المحتويات
- المقدمة
- 29- بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ
- 30- بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ
- 31- بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ
- 32- بَابُ الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ
- 33- بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الْإِنْسَانِ
- 34- بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ.
- دعاء ختامي:
المقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ، الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ، الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ، تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ، نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحَ دَلِيلٍ، وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنَ سَبِيلٍ، وَجَعَلَ لِلْحَسَنِ حَظًّا إِلَى مِثْلِهِ يَمِيلُ، أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ قِيلَ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ، وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ، وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِكَثِيرِ العَمَلِ وَالقَلِيلِ، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ كِتَابِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا بَدَأنَا بِكِتَابَ الوُضُوءِ بِفَضْلِ اللهِ، وَنُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ وَصَلْنَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ….
29- بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ
165 – حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ، قَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
الشَّرْحُ
بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ (يُرِيدُ بِهَذَا أَنْ يَعْتَنِيَ الإِنسَانُ بِمَوْضِعِ الأَعْقَابِ مَزِيدَ اعْتِنَاءٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَدْ لَا يَرَاهُ عَادَةً) (وَلَيسَ الكَعبُ هُوَ العَقِبَ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُخطِئُ اليَومَ وَيَظُنُّ العَقِبَ كَعبًا، إِنَّمَا الكَعبُ هُوَ العَظمُ النَّاتِئُ عِندَ مَفصِلِ القَدَمِ وَالسَّاقِ، فَفِي كُلِّ رِجلٍ كَعبَانِ، فَكُلُّ شَخصٍ عِندَهُ أَربَعَةُ كُعُوبٍ).
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ (قَالَ البُخَارِيُّ عَقِبَ ذِكْرِ اسْمِ البَابِ إِنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ أَيْ يُحَرِّكُ الخَاتَمَ حَتَّى يَصِلَ المَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ، فَهَذَا الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيهِ، وَهُوَ أَنَّ المَوَاضِعَ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ أَنَّ المَاءَ لَنْ يَصِلَ إِلَيهَا يَنْبَغِي لِلإِنسَانِ فِي وُضُوئِهِ وَطَهَارَتِهِ أَنْ يُوْلِيَهَا مَزِيدَ اهْتِمَامٍ).
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ (بِكَسْرِ الْمِيمِ هِيَ الْإِنَاءُ الْمُعَدُّ لِلتَّطَهُّرِ مِنْهُ)، قَالَ: أَسْبِغُوا(بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَكْمِلُوا، وَكَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ تَقْصِيرًا وَخَشِيَ عَلَيْهِمْ) الْوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ (فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَذِكْرُهُ بِوَصْفِ الرِّسَالَةِ أَحْسَنُ) ﷺ قَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (وَيَلْتَحِقُ بِالأَعْقَابِ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي قَدْ يَحْصُلُ التَّسَاهُلُ فِي إِسْبَاغِهَا. وَلِهَذَا ذَكَرَ بَعْدَ اسْمِ البَابِ أَثَرَ ابْنِ سِيرِينَ فِي غَسْلِهِ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا).
30- بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ
166 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا؟ قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمَُ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الْأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
الشَّرْحُ
بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ (يُبَيِّنُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ أَنَّ النَّعْلَيْنِ لَيسَ حُكْمُهُمَا كَالخُفَّينِ، الخُفَّانِ قَدْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا الإِنْسَانُ بِشُرُوطِهِمَا، فَلَا يَكْتَفِي المُتَوَضِّئُ بِالْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَينِ كَمَا فِي الْخُفَّيْنِ).
شُرُوطُ المَسحِ عَلى الخُفَّينِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ خَمسَةٌ:
- أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا لَا نَجِسًا نَحْوَ جِلْدِ مَيْتَةٍ.
- أَن يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ غَسْلِ الْفَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ، فَلَوْ قَصُرَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَمْ يَجُزْ قَطْعًا.
- أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا، بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِلَا نَعْلٍ، بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ فِي حَوَائِجِهِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتِّرْحَالِ، فَقَد قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوضَةِ: فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْجَوَارِبِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ صُوفٍ وَلِبْدٍ وَلَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِيهِ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ، أَوْ ضِيقِهِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَعَذَّرَ لِغِلَظِهِ، أَوْ ثِقَلِهِ، كَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ، أَوْ لِتَحْدِيدِ رَأْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَجُزْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيضًا: وَلَوْ لَبِسَ وَاسِعَ الرَّأْسِ يَرَى مِنْ رَأْسِهِ الْقَدَمَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
- وَأَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا فَلَبِسَ خُفَّهَا، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، فَلَوْ نَزَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا، كَفَاهُ.
- وَأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مَانِعًا لِنُفُوذِ الْمَاءِ، وَلَوْ وُجِدَتْ فِي الْخُفِّ شَرَائِطُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا (أَيْ أَرْبَعَ خِصَالٍ)، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا؟ (أَيْ: أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ انْفِرَادُ ابْنِ عُمَرَ بِمَا ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ رَآهُمْ عُبَيْدٌ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يَصْنَعُهُنَّ غَيْرُكَ مُجْتَمِعَةً وَإِنْ كَانَ يَصْنَعُ بَعْضَهَا) قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ (أَيْ أَرْكَانِ الْكَعْبَةِ الْأَرْبَعَةِ) إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ (أَيِ الَّتِي لَا شَعَرَ عَلَيهَا)، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ (أَيْ لِحيَتَكَ)، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ (يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: “أَهَلَّ الْمُحْرِمُ”: أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَكُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَدْ أَهَلَّ إهْلَالًا) إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمَُ التَّرْوِيَةِ؟ (هُوَ اليَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ) قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الْأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا (هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ القَدَمَينِ عِنْدَمَا كَانَ يَلْبَسُ النَّعلَينِ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيهِ الشَّرِيفَتَينِ وَهُمَا فِي نَعْلَيهِ، وَلَوْ أَرَادَ المَسحَ لَقَالَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَيهَا، وَلِأَجلِ هَذِهِ العِبَارَةِ ذَكَرَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ)، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ» (أَيْ: تَسْتَوِي قَائِمَةً إِلَى الطَّرِيقِ، وَانْبِعَاثُهَا كِنَايَةٌ عَنِ ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ فِي أَفْعَالِ الحَجِّ لِيَتَّصِلَ عَمَلُهُ بِأَسْبَابِهِ، فَكَذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَا يُهِلُّ حِيْنَ يَكُونُ بِمَكَّةَ إِلَّا يَومَ التَّروِيَةِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ عَمَلِهِ؛ لِيَتَّصِلَ لَهُ عَمَلُهُ تَأَسِّيًا بِهِ ﷺ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ)
(وَهَذَا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ مُتَابَعَةِ ابنِ عُمَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومُوَافَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا مَنزِلَةٌ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ ﷺ، قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: رُوِيَ عَن بَعضِهِم أَنَّهُ مَا أَكَلَ البِطِّيخَ، فَسُئِلَ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَم يَبلُغنِي كَيفَ أَكَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا آكُلُهُ حَتَّى أَعرِفَ كَيفَ أَكَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَآكُلَهُ مِثلَهُ، وَهَذَا مِن شِدَّةِ تَتَبُّعِهِ لِأَقوَالِ وَأَفعَالِ وَأَحوَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يَفعَلُ شَيئًا إِلَّا وَيَتَحَرَّى أَن يُوَافِقَ السُّنَّةَ فِيهِ، فَإِن لَم يَرِد أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ لَا يَفعَلُهُ، وَهَذَا فَضلٌ عَظِيمٌ وَمَنزِلَةٌ عَالِيَةٌ، وَلَيْسَ فِعْلُهُ هَذَا مِنْ بَابِ الْوُجُوْبِ بَلْ كَمَا قُلْنَا مِنْ شِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَرُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ المُتَابَعَةِ لِفِعلِ وَقَولِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّةً كَانَ يَمشِي فِي قَافِلَةٍ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، فَوَقَفَ فَجأَةً دُونَ أَيِّ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ وَأَجلَسَ بَعِيرَهُ، ثُمَّ قَامَ فَأَكمَلَ سَيرَهُ فِي القَافِلَةِ، فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا شَيءَ، إِلَّا أَنَّنِي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي هَذَا المَكَانِ فَفَعَلتُ مِثلَهُ.اهـ
فَالمُوَافَقَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِنَهجِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ تَعَالَىْ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.اهـ).
31- بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ
167 – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».
الشَّرْحُ
بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ (أَي: الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ).
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ (هِيَ أُخْتُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ، أُمُّ الْهُذَيْلِ الْفَقِيهَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ. رُوِيَ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أُفَضِّلُهُ عَلَيْهَا. وَقَالَ: قَرَأَتِ الْقُرْآنَ وَهِيَ بِنْتُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَاشَتْ سَبْعِينَ سَنَةً وَقَالَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ: مَكَثَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا تَخْرُجُ مِنْ مُصَلَّاهَا إِلَّا لِقَائِلَةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ. تُوُفِّيَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ رحمها الله تعالى)،
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: (أَيْ: فِي صِفَةِ غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حِيْنَ تُوُفِّيَتْ) ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا (هُوَ جَمْعُ مَيْمَنَةٍ، وَهِيَ الجِهَةُ اليُمْنَى) وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (أَرَادَ البُخَارِيُّ بِذِكْرِِه هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ أَنْ يُنَبِّهَ أَنَّ المُرَادَ بِالتَّيَمُّنِ هُنَا البَدْءُ بِالجَانِبِ الأَيْمَنِ، وَلَيسَ المَعْنَى البَرَكَةَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ البَدْءَ بِغَسْلِ الأَعْضَاءِ فِي الوُضُوءِ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ اليَمِينِ) (وَسَيَأتِي شَرحُ هَذَا الحَدِيثِ فِي كِتَابِ الجَنَائِزِ).
168 – حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ، فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».
الشَّرْحُ
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِه (أَيْ إِذَا لَبِسَ النَّعْلَ) وَتَرَجُّلِهِ (أَيْ: تَرْجِيلِ شَعْرِهِ وَهُوَ تَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ) وَطُهُورِهِ (بِضَمِّ الطَّاءِ؛ لِأَنَّ المُرَادَ: تَطَهُّرُهُ)،
(أَرَادَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ يُبَيِّنَ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ “يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ”؛ إِذْ هُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ وَتَعَاطِي الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ وَالتَّبَرُّكِ وَقَصْدِ الْيَمِينِ، فَبَانَ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهُورِ الْأَوَّلُ)، فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (وَهَذَا الحُكْمُ فِيْمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ التَّكْرِيمُ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ بِاليَمِينِ، وَمَا كَانَ لِغَيرِ ذَلِكَ كَامتِخَاطٍ وَاستِنجَاءٍ فَبِاليَسَارِ).
(قَالَ الفُقَهَاءُ: مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ: (الِابتِدَاءُ بِاليُمنَى) مِنَ اليَدَينِ وَالرِجلَينِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ وَفِي شَأنِهِ كُلِّهِ رَوَاهُ الشَّيخَانِ، فَإِنِ ابتَدَأَ بِاليُسرَى كُرِهَ. فِي كُلِّ أُمُورِهِ كَلُبسِ النَّعلِ وَتَرجِيلِ الشَّعَرِ أَي تَسرِيحِهِ وَنَحوِ ذَلِكَ وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكرِيمِ، إِلَّا إِزَالَةِ الأَذَى وَالقَذَرِ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَمَثَلًا كَانَ يَستَنجِي بِاليَسَارِ)
(لَيسَ أَيُّ سُنَّةٍ إِذَا تَرَكَهَا الشَّخصُ يَقَعُ فِي الكَرَاهَةِ، مِثلُ هَذِهِ يُكرَهُ، وَمِثلُ تَركِ التَّثلِيثِ أَيِ النَّقصِ عَنهُ أَوِ الزِّيَادَةِ عَلَيهِ، وَمِثلُ تَركِ التَّسمِيَةِ، فَهَذِهِ سُنَنٌ يُكرَهُ تَركُهَا، أَمَّا مَثَلًا تَركُ سُنَّةِ مَسحِ كُلِّ الرَّأسِ لَيسَ مَكرُوهًا، وَإِن كَانَ فَاتَتهُ السُّنَّةُ. الَّذِي يَعرِفُ تَعرِيفَ المَكرُوهِ يَعرِفُ أَنَّهُ لَا يَنطَبِقُ عَلَى تَركِ كُلِّ مَسنُونٍ. فَالسُّنَنُ الَّتِي لَا يَكُونُ تَركُهَا مَكرُوهًا لَا يَكُونُ وَرَدَ نَهيٌ عَن مُقَابِلِهَا).
32- بَابُ الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ.
169 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ».
الشَّرْحُ
بَابُ الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ (يُنَبِّهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ المَاءَ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ) إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتِ الصُّبْحُ (أَيْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ) فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ (أَيْ إِنَّهُمْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَحَثُوا عَنِ المَاءِ لِيَتَوَضَّؤُوا لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ (أَيْ جَلَبُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَاءً فِيهِ مَاءٌ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ، وَكَانَ هَذَا بِالزَّوْرَاءِ وَهُوَ سُوقٌ بِالْمَدِينَةِ)، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» (أَيْ تَوَضَّؤُوا جَمِيعُهُمْ)،
(قال الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الثِّقَاتِ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ)
(ذَكَرَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ لِقَوْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ)
(مُعجِزَةُ نَبعِ المَاءِ مِن بَينِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَةِ مِنْ أَعظَمِ المُعجِزَاتِ وَهُوَ مِمَّا أُوتِيَهُ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَكَذَلِكَ تَكثِيرُهُ لِلمَاءِ القَلِيلِ وَغَيرُ ذَلِكَ. وَالمَاءُ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَينِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ أَشرَفُ المِيَاهِ كَمَا قَالَ البُلقِينِيُّ فِي «التَّدرِيبِ» قَالَ: قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ: قِصَّةُ نَبعِ المَاءِ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ ﷺ تَكَرَّرَتْ مِنهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ وَوَرَدَتْ عَنهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ عُمُومُهَا العِلمُ القَطعِيُّ المُستَفَادُ مِنَ التَّوَاتُرِ المَعنَوِيِّ، قَالَ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثلِ هَذِهِ المُعجِزَةِ العَظِيمَةِ مِنْ غَيرِ نَبِيِّنَا ﷺ حَيثُ نَبَعَ المَاءُ مِن بَينِ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحمِهِ وَدَمِهِ. وَنَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ عَنِ المُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَبْعُ المَاءِ مِنْ بَينِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ أَبلَغُ فِي المُعجِزَةِ مِن نَبعِ المَاءِ مِنَ الحَجَرِ حَيثُ ضَرَبَهُ مُوسَى ﷺ بِالعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنهُ المِيَاهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ المَاءِ مِنَ الحِجَارَةِ مَعْهُودٌ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ مِنْ بَينِ اللَّحمِ وَالدَّمِ).
33- بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الْإِنْسَانِ
-وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ- وَسُؤْرِ الْكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَهَذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ.
الشَّرْحُ
(أَوَّلًا أُبَيِّنُ قَبلَ قِرَاءَةِ هَذَا البَابِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اخْتِلَافَاتِ أَقوَالِ الفُقَهَاءِ وَاجْتِهَادَاتِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مُعْتَادٌ يَحصُلُ حَتَّى بَينَ مُجتَهِدِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيرِهِم، وَلَكِنَّنَا سَنَذْكُرُ هَذِهِ الأَقوَالَ الَّتِي قَالَهَا، وَإِنْ كُنَّا عِندَ الشَّافِعِيَّةِ نَقُولُ غَيرَ ذَلِكَ، وَشَرْحُ هَذِهِ الأُمُورِ بِتَفَاصِيلِهَا يَكُونُ فِي مَجَالِسِ الفِقهِ وَنَحنُ الآنَ فِي مَجلِسِ الحَدِيثِ وَحَّلِّ أَلْفَاظِهِ فَقَطْ)،
بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الْإِنْسَانِ (أَيْ: مَا حُكْمُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الْإِنْسَانِ؟ وَأَشَارَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَسِلَ قَدْ يَقَعُ فِي مَاءِ غُسْلِهِ مِنْ شَعَرِهِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَنَّبَ ذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ، بَلْ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعَرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَلِكَ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى تَنَاثُرِ بَعْضِهِ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ)
-وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ- (مَعْنَاهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالِانْتِفَاعِ بِشُعُورِ النَّاسِ الَّتِي تُحْلَقُ بِمِنًى، وَأَرَادَ البُخَارِيُّ بِكَلَامِ عَطَاءٍ: الرَّدَّ عَلَى مَنْ نَجَّسَ شَعَرَ الإِنْسَانِ بِانْفِصَالِهِ؛ لِاقْتِضَائِهِ تَنَجُّسَ المَاءِ المُنْفَصِلِ مَعَهَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا اتُّخِذَ مِنْهُ الخُيُوطُ وَالحِبَالُ)،
وَسُؤْرِ الْكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ (هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْمَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ وَبَابُ سُؤْرِ الْكِلَابِ؛ أَيْ: مَا حُكْمُهُ؟ وَالسُّؤْرُ لُغَةً مِنَ الْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا كَالرِّيقِ مِنَ الْإِنْسَانِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ) (جَمَعَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا حُكْمُ شَعَرِ الْآدَمِيِّ وَسُؤْرِ الْكَلْبِ، فَذَكَرَ التَّرْجَمَةَ الْأُولَى وَأَثَرَهَا مَعَهَا، ثُمَّ ثَنَّى بِالثَّانِيَةِ وَأَثَرَهَا مَعَهَا).
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ (أَيْ إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءٍ فِيْهِ مَاءٌ بِأَنْ أَدْخَلَ لِسَانَهُ فِيْهِ فَحَرَّكَهُ فِيْهِ تَحْرِيْكًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَالحَالُ أَنَّهُ “لَيْسَ لَهُ” أَيْ لِمُرِيدِ الوُضُوءِ “وَضُوءٌ” أَيْ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ “غَيْرُهُ” أَيْ غَيْرُ مَا وَلَغَ الكَلْبُ فِيْهِ “يَتَوَضَّأُ بِهِ” أَيْ بِالمَاءِ البَاقِي).
وَقَالَ سُفْيَانُ: هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَهَذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ (أَيِ الحُكْمُ بِأَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِمَّا ذَكَرَ “الفِقْهُ بِعَيْنِهِ” أَيْ: هُوَ المُسْتَفَادُ مِنَ القُرْآنِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيهِ بِقَولِهِ: “يَقُولُ اللهُ”: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، [المائدة: 6]؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: “مَاءً” نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَلَا تُخَصُّ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَهَذَا المَاءُ الَّذِي وَلَغَ الكَلْبُ فِيْهِ مَاءٌ، وَتَنْجِيسُ الْمَاءِ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَزَادَ مِنْ رَأْيِهِ وَفَتْوَاهُ التَّيَمُّمَ احْتِيَاطًا).
170 – حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ، أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ. فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
الشَّرْحُ
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ، أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ (أَيْ حَصَّلْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ مِنَ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ البُخَارِيُّ: الشَّعَرُ طَاهِرٌ وَإِلَّا لَمَا احْتَفَظُوا بِهِ، وَالمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الشَّعَرُ طَاهِرٌ، فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى اسْمِ البَابِ أَنَّ الشَّعَرَ طَاهِرٌ وَإِلَّا لَمَا حَفِظُوهُ وَلَا تَمَنَّى عَبَيْدَةُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا فَالْمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ طَاهِرٌ).
فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (قَالَ العَينِيُّ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: النَّوعُ الخَامِسُ: فِيهِ التَّبَرُّكُ بِشَعَرِهِ ﷺ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنْ آثَارِهِ بِأَبِي وَأُمِّي وَنَفْسِي هُوَ، وَقَدْ رَوَى أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: فَحَدَّثَنِيهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ـ يُرِيدُ: هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ تَقسِيمُ الشَّعَرِ ـ فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ عِندِي شَعَرَةٌ مِنهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ بَيضَاءَ وَصَفْرَاءَ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ. وَفِي بَطْنِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ غَيرُ وَاحِدٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، كَانَ فِي قَلَنْسُوَتِهِ شَعَرَاتٌ مِنْ شَعَرِهِ ﷺ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَقْدَمُ عَلَى وَجْهٍ إِلَّا فُتِحَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ المُلَّا فِي السِّيرَةِ: أَنَّ خَالِدًا سَأَلَ أَبَا طَلحَةَ حِينَ فَرَّقَ شَعَرَهُ ﷺ بَينَ النَّاسِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَعَرَ نَاصِيَتِهِ، فَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، فَكَانَ مُقَدَّمُ نَاصِيَتِهِ مُنَاسِبًا لِفَتحِ كُلِّ مَا أَقْدَمَ عَلَيهِ. يَقُولُ الذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ عَنْ بَعضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبِيدَةَ (مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ تَلَامِيذِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا): وَقُلْتُ لِعَبِيْدَةَ: إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ شَعْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنسِ بنِ مَالِك، فَقَالَ: لأَنْ يَكُوْنَ عِنْدِي مِنْهُ شَعْرَةٌ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ. قُلْتُ (أَيِ الذَّهَبِيُّ): هَذَا القَوْلُ مِنْ عَبِيْدَةَ هُوَ مِعْيَارُ كَمَالِ الحُبِّ، وَهُوَ أَنْ يُؤْثِرَ شَعْرَةً نَبَوِيَّةً عَلَى كُلِّ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِأَيْدِي النَّاسِ.وَمِثْلُ هَذَا يَقُوْلُهُ هَذَا الإِمَامُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسِيْنَ سَنَةً، فَمَا الَّذِي نَقُوْلُهُ نَحْنُ فِي وَقْتِنَا لَوْ وَجَدْنَا بَعْضَ شَعْرِهِ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ، أَوْ شِسْعَ نَعْلٍ كَانَ لَهُ، أَوْ قُلاَمَةَ ظُفْرٍ، أَوْ شَقَفَةً مِنْ إِنَاءٍ شَرِبَ فِيْهِ. فَلَوْ بَذَلَ الغَنِيُّ مُعْظَمَ أَمْوَالِهِ فِي تَحْصِيْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، أَكُنْتَ تَعُدُّهُ مُبَذِّرًا أَوْ سَفِيْهًا؟ كَلَّا، فَابْذُلْ مَا لَكَ فِي زَوْرَةِ مَسْجِدِهِ الَّذِي بَنَى فِيْهِ بِيَدِهِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ عِنْدَ حُجْرَتِهِ فِي بَلَدِهِ، وَتَلذَّذْ بِالنَّظَرِ إِلَى أُحُدِهِ وَأَحِبَّهُ، فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكَ ﷺ يُحِبُّه، وَتَمَلَّأْ بِالحُلُوْلِ فِي رَوْضَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، فَلَنْ تَكُوْنَ مُؤْمِنًا كاملا حَتَّى يَكُوْنَ هَذَا السَّيِّدُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ وَوَلَدِكَ وَأَمْوَالِكَ وَالنَّاسِ كُلِّهِم. وَقَبِّلْ حَجَرًا مُكَرَّمًا نَزَلَ مِنَ الجَنَّةِ، وَضَعْ فَمَكَ لَاثِمًا مَكَانًا قَبَّلَهُ سَيِّدُ البَشَرِ بِيَقِيْنٍ، فَهَنَّأَكَ اللهُ بِمَا أَعْطَاكَ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مَفْخَرٌ. وَلَوْ ظَفِرْنَا بِالمِحْجَنِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ الرَّسُوْلُ ﷺ إِلَى الحَجَرِ ثُمَّ قَبَّلَ مِحْجَنَهُ، لَحُقَّ لَنَا أَنْ نَزْدَحِمَ عَلَى ذَلِكَ المِحْجَنِ بِالتَّقْبِيْلِ وَالتَّبْجِيْلِ. وَقَدْ كَانَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ إِذَا رَأَى أَنَسَ بنَ مَالِكٍ أَخَذَ يَدَهُ فَقَبَّلَهَا وَيَقُوْلُ: يَدٌ مَسَّتْ يَدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَنَقُوْلُ نَحْنُ فَإِذَا فَاتَكَ الحَجُّ وَتَلَقَّيْتَ الوَفْدَ فَالْتَزِمِ الحَاجَّ وَقَبِّلْ فَمَهُ وَقُلْ فَمٌ مَسَّ بِالتَّقْبِيْلِ حَجَرًا قَبَّلَهُ خَلِيْلِي ﷺ).
171 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ».
الشَّرْحُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ» (قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ طَهَارَةُ شَعَرِ الْآدَمِيِّ، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِشَعَرِهِ ﷺ وَجَوَازُ اقْتِنَائِهِ، وَفِيهِ الْمُوَاسَاةُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الْعَطِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ).
172 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
الشَّرْحُ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» (هَذَا يَدُلُّ أَنَّ الإِنَاءَ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ سَبْعًا وَلَمْ يَذْكُرِ التَّتْرِيْبَ وَوَرَدَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الإِمَامِ مَالِكٍ التَّتْرِيبُ، وَإِذَا كَانَ فَمُهُ نَجِسًا فَسَائِرُ بَدَنِهِ أَوْلَى، وَفَمُهُ مِنْ أَكْثَرِ المَوَاضِعِ الَّتِي تَتَنَظَّفُ لِأَنَّهُ يَلْهَثُ فَيَشْرَبُ المَاءَ وَغَيْرَ ذَلِكَ)،
(عند الشافعية: النَّجَاسَةُ الْكَلْبِيَّةُ وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرِيَّةُ تُزَالُ وَذَلِكَ بِغَسْلِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ مَمْزُوجَةٌ بِالتُّرَابِ الطَّهُورِ، كَأَنْ يُوضَعَ التُّرَابُ فِي الْمَاءِ فَيُكَدِّرَهُ، فَإِذَا وَصَلَ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي كَدَّرَهُ إِلَى جَمِيعِ الْمَحَلِّ الَّذِي أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ الْكَلْبِيَّةُ أَوِ الْخِنْزِيرِيَّةُ أَجْزَأَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتِ الْمَرَّاتُ السَّبْعُ الَّتِي غُسِلَ بِهَا مَمْزُوجَةً بِالتُّرَابِ صَحَّ لِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ دَخَلَهُ التُّرَابُ يَبْقَى طَهُورًا. وَهُنَاكَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ يَكْفِي لإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْخِنْزِيرِيَّةِ أَوِ الْكَلْبِيَّةِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا وُضِعَ مَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ كَلْبِيَّةٌ فِي مَاءٍ جَارٍ وَجَرَتْ عَلَيْهِ سَبْعُ جِرْيَاتٍ [كُلُّ طَائِفَةٍ تَتَقَلَّبُ مِنَ الْمَاءِ يُقَالُ لَهَا جِرْيَةٌ] مَعَ كَوْنِ إِحْدَى الْجِرْيَاتِ مُتَغَيِّرَةً بِالتُّرَابِ كَفَى ذَلِكَ، وَإِنْ حَرَّكَ الْمَاءَ سَبْعَ تَحْرِيكَاتٍ كَفَى ذَلِكَ وَمَا يُزِيلُ الْعَيْنَ مَعَ الْوَصْفِ مِنَ الْغَسَلاتِ يُعَدُّ غَسْلَةً وَاحِدَةً).
173 – وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ».
الشَّرْحُ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ (المَقْصُودُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَالمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الأَثَرِ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) قَالَ: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ (لَمْ تَبُلْ فِي المَسجِدِ إِنَّمَا كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ قَبْلَ أَنْ يُتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ بَابٌ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِي مَوَاطِنِهَا ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَقٌ. قَالَ: وَيَبْعُدُ أَنْ تُتْرَكَ الْكِلَابُ تَنْتَابُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَمْتَهِنَهُ بِالْبَوْلِ فِيهِ) فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَرُشُّوْنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» (أَيْ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا وَبِالأَوْلَى لَمْ يَكُونُوا يَغْسِلُونَ).
174 – حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَْرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ».
الشَّرْحُ
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَْرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ (أَيْ سَأَلَ عَنْ حُكْمِ مَا أَصْطَادُهُ بِالكَلْبِ) فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ (يُرِيدُ البُخَارِيُّ الِاسْتِشْهَادَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ لَهُ اغْسِلِ المَوْضِعَ الَّذِي أَصَابَهُ فَمُ الكَلْبِ، وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ إِنَّمَا كَانَ سُؤَالُهُ عَنْ حُكْمِ الصَّيْدِ هَلْ يَكُونُ مُذَكًى أَمْ لَا وَالنَّبِيُّ ﷺ أَجَابَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ نَجَاسَتِهِ أَوْ عَدَمِ نَجَاسَتِهِ، وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ إِذَا أَصَابَ مَوْضِعَ عَضَّةِ الكَلْبِ فَاغْسِلْهُ سَبْعًا، لِأَنَّ هَذَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ)، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ (أَيْ فَلَا أَعْرِفُ مَنِ الَّذِي قَتَلَ الصَّيْدَ مِنَ الكَلْبَينِ) قَالَ: فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ» (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّحْمَ المَشْكُوكَ فِيهِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ)
(فَاللَّحْمُ أَمْرُهُ مُشَدَّدٌ فِي شَرْعِ اللهِ فَلا يَجُوزُ أَكْلُهُ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ أَمَّا إِنْ شُكَّ فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ لا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ وَإِنْ رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ». فَمِنْ أَجْلِ الشَّكِّ فِي سَبَبِ الْحِلِّ حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ أَكْلَهُ وَمِنْ هُنَا حَرَّمَ الْعُلَمَاءُ أَكْلَ اللَّحْمِ الْمَشْكُوكِ فِي حِلِّهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُنَاسًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا أَمْ لا فَقَالَ «سَمُّوا اللهَ أَنْتُمْ وَكُلُوا». فَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي ذَبِيحَةِ أُنَاسٍ مُسْلِمِينَ قَرِيبِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ وَذَلِكَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ». وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ اللُّحُومَ حَلالٌ لِأَنَّهَا مُذَكَّاةٌ بِأَيْدِي مُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَي قَرِيبِي عَهْدٍ بِإِسْلامٍ وَلا يَضُرُّكُمْ أَنَّكُمْ لَمْ تَعْلَمُوا هَلْ سَمَّى أُولَئِكَ عِنْدَ ذَبْحِهَا أَمْ لا فَسَمُّوا أَنْتُمْ عِنْدَ أَكْلِهَا أَي نَدْبًا لا وُجُوبًا لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ تَرَكَهَا الذَّابِحُ حَلَّ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ. فَاللَّحْمُ لا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي أَكْلِهِ مَعَ الشَّكِّ فِي ذَكَاتِهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ كَأَبِي حَامِدٍ الأَسْفَرَايِينِيِّ وَالسُّيُوطِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَرَافِيِّ وَالأَبي مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ تَحْرِيمُ اللَّحْمِ الَّذِى لَمْ يُعْلَمْ طَرِيقُ حِلِّهِ بِأَنْ شُكَّ فِي ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ ذَبَحَ شَخْصٌ مِائَةَ دَجَاجَةٍ وَكَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا لَمْ تُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا وَاخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْوَاحِدَةُ بِالْبَقِيَّةِ وَلَمْ تُعْرَفْ أَيَّ وَاحِدَةٍ هِيَ حَرُمَ أَكْلُهَا كُلِّهَا).
(أَمَّا غَيْرُ اللَّحْمِ فَلا يَحْرُمُ بِالشَّكِّ، فَالْجُبْنُ يَجُوزُ أَنْ نُقْدِمَ عَلَى شِرَائِهِ وَأَكْلِهِ مَعَ الشَّكِّ هَلْ دَخَلَ فِيهِ إِنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ أَمْ لا لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْكُفَّارِ أَنْ يُدْخِلُوا فِيهِ إِنْفَحَةَ الْخِنْزِيرِ أَوْ مَيْتَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّ الإِنْفَحَةَ لَيْسَتْ لَحْمًا وَلا تَتْبَعُ اللَّحْمَ وَإِنَّمَا هِيَ شَيءٌ أَصْفَرُ يَتَجَمَّعُ فِي مَعِدَةِ السَّخْلَةِ وَهِىَ وَلَدُ الْغَنَمِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعَزِ سَاعَةَ وَضْعِهِ فَلا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ إِلَّا إِذَا تُيِقِّنَ أَنَّ مَا وُضِعَ فِيهِ مِنَ الإِنْفَحَةِ مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ أُخْرَى. كَذَلِكَ السَّمْنُ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ هَلْ دَخَلَهُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لا، وَمَا كُتِبَ عَلَيْهِ جِيلاتِين بَقَرِى لا يَحْرُمُ أَكْلُهُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ هَذَا الْجِيلاتِينَ لَيْسَ مِنَ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْعَظْمِ. وَكَذَا الْجُلُودُ إِنْ شُكَّ فِيهَا هَلْ هِيَ جِلْدُ مَيْتَةٍ أَوْ جِلْدُ مُذَكَّاةٍ أَوْ هَلْ هَذَا جِلْدُ خِنْزِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لا يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ. وَيَجُوزُ لُبْسُ الْجِلْدِ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِى يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ فِي غَيْرِ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ لَهَا طَهَارَةُ الثَّوْبِ).
34- بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ.
وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾، [سُورَةُ النِّسَاءِ:43].
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ، وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ، وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
الشَّرْحُ
بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ (يُرِيدُ البُخَارِيُّ فِي هَذَا البَابِ أَنْ يُبَيِّنَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ القَهْقَهَةَ تُبْطِلُ الوُضُوءَ أَوْ أَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ بِنَحْوِ الحِجَامَةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وَيُبَيِّنُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ).
وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾، [سُورَةُ النِّسَاءِ:43] (عَلَّقَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ – أَوِ التَّيَمُّمَ عِنْدَ فَقَدِ الْمَاءِ – عَلَى الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَهَذَا دَلِيلُ الْوُضُوءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ)
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ (وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ فَقَالُوا: لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ، وَقَالَ بَعضُهُمْ: إِلَّا إِنْ حَصَلَ مَعَهُ تَلْوِيثٌ)،
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ (يُرِيدُ القَهْقَهَةَ إِذَا خَرَجَ مَعَهَا كَلَامٌ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: يَنْقُضُ الضَّحِكُ الوُضُوءَ إِذَا وَقَعَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لَا خَارِجَهَا. وَقال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ طَهَارَةً، وَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا)،
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ (وَهَذَا قَولُ الحَسَنِ وَهُوَ مِنِ اخْتِلَافِ الفُقَهَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا مَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ وَخَلَعَهُمَا يُعِيدُ غَسْلَ الرِّجلَينِ)،
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ (جَاءَ بِصِيغَةِ التَّمرِيضِ مَعَ أَنَّ ابنَ خُزَيمَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيرَهُمَا صَحَّحَاهُ، وَلَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَصَرَهُ وَفِي بَعضِ رُوَاتِهِ مُتَكَلَّمٌ فِيهِمْ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ (فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ قَامَ اثْنَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ لِيَحْرُسَا، أَحَدُهُمَا أَنْصَارِيٌّ، فَتَنَاوَبَا ثُمَّ لَمَّا كَانَ الأَنْصَارِيُّ يَحْرُسُ قَامَ يُصَلِّي فَأُصِيبَ بِسَهْمٍ وَسَالَ دَمُهُ) فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ (وَلَمْ يُوْقِفِ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَقُلِ انْتَقَضَ وُضُوئِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ) (قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَرَى أَنَّ خُرُوجَ الدَّمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَثَرَ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبِصْرِيُّ، قال: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَنْبُعُ دَمًا)،
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ،
وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (هُوَ مُحَمَّدٌ البَاقِرُ بْنُ زَيْنِ العَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو جَعْفَرٍ الصَّادِقِ) وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ (كَانُوا لَا يَرَوْنَ فِي الدَّمِ وُضُوءًا)،
وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى (هُوَ وَأَبُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيُقَالُ: رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ،
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ (أَيْ لَيسَ عَلَيهِ وُضُوءٌ، فَقَطْ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الحِجَامَةِ مِنْ جَسَدِهِ).
دعاء ختامي:
اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَجُد عَلَينَا بِأَوفَى الحُظُوظِ مِن رِضوَانِكَ، وَارزُقنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ عِصيَانِكَ، وَاجعَل لَنَا نَصِيبًا مِن جُودِكَ وَامتِنَانِكَ، وَلَا تَقطَعنَا مَا عَوَّدتَنَا مِن جَزِيلِ إِحسَانِكَ.
اللهم اجعَل مُعتَمَدَنَا عَلَيكَ، وَحَوَائِجَنَا إِلَيكَ، وَتَضَرُّعَنَا لَدَيكَ، وَشَكوَانَا إِلَيكَ.
اللهم أَصلِحنَا وَادفَع عَنَّا شَيَاطِينَنَا، وَاغفِر بِرَحمَتِك ذُنُوبَنَا، ونَوِّر بِفَضلِكَ قُلُوبَنَا، وَاصرِف عَنَّا شِرَارَنَا، وَاقضِ بفَضلِكَ دُيُونَنَا، وَاجمَع عَلَى الهُدَى شُؤُونَنَا، وَارحَم أَموَاتَنَا، وَوَسِّع أَرزَاقَنَا، وَطَهِّر أَخلَاقَنَا.
اللهم لَا تَدَع لَنَا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلَا دَينًا إِلَّا قَضَيتَه، وَلَا مَيِّتًا مِنَ المُسلِمِينَ إِلَّا رَحِمتَهُ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجتَهُ، وَلَا بَلَاءً إِلَّا كَشَفتَهُ، وَلَا عَيبًا إِلَّا سَتَرتَهُ، وَلَا سَائِلًا إِلَّا أَعطَيتَهُ، وَلَا طَالِبًا لِلخَيرِ إِلَّا أَفَدتَهُ، وَلَا عَالِمًا إِلَّا عَصَمتَهُ، وَلَا حَاسِدًا إِلَّا دَحَرتَهُ، وَلَا غَائِبًا إِلَّا رَدَدتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيتَهُ، وَلَا مُحتَاجًا إِلَّا كَفَيتَهُ، وَلَا دَاعِيًا إِلَّا أَجَبتَهُ، وَلَا جَاهِلًا إلَّا هَدَيتَهُ، وَلَا عَدُوًّا إِلَّا حَصَرتَهُ، وَلَا طَرِيقًا إِلَّا أَمَّنتَهُ، وَلَا مُجتَهِدًا فِي الخَيرِ إلَّا أَعَنتَهُ، وَلَا ظَالِمًا إِلَّا رَدَّيتَهُ، وَلَا عَاصِيًا إِلَّا أَصلَحتَهُ، وَلَا طَائِعًا إِلَّا ثَبَّتَهُ، وَلَا غَافِلًا إِلَّا نَبَّهتَهُ.
اللهم وَاخصُص بِبَرَكَةِ دُعَائِنَا الوَالِدِينَ وَالمَولُودِينَ، وَالحَاضِرِينَ وَالغَائِبِينَ، وَمَا سَأَلنَاكَ مِن خَيرٍ فَأَعطِنَا، وَمَا قَصُرَت عَنهُ أَعمَالُنَا وَآمَالُنَا مِنَ الخَيرَاتِ فَبَلِّغنَا بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. ﴿سُبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرسَلِينَ * وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.