صحيح البخاري (15) | كتاب الإيمان | قبول العمل بين الإخلاص والخوف

المقدمة

الْحَمْدُ للهِ مُحْدِثِ الْأَكْوَانِ وَالْأَعْيَانِ، وَمُبْدِعِ الْأَرْكَانِ وَالْأَزْمَانِ، وَمُنْشِئِ الْأَلْبَابِ وَالْأَبْدَانِ، وَمُنْتَخِبِ الْأَحْبَابِ وَالْخِلَّانِ، مُنَوِّرِ أَسْرَارِ الْأَبْرَارِ بِمَا أَوْدَعَهَا مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْعِرْفَانِ، وَمُكَدِّرِ قُلُوبِ الْأَشْرَارِ بِمَا حَرَمَهُمْ مِنَ الْبَصِيرَةِ وَالْإِيقَانِ، الْمُعَبِّرِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ الْمَنْطِقُ وَاللِّسَانُ، وَالْمُتَرْجِمِ عَنْ بَرَاهِينِهِ الأَكُفُّ وَالْبَنَانُ، بِالْمُوَافِقِ لِلتَّنْزِيلِ وَالْفُرْقَانِ، وَالْمُطَابِقِ لِلدَّلِيلِ وَالْبَيَانِ، المَوجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا كَيفٍ وَلَا زَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ، فَأَلْزَمَ الْحُجَّةَ بِالْقَادَةِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَبْهَجَ الْمَنْهَجَ بِالسَّادَةِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، الَّذِينَ جَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ، وَعُرَفَاءَ الْأَصْفِيَاءِ، الْمُقَرَّبِينَ إِلَى الرُّتَبِ الرَّفِيعَةِ، وَالْمُنَزَّهِينَ عَنِ النِّسَبِ الْوَضِيعَةِ، وَالْمُؤَيَّدِينَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ، وَالْمُقَوَّمِينَ بِالْمُتَابَعَةِ وَالتَّصْدِيقِ.

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ عَنْهُ بَلَّغَ وَشَرَّعَ، وَبِأَمْرِهِ قَامَ وَصَدَعَ، وَلِمُتَّبِعِيهِ غَرَسَ وَزَرَعَ، مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْمُتَّبَعِ، وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْمُنْتَخَبِينَ. أَمَّا بَعْدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيَِ رَحِمَهُ اللهُ…

نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…

(36) ‌بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الْإِسْلَامِ

الشَّرحُ: (36) ‌بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الْإِسْلَامِ (أَي مِن شُعَبِ الإِسلَامِ).

وَقَوْلِهُ:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.

الشَّرحُ: وَقَوْلِهُ:﴿وَمَا أُمِرُوا (أَي أَهلُ الكِتَابِ) إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (وَالْإِخْلَاصُ: التَّصْفِيَةُ وَالْإِنْقَاءُ، أَيْ غَيْرَ مُشَارِكِينَ فِي عِبَادَتِهِ مَعَهُ غَيْرَهُ، 

قَالَ القُشَيرِيُّ: الإِخلَاصُ تَصفِيَةُ العَمَلِ مِنَ الخَلَلِ. 

وَتَكَلَّمَ ابنُ جُزَيٍّ هُنَا عَلَى الإِخلَاصِ فَقَالَ: اعلَم أَنَّ الأَعمَالَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنوَاعٍ: مَأمُورَاتٌ وَمَنهِيَّاتٌ وَمُبَاحَاتٌ. 

فَأَمَّا المَأمُورَاتُ: فَالإِخلَاصُ فِيهَا عِبَارَةٌ عَن: خُلُوصِ النِّيَّةِ لِوَجهِ اللهِ، بِحَيثُ لَا يَشُوبُهَا أُخرَى، فَإِن كَانَت كَذَلِكَ فَالعَمَلُ خَالِصٌ، وَإِن كَانَت لِغَيرِ وَجهِ اللهِ مِن طَلَبِ مَنفَعَةٍ دُنيَوِيَّةٍ أَو مَدحٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ، فَالعَمَلُ رِيَاءٌ مَحضٌ مَردُودٌ. 

وَأَمَّا المَنهِيَّاتُ: فَإِنْ تَرَكَهَا دُونَ نِيَّةٍ خَرَجَ عَن عُهدَتِهَا وَلَم يَكُن لَهُ أَجرٌ فِي تَركِهَا، وَإِن تَرَكَهَا بِنِيَّةِ وَجهِ اللهِ خَرَجَ عَن عُهدَتِهَا وَأُجِرَ. 

وَأَمَّا المُبَاحَاتُ: كَالأَكلِ وَالشُّربِ وَالنَّومِ وَالجِمَاعِ وَغَيرِ ذَلِكَ، فَإِن فَعَلَهَا بِغَيرِ نِيَّةٍ لَم يَكُن لَهُ فِيهَا أَجرٌ، وَإِن فَعَلَهَا بِنِيَّةِ وَجهِ اللهِ فَلَهُ فِيهَا أَجرٌ، فَإِنَّ كُلَّ مُبَاحٍ يُمكِنُ أَن يَصِيرَ قُربَةً إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجهُ اللهِ، مِثلُ أَن يَقصِدَ بِالأَكلِ القُوَّةَ عَلَى العِبَادَةِ وَيَقصِدَ بِالجِمَاعِ التَّعَفُّفَ عَنِ الحَرَامِ، وَشِبهُ ذَلِكَ.اهـ 

رَوَى الثَّعلَبِيُّ عَن أَبِي إِدرِيسَ الخَولَانِيِّ عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، وَمَا بَلَغَ عَبدٌ حَقِيقَةَ الإِخلَاصِ حَتَّى لَا يُحِبَّ أَن يُحْمَدَ عَلَى شَيءٍ مِن عَمَلِ اللهِ».

وَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: الإِخلَاصُ أَن يُخلِصَ العَبدُ دِينَهُ وَعَمَلَهُ للهِ وَلَا يُشرِكَ بِهِ فِي دِينِهِ وَلَا يُرَائِيَ بِعَمَلِهِ أَحَدًا. 

وَقَالَ يَحيَى بنُ مُعَاذٍ: الإِخلَاصُ تَمَيُّزُ العَمَلِ مِنَ العُيُوبِ كَتَمَيُّزِ اللَّبَنِ مِن بَينِ الفَرثِ وَالدَّمِ.

وَقَالَ حُذَيفَةُ: الإِخْلَاصُ هُوَ أَن تَستَوِيَ أَفعَالُ العَبدِ فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ.

 وَعَرَّفَهُ بَعضُهُم فَقَالَ: أَن يَكتُمَ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكتُمَ سَيِّئَاتِهِ.

 وَقَالَ بَعضُ السَّلَفِ: سَمِعتُ أَبَا سُلَيمَانَ يَقُولُ: لِلمُرَائِي ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ: يَكسَلُ إِذَا كَانَ وَحدَهُ، وَيَنشَطُ إِذَا كَانَ فِي النَّاسِ، وَيَزِيدُ فِي العَمَلِ إِذَا أُثنِيَ عَلَيهِ.اهـ

قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا الْإِخْلَاصُ للهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَالُوا: فَمَنِ الْمُنَاصِحُ للهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَبْدَأُ بِحَقِّ اللهِ قَبْلَ حَقِّ النَّاسِ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا لِلدُّنْيَا وَالْآخَرُ لِلْآخِرَةِ بَدَأَ بِأَمْرِ اللهِ قَبْلَ أَمْرِ الدُّنْيَا. وروي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ وَدُعَاءَهُ للهِ وَلَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ مَا تَرَاهُ عَيْنَاهُ، وَلَمْ يُنْسِهِ ذِكْرُهُ مَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ، وَلَمْ يُحْزِنْ نَفْسَهُ مَا أُعْطِيَ غَيْرُهُ.

وروي عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْجَزَرِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْعُلَمَاءُ إِذَا الْتَقَوْا تَوَاصَوْا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَإِذَا غَابُوا كَتَبَ بِهَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ:

أَنَّهُ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنِ اهْتَمَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ. 

وقال بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: لَا تَكُنْ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ، تُظْهِرُ لِلنَّاسِ لِيَحْمَدُوكَ، وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ. 

وروي عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: خَيْرُ الْعَمَلِ أَخْفَاهُ، أَمْنَعُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَأَبْعَدُهُ مِنَ الرِّيَاءِ) 

حُنَفَاءَ (حُنَفاءَ مَائِلِينَ عَنِ الأَديَانِ كُلِّهَا إِلَى دِينِ الإِسلَامِ) وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. (أَيْ دِينُ المِلَّةِ المُستَقِيمَةِ، أَي دِينُ الإِسلَامِ، فَبَيَّنَ أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنَ الإِسلَامِ)

(هَؤُلَاءِ أَهلُ الكِتَابِ أَيِ الَّذِينَ نَزَلَ الكِتَابُ الأَصلِيُّ مِن تَورَاةٍ وَإِنجِيلٍ عَلَى أَنبِيَائِهِم، فَمِنهُم مَن آمَنَ بِالأَنبِيَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوا بِالتَّوحِيدِ، وَمِنهُم مَن كَفَرَ بِالأَنبِيَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَنِ انتَسَبَ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ هُوَ مُؤمِنٌ نَاجٍ يَومَ القِيَامَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كَاليَهُودِ الَّذِينَ فِي أَيَّامِنَا يَقُولُونَ بِنِسبَةِ الجِسمِ وَالأَعضَاءِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالقُعُودِ وَالشَّبِيهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَهَؤُلَاءِ لَيسُوا مُؤمِنِينَ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى القَائِلِينَ بِأَنَّ عِيسَى ابنُ اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَنْ نَزَّهَ رَبَّهُ تَعَالَى وَبَرَّأَهُ عَنِ الْوَلَدِ، وَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الْعُبُودِيَّةَ لِرَبِّهِ: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، هَذَا أَوَّلُ كَلَامٍ تَفَوَّهَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ اعْتَرَفَ لِرَبِّهِ تَعَالَى بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَنَّ اللهَ رَبُّهُ، فَنَزَّهَ اللهَ عَنْ قَوْلِ الظَّالِمِينَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ ابْنُ اللهِ، بَلْ هُوَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ، ثُمَّ بَرَّأَ أُمَّهُ مِمَّا نَسَبَهَا إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ، وَقَذَفُوهَا بِهِ وَرَمَوْهَا بِسَبَبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فَإِنَّ اللهَ لَا يُعْطِي النُّبُوَّةَ مَنْ هُوَ كَمَا زَعَمُوا انه ابن لله -بل هُوَ نَبِيُّ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى نَفسُهُ، وكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾، وَذَلِكَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْيَهُودِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَالُوا: إِنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ مِنْ زِنًا فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، لَعَنَهُمُ اللهُ، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا صِدِّيقَةٌ، وَاتَّخَذَ وَلَدَهَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، أَحَدَ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ الْكِبَارِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَزَّهَ ربَّهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ مِنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ)

(فَمَن تَفَكَّرَ فِي هَذَا عَلِمَ أَنَّ دِينَ عِيسَى هُوَ دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِمَا وَسَلَّمَ، وَهُوَ دِينُ الإِسلَامِ، وَهُوَ تَوحِيدُ اللهِ، وَالدَّعوَةُ إِلَى أَن تَكُونَ عَبدًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُفرِدَهُ سُبحَانَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وَلَا تَتَوَجَّهَ بِالعِبَادَةِ لِغَيرِهِ سُبحَانَهُ، وَهَذَا مَا دَلَّت عَلَيهِ آيَاتُ هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي ذَكَرنَا، وَمَا دَلَّت عَلَيهِ آيَاتُ كِتَابِ اللهِ عُمُومًا، فَلَا دِينَ سَمَاوِيٌّ إِلَّا الإِسلَامُ).

46- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ»، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».

الشَّرحُ: 46- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ (أَي شَعَرُهُ مُتَفَرِّقٌ بِسَبَبِ تَركِ الرَّفَاهِيَةِ وَلَيسَ عَلَى هَيأَةٍ مُرَتَّبَةٍ)، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ (كَانَ يُنَادِي مِن بُعدٍ فَيُسمَعُ صَوتٌ مُتَكَرِّرٌ وَلَا يُفهَمُ مَا يَقُولُ)، حَتَّى دَنَا (أَيِ اقتَرَبَ) فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ (أَي عَن شَرَائِعِ الإِسلَامِ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (أَي هَذَا هُوَ الوَاجِبُ لَا غَيرُهُ)، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (أَي تَتَطَوَّعَ، أَي فَإِن تَطَوَّعتَ كَانَ لَكَ زِيَادَةً فِي الأَجرِ)، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ»، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ (بَيَّنَ لَهُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَأَحكَامَهَا)، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ (أَي لَا أَزِيدُ عَلَى الوَاجِبِ الَّذِي بَيَّنتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَترُكُ مِنهُ شَيئًا)، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (فَبَيَّنَ أَنَّهُ إِن لَم يَصدُق لَم يُفلِح فَتَضُرُّهُ المَعصِيَةُ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى المُرجِئَةِ فِي قَولِهِم: لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنبٌ)

(وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى الشَّخصِ بِتَركِ النَّوَافِلِ هذا الحديث الذي نشرحه، فهذا الرجل جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرنِي بِمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ، فَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الفَرَائِضَ وَشَرَائِعَ الإِسلامِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَالَّذِي أَكرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا وَلَا أَنقُصُ مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيئًا، فَقَالَ ﷺ: «أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، فَقَولُهُ ﷺ: «أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ»، أَي فِيمَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لا يَفعَلُ شَيئًا مِنَ النَّوَافِلِ وَلا يَترُكُ شَيئًا مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ، مِن أَدَاءِ الوَاجِبِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَّمَهُ مَا هُوَ فَرضٌ وَمَا هُوَ حَرَامٌ.

وَإِذَا عُلِمَ هَذَا ظَهَرَ بُطلانُ مَا شَاعَ عِندَ بَعضِ العَوَامِّ مِن قَولِ بَعضِهِم: إِنَّ الرَّسُولَ قَالَ: مَن لَم يُصلِّ سُنَّتِي فَلَيسَ مِن أُمَّتِي، وَقَولِ بَعضِهِم: إِنَّهُ قَالَ: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ عَلَى وَجهِهِ قِطعَةُ لَحمٍ، وَقَولِ بَعضِهِم: إِنَّهُ قَالَ: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي لَم تَنَلهُ شَفَاعَتِي، يُرِيدُونَ بِهِ النَّوَافِلَ، فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَضَلالٌ، وَلا يَنفَعُهُم قَصدُهُم بِذَلِكَ حَثَّ النَّاسِ عَلَى النَّوَافِلِ، وَقَد قَالَ ﷺ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ: «سِتَّةٌ لَعَنتُهُم وَلَعَنَهُمُ اللهُ، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ»، ثُمَّ ذَكَرَ مِنهُم: «وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي»، فَمَعنَاهُ مَن خَرَجَ فِي الِاعتِقَادِ عَن مُعتَقَدِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَي طَرِيقَتُهُ، فَهَذَا عَرَّضَ نَفسَهُ لِتِلكَ اللَّعنَةِ الكَبِيرَة،

مَن خَالَفَ الصَّحَابَةَ وَخَرَجَ عَنهُم فِي المُعتَقَدِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ كُلَّ مَن لَم يَفعَل مَا كَانَ الرَّسُولُ يَفعَلُهُ مِنَ النَّوَافِلِ يَكُونُ مَلعُونًا).

(37) ‌بَابٌ: اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ

الشَّرحُ: (37) ‌بَابٌ: اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ (أَيِ المَشيُ مَعَهَا لَا خَلفَهَا، فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَمشُونَ أَمَامَ الجَنَائِزِ بِحَيثُ لَوِ التَفَتُوا كَانَت خَلفَهُم، أَي هِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي حَثَّ عَلَيهَا الإِيمَانُ، وَهِيَ مِن صِفَاتِ المُؤمِنِ الكَامِلِ).

47- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.

الشَّرحُ: 47- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ (نِسْبَةً إِلَى جَدِّ جَدِّهِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيِّ، رَوَى عَنْهُ: الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ) قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ (‌رَوْحُ ‌بنُ ‌عُبَادَةَ بنِ العَلَاءِ القَيْسِيُّ البَصْرِيُّ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ المُحَدِّثِيْنَ. وَكَانَ كَثِيْرَ الحَدِيْثِ، صَنَّفَ الكُتُبَ فِي السُّنَنِ وَالأَحْكَامِ، وَجَمَعَ التَّفْسِيْرَ، وَكَانَ ثِقَةً. قيل: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمائَتَيْنِ) قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ (عَوْفُ بنُ أَبِي جَمِيْلَةَ أَبُو سَهْلٍ الأَعْرَابِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، أَبُو سَهْلٍ الأَعْرَابِيُّ، البَصْرِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ أَعْرَابِيًّا، بَلْ شُهِرَ بِهِ. وُلدَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ. كَانَ يُدعَى عَوفًا الصَّدُوْقَ. مَاتَ: سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ)، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ (وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وهو مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَنِ، فَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ، فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَسَمَاعُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَمُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوْهِيمِ مَنْ أَثْبَتَهُ)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ (أَي كَانَ مَعَهَا) إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا (مُخلِصًا للهِ طَالِبًا لِلثَّوَابِ) وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ (مُثَنَّى قِيرَاطٍ، وَهُوَ فِي الأَصلِ قَدرٌ مِنَ الثَّوَابِ كَثِيرٌ أَو قَلِيلٌ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَدرٌ كَبِيرٌ)، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ (أَي فِي مَعنَاهُ).

(38) ‌بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

الشَّرحُ: (38) ‌بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ (أَي أَن يُحرَمَ الثَّوَابَ بِسَبَبِ الرِّيَاءِ وَعَدَمِ الإِخلَاصِ) وَهُوَ لَا يَشْعُرُ 

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَِّبًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.

وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوْا عَلَى مَا فَعَلُوْا وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ﴾.

الشَّرحُ:

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: (إِبْرَاهِيْمُ بنُ يَزِيْدَ بنِ شَرِيْكٍ التَّيْمِيُّ، ‌الإِمَامُ، ‌القُدْوَةُ، ‌الفَقِيْهُ، عَابِدُ الكُوْفَةِ، أَبُو أَسْمَاءَ. وَكَانَ شَابًّا، صَالِحًا، قَانِتًا للهِ، عَالِمًا، فَقِيْهًا، كَبِيْرَ القَدْرِ، وَاعِظًا. وَقَالَ الأَعْمَشُ: كَانَ إِبْرَاهِيْمُ التَّيْمِيُّ إِذَا سَجَدَ، كَأَنَّهُ جِذْمُ حَائِطٍ يَنْزِلُ عَلَى ظَهْرِهِ العَصَافِيْرُ. يُقَالُ: قَتَلَهُ الحَجَّاجُ. مات سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ. ولَمْ يَبْلُغْ إِبْرَاهِيْمُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً. 

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: طَلَبَ الحَجَّاجُ إِبْرَاهِيْمَ النَّخَعِيَّ، فَجَاءَ الرَّسُوْلُ، فَقَالَ: أُرِيْدُ إِبْرَاهِيْمَ. فَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ التَّيْمِيُّ: أَنَا إِبْرَاهِيْمُ. وَلَمْ يَسْتَحِلَّ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى النَّخَعِيِّ، فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ فِي الدِّيْمَاسِ، وَهُوَ مَكَانٌ عَمِيقٌ لَا يَنْفُذُ إِلَيهِ النُّورُ. وَكَانَ كُلُّ اثْنَيْنِ فِي سِلْسِلَةٍ، فَتَغَيَّرَ إِبْرَاهِيْمُ، فَعَادَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ، حَتَّى كَلَّمَهَا، فَمَاتَ. 

فَرَأَى الحَجَّاجُ فِي نَوْمِهِ قَائِلاً يَقُوْلُ: مَاتَ فِي البَلَدِ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. فَسَأَلَ، فَقَالُوا: مَاتَ فِي السِّجْنِ إِبْرَاهِيْمُ التَّيْمِيُّ. فَقَالَ: حُلْمٌ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ. وَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ عَلَى الكُنَاسَةِ)

مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَِّبًا (مَعنَاهُ أَنَا أَعِظُ النَّاسَ وَءَامُرُهُم بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا تَفَكَّرتُ بِمَا أَقُولُ لِلنَّاسِ وَبَِما أَعمَلُ أَخشَى أَن أَكُونَ مِمَّن يُقَالُ لَهُ: كُنتَ تَأمُرُ النَّاسَ بِالخَيرِ وَلَا تَأتِيهِ، وَهَذَا مَعَ زُهدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَقوَاهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ اتِّهَامًا لِنَفسِهِ).

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ الإِمَامُ، الحُجَّةُ، الحَافِظُ، أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، التَّيْمِيُّ، المَكِّيُّ، القَاضِي، وُلِدَ: فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، أَوْ قَبْلَهَا. وَحَدَّثَ عَنْ: عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ، وَأُخْتِهَا؛ أَسْمَاءَ، وَأَبِي مَحْذُوْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَ عَنْهُ: رَفِيْقُهُ؛ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ – وَذَلِكَ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ وَعَمْرُو بنُ دِيْنَارٍ، قَالَ البُخَارِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ. كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّمَانِيْنَ): أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ (أَيِ الرِّيَاءُ، وَذَلِكَ لِعَظِيمِ شَأنِهِم وَوَرَعِهِم وَتَقوَاهُم)، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا يَجْزِمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعَدَمِ عُرُوضِ النِّفَاقِ لَهُمْ كَمَا يُجْزَمُ بِذَلِكَ فِي إِيمَانِ جِبْرِيلِ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَذْكُورِينَ كَانُوا قَائِلِينَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ) (قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا خَافُوا لِأَنَّهُمْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ حَتَّى رَأَوْا مِنَ التَّغَيُّرِ مَا لَمْ يَعْهَدُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِنْكَارِهِ، فَخَافُوا أَنْ يَكُونُوا دَاهَنُوا بِالسُّكُوتِ).

وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: (هُوَ الإِمَامُ العَظِيمُ وَالسَّيِّدُ الكَرِيمُ المُجتَهِدُ الحَافِظُ أَحَدُ السَّادَاتِ التَّابِعِينَ أَبُو سَعِيدٍ الحَسَنُ بنُ أَبِي الحَسَنِ يَسَارٍ العُوفِيُّ، وَالِدُهُ أَبُو الحَسَنِ يَسَارٌ سَكَنَ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ، وَكَانَ مَملُوكًا فَأُعتِقَ وَبَقِيَ فِي المَدِينَةِ حَيثُ استَقَرَّ وَتَزَوَّجَ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَوُلِدَ لَهُ بِهَا الحَسَنُ لِسَنَتَينِ بَقِيَتَا مِن خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

كَانَ الإِمَامُ الحَسَنُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَظِيمًا مُبَجَّلًا جَلِيلًا كَبِيرَ القَدرِ جَلِيلَ الشَّأنِ ذَا وَسَامَةٍ فَائِقَةٍ، حَسَنَ الصُّورَةِ جَمِيلَ الوَجهِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ أَجمَلُ أَهلِ البَصرَةِ فِي زَمَانِهِ، تَامَّ الشَّكلِ مَهِيبًا بَهِيًّا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُجَاهِدًا بَطَلًا شُجَاعًا، لَيثًا مِن لُيُوثِ الحَربِ فِي مَوَاطِنِ الجِهَادِ، شَدِيدَ القُوَّةِ عَظِيمَ البَطشِ. وَحَكَى الأَصمَعِيُّ عَن أَبِيهِ قَالَ: مَا رَأَيتُ أَعرَضَ زَندًا مِنَ الحَسَنِ، كَانَ عَرضُهُ شِبرًا)

مَا خَافَهُ (أَيِ النِّفَاقَ فِي العَمَلِ) إِلَّا مُؤْمِنٌ (أَي أَنَّ خَوفَ الرِّيَاءِ مِن عَلَامَاتِ إِيمَانِ الإِنسَانِ) وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوْا عَلَى مَا فَعَلُوْا وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ﴾ (بَيَّنَ اللهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ مَن كَانَ هَذَا شَأنَهُ لَا يُصِرُّ عَلَى المَعَاصِي مَعَ عِلمِهِ أَنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِ إِن تَابَ، فَإِنِ استَغفَرَ وَتَابَ وَلَم يُصِرَّ عَلَى المَعَاصِي فَهُوَ مَمدُوحٌ، وَمَن لَم يَكُن كَذَلِكَ بَل أَصَرَّ عَلَى المَعَاصِي فَهُوَ مَذمُومٌ، فَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى المُرجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنبٌ).

48- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».

الشَّرحُ: 48- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ بْنِ الْبِرِنْدِ الْقُرَشِيُّ السَّامِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ صَدُوقٌ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ “الثِّقَاتِ”، وَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ لَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً) قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ (زُبَيْدُ بنُ الحَارِثِ اليَامِيُّ الكُوْفِيُّ الحَافِظُ، أَحَدُ الأَعْلَامِ. وَعِدَادُه فِي صِغَارِ التَّابِعِيْنَ. قَالَ شُعْبَةُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا خَيْرًا مِنْ زُبَيْدٍ. 

وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: كَانَ زُبَيْدٌ يُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجزَاءٍ: جُزْءً عَلَيْهِ، وَجُزْءً عَلَى ابْنِه، وَجُزْءً عَلَى ابْنِه الآخَرِ. فَكَانَ هُوَ يُصَلِّي، ثُمَّ يَقُوْلُ لأَحَدِهِمَا: قُمْ. فَإِنْ تَكَاسَلَ، صَلَّى جُزءهُ، ثُمَّ يَقُوْلُ لِلآخَرِ: قُمْ. فَإِنْ تَكَاسَلَ أَيْضًا، صَلَّى جُزءهُ، فَيُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّه. 

وروي عَنْ عِمْرَانَ بنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَمِّي زُبَيْدٌ حَاجًّا، فَاحْتَاجَ إِلَى الوُضُوْءِ، فَقَامَ، فَتَنَحَّى، ثُمَّ قَضَى حَاجَتَه، ثُمَّ أَقْبَلَ، فَإِذَا هُوَ بِمَاءٍ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُم مَاءٌ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءهُم لِيُعْلِمَهُم، فَأَتَوْا، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئاً. كَانَ زُبَيْدٌ مُؤَذِّنَ مَسْجِدِه، فَكَانَ يَقُوْلُ لِلصِّبْيَانِ: تَعَالَوْا، فَصَلُّوا، أَهَبْ لَكُم جَوْزاً. فَكَانُوا يُصَلُّوْنَ، ثُمَّ يُحِيطُوْنَ بِهِ. فحدثه بعضهم فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَا عَلَيَّ أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُم جَوْزًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَيَتَعَوَّدُوْنَ الصَّلَاةَ. وكَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةً مَطِيرَةً، طَافَ عَلَى عَجَائِزِ الحَيِّ، وَيَقُوْلُ: أَلَكُم فِي السُّوْقِ حَاجَةٌ؟ وَيَقضِيهَا لَهُنَّ. مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَمائَةٍ) قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ (شَقِيْقُ بنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ الأَسَدِيُّ الكُوْفِيُّ الإِمَامُ الكَبِيْرُ، شَيْخُ الكُوْفَةِ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا رَآهُ. وَحَدَّثَ عَنْ: عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّيْنِ. 

قال أبو وائل: إِنِّي أَذْكُرُ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَرْعَى غَنَمًا -أَوْ قَالَ: إِبِلًا- لأَهْلِي حِيْنَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ) عَنِ الْمُرْجِئَةِ (جَاءَ فِي كِتَابِ» الْقَدَرِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَكِتَابِ تَهْذِيبِ الآثَارِ لِلإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: »صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الإِسْلامِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ

وَالْمُرْجِئَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا يَاءٌ مَهْمُوزَةٌ نُسِبُوا إِلَى الْإِرْجَاءِ، وهو التَّأْخِيرُ ; لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُهُمُ النُّطْقَ، وَجَعَلُوا لِلْعُصَاةِ اسْمَ الْإِيمَانِ عَلَى الْكَمَالِ وَقَالُوا: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ أَصْلًا، وَمَقَالَاتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الأُصُولِ،

فَالمُرجِئَةُ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مَهْمَا عَمِلَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمَاتَ بِلا تَوْبَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ عَذَابٌ. قَالُوا لا يَضُرُّ مَعَ الإِيـمَانِ ذَنْبٌ كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ، قَاسُوا هَذِهِ عَلَى هَذِهِ فَضَلُّوا وَهَلَكُوا، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: »لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ« صَحِيحٌ لِأَنَّ الْكَافِرَ مَهْمَا قَامَ بِصُوَرِ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: »لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ «فَهُوَ كُفْرٌ وَضَلالٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْضَرُّ بِالْمَعَاصِي الَّتِي يَرْتَكِبُهَا، وَالإِرْجَاءُ مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَإِنَّمَا سُمُّوا بِالْمُرْجِئَةِ لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا عَنْهُمُ الْعَذَابَ، أَيْ قَالُوا لا يُصِيبُهُمُ الْعَذَابُ أَيْ لِمَنْ عَصَوْا وَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ، مَعْنَاهُ الإِيمَانُ يُؤَخِّرُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ أَيْ لا يَلْحَقُهُمُ الْعَذَابُ. وَالسَّبَبُ فِي هَلاكِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ أَنَّهُمْ فَهِمُوا بَعْضَ الآيَاتِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سُورَةُ سَبَأ/17] فَظَنُّوا أَنَّ غَيْرَ الْكَافِرِ لا يُعَذَّبُ، إِنَّمَا مَعْنَى الآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ الَّذِي ذُكِرَ لا يَلْقَاهُ إِلَّا الْكَفُورُ. هَؤُلاءِ وَللهِ الْحَمْدُ كَأَنَّهُمُ انْقَرَضُوا مُنْذُ زَمَانٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ إِنَّمَا لَهُمْ ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الِاعْتِقَادِ)

 فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (هَذَا لِلتَّنفِيرِ مِنَ القَتلِ بِغَيرِ حَقٍّ، وَلَيسَ المُرَادُ الكُفرَ الَّذِي يَنقُلُ عَنِ المِلَّةِ، إِنَّمَا المُرَادُ تَعظِيمُ ذَنبِهِ، فَإِن كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ فَكَيفَ بَعدَ ذَلِكَ تَصِحُّ مَقَالَةُ المُرجِئَةِ؟!)

49- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ».

الشَّرحُ: 49- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ (‌إِسْمَاعِيْلُ ‌بنُ ‌جَعْفَرِ بنِ أَبِي كَثِيْرٍ الأَنْصَارِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، الثِّقَةُ، أَبُو إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ المَدَنِيُّ. تَصَدَّرَ لِلْحَدِيْثِ وَالإِقْرَاءِ، وَكَانَ مُقْرِئَ المَدِيْنَةِ فِي زَمَانِهِ.. قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ، مَأْمُوْنٌ، قَلِيْلُ الخَطَأِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَمائَةٍ)، عَنْ حُمَيْدٍ (‌حُمَيْدُ بنُ أَبِي ‌حُمَيْدٍ ‌الطَّوِيْلُ البِصْرِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، أَبُو عُبَيْدَةَ البَصْرِيُّ، مَوْلَى طَلْحَةَ الطَلَحَاتِ. مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ، عَامَ مَوْتِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ صَاحِبَ حَدِيْثٍ، وَمَعْرِفَةٍ، وَصِدْقٍ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ: رَأَيْتُ حُمَيْدًا وَلَمْ يَكُنْ بِطَوِيْلٍ، وَلَكِنْ كَانَ طَوِيْلَ اليَدَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِذَاكَ الطَّوِيْلِ، وَلَكِنْ كَانَ لَهُ جَارٌ يُقَالَ لَهُ: حُمَيْدٌ القَصِيْرُ. فَقِيْلَ: حُمَيْدٌ الطَّوِيْلُ؛ لِيُعرَفَ مِنَ الآخَرِ. وَقَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: بَصْرِيٌّ، تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، وَهُوَ خَالُ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ. 

وروي عَنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، قَالَ: لَمْ يَدَعْ حُمَيْدٌ لِثَابِتٍ البُنَانِيِّ عِلْمًا إِلَّا وَعَاهُ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ. وَقَالَ مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ: كَانَ حُمَيْدٌ الطَّوِيْلُ قَائِمًا يُصَلِّي، فَمَاتَ، مَاتَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ)، 

عَنْ أَنَسٍ (مَعرُوفٌ هُوَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَادِمِهِ، هو الصحابي الجليل أَنَسُ بنُ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ من بني عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ الأَنْصَارِيُّ. الإِمَامُ، المُفْتِي، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، رَاوِيَةُ الإِسْلاَمِ، أَبُو حَمْزَةَ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، خَادِمُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَتِلْمِيذُهُ، وَآخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتًا في البصرة، وَأُمُّهُ أُمُّ سُلَيمٍ بِنتُ مَلْحَانٍ، رَوَى عَنِ: النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا جَمًّا، وَعَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وغيرهم. وَعَنْهُ: خَلْقٌ عَظِيمٌ، مِنْهُمُ: الحَسَنُ البصري، وَابْنُ سِيْرِيْنَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُوْلٌ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ المُنْكَدِرِ.

وَقَدْ سَرَدَ بعضُ الحفاظِ نَحْوَ مائَتَيْ نَفْسٍ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَسٍ.

وَكَانَ أَنَسٌ يَقُوْلُ: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِيْنَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ.

فَصَحِبَ أَنَسٌ نَبِيَّهُ ﷺ أَتَمَّ الصُّحْبَةِ، وَلاَزَمَهُ أَكْمَلَ المُلاَزَمَةِ مُنْذُ هَاجَرَ، وَإِلَى أَنْ مَاتَ، وَغَزَا مَعَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حَمْزَةَ بِبَقْلَةٍ اجْتَنَيْتُهَا. 

(اسْمُ حَمزَةَ عَرَبِيٌّ وَيَعنِي الأَسَدُ، وَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ شَخْصِيٍّ مُذَكَّرٌ وَلَهُ انْتِشَارٌ فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، وَيَعْنِي الأَسَد لِشِدَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ، وَيُشِيرُ أَيضًا إِلَى الرَّجُلِ الشَّدِيدِ الحَازِمِ فِي أَمْرِهِ وَاشتُقَّ مِنَ الحَمْزِ وَهِيَ الحِرَافَةُ فِي الطَّعمِ أَيِ اللَّذْعُ وَالشَّيءُ الحَامِضُ الَّذِي يَلذَعُ اللِّسَانَ). 

وَقَالَ: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، فَأَخَذَتْ أُمِّي بِيَدِي، فَانْطَلَقَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلاَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلاَّ وَقَدْ أَتْحَفَكَ بِتُحْفَةٍ، وَإِنِّي لاَ أَقْدِرُ عَلَى مَا أُتْحِفُكَ بِهِ إِلَّا ابْنِي هَذَا، فَخُذْهُ، فَلْيَخْدُمْكَ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، فَمَا ضَرَبَنِي، وَلاَ سَبَّنِي، وَلاَ عَبَسَ فِي وَجْهِي.

 وفي رواية قال أنس: جَاءتْ بِي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، قَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللهَ لَهُ. فَقَالَ: ((اللهم أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ)) فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيْرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي يَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ مائَةٍ اليَوْمَ.

 قَالَ أَنَسٌ: مَا شَمِمْتُ شَيْئًا عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا قَطُّ، وَلَا شَيْئًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ، دِيبَاجًا، وَلَا حَرِيرًا، أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ ثَابِتٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ: أَلَسْتَ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَأَنَّكَ تَسْمَعُ إِلَى نَغَمَتِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَقُولَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ.

قَالَ: خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا غُلَامٌ لَيْسَ كُلُّ أَمْرِي كَمَا يَشْتَهِي صَاحِبِي أَنْ يَكُونَ فمَا قَالَ لِي فِيهَا: أُفٍّ، وَمَا قَالَ لِي: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا، أَوْ أَلَا فَعَلْتَ هَذَا.

وَفِي مُسلِمٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي. فَقَالَ: ((قُومُوا فَلأِصَلِّيَ بِكُمْ)) فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاَةٍ فَصَلَّى بِنَا. فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ. ثُمَّ دَعَا لَنَا، أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللهِ خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ. ادْعُ اللهَ لَهُ. قَالَ فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ. وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ))، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيْهَا رَيْحَانٌ يَجِيْءُ مِنْهُ رِيحُ المِسْكِ.

وحدَّثَتْني ابنَتي أُمَينةُ أنهُ دُفِنَ لِصُلْبي مَقْدَمَ الحَجّاجِ البَصرةَ بِضعٌ وعِشرونَ ومائة”.

قال النووي: “هَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهُ ﷺ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ وَفِيهِ فَضَائِلُ لِأَنَسٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يُفَضِّلُ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ،

وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْفَقِيرِ أَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ هَذَا قَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِيهِ وَمَتَى بُورِكَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِتْنَةٌ وَلَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ وَلَا تَقْصِيرٌ فِي حَقٍّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تَتَطَرَّقُ إِلَى سَائِرِ الْأَغْنِيَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ،

وَقَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: “قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشبَهَ بِصَلَاةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ؛ يَعْنِي: أَنسًا”. 

وَقَالَ أَنَسُ بنُ سِيْرِيْنَ: “كَانَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَحسَنَ النَّاسِ صَلَاةً فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ”.

 قال ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: “جَاءَ قَيِّمُ أَرْضِ أَنَسٍ، فَقَالَ: عَطِشَتْ أَرَضُكَ. فَتَرَدَّى أَنَسٌ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ صَلَّى، وَدَعَا، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ، وَغَشِيتْ أَرْضَهُ، وَمَطَرَتْ، حَتَّى مَلَأَتْ صِهْرِيْجَهُ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَهْلهِ، فَقَالَ: انْظُرْ أَيْنَ بَلَغَتْ؟ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَعْدُ أَرْضَهُ إِلَّا يَسِيْراً”. 

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخُصُّهُ بِبَعْضِ العِلْمِ.

مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ. فَيَكُوْنُ عُمُرُهُ عَلَى هَذَا: مائَةً وَثَلاَثَ سِنِيْنَ. (مُسْنَدُهُ): أَلْفَانِ وَمائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُوْنَ. اتَّفَقَ لَهُ: البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى مائَةٍ وَثَمَانِيْنَ حَدِيْثًا. وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِثَمَانِيْنَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ: بِتِسْعِيْنَ. وَقَالَ ابنُ عَلَّان: “تُوُفِّيَ عَلَى نَحوِ فَرْسَخٍ وَنِصْفٍ مِنَ البَصرَةِ فِي مَوضِعٍ يُعرَفُ بِقَصرِ أَنَسٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ”. 

وَلَمَّا مَاتَ قَالَ مُوَرِّقٌ العِجلِيُّ: “ذَهَبَ اليَومَ نِصفُ العِلمِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهلَ الأَهوَاءِ كَانُوا إِذَا خَالَفُونَا فِي الحَدِيثِ نَقُولُ لَهُمْ تَعَالَوا إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ”.

قَالَ المُثَنَّى بنُ سَعِيْدٍ: “سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُوْلُ: مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلاَّ وَأَنَا أَرَى فِيْهَا حَبِيبِي – يَعنِي النَّبِيَّ ﷺ – ثُمَّ يَبْكِي”.

وَكَانَ يُعَظِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَيَتَبَرَّكُ بِآثَارِهِ وَيَحمِلُ مَعَهُ شَيئًا مِنْ شَعَرِهِ الشَّرِيفِ يُبَرِّكُ النَّاسَ بِهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ. 

وَهُوَ عَلَى فِراشِ مَوْتِهِ، أَوْصَى تِلْمِيذَهُ ثابِتًا البُنانِيّ وَثابِتٌ البُنانِيّ مِنْ خِيرَةِ التّابِعِينَ الذينَ لَقُوا الصّحابَة وَلَمْ يَلْقَوْا رَسولِ اللهِ ﷺ، أَوْصَاهُ أَنْ يَجْعَلَ معه بَعْدَ مَوْتِهِ شَعَرَةً مِنْ شَعَراتِ رَسولِ الله ﷺ، وَعَصًا صَغِيرًا كانَ رَسولِ الله ﷺ، أَحْيانًا يَحْمِلُها بِيَدِهِ يَنْفتُ الأَرْضَ بِها. يَعْنِى أَحْيانًا يَخُطُّ فِى الأَرْضِ خُطُوطًا ﷺ، بَهذه العَصا. فَأَوْصَى أَنَس بْنُ مالِك أَنْ تُجْعَلَ شَعَرَةُ رَسولِ الله ﷺ معه، تُدْفَن مَعَهُ فِى قَبْرِهِ وَأَنْ تُجْعَلَ هذه العَصا التي كانَ يَمَسُّها ﷺ بِيَدِهِ فِى حَنُوطِهِ، يَعْنِى فِى كَفَنِهِ، يَعْنِى أَنْ تُدْفَن مَعَهُ. هذا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَنَسَ الذي خَدَمَ الرّسُولَ ﷺ، هذه المدّة، لَمْ يَعْتَبِر نَفْسَهُ، مَعَ كَثْرَةِ مُخالَطَتِهِ للرَّسُول وَمُماسَّتِهِ لَهُ، لَمْ يَعْتَبِر نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ التَّبَرُّك بآثارِ رَسُولِ الله ﷺ، حَتّى بَعْدَ وَفاتِهِ!  فَطَلَبَ ذلِكَ مِنْ تِلْمِيذِهِ لِتَكُونَ سَبَبًا لِتَيْسِيرِ الشّهادَتَيْنِ عِنْدَ سُؤالِ الْمَلَكْينِ فِى القَبر. رَجَا بَرَكَتَها فِى قَبرِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْه. وَهذه سُنَّةُ الصَّحابَة رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِم فِى التَّبَرُّكِ بِآثارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. 

كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ حُبًّا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَشَدِّهِمِ الْتِمَاسًا وَتَتبُّعًا لِآثَارِهِ. 

وَفِي هَذَا الحَديثِ يُخبِرُ مُحمَّدُ بنُ سِيرِينَ أحدُ التَّابعينَ عن أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبِيدةَ -وهو ابنُ عمْرٍو السَّلْمانيُّ، مِن كِبارِ التَّابعينَ-: عِندَنا بعضٌ مِن شَعرِ النبيِّ ﷺ في حَوزَتِنا حَصَلْنا عليه، أعطاهُ لنا أنَسُ بنُ مَالِكٍ خادِمُ النبيِّ ﷺ، أو أعطاهُ لنا أهلُه، وكأنَّه يقولُ: إنَّهم يَتبرَّكون بهذا الشَّعرِ وله مَكانَةٌ في نُفوسِهم، وكان أنَسُ بنُ مَالِكٍ ابنَ زَوجةِ أبي طَلْحةَ، وهي أُمُّ سُلَيمٍ، وقد حَصَل أبو طَلْحةَ على بَعضٍ مِن شَعرِ النبيِّ ﷺ حينَ حُلِقَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وبَقِيَ إلى أنْ تَوارَثَه وَرَثَتُه ومَوالِيه وكان سِيرينُ والدُ مُحمَّدٍ مَولًى لأنسِ بنِ مالكٍ، فحَظِيَ ببَعض ِهذا الشَّعرِ. فقال عَبِيدَةُ لابنِ سِيرِينَ: «لَأَنْ تكونَ عِندِي شَعرَةٌ مِنه أحبُّ إلَيَّ مِن الدُّنيا وما فيها»، لَأَنْ يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ شَعْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ. 

فتَمنَّى عَبِيدَةُ أنْ تكونَ عِندَه شَعرَةٌ واحدةٌ مِن شَعَرِ النبيِّ ﷺ، وهذا يَدُلُّ على شَرَفِه ومَكانَتِه عندَهم، حتَّى إنَّ قِيمَتَه عندَهم أغلَى مِن الدُّنيا وَمَا فِيهَا، وَهَذَا مِنْ شِدَّةِ حُبِّهم لِلنبيِّ الكريمِ ﷺ. وقدْ ثبَتَ أنَّ بعضَ الصَّحابَةِ كان يَأخُذُ مِن عَرَقِ النبيِّ ﷺ ويَجعَلُه في طِيبِه، وآخَرَ يَلتمِسُ أثرَ أصابِعِ النبيِّ ﷺ في الطَّعامِ؛ ليَأكُلَ مِن مَكانِه منه، وثالِثًا يَشْرَبُ مِن سُؤْرِه وبَقايا شَرابِه، هذا بالإضافةِ إلى تَتبُّعِهم السُّنَنَ والهَدْيَ النَّبوِيَّ؛ حبًّا للنبيِّ ﷺ وتبرُّكًا بآثارِه الشَّريفةِ.

أَنَسُ هُوَ آخِرُ مَن ماتَ مِنَ الصَّحابَة رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِم فِى البَصْرَةِ. أَمّا آخِرُ الصَّحابَةِ مَوْتًا عَلَى الإِطْلاق فَصَحابِيٌّ آخَر. عَمَّرَ أَكْثَرَ مِمّا عَمَّرَ أَنَس، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ أَنَس. هو أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، صحابي. كان أبو الطفيل سيدًا من سادات قومه وأشرافهم رجلًا فاضلًا عاقلًا حاضر الجواب فصيحًا شاعرًا محسنًا. وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ مُحَمَّدًا من الصحابة وفاة) قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ (أَي خَرَجَ عَلَى أَصحَابِهِ يُرِيدُ إِخبَارَ النَّاسِ بِلَيلَةِ القَدرِ عَلَى التَّعيِينِ)، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ (أَيِ اختَصَمَا) مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَمَا أَدْعُو؟ فَقَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَأَهَّبُونَ لَهَا، فَكَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ حُلَّةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرْجَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَكَانَ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ يَغْتَسِلانِ وَيَتَطَيَّبَانِ وَيَلْبَسَانِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمَا وَيُطَيِّبَانِ مَسَاجِدَهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. فاجْتَهِدُوا فِي الطَّلَبِ فَرُبَّ مُجْتَهِدٍ أَصَابَ)، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ (أَي نُسِّيتُهَا)، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ (لِأَنَّهُ يَكُونُ أَدعَى فِي المُجَاهَدَةِ وَالزِّيَادَةِ فِي الطَّاعَاتِ فِي كُلِّ لَيلَةٍ لِإِدرَاكِ لَيلَةِ القَدرِ)، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ».

سُؤَالٌ فِقهِيٌّ

مَا حُكمُ مَن بَدَأَ فِي قَضَاءِ الفَائِتَةِ وَتَبَيَّنَ لَهُ ضِيقُ الوَقتِ عَنِ الحَاضِرَةِ؟

شَخصٌ شَرَعَ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ الفَائِتَةِ وَهُوَ يَظُنُّ اتِّسَاعَ الوَقتِ لِلحَاضِرَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ ضِيقُ الوَقتِ عَنِ الحَاضِرَةِ، وَجَبَ عَلَيهِ قَطعُ الفَائِتَةِ وَالشُّرُوعُ فِي الحَاضِرَةِ، أَمَّا إِن شَرَعَ فِي الحَاضِرَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ الفَائِتَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَن يَقطَعَ الحَاضِرَةَ وَلَو كَانَ الوَقتُ وَاسِعًا.

مِثَالٌ لِلتَّوضِيحِ:

إِذَا كَانَ الشَّخصُ يُصَلِّي صَلَاةَ العَصرِ الَّتِي فَاتَتهُ مُعتَقِدًا أَنَّ هُنَاكَ وَقتًا كَافِيًا لِصَلَاةِ المَغرِبِ، ثُمَّ خِلَالَ أَدَاءِ صَلَاةِ العَصرِ، أَدرَكَ أَنَّ وَقتَ المَغرِبِ قَد قَارَبَ عَلَى الِانتِهَاءِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَقطَعَ صَلَاةَ العَصرِ وَيَبدَأَ فِي صَلَاةِ المَغرِبِ، أَمَّا إِذَا كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ المَغرِبِ فِي وَقتِهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَم يُصَلِّ العَصرَ فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يُكمِلَ صَلَاةَ المَغرِبِ ثُمَّ يُصَلِّي العَصرَ بَعدَ ذَلِكَ.

دُعَاءٌ لِإِذهَابِ الهَمِّ وَالحَزَنِ يُذكَرُ بَعدَ ذِكرِ أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى

اللهم إِنِّي عَبدُكَ وَابنُ عَبدِكَ وَابنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكمُكَ، عَدلٌ فِي قَضَائِكَ، أَسأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيتَ بِهِ نَفسَكَ، أَو عَلَّمتَهُ أَحَدًا مِن خَلقِكَ، أَو أَنزَلتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ استَأثَرتَ بِهِ فِي عِلمِ الغَيبِ عِندَكَ، أَن تَجعَلَ القُرءَانَ رَبِيعَ قَلبِي، وَنُورَ صَدرِي، وَجَلَاءَ حُزنِي، وَذَهَابَ هَمِّي.

مَعنَى (نَاصِيَتِي بِيَدِكَ): أَي تَتَصَرَّفُ فِيَّ كَمَا تَشَاءُ، فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوَارِحِ وَالأَعضَاءِ.

الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ

اللهم يَا مُنزِلَ الكِتَابِ يَا سَرِيعَ الحِسَابِ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ إِنَّا نَسأَلُكَ أَن تُزَوِّدَنَا التَّقَوَى وَتَرفَعَنَا دَرَجَاتٍ وَتَجعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ لَا خَوفٌ عَلَيهِم ولَا هُم يَحزَنُونَ وَتُنَوِّرَ قُلُوبَنا بِالعِلمِ وَاليَقِينِ وَالهُدَى وَالتُّقَى وَصَلَاحِ الحَالِ وَتَحفَظَنَا مِن كُلِّ شَرٍّ وَسُوءٍ وَتَرفَعَ عَنَّا وَعَن أَهلِينَا وَأَحبَابِنَا كُلَّ بَلَاءٍ وَتُعَافِيَنَا مِن كُلِّ دَاءٍ. 

اللهم اجعَلنَا مِن جُندِكَ فَإنَّ جُندَكَ هُمُ الغَالِبُونَ، وَاجعَلنَا مِن حِزبِكَ فَإنَّ حِزبَكَ هُمُ المُفلِحُونَ، وَاجعَلنَا مِن أَولِيَائِكَ فَإنَّ أَولِيَاءَكَ لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ، اللهم أَصلِح لَنا دِينَنَا فَإنَّهُ عِصمَةُ أمرِنَا، وَأصلِح لَنا ءاخِرَتَنا فَإِنَّها دَارُ مَقَرِّنَا، وَاجعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لنَا فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجعَل المَوتَ رَاحَةً لَنَا مِن كُلِّ شَرٍّ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.

اللهم اشفِنَا وَاشفِ مَرضَانَا، اللهم اجمَع لَنَا بَينَ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اللهم وَفِّقنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرضَاهُ، اللهم آتِ نُفُوسَنَا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا اللهم أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ وَمُحَارَبَتَهُ، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ وَالبُخلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن غَلَبَةِ الدَّينِ وَقَهرِ الرِّجَالِ، اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، 

اللهم الطُف بِالمُسلِمِينَ وَانصُرهُم يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم عَلَيكَ بِأَعدَاءِ الدِّينِ.

رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

 اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. 

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….