمر أن يَتعلم الزوجان علمَ الدين الذي أوجبه الله عليهم وأن يطبقا ذلك وأن يتحاكما إلى حكم الدين فالمرأة التى تسمع من زوجها كفرًا وتسكت عنه وتعاشره بحجة أنه غضبان لا بَركة ولا سعادة في عشرتها على هذه الحال ما لم يرجع إلى الإسلام بالشهادتين وكذلك الرجل إن سَمعَ من زوجته لفظًا كفريًا كسب الله ونحوه فعليه أن يأمرها بالشهادتين وإلا فالمعاشرة محرمة، ومن أراد أسرة سعيدة مباركة هنيئة فعليه بتقوى الله فهي رأسُ كل سعادة وعليه بحفظ اللسان عمّا حرمَ الله وترك الغضب وإلا فلن يجد سعادة في غير ذلك)، فَلَمَّا أَنْ رأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعِ (بالطعام) وأَصَابَ مِنْها (بالجماع) قَالتْ (منبهة له على أنه لا ينبغي له الحزن على موت ولده، عند اطلاعه عليه لأنه وديعة بصدد الاسترداد): يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَايْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا (هو في الأصل جماعة الرجال، والأكثر في استعمال الشرع أن يراد به ما يشملهم والنساء) أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ فَطَلبوا عاريَتَهُم، ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهم؟ قَالَ: لا، (أي: ليس لهم منعهم لأن الإعارة إباحة منافع المعار، والمعار باق على ملك المعير فله استرداده متى شاء) فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ (أي: اطلب ثواب ابنك وأجر مصيبتك فيه من الله ولا تدنسها بما يحبط الثواب فإنه كان عندك عارية استرده مالكه). قَالَ (أي أنس): فغَضِبَ (أبو طلحة)، ثُمَّ قَالَ: تركتنِي حتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ (أي بالجماع) ثُمَّ أَخْبرتِني بِابْني (أي بموت ابني)، فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأخْبَرهُ بِمَا كَانَ (أي المذكور من فعل أم سليم الدال على كمال يقينها وحسن صبرها مما يعجز عنه كثير من الرجال)، فَقَالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (“بَاركَ اللَّه لكُما في ليْلتِكُما” (أي فيما فعلتماه فيها من الإعراس بأن يجعله نتاجًا طيبًا وثمرة حسنة). قَالَ: فحمَلَتْ (أم سليم إجابة لدعائه بالبركة بما كان منه قوم صالحون كما تقدم عن ابن عيينة)، قَالَ (أنس): وكَانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في سَفَرٍ (سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال،  ولذلك قيل:

 سافر تجد عوضًا عمَّن تفارقه
وَانْصبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست
والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة
لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ

والبدر لولا أفول منه ما نظرت
إليه في كل حين عين مرتقب

والتَّبْر كالتُّرْب مُلْقى في أَمَاكِنِه
والعودُ في أرضه نوعٌ من الحطب

فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ
وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِِ

وسفره من المدينة إنما كان لأداء النسك أو الجهاد) وهِي مَعَهُ وكَانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا أَتَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَفَرٍ لَا يَطْرُقُها طُرُوقًا (أي لا يأتيها ليلًا، وكل آت بالليل طارق، ونهي عن طروق المسافر أهله ليلا لئلا يرى منهم ما قد يكرهه. وأيضًا فإذا وصلوا البلد نهارًا وسمع بهم أهلهم تصنعت المرأة لبعلها فيراها بمنظر حسن، بخلاف ما إذا فجأها وهي شعثة ربما كان رؤياها كذلك سببًا لفراقه لها، وهذا إذا لم يترقب أهله قدومه عليهم ليلًا، وإلا كأن بلغهم خبر قدومه من أول النهار فلا بأس بالطروق حينئذٍ) فَدنَوْا (أي اقتربوا) مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخاضُ (وهو وجع الولادة)، فَاحْتَبَس عَلَيْهَا أَبُو طلْحَةَ (أي: حبس نفسه عليها لاشتغاله بشأنها)، وانْطلَقَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (في مسيره إلى المدينة). قَالَ (أي أنس): يقُولُ أَبُو طَلْحةَ (أتى بلفظ المضارع لحكاية الحال الماضية إشارة لكمال استحضاره للقصة وإتقانه لها) إِنَّكَ لتعلمُ يَا ربِّ أَنَّهُ يعْجبُنِي أَنْ أَخْرُجَ معَ رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا خَرَجَ (من المدينة لسفر)، وأَدْخُلَ مَعهُ إِذَا دَخَلَ، وقَدِ احْتَبَسْتُ (أي منعت من الدخول) بِما تَرى (أي بما تعلم مما نزل بأم سليم، فأجاب الله دعوته وكشف كربته). تقولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طلْحةَ مَا أَجِد الَّذي كنْتُ أَجِدُ (أي ما أجد ألم الوضع الذي كنت أجده قبل)، انْطَلِقْ، فانْطَلقْنَا، وضَربهَا المَخاضُ حينَ قَدِمَا (أي وقت قدوم أبي طلحة وأم سليم المدينة مع المصطفى صلى الله عليه وسلم) فَولَدتْ غُلامًا (هو المسمى بعبد الله). فقالَتْ لِي أُمِّي (أم سليم أم عبد الله المذكور فهو أخو أنس لأمه كما تقدم): يا أَنَسُ لا يُرْضِعُهُ أَحدٌ (أي: ليكون أول شيء يشق جوفه ويدخل أمعاءه الممزوج بريق المصطفى، فيعود عليه بخير الدارين كما ظهر أثره في هذا الغلام بتكثير بنيه الصالحين الأتقياء الفالحين) حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ (من الغُدُوِّ وهو سير أول النهار، والرواح: السير بعد الزوال، هذا هو الأصل فيهما وقد يتجوز في ذلك) عَلَى رسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فلمَّا أَصْبحَ (أي دخل وقت الصباح) احتملْتُهُ فانطَلقْتُ بِهِ (أحمله) إِلَى رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. وذَكَرَ تمامَ الْحَدِيثِ.

قال الحافظ ابن حجر بعد شرحه لهذا الحديث: وَفِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ هَذِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ وَتَرْكُ الرُّخْصَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالتَّسْلِيَةُ عَنِ الْمَصَائِبِ وَتَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَتَعَرُّضُهَا لِطَلَبِ الْجِمَاعِ مِنْهُ وَاجْتِهَادُهَا فِي عَمَلِ مَصَالِحِهِ وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمَعَارِيضِ الْمُوهِمَةِ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهَا وَشَرْطُ جَوَازِهَا أَنْ لَا تُبْطِلَ حَقًّا لِمُسْلِمٍ وَكَانَ الْحَامِلُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصَّبْرِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَجَاءَ إِخْلَافِهِ عَلَيْهَا مَا فَاتَ مِنْهَا إِذْ لَوْ أَعْلَمَتْ أَبَا طَلْحَةَ بِالْأَمْرِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ تَنَكَّدَ عَلَيْهِ وَقْتُهُ وَلَمْ تَبْلُغِ الْغَرَضَ الَّذِي أَرَادَتْهُ فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِهَا بَلَّغَهَا مُنَاهَا وَأَصْلَحَ لَهَا ذُرِّيَّتَهَا وَفِيهِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ وَبَيَانُ حَالِ أُمِّ سُلَيْمٍ مِنَ التَّجَلُّدِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَقُوَّةِ الْعَزْمِ وقد كَانَتْ تَشْهَدُ الْقِتَالَ وَتَقُومُ بِخِدْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ عَنْ مُعْظَمِ النِّسْوَةِ.