بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ مُعطِي الجزيلِ لمنْ أطاعهُ ورَجَاهُ، وشديدِ العقابِ لمـَن أعرَضَ عن ذكْرِهِ وعصاهُ، اجْتَبى من شاء بفضلِهِ فقرَّبَهُ وأدْناهُ، وأبْعَدَ مَنْ شاء بعَدْلِه فولَّاهُ ما تَولَّاهُ، أنْزَل القرءانَ رحمةً للعالمينَ ومَنَارًا للسّالِكين مَنْ تمسَّك به نال مُنَاهُ، ومنْ تعدّى حدودَهُ وأضاع حقُوقَه خسِر دينَهُ ودنياهُ،
أحْمَدُهُ على ما تفضَّلَ به من الإِحسانِ وأعطاهُ، وأشْكرُهُ على نِعَمِهِ الدّينيةِ والدّنيويةِ وما أجْدَرَ الشّاكرَ بالمـَزِيدِ وأوْلاهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له الكاملُ في صفاتِهِ المـُــتعالي عنِ النُّظَراءِ والأشْباهِ، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي اختاره على البشرِ واصْطفاهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ والتابعينَ لهم بإِحسانٍ ما انْشقَّ الصّبحُ وأشْرقَ ضِياهُ.
أما بعد:
مِن أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ:
مَا زِلنَا نَشرَحُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَكُنَّا شَرَحْنَا شَيئًا مِنهَا وَنُكمِلُ بِإِذنِ اللهِ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَهُ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ..
نَصُّ الحَدِيثِ:
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِى: يَا أَبَتِ إِنِّى أَسْمَعُكَ تَدْعُو عِنْدَ كُلِّ غَدَاةٍ: «اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى بَدَنِى، اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى سَمْعِى، اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى بَصَرِى، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ عَذَابِ الْقَبْرِ، لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». تُعِيدُهَا حِينَ تُصْبِحُ ثَلاثًا، وَثَلاثًا حِينَ تُمْسِى، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ.
عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ أَبِى بَكْرَةَ: هو عبد الرحمن بن أبي بكرة الْبَصْرِيِّ الثَّقَفِيِّ، وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَيْثُ نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وُلِدَ: زَمَنَ عُمَرَ، وَكَانَ ثِقَةً، كَبِيْرَ القَدْرِ، مُقْرِئًا، عَالِمًا، هو تَابِعِيٌّ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ منهم: ابْنُ سِيْرِيْنَ، وَأَبُو بِشْرٍ، وَآخَرُوْنَ. يُكْنَى: أَبَا بَحْرٍ. قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ أَقْرَأَ أَهْلِ البَصْرَةِ. وَقِيْلَ: كَانَ يَقُوْلُ: أَنَا أَنْعَمُ النَّاسِ، أَنَا أَبُو أَرْبَعِيْنَ، وَعَمُّ أَرْبَعِيْنَ، وَخَالُ أَرْبَعِيْنَ، وَعَمِّي زِيَادٌ الأَمِيْرُ، وَكُنْتُ أَوَّلَ مَوْلُوْدٍ بِالبَصْرَةِ.
كَانَ جَوَادًا، مُمَدَّحًا، أَعْطَى إِنْسَانًا تِسْعَ مائَةِ جَامُوْسَةٍ. قَالَ المَدَائِنِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ.
قَالَ: قُلْتُ لِأَبِى أبوه هو الصّحابي الجليل: أَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ الطَّائِفِيُّ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ.اسْمُهُ: نُفَيْعُ بنُ الحَارِثِ. وَقِيْلَ: نُفَيْعُ بنُ مَسْرُوْحٍ. تَدَلَّى فِي حِصَارِ الطَّائِفِ مِنَ الحِصنِ بِبَكْرَةٍ فَمِنْ يَوْمَئِذٍ كُنِّيَ: بِأَبِي بَكْرَةَ. وَفَرَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَأَعْتَقَهُ. رَوَى: جُمْلَةَ أَحَادِيْثَ. حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ الأَرْبَعَةُ؛ عُبَيْدُ اللهِ؛ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ؛ وَعَبْدُ العَزِيْزِ؛ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ سِيْرِيْنَ، وَالأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ، وَغَيْرُهُم. سَكَنَ البَصْرَةَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وكان يَقُوْلُ: أَنَا أَبُو بَكْرَةَ مَوْلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ.
وعند الطبراني قال عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَمَاتَتْ، فَحَالَ إِخْوَتُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا. قَالُوا: صَدَقَ صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ القَبْرَ، فَدَفَعُوْهُ بِعُنْفٍ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ، فَصَرَخَ عَلَيْهِ عِشْرُوْنَ مِنِ ابْنٍ وَبِنْتٍ – وَأَنَا أَصْغَرُهُم – فَأَفَاقَ، فَقَالَ: لَا تَصْرُخُوا، فَوَاللهِ مَا مِنْ نَفْسٍ تَخْرُجُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَفَزِعَ القَوْمُ، وَقَالُوا: لِمَ يَا أَبَانَا؟! قَالَ: إِنِّيْ أَخْشَى أَنْ أُدْرِكَ زَمَانًا لَا أَسْتَطِيْعُ أَنْ آمُرَ بِمَعْرُوْفٍ، وَلَا أَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، وَمَا خَيْرٌ يَوْمَئِذٍ. اهـ
وقال ابنه عبد الرحمن: لَمَّا اشْتَكَى أَبُو بَكْرَةَ، عَرَضَ عَلَيْهِ بَنُوْهُ أَنْ يَأْتُوْهُ بِطَبِيْبٍ، فَأَبَى، فَلَمَّا نَزل بِهِ المَوْتُ، قَالَ: أَيْنَ طَبِيْبُكُم؟ لِيَرُدَّهَا إِنْ كَانَ قادرا! وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا بَكْرَةَ أَوْصَى، فقد روي عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرَةَ الْوَفَاةُ قَالَ: (اكْتُبُوا وَصِيَّتِ)، فَكَتَبَ الْكَاتِبُ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو بَكْرَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَكْتَنِي عِنْدَ الْمَوْتِ؟! امْحُ هَذَا وَاكْتُبْ:(هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ نُفَيْعٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عزّ وجلّ رَبُّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيُّهُ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُهُ، وَأَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَتُهُ، وَأَنَّهُ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ عزّ وجلّ مَا يَرْجُوهُ الْمُعْتَرِفُونَ بِتَوْحِيدِهِ، الْمُقِرُّونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ، الْمُوقِنُونَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، الْخَائِفُونَ مِنْ عَذَابَهِ، الْمُشْفِقُونَ مِنْ عِقَابِهِ، الْمَؤَمِّلُونَ لِرَحْمَتِهِ، إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).اهـ
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ أَبُو بَكْرَةَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ، بِالبَصْرَةِ. فَقِيْلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ: أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ الصَّحَابِيُّ. وروي عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قَالَ: لَمْ يَنْزِلِ البَصْرَةَ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ.
يَا أَبَتِ إِنِّى أَسْمَعُكَ تَدْعُو عِنْدَ كُلِّ غَدَاةٍ أي في كل صباح، كان مداوما على هذا الذكر كل صباح، وهو سيذكر له السبب أنه يقتدي بالنبي ﷺ في ذكره لهذا الدعاء كل صباح: «اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى بَدَنِى أَيْ: لِأَقْوَى عَلَى طَاعَتِكَ وَنُصْرَةِ دِينِكَ.اهـ فالعبد المؤمن يسعى لأسباب الصحة والمعافاة في البدن لأجل أن يقوى على طاعة الله وعلى نصرة الدين وعلى نشر الإسلام وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا حال الصالحين، يستعملون صحتهم في طاعة الله لا في معصيته عزّ وجلّ، وقد قال المفسّر والفقيه المالكي ابن جزي المتوفى سنة 741هـ:
| لِكُــلِّ بَنِي الدُّنْيَــا مُــرَادٌ وَمَقْصَدٌ | وَإِنَّ مُــرَادِي صِحَّـــةٌ وَفَــــرَاغُ | |
| لِأَبْلُغَ فِـــي عِلْــــمِ الشَّرِيعَةِ مَبْلَغًا | يَكُونُ بِـــــهِ لِي فِي الْجِنَانِ بَلَاغُ | |
| فَفِي مِثْل هَذَا فَلْيُنَافِسْ أُولُو النُّهَى | وَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا الْغَرُورِ بَـلَاغُ | |
| فَمَـــا الْفَــــوْزُ إلَّا فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّـدٍ | بِـهِ الْعَيْشُ رَغْدٌ وَالشَّرَابُ يُسَاغُ |
لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيَا: أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ الْمَوْجُودِينَ فِيهَا، وَيُرَادُ بِأَبْنَائِهَا الطَّالِبُونَ لَهَا الْمُنْهَمِكُونَ فِيهَا
وَإِنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ: أَيْ فِي الْجَسَدِ
يَكُونُ بِهِ لِي فِي الْجِنَانِ: أي الْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ فِيهَا
أُولُو النُّهَى: أَيْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَمُنَافَسَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا
وَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا الْغَرُورِ: أي التي تَغُرُّ مُتَّبِعَهَا
بَلَاغُ: أَيْ مِقْدَارُ الْكِفَايَةِ
فَمَا الْفَوْزُ: أَيْ النَّجَاةُ وَالظَّفَرُ بِالْخَيْرِ
نَعِيمٍ مُؤَبَّدٍ: وَالْمُرَادُ بِالنَّعِيمِ مَحَلُّهُ: وَهُوَ الْجَنَّةُ
بِهِ الْعَيْشُ: أَيْ الْمَعِيشَةُ الَّتِي تَعِيشُ بِهَا مِنْ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَمَا يَكُونُ بِهِ الْحَيَاةُ
رَغْدٌ: أَيْ وَاسِعٌ طَيِّبٌ
وَالشَّرَابُ يُسَاغُ: أَيْ يَسْهُلُ دُخُولُهُ فِي الْحَلْقِ
النبي ﷺ كان كثيرًا ما يدعو بالمعافاة والعافية في البدن وفي الدين ليعلمنا أن نُكثر من هذه الأدعية ومن جملة ذلك ما ورد في الصحيحين، عنْ أبي إِبْراهيمَ عَبْدِ اللَّه بْنِ أبي أَوْفى رضي اللَّهُ عنهمَا أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ في بعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهمْ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لا تَتَمنَّوا لِقَاءَ الْعدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّه العَافِيَةَ، فَإِذَا لقيتُموهم فاصْبرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّة تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنا عَلَيْهِمْ».اهـ
وقد روى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا – يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ – مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ»، ولَمَّا سَأَلَهُ ﷺ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ أَنْ يُعَلِّمَهُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ اخْتَارَ لَفْظَهَا فَقَالَ: «يَا عَمِّ إِنِّي أُحِبُّكَ، سَلِ اللهَ العَافِيَةَ فِي الدُّنيَا وَالْآخِرَةِ».
اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى سَمْعِى اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى بَصَرِى خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْبَصَرَ يُدْرِكُ آيَاتِ اللَّهِ فِي الْآفَاقِ، وَالسَّمْعَ لِإِدْرَاكِ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ، فَهُمَا جَامِعَانِ لِدَرْكِ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَفِي تَقَدُّمِ السَّمْعِ إِيمَاءٌ إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ فيما رواه الطبراني:«اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنَّا» اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أي أحتمي بك يا الله وألتجئ إليك أن يصيبني شيء من هذه المستعاذ منها، والنبي لا يقع في الكفر ولا يقع في فقر يثنيه ويبعده عن الصراط المستقيم ولا يحصل له عذاب القبر وإنما يستعيذ من هذه المذكورات حتى يعلمنا أن نكثر الاستعاذة منها ففعله عليه الصلاة والسلام للتعليم لأمته،
أما قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [سورة الضحى/ الآية 7] فمعناه لم تكن تدري القرآن وتفاصيل الشرائع فهداك الله أي أرشدك إلى معرفة القرآن وشرائع الإسلام، قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [سورة الشورى/ الآية 52]، معناه ما كنت تعلم القرآن ولا تفاصيل الإيمان، فالرسول قبل نزول الوحي كان مؤمنا بربه معتقدًا توحيده تعالى بما ألهمه الله تعالى، قاله الحسن والضحاك وابن كيسان، وقيل: إنّه ضلّ وهو صبّي صغير في شعاب مكّة – أي ضاع عن بيت جده – فردّه الله إلى جدّه عبد المطلب، قاله ابن عباس كما روى عنه أبو الضحى، وهذا ذكره البغوي في تفسيره المسمّى «معالم التنزيل» في تفسير سورة الضحى.
مِنَ الكُفْرِ النّبيّ ﷺ أوّل ما بدأ الاستعاذة في هذا الحديث من الكفر، فهو أشد المفاسد والذنوب والمهالك،
وهنا بيان مهم:
تكفير المسلم بغير حقّ أمر له تبعاته وهو أمر مرفوض شرعًا وخطير والعياذ بالله وكذلك إدخال الكافر في دائرة المسلمين أمر خطير شرعًا وله تبعاته فلا بد من الموازنة في هذا الباب وغيره من أبواب الشريعة الغرّاء التي اتصفت بالوسطية والاعتدال، فربنا قال في القرآن الكريم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم/ الآية 35-36]، لكن نقول: نحن ضد التكفير الشمولي، ولا نأتي لشخص كافر ونقول عنه مسلم دون أن يدخل في الإسلام، ولا نقول عن شخص مسلم: إنه كافر والعياذ بالله، فلذلك بيّن العلماء الكفر ما هو وبيّنوا كيف يقع الشخص في الكفر،
وقد ذَكَرَ العلماءُ أنَّ الكفرَ يُقسَمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ فَمِنْهُ مَا هوَ قوليٌ كَمَنْ يَسُبُّ اللهَ والعياذُ باللهِ أو يَسُبُّ دينَ الإسلامِ أو نبيًّا مِنَ الأنبياءِ أو مَلَكًا مِنَ الملائكةِ الكرامِ أو يستهزئُ بشرعِ اللهِ وبشريعتِهِ وبمعالمِ دينِهِ أو يستخفُّ بعذابِ جهنمَ فإنَّهُ أشدُّ عذابٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى،
والقسمُ الثاني مِنْ أقسامِ الكفرِ هوَ الفعليُّ كالذي يُلْقِيْ المصحفَ في القاذوراتِ أو يسجدُ للشمسِ والقمرِ،
والقسمُ الثالثُ هوَ الكفرُ الاعتقاديُّ كالذي يعتقدُ خلافَ عقيدةِ المسلمينَ كالذي يعتقدُ أنَّ للهِ ولدًا أو زوجةً أو شريكًا أو يعتقدُ عقيدةَ اليهودِ أنَّ اللهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثمَّ تعبَ في اليومِ السابعِ واستراحَ جالسًا على العرشِ فنزلَ فيهمْ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [سورة ق/ الآية 38] فاللهُ تعالى لا يوصفُ بالتعبِ ولا بالجلوسِ ولا بالجسميةِ ولا بالحدِّ ولا بالمكانِ ولا بالزمانِ فهوَ خالقُ المكانِ والزمانِ كانَ موجودًا قبلَهُمَا بدونِهِمَا وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ، مهمَا تصورتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ وقعَ في أيِّ قسمٍ مِنَ الكفرِ فيجبُ عليهِ فورًا الرجوعُ للإسلامِ بالنّطقِ بالشّهادتينِ وتركِ ما صدرَ منهُ. نَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُجَنِّبَنَا الكفرَ وما يُقَرِّبُ إليه مِن قولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ.
وَالْفَقْرِ الفقر منه ما هو ممدوح في دين الله ومنه ما هو مذموم، فالممدوح كفقر كثير من الصالحين مع صبرهم وعدم اعتراضهم على قلّة المال وتسليمهم لأمر الله عزّ وجلّ، فهذا ممدوح في الشّرع،
وأمّا المذموم فهو كمن يكون فقيرا ومع ذلك يتضجّر على رزق الله القليل له، وبعضهم والعياذ بالله يعترض على الله فيقع في الكفر،
لا يُذَم الفقر مُطلقًا:
فالفقر منه ما هو ممدوح ومذموم، فعلم من هذا أننا كمسلمين لا نذم الفقر مطلقا، ويطلق الفقر على أكثر من معنى والمراد هنا الفقر المذموم الذي يُبْعِدُ صاحبه عن طاعة الله عزّ وجلّ، فهذا استعاذ منه النبي ﷺ، قال ابن حجر: “وَأَمَّا الْفَقْرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر/ الآية 15] فَالْمُرَادُ بِهِ احْتِيَاجُ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، فَالْفَقْرُ لِلْمَخْلُوقِينَ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ لِأَحَدٍ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ثَلَاثَةٌ أُحِبُّهُنَّ وَيَكْرَهُهُنَّ النَّاسُ: الفَقْرُ، وَالمَرَضُ، وَالمَوْتُ، أُحِبُّ الفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي، وَالمَوْتَ اشْتِيَاقًا لِرَبِّي، وَالمَرَضَ تَكْفِيْرًا لِخَطِيْئَتِي.اهـ
وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن كعب أنّه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمًا، فَرَأَيْتُهُ مُتَغَيِّرًا. قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا لِيَ أَرَاكَ مُتَغَيِّرًا؟ قَالَ: «مَا دَخَلَ جَوْفِي مَا يَدْخُلُ جَوْفَ ذَاتِ كَبِدٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ» قَالَ: فَذَهَبْتُ فَإِذَا يَهُودِيٌّ يَسْقِي إِبِلًا لَهُ، فَسَقَيْتُ لَهُ، عَلَى كُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ، فَجَمَعْتُ تَمْرًا، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ يَا كَعْبُ؟»، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتُحِبُّنِي يَا كَعْبُ؟»، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ، نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مَعَادِنِهِ، وَإِنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلَاءٌ، فَأَعِدَّ لَهُ تَجْفَافًا» اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِمّا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ إِخْوَةَ الإِيمانِ عَذابُ القَبْرِ لِلْكافِرِ ولِبَعْضِ عُصاةِ الْمُسْلِمِينَ، قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ في الفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وضَغْطَةُ القَبْرِ وعَذابُهُ حَقٌّ كائِنٌ لِلْكُفّارِ ولِبَعْضِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ” فَلا يَجُوزُ إِنْكارُ عَذابِ القَبْرِ بَلْ إِنْكارُهُ كُفْرٌ، قالَ الإِمامُ أَبُو مَنْصُورٍ البَغْدادِيُّ فِي كِتابِ الفَرْقِ بَيْنَ الفِرَقِ: “وقَطَعُوا ـ أَي أَهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ ـ بِأَنَّ المُنْكِرِينَ لِعَذابِ القَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِي القَبْرِ” اهـ أَي لِكُفْرِهِم. فيَجبُ الإيمانُ بِأنَّ اللهَ يُعَذّبُ الكُفَّارَ جَمِيعَهُمْ في قُبُورِهِمْ، فَيَأمُرُ حَشَرَاتٍ في الأرضِ مُؤذِيَةً أنْ تَأكُلَ أجْسَادَهُمْ، وَيَأمُرُ الأرْضَ فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ، فَتَكُونُ قُبورُهُمْ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النارِ، إلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ أنْوَاعِ النَّكَدِ وَالعَذَابِ. أمَّا المسْلِمُونَ العُصَاةُ مِنْ أهْلِ الكَبَائِرِ الّذينَ مَاتُوا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يُعَذّبُهُمُ اللهُ في قُبُورِهِمْ. وَقِسمٌ يُعْفِيهِمُ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. وقد يكونُ هذا العفو بسبب استغفار مسلمٍ حيّ لهُ أو قراءة القرآنِ لهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 46] وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّارَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، فَفِى الآيَةِ قَلْبٌ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا؛ أَىْ يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ وَالآيَةُ صَرِيحَةٌ فِى أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِى الدُّنْيَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الحافظ الْبِقَاعِىُّ تلميذ الحافظ ابن حجر فِي كتابه نَظْمِ الدُّرَرِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ فِى عَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ.اﻫ
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أَىْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه/ الآية 124] فَفِى الآيَةِ بَيَانُ أَنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّيِّقَةَ تَحْصُلُ لَهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا رَوَاهُ مَرْفُوعًا ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِىُّ وغيرهما، فَهَاتَانِ الآيَتَانِ وَارِدَتَانِ فِى عَذَابِ الْقَبْرِ لِلْكُفَّارِ، وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَلا يُصِيبُهُمْ وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ فِى الْقَبْرِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ – أَىْ أَثْبَتَ لَهُمَا الْعَذَابَ فِى الْقَبْرِ – وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرِ إِثْمٍ – أَىْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ – قَالَ: بَلَى أَىْ فِى الْحَقِيقَةِ إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ وَهِىَ نَقْلُ الْكَلامِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ أَىْ لا يَتَنَزَّهُ مِنَ الْبَوْلِ بَلْ يَتَلَوَّثُ بِهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَسِيبٍ رَطْبٍ أَىْ بِغُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا أَىْ لَعَلَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَانِ رَطْبَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِىِّ وَفِيهَا: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا اﻫ
قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيد فِى إِحْكَامِ الأَحْكَامِ وَغَيْرُهُ إِنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا حَصَلَ بِحَضْرَةِ الْمَيِّتِ حَصَلَتْ لَهُ بَرَكَتُهُ فَخُفِّفَ عَنْهُ مِنَ الْعَذَابِ وَهَذَا يَطَّرِدُ فِى كُلِّ مَا فِيهِ رُطُوبَةٌ فِى النَّبَاتِ وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ بَرَكَةٌ كَالذِّكْرِ وَتِلاوَةِ الْقُرْءَانِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.اهـ وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ قِرَاءَةَ الْقُرْءَانِ عِنْدَ الْقَبْرِ.
وَكذلك أَوْصَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى قَبْرِهِ الْجَرِيدُ وَكَذَا بَعْضُ التَّابِعِينَ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ فِى الأُمَّةِ إِلَى أَيَّامِنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَفْعٌ فِى وَضْعِ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ لَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ لَكَانَ عَبَثًا وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ بَلِ الأَصْلُ فِى أَفْعَالِهِ هَذِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ وَلِتَقْتَدِىَ بِهَا الأُمَّةُ لا لِلْخُصُوصِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ.
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ إِقْرَارٌ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَاعْتِرَافٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ كَمَالُ الْعُبُودِيَّةِ. تُعِيدُهَا حِينَ تُصْبِحُ ثَلاثًا، وَثَلاثًا حِينَ تُمْسِى أي تعيد هذه الجمل ثلاث مرات فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ أَيْ: أَقْتَدِي بِسُنَّتِهِ وَأَتَتَبَّعَ سِيرَتَهُ. وفي رواية عند أحمد عن مُسلِم بنِ أبِي بَكْرةَ أنّه مَرَّ بوالِدِه وهو يَدعُو يقولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وَعَذابِ القَبْرِ»، قال: فأَخَذْتُهُنَّ عَنْهُ فكُنتُ أَدعُو بهِنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ، قال: فمَرَّ بِي أَبِي وأنا أدعُو بهِنَّ فقال: يا بُنَيَّ أَنَّى عَقَلْتَ هؤلاءِ الكَلِمات؟ فقُلتُ: يا أبَتاهُ سَمِعتُكَ تَدعُو بهِنَّ في دُبُرِ الصّلاةِ فأخَذْتُهنَّ عَنكَ، قال: فالْزَمْهُنَّ يا بُنَيَّ فإِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله ﷺكان يَدعُو بهِنَّ في دُبُرِ الصَّلاةِ.
والله تعالى أعلم وأحكم