بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
سورة القصص (83)
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا
رواه أبو داود
كَانَ نَافِعٌ مَوْلَى عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ يَقُولُ: كُنْتُ أَسْمَعُ ابنَ عُمَرَ كَثِيرًا يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الذِي فِي وَجْهِهِ عَلَامَةٌ مِنْ وَلدِ عُمَرَ يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا.
هُوَ مَنْ شَغَلَهُ آجِلُ العَيْشِ عَنْ عَاجِلِهِ، وَأَلْهَاهُ إِقَامَةُ العَدْلِ عَنْ عَاذِلِهِ، مَنْ كَانَ لِلْرَعِيَّةِ أَمْنًا وَأَمَانًا، وَعَلَى مَنْ خَالَفَهُ حُجَّةً وَبُرْهَانًا، إِنَّهُ أَحَدُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، الرَّجُلُ الصَّالِحُ المُجْتَهِدُ المُجَدِّدُ الزَّاهِدُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
نسبه رضي الله عنه
هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ بنِ العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبدِ شَمْسٍ، وَأُمُّهُ لَيْلَى أُمُّ عَاصِمٍ بِنْتُ عَاصِمٍ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ.
يَرْوِي الآجُرِيُّ وَغَيرُهُ أَنَّ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ كَانَ فِي لَيْلَةٍ يَتَفَقَّدُ الرَّعِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، فَتَعِبَ وَاتَّكَأَ عَلَى جَانِبِ جِدَارٍ فِي جَوفِ اللَّيْلِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَقُولُ لِابْنَتِهَا: يَا بِنْتَاهُ قُومِي إِلَى ذَلِكَ اللَّبَنِ فَامْذُقِيهِ (اخلِطِيهِ) بِالْمَاءِ، فَقَالَت لَهَا: يَا أُمَّتَاهُ أَوَ مَا عَلِمْتِ أنَّ عُمَرَ أَمَرَ مُنَاديا فَنَادَى أَنْ لَا يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ، فَقَالَتْ لَهَا: يَا بِنْتَاهُ قُومِي إِلَى اللَّبَنِ فَامْذُقِيهِ بِالْمَاءِ، فَإنَّكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَرَاكِ عُمَرُ وَلَا مُنَادِي عُمَرَ، فَقَالَت الصَّبِيَةُ إِنْ كَانَ عُمَرُ لَا يَرَانَا فَإِنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرَانَا، فَزَوَّجَ عُمَرُ ابْنَهُ عَاصِمٍ مِنْ هَذِهِ الجَارِيَةِ، فَوَلَدَتْ لِعَاصِمٍ بِنْتا هِيَ لَيلَى بِنتُ عَاصِمٍ، وَوَلَدَتْ الِابْنَةُ لَيلَى عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ.
مولده ونشأته رضي الله عنه
وُلِدَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَقَدْ نَشَأَ رَضِي اللهُ عَنْهُ نَشْأَةً صَالِحَةً، فَقَدْ عُنِيَ أَبُوهُ بِتَرْبِيَتِهِ، فَكَتَبَ إِلَى صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ بِالمَدِينَةِ أَنْ يَتَعَاهَدُهُ وَيَرْعَاهُ، وَكَانَ صَالِحٌ يُلْزِمُهُ الصَّلَاةَ جَمَاعَةً، فَأَبْطَأَ يَوْمًا عَنْهَا، فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ، قَالَ: كَانَتْ مُرَجِّلَتِي تُسَكِّنُ شَعْرِي (أَيْ كَانَت تُسَرِّحُ شَعَرَهُ)، فَقَالَ: بَلَغَ بِكَ حُبُّكَ تَسْكِينَ شَعَرِكَ أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ عَبْدُ العَزِيزِ بِحَلْقِ شَعَرِهِ.
عمله رضي الله عنه
رَوَى الحَدِيثَ وَتَلَقَّى الفِقْهَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَعَبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
وَتَلَقَّى مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وَمُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ بنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُهُم.
فَعَلَى هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ الجَهَابِذَةِ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ تَخَرَّجَ عُمَرُ فِي عُلُومِ الدِّينِ، فَحَذِقَهَا وَصَارَ فِيهَا إِمَامًا ضَلِيعًا مُبَرَّزًا، حَتَى قِيلَ فِيهِ مُعَلِّمُ العُلَمَاءِ.
ولايته المدينة رضي الله عنه
فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ لِلْهِجَرَةِ وَلَّى الوَلِيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ الَمدِينَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ دَعَا عَشَرَةً مِنْ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ، عُرْوَةَ بنَ الزُبَيرِ، وَعَبدَ اللهِ بنَ عُتْبَةَ، وَأبَا بَكْرِ بنَ عَبدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبَا بَكْرِ بنَ سُلَيْمَانَ، وَسُلَيْمَانَ بنَ يَسَارٍ، والقَاسِمَ بنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بنَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللهِ بنَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَعَبدَ اللهِ بنَ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، وَخَارِجَةَ بنَ زَيدٍ، فَدَخَلُوا عَلَيهِ فَجَلَسُوا فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ لِأَمْرٍ تُؤجَرُونَ عَلَيهِ، وَتَكُونُونَ فِيهِ أَعْوَانًا عَلَى الحَقِ، مَا أُرِيدُ أَن أَقْطَعَ أَمْرًا إِلَّا بِرَأْيِكُمْ، أَو بِرَأْيِّ مَنْ حَضَرَ مِنْكُم، فِإن رَأَيْتُمْ أَحَدًا يَتَعَدَّى، أَوْ بَلَغَكُم عَن عَامِلٍ لِي مَظْلَمَةٌ، فأُحَرِّجُ باللهِ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ إِلَّا بَلَّغَنِي، فَاتَخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَئِمَةِ الأَعْلَامِ أَعْوَانًا عَلَى الحَقِ، يَجْعَلُ أَمْرَهُ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَلَا يُنْفِذُ حُكْمًا إِلَّا بِإطْلَاعِهِمْ عَلَيهِ، وَظَلَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى وِلَايَتِهِ المَدِينَةَ حَتَّى كَانَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، فَضُمَّتْ إِلَيهِ وِلَايَةُ مَكَّةَ، ثُمَّ عَزَلَهُ الوَلِيدُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، بِتَحْرِيضٍ مِنَ الحَجَّاجِ عَلَيهِ.
خلافته رضي الله عنه
لَمَّا كَانَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، بُويِعَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِالخِلَافَةِ، فَكَانَ رَجُلًا زَاهِدًا فِي مَنْصِبِ الخِلَافَةِ، مُتَوَاضِعًا للهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَخَذَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ النَّظَرَ فِي المَظَالِمِ فَرَدَّهَا، وَرَاعَى السُنَنَ العَادِلَةِ فَأَعَادَهَا، وَأَبْطَلَ المُكُوسَ (الضَّرَائِبَ) التِي كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ قَد أَخَذُوهَا مِنَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍ، وَرَدَّ الحَقَ إِلَى أَهْلِهِ، فَانْتَشَرَ الخَيرُ فِي أَقْطَارِ الدُّنْيَا، وَعَمَّ العَدْلُ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
حَتَّى إِنَّهُ يُرْوَى عَنْ مَالِكِ بنِ دِينَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا وُلِيَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الخِلَافَةَ قَالَتْ رُعَاةُ الشَّاةِ فِي ذُرْوَةِ الجَبَلِ: مَنْ هَذَا الخَلِيفَةُ الصَالِحُ الذِي قَدْ قَامَ عَلَى النَّاسِ؟، قِيلَ لَهُمْ وَمَا أَعْلَمَكُمْ بِذَلِكَ؟، قَالُوا: إِنَّا إِذَا قَامَ عَلَى النَّاسِ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ كُفَّتِ الذِئَابُ والأُسْدُ عَنْ شِيَاهِنَا.
عدله رضي الله عنه
مَا مَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتَّى جَعَلَ الرَجُلَ يَأْتِي بِالمَالِ العَظِيمِ فَيَقُولَ: اجْعَلُوا هَذَا حَيثُ تَرَونَ فِي الفُقَرَاءِ، فَمَا يَبْرَحُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَالِهِ لَا يَجِدُونَ أَحَدًا يَأْخُذُهُ، قَدِ اكتَفَى النَّاسُ فِي عَهْدِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًا قَصَدَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَكَانَ فَقِيرًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ جَاءَتْ بِيَ إِلَيْكَ الحَاجَةُ، وَانْتَهَتْ بِيَ الفَاقَةُ، وَاللهُ سَائِلُكَ عَنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَاهْتَزَّ عُمَرُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَقَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ، فَنَكَّسَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَأْسَهُ، وَأَرْسَلَ دُمُوعَهُ حَتَّى بَلَّتِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمائَةٍ، وَلِكُلِ وَاحِدَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ بِمِائَةٍ وَكَانَ عِنْدَهُ ثَمَانِ بَنَاتٍ.
خوفه رضي الله عنه من الله عز وجل
مَرِضَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيْزِ مَرَضَهُ الَّذِيْ مَاتَ فِيْهِ بِسَبِ شِدَّةِ خَوْفِهِ مِنَ اللهِ. فَقَدْ سُئِلَتْ فَاطِمَة بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ زَوْجَةُ عُمَرَ بْنِ عَبدِ الْعَزِيزِ عَن عِبَادَةِ عُمَرَ فَقَالَتْ وَاللهِ مَا كَانَ بِأَكْثَرِ النَّاسِ صَلَاةً وَلَا أَكْثَرِهم صِيَامًا وَلَكِن وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْوَفَ للهِ مِنْ عُمَرَ لَقَدْ كَانَ يَذْكُرُ اللهَ فِيْ فِرَاشِهِ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَ الْعُصْفُوْرِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ حَتَّى نَقُوْلَ لَيُصْبِحَنَّ النَّاسُ وَلَا خَليفَة لَهُم. وَقَرَأَ عمَرُ بنُ عبْدِ الْعَزِيزِ بِالنَّاسِ ذَاتَ لَيْلَةٍ {وَاللَّيْل إِذا يَغْشَىْ} فَلَمَّا بَلَغَ {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىْ} خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُنْفِذَهَا فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا بَلَغَهَا خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُنْفِذَهَا فَتَرَكَهَا وَقَرَأَ سُوْرَةً غَيْرَهَا.
بِدَعُهُ الحسنةُ رضي الله عنه
كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوّلَ مَنْ عَمَّرَ المِحْرَابَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَنَعَ مَسَبَّةَ الإِمَامِ عَلِيِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى المَنَابِرِ، إِذْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَأْمُرُونَ بِسَبِّ الإِمَامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَأَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ بَدَلَ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، [سورة النحل: 90].
وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِتَدْوِينِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ كَانَ النَّاسُ مُنْذُ بَدْءِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَعْتَمِدُونَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَلَى الحِفْظِ وَالاسْتِظْهَارِ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الغَزَوَاتُ وَاتَسَعَتِ الفُتُوحُ وَمَاتَ مِنْ حَفَظَةِ الحَدِيثِ مَنْ مَاتَ، وَتَفَرَّقَ بَاقِيهِمْ فِي البِلَادِ، قَلَّ الضَّبْطُ وَكَادَ يَلْتَبِسُ البَاطِلُ بِالحَقِّ، فَمَا كَانَ مِنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِتَدْوِينِ الحَدِيثِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الحَدِيثَ ابنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ، ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِينُ وَالتَّصْنِيفُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
إنكاره للبدع الضالة رضي الله عنه
كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَوْكَةً فِي حَلْقِ أَهْلِ البِدَعِ وَالفِرَقِ التِي شَذَّتْ عَنْ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَةِ وَالجَمَاعَةِ، كَالمُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ استَدَعَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ غَيْلَانَ بْنَ مَرْوَانَ الدِمَشْقِيَّ، الَّذِي كَانَ رَأْسًا مِنْ رُؤُوسِهِمْ، لَمَّا سَمِعَ بِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى مَذْهَبِ الاعْتِزَالِ، فَعَرَضَ عَلَيهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ هَذَا وَاسْتَتَابَهُ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ خَوفًا مِن أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَا عَلَيهِ عُمَرُ أَنْ يُذِيقَهُ اللهُ حَرَّ السَّيفِ إِنْ كَانَ كَاذِبَا، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ عَادَ وَتَكَلَّمَ فِي القَدَرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فِي زَمَنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَاءَ بِالإِمَامِ الأَوْزَاعِيِّ وَنَاظَرَهُ، وَقَالَ كَافِرٌ وَرَبِّ الكَعْبَةِ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، فَأَمَرَ بِهِ هِشَام فَقُطِعَتْ يَدَيهِ وَرِجْلَيهِ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَصُلِبَ، فَقَالَ حِينَ أُمِرَ بِهِ: أَدْرَكَتْنِي دَعْوَةُ العَبْدِ الصَالِحِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
وفاته رضي الله عنه
لَمَا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دَعَا أَوْلَادَهُ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِضْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، فَجَعَلَ يُصَعِّدُ بَصَرَهُ فِيهِم حَتَّى اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي نَظَرْتُ رَأيِيَ بَينَ أَنْ تَسْتَغْنُوا وَيَدْخُلَ أَبُوكُمُ النَّارَ (يَعنِي بِأَن يُدخِلَ عَلَيهِم مِن مَالِ المُسلِمِينَ مَا لَا يَستَحِقُّونَ)، وَبَينَ أَنْ تَفْتَقِرُوا وَيَدْخُلَ الجَنَةَ، فَكَانَ أَنْ تَفْتَقِرُوا وَأَدْخُلَ الجَنَةَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ تَسْتَغْنُوا وَأَدْخُلَ النَّارَ، قُومُوا يَا بَنِيَّ عَصَمَكُمُ الله وَرَزَقَكُمْ، قَالُوا فَمَا احْتَاجَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ عُمَرَ وَلَا اِفْتَقَرَ.
تُوفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ مِائَةٍ وَوَاحِدٍ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَينِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَمَاتَ وَهُوَ ابنُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فِي مَحَلَّةٍ يُقَالُ لَهَا دِير سَمْعَان بِمَدِينَةِ حِمْصَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- مَنَاقِبِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيْزِ لِابنِ الْجَوزِيِّ
- تَارِيْخِ الْخُلَفَاءِ للسُّيُوْطِيِّ
- حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِيْ نُعَيْمٍ