المقدمة
الحمد لله خالقِ المصنوعات، وبارئِ البريات، ومدبّرِ الكائنات، ومعرّفِ الألسنَ الناطقات، مفضّلِ محمدًا على سائر المخلوقات، المنزلِ كتابَه، والمرسلِ رسولَه وحبيبَه محمدا صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين الممدوحين في الآيات البينات، أحمده أبلغ الحمد وأكمله وأزكاه وأشمله، وأشهد أن لا إله إلا الله اللطيف الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهل بيته وعلى سائر النبيين وآل كلّ وسائر الصالحين، ومن اتبع نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الفصل والدين، أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ عمر رضي الله عنه يُدْخِلُنِي مَعَ أشْيَاخِ بَدرٍ فكأنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نفسِهِ، فَقَالَ: لِمَ يُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا ولَنَا أبْنَاءٌ مِثلُهُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ منْ حَيثُ عَلِمْتُمْ! فَدعانِي ذاتَ يَومٍ فَأدْخَلَنِي مَعَهُمْ فما رَأيتُ أَنَّهُ دعاني يَومَئذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، قَالَ: مَا تقُولُون في قولِ الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ}؟ [الفتح: 1] فَقَالَ بعضهم: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نَصَرنَا وَفَتحَ عَلَيْنَا، وَسَكتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. فَقَالَ لي: أَكَذلِكَ تقُول يَا ابنَ عباسٍ؟ فقلت: لا. قَالَ: فما تقول؟ قُلْتُ: هُوَ أجَلُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أعلَمَهُ لَهُ، قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} وذلك علامةُ أجَلِكَ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} فَقَالَ عمر رضي الله عنه: مَا أعلم مِنْهَا إلَّا مَا تقول. رواه البخاري.
الشرح
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثاني (أي الحديث الثاني من باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر، وهو الحديث الثالث عشر بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عن ابن عباس رضي الله عنهما (مدار الكلام في هذا الحديث هو على الصحابي الجليل عبدِ الله بنِ عباس رضي الله عنه وعن أبيه حيث يروي لنا تفسيرا لسورة من قصار السور من كتاب الله فيها أن النبي ﷺ كان يزداد من الخيرات في أواخر عمره الشريف ولنا به عليه الصلاة والسلام القدوةُ الحسنة، وتدل قصة هذا الحديث على مكانة عبد الله بن عباس العلمية وفقهه في الدين، فهو عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، البَحْرُ أَبُو العَبَّاسِ الهَاشِمِيُّ حَبْرُ الأُمَّةِ، وَفَقِيْهُ العَصْرِ، وَإِمَامُ التَّفْسِيْرِ، القُرَشِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المَكِّيُّ، الأَمِيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ابْنُ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وصاحبُه، ففي هذا الحديث: بيان فضل عبد الله بن عباس وسَعةِ علمه، وكمالِ فهمه، وبيانُ تأثيرِ إجابة دعوة النبي ﷺ أنْ يفقِّهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، صَحِبَ ابنُ عباس النَّبِيَّ ﷺ وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ. وَقيل إنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ: مائَتَانِ، سِوَى ثَلاَثَةِ أَنْفُسٍ. وَأُمُّهُ؛ هِيَ أُمُّ الفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الحَارِثِ الهِلاَلِيَّةُ. وَكَانَ وَسِيمًا، جَمِيْلًا، مَدِيدَ القَامَةِ، مَهِيباً، كَامِلَ العَقْلِ، ذَكِيَّ النَّفْسِ، مِنْ رِجَالِ الكَمَالِ. انتَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أَبَويهِ إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ سَنَةَ الفَتْحِ، وَقَدْ أَسْلَمَ قَبلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِيْنَ؛ أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ،
وجاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فيما رواه البخاري قَالَ: مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالحِكْمَةِ. وصح أن النبي ﷺ دعا له فقال: فَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ تَأْوِيْلَ القُرْآنِ). وثبت أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَرَّبه، وَكَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَعَاكَ يَوْماً، فَمَسحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ). وهنا يُقَالُ للمجسمة: كَيْفَ تُنْكِرُونَ التَّأْوِيلَ وَالرَّسُولُ دَعَا لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّأْوِيلِ فَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ فَيَكُونُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى زَعْمِكُمْ دَعَا بِدُعَاءٍ غَيْرِ جَائِزٍ. ولا شك أن الله استجاب دعوة نبيه ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما، فقد كان ابن عباس ترجمانَ القرآن وهو من أشهر من فسر كتاب الله في هذه الأمة وأوَّلَ آياتِه، وهو بهذا يطفئ فتنة المجسمة والمشبهة والخوارج والمعتزلة وغيرهم من الفرق الضالة التي ضلت عن منهج الحق، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحبَّ إلى الشيطان هلاكًا مني فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها». ويظهر هذا جليًّا من خلال تأويلاته رضي الله عنه فقد قال ابن حجر: وَأَمَّا السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّتْ، وَمِنْهُ:
قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ … وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
قال ابن حجر: وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ، وَزَادَ: إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَتْبِعُوهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَذَكَرَ الرَّجَزَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ [أي ذكر هذا البيت في نقله عن ابن عباس في تفسير الساق وأنه ليس العضو المعروف كما تقول المجسمة].اهـ ولهذا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.اهـ [يقصد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، فبناء على هذه الآية قال العلماء: يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْقُرْءَانَ تُوجَدُ فِيهِ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ، وَالْمُحْكَمَاتُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ وَاضِحَةٌ، وَالْمُتَشَابِهَةُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيِ الزَّيْعِ أَيِ ابْتِغَاءَ الإِيقَاعِ فِي الأَمْرِ الْمَحْظُورِ لِأَنَّ الْمُشَبِّهَةَ غَرَضُهُمْ فِي جِدَالِهِمْ أَنْ يُوقِعُوا السُّنِّيَّ فِي اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الأَهْوَاءِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ حَصَلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغ كَانَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى وَجْهٍ يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَضَرَبَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ ثُمَّ نَفَاهُ وَأَمَرَ أَنْ لا يَخْتَلِطَ النَّاسُ بِهِ. وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ أَيْ أُمَّ الْقُرْءَانِ لِأَنَّهَا الأَصْلُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهَا الْمُتَشَابِهَاتُ، ثُمَّ الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ، وَالثَّانِي يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ كَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سُورَةَ طَه/5] فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فَسَّرُوهُ بِالْقَهْرِ] وَكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِنُورِ الإِيـمَانِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/1] أَيْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، فَكَيْف يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا كَخَلْقِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
[وكل هذه التأويلات المنقولة عن ابن عباس رضي الله عنه ترد على المجسمة الذين ينشرون عقائد اليهود في المجتمعات الإسلامية ويكفرون المسلمين بغير حق ويعتقدون أنهم هم المسلمون ومن خالف اعتقادهم مشركون فيستبيوحون قتل المسلمين بغير حق، وفي نشر هذه العقيدة السليمة بين المسلمين فيها حفظ لمجتمعات المسلمين وبلادهم وبفضل الله تعالى هذه العقيدة السليمة عقيدة الأشاعرة والماتريدية هي عقيدة أهل الحق وعقيدة المسلمين في بلاد الشام وفي العراق وفي المغرب وفي مصر وفي الأزهر وفي أندونيسيا وفي تركيا وفي كل بلاد الإسلام والمسلمين وهي عقيدة حبر الأمة عبد الله بن عباس وعقدية الصحابة الكرام وعقيدة الرسول ﷺ].
وَأما قول عبد الله بن عباس في القدر فقد رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَنْزِعُ مِنْ زَمْزَمَ وَقَدِ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ تُكُلِّمَ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ: أَوَفَعَلُوهَا، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِلَّا فِيهِمْ ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أُولَئِكَ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْتُ عَيْنَيْهِ بِأَصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ اهـ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: كَلامُ الْقَدَرِيَّةِ كُفْرٌ.اهـ
لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْمَعَاصِي تَحْصُلُ بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِنَّ أَعْمَالَنَا نَحْنُ نَخْلُقُهَا: لِذَلِكَ سُمُّوا الْقَدَرِيَّة.اهـ
فالمعتزلة يقولون إن الله خالق للخير وليس خالقا للشر والعياذ بالله، على زعمهم من خلق إبليس، ماذا يقولون في قول موسى عليه السلام فقد اخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ شَخْصًا لِيَأْخُذَهُمْ لِلتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أَيِ اهْتَزَّتْ بِهِمُ الأَرْضُ، فَقَالَ مُوسَى مُتَضَرِّعًا إِلَى اللَّهِ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.
يَعْنِي هَذَا الأَمْرُ الَّذِي حَدَثَ بِقَوْمِي مِنْ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ فِتْنَتُكَ أَيِ امْتِحَانٌ وَابْتِلاءٌ مِنْكَ، تُضِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَيْ يَا رَبِّي أَضْلَلْتَ بِهَا قِسْمًا وَهَدَيْتَ قِسْمًا.
وَقَدْ ضَلَّ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ المعتزلة أي القدرية وهم يَدَّعُونَ الْعِلْمَ ومنهم من هو في زماننا يسمي نفسه داعية وله متابعون بالملايين ويقول إن الله لم يخلق شرًّا محضًا و قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [سُورَةَ الْمُدَثِّر/31] أَيْ إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ الضَّلالَةَ يُضِلُّهُ اللَّهُ، لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ مَا شَاءَ ضَلالَةَ مَنْ ضَلَّ إِنَّمَا هُمْ شَاءُوا وَاللَّهُ شَاءَ لَهُمُ الْهِدَايَةَ، فَجَعَلُوا مَشِيئَةَ اللَّهِ مَغْلُوبَةً حَيْثُ إِنَّهَا لَمْ تَتَنَفَّذْ عَلَى قَوْلِهِمْ وَمَشِيئَةَ الْعَبْدِ جَعَلُوهَا نَافِذَةً فَجَعَلُوا اللَّهَ مَغْلُوبًا، وَاللَّهُ غَالِبٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ. وَعَقِيدَتُهُمْ هَذِهِ تَنْقِيصٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وكذلك قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ كُلُّهُمْ عَلَى الإِسْلامِ فَاخْتَلَفُوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
وهذا الكلام من عبد الله بن عباس رضي الله عنه يدل أنه يقول بالحق في أن دين الأنبياء كلهم هو الإسلام، كل الأنبياء جاؤوا بالتوحيد جاؤوا بالإسلام جاؤوا بتوحيد الله عز وجل، جبريل عليه السلام لم ينزل على نبي من الأنبياء بغير الإسلام، جبريل لم يقل لعيسى أنك ابن الله، جبريل لم يقل لموسى إن الله جسم جالس على العرش كما تقول اليهود لعنهم الله، من زمن آدم عليه السلام والإسلام بين البشر، الإسلام هو دين الملائكة الكرام هو دين الأنبياء جميعا عليهم السلام الإسلام هو دين أهل الجنة، لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة كما قال نبينا ﷺ فقد ثبت في الترمذي وعند ابن أبي شيبة وغيرهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ». فكل الأنبياء مسلمون، ولا يجوز القول بأنه يوجد ديانات سماوية، لا دين صحيح إلا الإسلام، الدين السماوي الوحيد هو الإسلام، وهذا الذي يثبته القرآن الكريم، وهي عقيدة كل أنبياء الله هي عقيدة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال تعالى (إِنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ) وقال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيْنًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِيْ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ). ومما يدل من القران على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا كلُّهم على الإسلام قوله تعالى (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة 132]
وقوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة 136] وقوله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران 67] وقوله تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران 52]، وحديث صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)، ومعنى الإخوة لعلاّت الذين الاخوة اذاكانوا من نفس الأم والأب اسمهم أشقاء، وإذا كانوا من نفس الأب ولكن أمهاتهم مختلفة فيقال لهم إخوة لعلات، فالنبيّ ﷺ شبه هذا بهذا بمعنى أن الأنبياء كلهم دينهم واحد وهو الإسلام ولكن شرائعهم مختلفة، مثلا كان في شرع ءادم يجوز للأخ أن يتزوج أخته من البطن الثاني، وأما في شرع من بعده من شيث إلى محمد فحرام وكان بشرع أحد الأنبياء إذا وقعت نجاسة على الثوب فكان حكمه أن يقص مكان النجاسة أما في شرع محمد نزل التخفيف أي أن يطهر بإزالة النجاسة وصب الماء عليه وكان يجوز في شرع أحد الأنبياء أن يجمع بين الأختين أما في شرع محمد فلا يجوز في عقدٍ واحدٍ.
وكان يجوز في شرع ءادم وشرع يعقوب السجود للإنسان المسلم سجود تحية كفعل إخوة يوسف ليوسف وفعل الملائكة لآدم وأما في شرع محمد فحرام.
وفي حديث موطأ مالك رضي الله عنه عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)، فأتباع سيّدنا عيسى المسلمون قالوا: لا اله إلا الله عيسى رسول الله، وأتباع سيّدنا موسى المسلمون قالوا: لا إله إلا الله موسى رسول الله، وأتباع سيّدنا محمّد ﷺ قالوا: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، ويقال لهم أيضا مسلمون محمديون أي أتباع محمّد ﷺ، أماقول الله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُوْنَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُوْنَ) وفي آخر السورة {لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِيَ دِيْنٌ}، معناه لكم دينكم الباطل ولي ديني الحق وهو الاسلام دين التوحيد. فدين الإسلام هو الذي جعله ربنا سببا للنجاة من هول المطلع من هول يوم القيامة، هذا هو الحق الذي لا يجوز الخروج عنه، وهو قول ابن عباس الذي نقلناه عنه رضي الله عنه.
ومما يدل على سَعة علم عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قصته مع الخوارج فقد أرسله علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج ليناظرهم، وهذا نص الأثر: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب وأصحاب النبي ﷺ معه، قال: جعل يأتيه الرجـل فيقول: يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفـعلون. فلما كان ذات يوم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين: أبرد عن الصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوفهم عليك. قلت: كلا إن شاء الله تعالى قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، قال: ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة. قال: فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثَفِن الإبل، وجوههم معلمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة، وجوههم مُسَهَّمةٌ من السهر. قال: فدخلت. فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس! ما جاء بك؟ وما هذه الحلة، قال: قلت ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله أحسن ما يكون من هذه الحلل، ونزلت ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق)) هو يريد أن يبين لهم أن العبرة بموافقة الشريعة ليست بخشونة الملبس والمأكل، قالوا: فما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ ومن عند صهر رسول الله ﷺ عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، وليس فيكم منهم أحد، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشًا فإن الله تعالى يقول: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ))، قال: قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثًا. قال: وما هنّ؟ قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله: ((إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ))، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل. قال: قلت وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت وماذا؟ قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه ﷺ ما لا تنكرون [ ينقض قولكم ] أترجعون؟ قالوا: نعم. قال: قلت أما قولكم: حكّم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ))، إلى قوله: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ)). وقال في المرأة وزوجها: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا)). أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم، وفي بضع امرأة. وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال. قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ))، فأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؛ فنظر بعضهم إلى بعض. قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، فإن رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فكاتب سهيلَ بن عمرو وأبا سفيان. فقال: اكتب يا علي هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقًّا وإن كذبتموني، اكتب يا على: محمد بن عبد الله ، فرسول الله ﷺ كان أفضل من علي رضي الله عنه وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. أخرجت من هذه؛ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة. (فرضي الله عنه ما أشد ذكاءه وما أغزر علمه، وكل هذا الذي ذكرت عن ابن عباس رضي الله عنه يدل على سعة علمه وتوفيق الله له وتحقق دعوة الرسول له). وروى أَنَّ العَبَّاسَ بَعثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلاً، فَرَجَعَ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ. فَلَقِيَ العَبَّاسُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْسَلتُ إِلَيْكَ ابْنِي، فَوَجَدَ عِنْدَكَ رَجُلًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُ. فَقَالَ: (يَا عَمِّ! تَدْرِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟) . قَالَ: لاَ. قَالَ: (ذَاكَ جِبْرِيْلُ لَقِيَنِي، لَنْ يَمُوْتَ ابْنُكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ، وَيُؤْتَى عِلْمًا). وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ نَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيْرٌ. فَقَالَ: وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَرَى؟ فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى المَسْألَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيبْلُغُنِي الحَدِيْثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتَسْفِي الرِّيْحُ عَلَيَّ التُّرَابَ، فَيَخرجُ، فَيَرَانِي، فَيَقُوْلُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ! أَلاَ أَرْسَلتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُوْلُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، فَأَسْأَلَكَ. قَالَ: فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا الفَتَى أَعقَلُ مِنِّي. وقال الحسن البصري: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الإِسْلًامِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ مِنَ القُرْآنِ بِمَنْزِلٍ [أي بمكانةٍ عظيمة، أي فهمه بكتاب الله واسعٌ]، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا، فَيَقرَأُ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَيُفَسِّرُهُمَا آيَةً آيَةً. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِذَا ذَكَرَهُ، قَالَ: ذَلِكَ فَتَى الكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ، وَقَلْبٌ عَقُوْلٌ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَشِيرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الأَمْرِ إِذَا أَهَمَّه، وَيَقُوْلُ: غُصْ غَوَّاصُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ! إِنَّ عُمَرَ يُدنِيكَ، فَاحفَظْ عَنِّي ثَلاَثاً: لاَ تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرّاً، وَلاَ تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَداً، وَلاَ يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِبًا. وقال سعد بن أبي وقاص: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْضَرَ فَهْمًا، وَلَا أَلَبَّ لُبًّا، وَلاَ أَكْثَرَ عِلمًا، وَلاَ أَوسعَ حِلمًا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدعُوْهُ لِلمُعْضِلَاتِ فَيَقُوْلُ: قَدْ جَاءت مُعْضِلَةٌ، ثُمَّ لاَ يُجَاوِزُ قَوْلَه، وَإِنَّ حَوْلَهُ لأَهْلُ بَدْرٍ. وقال عبد الله بن مسعود: وَلَنِعْمَ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وقال بعض التابعين: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيْرٌ عَلَى المَوْسِمِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النُّوْرَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ، وَيُفَسِّرُ، فَجَعَلْتُ أَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ وَلاَ سَمِعْتُ كَلاَمَ رَجُلٍ مِثْلَ هَذَا، لَوْ سَمِعَتْهُ فَارِسُ، وَالرُّوْمُ، وَالتُّرْكُ، لأَسْلَمَتْ. وجاء عَنْ حَبِيْبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوْبَ الأَنْصَارِيَّ أَتَى مُعَاوِيَةَ، فَشَكَا دَيْنًا، فَلَمْ يَرَ مِنْهُ مَا يُحِبُّ، فَقَدِمَ البَصْرَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَفَرَّغَ لَهُ بَيْتَهُ، وَقَالَ: لأَصْنَعَنَّ بِكَ كَمَا صَنَعتَ بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: كَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: عِشْرُوْنَ أَلْفاً. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِيْنَ أَلْفًا، وَعِشْرِيْنَ مَمْلُوْكًا، وَكُلَّ مَا فِي البَيْتِ. وَمِمَّا قَالَ حَسَّانٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
إِذَا مَا ابْنُ عَبَّاسٍ بَدَا لَكَ وَجْهُهُ … رَأَيْتَ لَهُ فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ فَضْلاَ
إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ … بِمُنْتَظَمَاتٍ لاَ تَرَى بَيْنَهَا فَصْلاَ
كَفَى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوْسِ فَلَمْ يَدَعْ … لِذِي أَرَبٍ فِي القَوْلِ جِدًّا وَلاَ هَزْلاَ
وذهب بصره في آخر عمره رضي الله عنه وكان يقول:
إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا … فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ، وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ … وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ
وجاء أَنَّ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ لَمَّا دُفِنَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقال بعضهم: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقتِهِ، فَدَخَلَ نَعْشَهُ، ثُمَّ لَمْ يُرَ خَارِجاً مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيْرِ القَبْرِ، لاَ يُدْرَى مَنْ تَلاَهَا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}. وقال بعض الحفاظ: فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُتَوَاتِرَةٌ. وتُوُفِّيَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، أَوْ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ. وَقِيْلَ: عَاشَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. و(مُسْنَدُهُ): أَلْفٌ وَسِتُّ مائَةٍ وَسِتُّوْنَ حَدِيثًا وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: خَمْسَةٌ وَسَبْعُوْنَ. وَتَفَرَّدَ: البُخَارِيُّ لَهُ بِمائَةٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيثاً، وَتَفَرَّدَ: مُسْلِمٌ بِتِسْعَةِ أَحَادِيْثَ.
قَالَ: كَانَ عمر رضي الله عنه يُدْخِلُنِي مَعَ أشْيَاخِ بَدرٍ (وعمر رضي الله عنه رجل علم وفهم وذكاء وحنكة وتدبير وإدارة شهد له الرسول بالعلم، ففي البخاري أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي يَعْنِي عُمَرَ قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ»، وقد روى البخاري في صحيحه أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ قال رسول الله: أُرِيتُ في المَنامِ أنِّي أنْزِعُ بدَلْوِ بَكْرَةٍ علَى قَلِيبٍ، فَجاءَ أبو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا، واللَّهُ يَغْفِرُ له، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فاسْتَحالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وضَرَبُوا بعَطَنٍ. كان لأبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما مكانةٌ عظيمةٌ عند النَّبيِّ ﷺ؛ فقد كانا وَزيرَيه ومُستشارَيه، وكان لهما أثرٌ في الإسلامِ عظيمٌ. وفي هذا الحديثِ يَروِي عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى في مَنامِه أنَّه واقِفٌ على بِئْرٍ يُخرِجُ منها الماءَ، فجاء أبو بَكْرٍ وعُمَرُ رضِيَ اللهُ عنهما، وسَحَبَا ماءً من البِئرِ، فقام أبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه، فأَخْرَج من البِئر ذَنُوبًا مِن ماءٍ -وهو الدَّلْوُ المملوءُ بالماءِ- أو ذَنُوبَيْنِ، وفي إخراجِه للماءِ ونَزْعِه ضَعْفٌ، وليْس في قولِه ﷺ: «ضَعْفٌ» حَطٌّ مِن قَدْرِ أبي بَكرٍ الرَّفِيع، وإنَّما هو إشارةٌ إلى قِصَرِ مُدَّةِ خِلافتِه، أو إشارةٌ إلى قِلَّةِ الفُتوحاتِ في عَهْدِه رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد انشغل بقِتالِ أهلِ الرِّدَّةِ ومانعي الزَّكاةِ، وقَولُه: «فغَفَرَ اللهُ له» ليس معناه أنَّ الصِّدِّيقَ ارتكَبَ ذَنبًا، ولكِنَّها كَلِمةٌ شائِعةٌ في استعمالاتِ العَرَبِ لا يُقصَدُ بها معناها الظَّاهِرُ، ويأتون بها إجلالًا للمُخاطَبِ، وإكرامًا لحُرمَتِه، ومنه قَولُه تعالى لنبيِّه ﷺ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]. وقد توُفِّيَ النَّبيُّ ﷺ وخلَفَه أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه سَنَتينِ وأشهُرًا، وحصل في خلافتِه قِتالُ أهلِ الرِّدَّةِ، وقَطْعُ دابِرِهم واتِّساعُ الإسلامِ، ثمَّ توُفِّيَ. ثُمَّ جاء عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه، فوقف على البِئرِ وأَخَذ الذَّنوبَ مِن يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فتَحوَّل في يَدِه غَرْبًا، والغَربُ: هو الدَّلْوُ الكبيرُ الذي يُسقَى به البَعِيرُ، وهو أكبرُ مِن الذَّنُوبِ، ثمَّ قال النَّبيُّ ﷺ: «فلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا في النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَه»، والعَبْقَرِيُّ هو الحاذِق المُتقِنُ لِعَملِه، والمعنى: لمْ أَرَ في النَّاسِ سَيِّدًا عَظيمًا ورجُلًا قَوِيًّا، وإنسانًا حاذِقًا يَعمَلُ عمَلَه ويَقطَعُ قَطْعَه مِثلَ عُمَرَ، وظَلَّ يُخرِجُ الماءَ «حتَّى ضَرَب النَّاسُ بعَطَنٍ»، والعَطَنُ: مَبْرَكُ الإِبِلِ حوْلَ الماءِ، أي: ما زال يُخرِجُ للنَّاسِ الماءَ حتَّى نَصَب النَّاسُ خِيامَهم، وأَقاموا إبِلَهم حوْلَ الماء، وتَأويلُ هذا: ما حَصَل مِن طُولِ خلافتِه رضِيَ اللهُ عنه، وكثرةِ انتفاعِ النَّاسِ بها؛ لطُولِها ولاتِّساعِ الإسلامِ وبلادِه، وما كان فيها مِن فَتْحٍ وخَيْرٍ، وكثرةِ الأموالِ وغَيرِها مِنَ الغَنائِمِ، مع بناءِ الأمصارِ وإنشاءِ الدواوينِ. وقد عَبَّرَ بالبئرِ عن أمرِ المُسلِمين؛ لِما فيها من الماءِ الذي به حياتُهم وصلاحُهم، وشَبَّه أميرَهم بالمُسْتقي لهم، وسَقْيُه هو قيامُه بمصالحِهم وتدبيرِ أُمورِهم. وفي الحَديثِ: إعلامٌ بخِلافةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ رضِي اللهُ عنهما، وصِحَّةِ وِلايتِهما، وكَثرةِ الانتفاعِ بهما. وفيه: بيانُ فَضيلةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما. وفي البخاري أيضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ، ام انس امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ عُمَرُ: بِأُمِّي وَأَبِي يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ». وفي البخاري أيضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ». وفي البخاري أيضا عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيٌّ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ أَنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ». أي أنه ملهم رضي الله عنه وفي ذلك روي أنه لَمَّا افْتُتِحَتْ مِصْرُ أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةٌ لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: إِذَا كَانَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ مِنْ أَبَوَيْهَا، فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ. قَالَ: فَأَقَامُوا بُؤْنَةَ وَأَبِيبَ وَمِسْرَى وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي، فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُ أَخَذَ عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ أَهْلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجْرِيَكَ. قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ فَأَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ النِّيلَ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ.اهـ وفي البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الدِّينَ». وكل هذه الأحاديث الصحيحة تدل على فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)