حديث هرقل ودعوة النبي ﷺ إلى التوحيد | رياض الصالحين (56)

الدرس ٤٥ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٧:٤٩

الحمدُ لله العليّ العظيمِ، الملكِ الحقِ القويّ المتين، ذي الجلالِ والإكرام الرحمن الرحيم، الذي قضى فأسقمَ الصحيح وعافى السقيم، وقدّر فأعان الضعيف وأوهى القويم، قَسَمَ عبادهُ قسمينِ طائعٌ وأثيم، وجعل مآلَهُم إلى دارينِ دار النعيم و دار الجحيم، فمنهم من عصَمَهُ من الخطايا ومنهم من قضى له أن يبقى على الذنوب ويقيم، ومنهم من يتردَّدُ بين الأمرينِ والأعمال بالخواتيم، أحمدُهُ تعالى بأن أنعم علينا بالفضل الوافر العميم، وهدانا بمَنِّهِ إلى الصراط المستقيم، وحذرنا بلطفه من العذاب الأليم، فهو مُستَحِقُّ الحمد ومُستَوجِبُ التعظيم، أحمدُهُ وكيف لا يُحمد، وأشهد أنه لم يلد ولم يولد، وأنَّ محمدًا عبده الأمجد، وأقام عيسى يقول: ” ومُبشرًا برسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمَد ”، أما بعد:

الحديث

قال الحافظ النووي: الثالث (أي الثالث من باب الصدق): عن أبي سفيانَ صَخرِ بنِ حربٍ رضي الله عنه في حديثه الطويلِ في قصةِ هِرَقْلَ، قَالَ هِرقلُ: فَمَاذَا يَأَمُرُكُمْ – يعني: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أبو سفيانَ: قُلْتُ: يقولُ: «اعْبُدُوا اللهَ وَحدَهُ ولا تُشْرِكوُا بِهِ شَيئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، ويَأْمُرُنَا بالصَلاةِ، وَالصِّدْقِ، والعَفَافِ، وَالصِّلَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. 

ترجمة راوي الحديث

راوي الحديث هو أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح وكان من المؤلفة، ثم حسن إسلامه. وشهد حنيناً وأعطاه من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وأعطى لابنيه يزيد ومعاوية، فقال أبو سفيان: «والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، ولقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت، فجزاك الله خيراً» ثم شهد الطائف وفقئت عينه يومئذٍ وفقئت عينه الأخرى يوم اليرموك، استعمله النبي على نجران، فمات النبي وهو عليها مات بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين وله ثمان وثمانون أو ثلاث وتسعون سنة. وصلى عليه عثمان رضي الله عنه. 

الشرح

هذا الحديث بطوله مرويٌّ في البخاري وغيره من كتب الحديث يبين موقفَ هرقل من قتال المسلمين: وسابقَ أمره مع كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لما وصله قديما: فإن أهل التاريخ والسير يذكرون أنه لَمَّا تَوَجَّهَتْ الْجُيُوشُ نَحْوَ الشَّامِ أَفْزَعَ ذَلِكَ الرُّومَ وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ يُعْلِمُونَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ الْخَبَرُ قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمْ! إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ دِينٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّهُمْ لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِمْ، فَأَطِيعُونِي وَصَالِحُوهُمْ بِمَا تُصَالِحُونَهُمْ عَلَى نِصْفِ خَرَاجِ الشَّامِ، وَيَبْقَى لَكُمْ جِبَالُ الرُّومِ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ، أَخَذُوا مِنْكُمُ الشَّامَ وَضَيَّقُوا عَلَيْكُمْ جِبَالَ الرُّومِ. فَنَخَرُوا مِنْ ذَلِكَ نَخْرَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ (أي أصدروا صوتا يشبه صوت حمر الوحش)، كَمَا هِيَ عَادَاتُهُمْ فِي قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ، وَالرَّأْيِ بِالْحَرْبِ وَالنُّصْرَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَكَانَ هِرَقْلُ مُوْقِنًا بِأَنَّ جَيْشَهُ سَيُغْلَبُ عَلَى الشَّامِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِيْنَ سَيَمْلِكُوْنَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَهُوَ اعْتَرَفَ بِهَذَا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. وَحديثنا الذي نتكلم فيه سأذكره بتمامه لِيُفهَمَ ويُعْلَمَ المرادُ منه، وقد ذكره النووي في باب الصدق، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ (وهرقل: هو ملك الروم؛ ولقبه قيصر كما يلقب ملك الفرس بكسرى: أي في قصته لما كتب إليه يدعوه للإسلام فأرسل إلى من بالشام من قريش وكان أقربهم منه أبا سفيان، وكان ذلك في سنة ستّ من الهجرة) أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ (جمعِ راكبٍ وهمُ العشرةُ فما فوقَ)، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا (أيْ صالَحَهم على تَرْكِ القتالِ فيها وهيَ فترةُ صلحِ الحديبية) أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ (بيتِ المقدسِ)، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا (يروُوا عنِّي وينقلُوا) عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لاَ قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ (أيْ كراهيةً لهُ وعدمَ رضًى بهِ) بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ (أي عهدٍ، وهوَ وقتُ صلحِ الحديبيةِ كما ذكرتُ) لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ (أي لم أستطع أن أُدخِلَ شيئًا أُعَرِّضُ فيهِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم غيرَ هذهِ الكلمةِ)، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ (نُوَبٌ مرةً لنَا ومرةً علينَا وسِجَالٍ جمعُ سَجْلٍ وهوَ الدَّلْوُ الكبيرُ)، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ (جواب أبي سفيان عندما سئل عن أول ما دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم يبين تماما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما دعا أمته دعاهم إلى التوحيد ونهاهم عن الكفر بالله والعياذ بالله، معاذ بن جبل حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لليمن وبلاد الشام، وكان عالما شابا صالحا تقيا شجاعا. فقد روى البخاري عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما «أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلّم لمَّا بَعثَ مُعاذاً رضيَ اللهُ عنهُ على اليمنِ قال: إنكَ تَقْدَمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ ، فلْيكُنْ أولَ ما تدَعوهم إليهِ عِبادةُ اللهِ، فإذا عَرفوا اللهَ فأخبرهم: أنَّ اللهَ قد فرضَ عليهم خمس صلواتٍ في يومِهم وليلتَهم، فإذا فَعلوا، فأخبرهم: أنَّ اللهَ فرضَ عليهم زكاةً مِن أموالِهم وتُرَدُّ على فُقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخُذْ منهم، وتَوَقَّ كرائمَ أموالِ الناسِ». هذا الحديث يدل على أمور كثيرة، وهي : أن الشخص مهما كان يعبد غير الله فهو ليس موحدا، فهم يدَّعون أنهم أهل توحيد وأنهم يعبدون الله ولكن النبي نفى عنهم ذلك. وقوله: أول ما تدعوهم إليه عبادة الله أي إلى توحيد الله فإذا هم عبدوا الله وتركوا الكفر ودخلوا الإيمان صاروا عابدين لله بالنطق بالشهادتين مع اعتقاد معناهما. والنبي لم يقل له هؤلاء يعبدون الله لا، لم يقل له هؤلاء أهل كتاب فعلمهم الصلاة لا، بل قال: فإن هم أجابوا لذلك أي إن أسلموا فعلمهم الصلاة. فالأصل الأول هو عبادة الله وحده، فالأمور على حسب أولوياتها في الشرع ليس على ما يظنه الجاهل، بعض المجسمة يظن نفسه من عباد الله المخلصين وهم في الحقيقة لم يعبدوا الله بل عبدوا جسما توهموه. ومن هذا الحديث نعلم أن الأولويات على حسب ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم ليس على ما يظنه هؤلاء الجاهلون، بعض الناس يقول لك أهم شيء أن أعرف تلاوة القرآن أو أن أحفظ القرآن أو أن أشتغل بقيام الليل أو بالذكر اللساني ونحو ذلك، وهذا الحديث يبين الأولويات ويرد على كل هؤلاء، ممن لم يعرفوا الأولويات في دين الله فالذي يقرر الأولويات هو النبي صلى الله عليه وسلم لا الهوى والتشهي وماذا يريد فلان وماذا يريد فلان. فمعرفة الله والرسول هي الأساس، ومن الأساس بل أعظم ما يجب التحذير منه هو الكفر بالله، بعض الناس يقول نحذر من الاختلاط بزعمهم، وبعضهم يقول نحذر من الغش في البيع والشراء، نقول لهم هذه كلها منكرات يجب التحذير منها لكن الأولى في التحذير منه هو الكفر بالله والعياذ بالله تعالى وهذا هو نهج محمد صلى الله عليه وسلم. فالرسول عندما بعث في مكة كم كان هناك من عادات خبيثة فاسدة التي انتشرت بين الناس مثل وأد البنات والزنا والربا وغيرها، أول ما بدأهم الرسول عليه السلام التوحيد لم يقل لهم تعلموا الاستنجاء أو فرائض الغسل أول الحجاب، بل بدأهم بالعقيدة وبعد ذلك صارت الأحكام تنزل تباعا وغالب الأحكام نزل في المدينة وفي مكة التركيز على توحيد الله، والنبي كان يمر بهم وهم مجتمعون بالموسم فيقول لهم أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. وهذا الذي ركز عليه النبي ، لأنهم لو بقوا على الكفر وعملوا صور هذه العبادات ظاهرا لا تنفعه عند الله ولا تصح منه ولا تقبل منه. النبي عليه السلام كم أوذي لأجل هذه الدعوة الشريفة. ثم صار الإسلام يدخل إلى بيوت أهل مكة يسلم هذا العبد يسلم هذا الرجل وهذه المرأة ثم انتشر الإسلام وتوسع. ثم أمر آخر أذكره: بلال رضي الله عنه أوذي كل هذا الأذى لأي شيء ؟ هل لمجرد أنه يصدق في الحديث أو لأنه كان أمينا لا، لأجل التوحيد لأجل الإسلام، لأنه صار يعتقد أن الله أحد. لأجل هذا ضربوه وعذبوه لأنه كان يقول أحد أحد لأنه صار يعتقد أن الله ليس له شريك والذي ليس له شريك يكون أزليا لا يكون حادثا والأزلي لا يكون جسما ولا متحيزا في مكان فالأماكن حاثة مخلوقة والأزلي لا يتخصص بالمخلوقات. وتلك الأصنام التي عبدها الكفار ولو كانوا علقوها على الكعبة هي ليست آلهةً تُعبد لأن الألوهية لا تصلح لمن كان جسما والعياذ بالله تعالى. هذا هو الأساس وهذه هي الأولويات وهذا هو الأهم في دين الله، والتوحيد هو معرفة الله على ما يليق به ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم على ما يليق به، والمقصود بمعرفة الله أي معرفةُ صفاته عز وجل الثابتةِ في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وليست معرفةَ إحاطة، كمعرفتي لكم مثلا، أو معرفتي للطريق الفلانية، فإن هذه المعرفةَ معرفةُ إحاطة ومعرفتي لله ليست معرفةَ إحاطة بل هي اعتقاد إثبات وجوده عز وجل على ما يليق به مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقات، ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن الاستواء (ءامنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك). ذكره الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد والعز بن عبد السلام في حل الرموز والشيخ تقي الدين الحصني في دفع شبه من شبه وتمرد.اهـ وقال أيضا (ءامنت بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) ذكره الشيخ الحصني في دفع شبه من شبه وتمرد، ومعناه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعاني الحسية والجسمية التي لا تجوز في حق الله تعالى. ولما سئل عن صفات الله تعالى قال (حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه [أي الله] على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم) ذكره الشيخ ابن جهبل في رسالته في نفي الجهة عن الله وقد نقلها السبكي في الطبقات. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه أيضا جامعا جميع ما قيل في التوحيد: (من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأنّ إلى العدم الصرف فهو معطل، وإن اطمأن لموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد). اهـ ذكر ذلك عنه الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد، والإمام بدر الدين الزركشي[794هـ] في تشنيف المسامع، والحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي في الغيث الهامع، وملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر، ومحمد بن أحمد بن محمد المالكي الشهير بميارة [1072هـ]، في الدر الثمين وغيرهم، و ليس المطلوب منا عند دراسة التوحيد وصفات الله عز وجل أن نتصور فإننا مخلوقون لله جعل الله لعقولنا وقلوبنا حدًّا لا نستيطع تصور بعض المخلوقات فكيف يتجرؤ البعض بأن يحاولوا أن يتصوروا الخالق عز وجل ولن يقدروا على ذلك بل إنهم سيقعون في التشبيه والعياذ بالله تعالى)، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ (أي بإقامتها) وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ (وهوَ الكفُّ عنِ المحرماتِ وقالَ السيوطيُّ: العفاف هو التنزهُ عمَّا لا يُباحُ والكفُّ عنه الغِنَى أيِ الاستغناءُ عمَّا فِي أيدي الناسِ والعفةُ هيَ بمعنَى العفافِ) وَالصِّلَةِ (وهيَ كلُّ مَا أمَرَ اللهُ تعالَى أنْ يوصَلَ، وذلكَ بالبرِّ والإكرامِ وحسنِ المراعاةِ، ويقالُ: المرادُ بهَا صلةُ الرَّحِمِ). فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي (يقلِّدُ وَيَتَمَثَّلُ بمَا قيلَ قبلَهُ) بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ (يتركَ الكذِبَ) عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ (بشاشَتُهُ أيْ نورُهُ وحلاوتُهُ والفَرَحُ بهِ والانشرَاحُ). وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ (أي أصلُ إليهِ) لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ (أي تكلَّفْتُ على خَطَرٍ ومشقةٍ)، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ (وهذا فيه مبالغةٌ فِي خدمَتِهِ واتِّبَاعِهِ والخضوعِ لِمَا جاءَ بهِ). ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعثَ بِهِ دِحْيَةَ (وهو دحيةُ الكلبيُّ رسولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى (أي أميرِهَا وبصرى بلدةٌ مِنْ أعمالِ حَورَانَ فِي جنوبِ بلادِ الشامِ)، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ (أي بدعوةِ الإسلامِ وهيَ كلمةُ الشهادةِ التي يقولُها وجوبًا مَن يريدُ الدخول إلى الإسلامِ قبلَ كلِّ شيءٍ، وهيَ عنوانُ التوحيدِ وأصلُ الإسلامِ دينِ الحقِّ والاستقامةِ والعزَّةِ والكرامةِ)، أَسْلِمْ تَسْلَمْ (وهذَا فيهِ ردٌّ علَى مَنْ يقولُ بمَا يسمونَهُ حريةَ الاعتقادِ والتديُّنِ)، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ (أيْ يُضاعِفُ اللهُ لكَ أجرَكَ لأنَّكَ ستكونُ سبَبًا فِي إسلامِ قومِكَ)، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ (أي أعْرَضْتَ عنِ الإسلامِ ورَفَضْتَ الدخولَ فيهِ) فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ (أي إثمَ استمرارِهم علَى الباطلِ والكفرِ اتِّبَاعًا لكَ والمرادُ بالأريسيِّينَ الأتباعُ مِنْ أهلِ مَمْلَكَتِهِ وهيَ فِي الأصلِ جمعُ أريسِيّ وهوَ الحرَّاثُ والفلَّاحُ) ” وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ (مستويةٍ لا تختلفُ فيهَا الكتبُ المنزلةُ ولا الأنبياءُ والمرسلونَ، وهيَ كلمةُ التوحيدِ، وهذَا فيهِ دِلالةٌ علَى أنَّ دينَ الأنبياءِ كلِّهم هوَ دينُ الإسلامِ) بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ (أيِ اللَّغَطُ واختلاطُ الأصواتِ) وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ (أي عَظُمَ شأنُه ويقصِدُ بأبي كبشةَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو زوجُ حليمةَ السعديةِ فهوَ أبوهُ مِنَ الرَّضَاعِ)، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ (أيِ الرومِ). فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ (أميرُ بيتِ المقدِسِ مِنْ قِبَلِ هرقلَ) وَهِرَقْلَ،  أُسْقُفًّا (وهو لفظٌ مُعَرَّبٌ ومعناهُ عالمُ النصارَى أوْ رئيسُهم الدينيّ) عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ (أي مهمومًا)، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ (جمعِ بطريقٍ وهمْ خواصُّ دولِتِه وأهلُ مشورَتِهِ): قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ (اختلفَ علينا حالُك وسمتُك)، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً (كاهنًا) يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ (يتكهَّنُ مِنْ أحوالِهَا)، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ (أيْ ظَهَرَ سلطانُ الذينَ يختَتِنونَ والختانُ قطعُ قلفةِ الذكرِ وكانَ الرومُ لا يختَتِونَ)، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لاَ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ (أي في مدينة رومية وهي معروفةٌ للرومِ وهي مقرُّ خلافةِ النصارى ورئاسَتِهِم)، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ (يفارقْ وقيل يصلْ) حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ (قصر ٍحولَه أو فيهِ منازلُ للخدمِ وأشباهِهِم) بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاَحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا (نفرُوا وكرُّوا) حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ (جمعِ حمارٍ والوحشُ حيوانُ البرِّ) إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ (انقطعَ أملُه منهم)، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا (قريبًا أو هذهِ الساعةَ والآنفُ أولُ الشيءِ) أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.

وفي رواية عند ابن الجوزي عن دِحْية بن خليفة قال: وجَّهني النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى ملك الروم وهو بدمشق، فناولته كتابَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقبَّل خاتمه ووضَعه تحت شيء كان عليه قاعداً، ثم نادَى فاجتمع البطاركة وقومُه، فقام على وسائد ثُبِّتتَ له، وكذلك كانت فارس الروم، لم تكن لها منابر. ثم خطب أصحابَه فقال: هذا كتابُ النبي الذي بشَّرنا به المسيح عيسى من ولد إسماعيل بن إبراهيم. فنَخَروا نَخْرةً (نَخَرَ: مد الصوت، في خياشيمه)، فأومأ بيده أن اسكتوا، ثم قال: إنما جرَّبتكم لأنظر كيف نُصْرتكم للنصرانية. قال: فبعث إليّ من الغد سرًّا، فأدخَلني بيتاً عظيماً فيه ثلاثمائة وثلاثة عشر صورة، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين. قال: انظر أين صاحبُك من هؤلاء. قال: فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم كأنه ينظر، فقلت: هذا. قال: صدقت. قال: صورة مَنْ هذا عن يمينه؟ قلت: رجلٌ من قومه يقال له أبو بكر الصديق. قال: فمن ذا عن يساره؟ قلت: رجلٌ من قومه يقال له عمر بن الخطاب. قال: أما إنا نجدُ في الكتاب أنَّ بصاحبيه هذين يُتم الله الدِّين. فلما قَدِمتُ على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرتُه الخبرَ. فقال: «صدَق، بِأَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ يُتِمُّ اللَّهُ هَذا الدِّيْنَ ويَفْتَحُ» . وحكى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال لدِحْية: والله إني لأعلم أنَّ صاحبك نبيٌّ مُرْسل، وأنه الذي كنا ننتظره، ولكني أخاف على نفسي من الروم، ولولا ذلك لاتبعته.