الهجرة إلى الحبشة

الهجرة إلى الحبشة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

لَمَّا ظَهَرَ وَانْتَشَرَ الإِسلَامُ بَينَ كَثِيرٍ مِن أَبنَاءِ القَبَائِلِ، وَاشْتَدَّ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ البَلَاءُ وَالتَّعذِيبُ مِن قِبَلِ المشرِكِينَ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: “تَفَرَّقُوا فِي الأَرْضِ فَسَيَجْمَعُكُمُ اللهُ“، قَالُوا: إِلَى أَينَ نَذْهَبُ؟ قَالَ: “هَاجِرُوا إِلَى أَرْضِ الحَبَشةِ، فإنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَم عِندَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعلَ اللهُ لَكُم فَرَجًا“، فَهَاجَرُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ فِرَارًا بِدِينِهِم، وَهِيَ أَوَّلُ هِجْرةٍ لِلمُسلِمِينَ، فَمِنهُم مَن هَاجَرَ بِأَهْلِهِ وَمِنهُم مَن هَاجَرَ بنَفْسِهِ.

من هو النجاشي

النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الحَبَشَةِ وَاسمُهُ أَصْحَمَةُ بنُ أَبجَرَ، وَالنَّجَاشِيُّ لَقَبٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، كَلَقَبِ قَيصَرَ لِمَن مَلَكَ الرُّومَ، وَكِسرَى لِمَن مَلَكَ الفُرسَ، وَخَاقَانَ لِمَن مَلَكَ التُّركَ، وَفِرعَونَ لِمَن مَلَكَ مِصرَ، وَتُبَّعٍ لِمَن مَلَكَ اليَمَنَ، وَبَطْلِيمُوسَ لِمَن مَلَكَ اليُونَانَ، وَمَالَخٍ لِمَن مَلَكَ اليَهُودَ، وَنُمرُودَ لِمَن مَلَكَ الصَّابِئَةَ، وَفَغْفُورَ لِمَن مَلَكَ الهِنْدَ أَوِ الصِّينَ، وَجَالُوتَ لِمَن مَلَكَ البَرْبَرَ.

الهجرة الأولى

كَانَت هِجرَةُ المُسلِمِينَ الأُولَى إِلَى الحَبَشَةِ فِي شَهرِ رَجَبٍ الحَرامِ بَعدَ خَمسِ سِنِينَ مِنَ البِعثَةِ، وَكَانَ عَدَدُ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَقتَئِذٍ سَبعَةَ عَشَرَ، خَمْسٌ مِنَ النِّسَاءِ، وَاثْنَا عَشَرَ مِنَ الرِّجَالِ، هَاجَرَ الصَّحَابَةُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم فِرَارًا بِدِينِهِم بَعدَ أَن قَهَرَهُم قَومُهُم وَعَادَوهُم وَأَرَادُوا مِنهُمُ الرُّجُوعَ إِلَى الشِّركِ وَالأَخلَاقِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَرَكُوهَا بِالإِسلَامِ.

وَكَانَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعْ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنتِ النَّبِيِّ ﷺ أَسْبَقَهُمْ لِلْخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إِلَى الحَبَشَةِ بِالهِجْرَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَتَبِعَهُمَا بَعدَ ذَلِكَ قَومٌ مِنهُم مَن هَاجَرَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ، وَالزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ وَعَبدُ الرَّحمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَحَاطِبُ بنُ عَمرٍو العَامِرِيُّ، وَعُثمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمَنصُورُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخُو مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ، وَأَبُو عُمَيرٍ هُوَ هَاشِمُ بنُ عَبدِ مَنافِ بنِ عَبدِ الدَّارِ، وَكَانَ مَنصُورٌ يُعرَفُ بِأَبِي الرُّومِ العَبْدَرِيِّ.

وَأَمَّا أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الأَسَدِ المَخزُومِيُّ فَقَد هَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمةَ هِندَ بِنتِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ وَاسمُهُ مِهْشَمٌ أَو هُشَيمٌ أَو هَاشِمُ بنُ أَبِي هَاشِمٍ عُتْبَةُ وَزَوْجَتُهُ سَهلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ بنِ عَمرٍو العَامِرِيَّةُ، وَقَد وَلَدَتْ لِأَبِي حُذَيفَةَ بِالحَبَشَةِ مُحَمَّدًا.

وَهَاجَرَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بنِ كَعبٍ العَنزِيُّ المَذْحِجِيُّ الحَلِيفُ لِآلِ الخَطَّابِ بنِ نُفَيلٍ في الجَاهِلِيَّةِ، وَقَد تَبَنَّاهُ الخَطَّابُ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَصَارَ يُدعَى عَامِرَ بنَ الخَطَّابِ، وَهَاجَرَت مَعَهُ زَوْجَتُهُ لَيْلَى بِنتُ أَبِي حَثْمَةَ العَدَوِيَّةُ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ مَا إِنِ استَعَدَّ عَامِرٌ وَلَيلَى لِلهِجرَةِ إِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ حَتَّى جَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ بَعدُ لَم يُسْلِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُ الِانطِلَاقُ يَا أُمَّ عَبدِ اللهِ؟، فَقَالَتْ: نَعَم، وَاللهِ لَنَخرُجَنَّ فِي أَرضِ اللهِ، ءَاذَيتُمُونَا وَقَهَرتُمُونَا، حَتَّى يَجعَلَ اللهُ لَنَا مَخرَجًا، فَقَالَ: حَفِظَكُمُ اللهُ، قَالَتْ: وَرَأَيتُ لَهُ رِقَّةً لَم أَكُنْ أَرَاهَا، ثُمَّ انصَرَفَ وَقَد أَحْزَنَهُ فِيمَا أَرَى خُرُوجُنَا، فَلَمَّا جَاءَ عَامِرٌ قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، لَو رَأَيتَ عُمَرَ ءَانِفًا وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَينَا، قَالَ: فَتَطْمَعِي فِي إِسلَامِهِ؟، قَالَتْ: نَعَم، قَالَ: لَا يُسْلِمُ الَّذِي رَأَيتِ حَتَّى يُسْلِمَ جَمَلُ الخَطَّابِ، قَالَهَا يَائِسًا مِنهُ مِمَّا كَانَ يَرَى مِن غِلْظَتِهِ وَقَسْوَتِهِ عَلَى الإِسلَامِ، لَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يَهدِي مَن يَشَاءُ.

وَمِمَّن هَاجَرَ الهِجرَةَ الأُولَى أَيضًا أَبُو سَبْرَةَ بنُ أَبي رُهْمِ بنِ عَبدِ العُزَّى العَامِرِيُّ، ابنُ بَرَّةَ بِنتِ عَبدِ المُطَّلِبِ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَخُو أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الأَسَدِ لِأُمِّهِ، وَهَاجَرَت مَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنتُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو.

فَخَرَجَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الحَبَشَةِ خُفيَةً مُتَسَلِّلِينَ، حَتَّى أَتَوُا الشُّعَيبِيَّةَ مِنهُمُ الرَّاكِبُ وَمِنهُمُ المَاشِي، وَوَفَّقَ اللَّهُ لِلمُسلِمِينَ سَاعَةَ جَاءُوا سَفِينَتَينِ لِلتُّجَّارِ، فَحَمَلُوهُم فِيهِمَا بِنِصفِ دِينَارٍ، وَلَمَّا شَاعَ خَبَرُ هِجرَةِ بَعضِ المُسلِمِينَ إِلَى الحَبَشَةِ خَرَجَ بَعضُ مُشرِكِي قُرَيْشٍ فِي تَتَبُّعِ آثَارِهِم، حَتَّى جَاؤُوا إِلَى البَحرِ، إِلَّا أَنَّهُم لَم يَجِدُوا أَحَدًا مِنهُم وَلَمْ يَصِلُوا إِلَيهِم.

رجوع المسلمين من أرض الحبشة وسببه

وَصَلَ المُسلِمُونَ إِلَى الحَبَشَةِ، فَتَلَقَّاهُمُ النَّجَاشِيُّ بِالرَّحْبِ وَالإِكرَامِ، فَجَاوَرُوهُ بِالإِقَامَةِ هُنَاكَ عَلَى أَتَمِّ حَالٍ، وَعَبَدُوا اللهَ جَهْرًا وَهُم فِي أَمَانٍ، وَلَكِنَّهُم لَم يُطِيلُوا المُكثَ، بَل أَقَامُوا شَعبَانَ وَرَمَضَانَ مِنَ العَامِ نَفسِهِ، ثُمَّ أَتَوْا مَكَّةَ رَاجِعِينَ فِي شَهرِ شَوَّالٍ، وَكَانَ سَبَبُ رُجُوعِهِم أَنَّهُم لَقُوا فِي الحَبَشَةِ رَكْبًا مِن كِنَانَةَ كَافِرِينَ فَقَالُوا لِلرَّكْبِ: قِيلَ لَنَا كُفَّارُ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالَ لَهُم الرَّكبُ الكِنَانِيُّ: ذَكَر مُحَمَّدٌ ءَالِهَتَهُم بِخَيرٍ، فَتَابَعَهُ المَلَأُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُحَمَّدٌ عَنهَا فَعَادُوا لَهُ بِالشَّرِّ، وَكَلامُهُم هَذَا فِي النَّبِيِّ ﷺ بَاطِلٌ، بَل وَلَمْ يَكُنْ مَا زَعَمُوهُ مِن إِسلَامِ مُشرِكِي مَكَّةَ بِالأَمرِ الثَّابِتِ، بَل كَانَ مُخَالِفًا لِلوَاقِعِ.

التحذير من قصة الغرانيق المكذوبة

يَذكُرُونَ فِي هَذِهِ الفَترَةِ قِصَّةً مَكذُوبَةً وَهِيَ أَنَّهُم يَقُولُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقتَ هِجرَةِ أَصحَابِهِ لِلحَبَشَةِ كَانَ يَقرَأُ سُورَةَ النَّجمِ، فَقَرَأَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، يَقُولُونَ إِنَّ الشَّيطَانَ أَلقَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ كَلَامًا فِيهِ مَدحٌ لِلأَصنَامِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهُوَ قَولُهُم: وَتِلكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرتَجَى، (الغَرَانِيقُ هُنَا الأَصنَامُ)، فَسَجَدَ المُشرِكُونَ فَرَحًا بِزَعمِهِم لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَدَحَ أَصنَامَهُم، وَوَصَلَ الخَبَرُ لِلمُسلِمِينَ فِي الحَبَشَةِ أَنَّ قُرَيشًا أَسلَمُوا وَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُم سَجَدُوا لِسُجُودِهِ، وَرَجَعَ عَدَدٌ مِنهُم، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَحصُلُ مِن أَحَدٍ مِنَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَن يَكتُمَ شَيئًا أُمِرَ بِتَبلِيغِهِ، وَلَا أَن يُبَلِّغَ شَيئًا بِخِلَافِ مَا يُوحَى إِلَيهِ، وَلَا يُوحَى إِلَيهِ بِالكُفرِ وَمَدحِ الأَصنَامِ قَطعًا، فَذَلِكَ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّهِم، وَيَدخُلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن يَتلُوَ عَلَى النَّاسِ شَيئًا عَلَى أَنَّهُ مِن كِتَابِ اللهِ وَهُوَ لَيسَ كَذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ.

أَمَّا الصَّحِيحُ الثَّابِتُ عَنِ العُلَمَاءِ وَالَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقرَأُ سُورَةَ النَّجمِ، فَسَجَدَ المُشرِكُونَ مِن عَظَمَةِ القُرءَانِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَلَم يَثبُت أَنَّهُم سَجَدُوا لِأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ ذَكَرَ الأَصنَامَ بِالمَدحِ، فَسَبَبُ سُجُودِ المُشرِكِينَ هُوَ عَظَمَةُ القُرءَانِ وَفَصَاحَتُهُ وَبَلَاغَتُهُ.

الهجرة الثانية

لَمَّا قَدِمَ المُسلِمُونَ مَكَّةَ ظَهَرَ لَهُم أَنَّ خَبَرَ إِسلَامِ قُرَيشٍ كَانَ بَاطِلًا، فَاسْتَقْبَلَهُم كُفَّارُ قُرَيشٍ بِالأَذَى قَولًا وَفِعلًا وَبِالشِّدَّةِ عَلَيهِم، فَاستَأذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الخُرُوجِ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى الحَبَشَةِ، فَأَذِنَ لَهُم، فَكَانَت هِجرَتُهُمُ الثَّانِيَةُ أَعظَمَ مَشَقَّةً، فَقَالَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فهِجْرَتُنَا الأُولَى وَهَذِهِ الآخِرَةُ وَلَستَ مَعَنَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَنْتُم مُهاجِرُونَ إِلَى اللهِ تَعالَى وَإِلَيَّ، لَكُمْ هَاتَانِ الهِجْرَتَانِ جَمِيعًا“، قَالَ عُثمَانَ: فَحَسْبُنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَجَعَ المُستَضعَفُونَ مِنَ المُسلِمِينَ مَرَّةً أُخرَى، خَارِجِينَ مِن مَكَّةَ لِلْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الحَبَشَةِ فِرَارًا بِدِينِهِم.

وَكَانَ عَدَدُ المُهَاجِرِينَ فِي الهِجرَةِ الثَّانِيَةِ مِائَةً مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَدَدُ الرِّجَالِ مِنْهُمُ اثْنَانِ أَو ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ، فَقَدِمُوا الحَبَشَةَ وَنَزَلُوا عِنْدَ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ، فَآوَاهُمُ وَأَكرَمَهُم وَهُم عَلَى أَتَمِّ حَالٍ ءَامِنِينَ مِن أَذَى كُفَّارِ قُريشٍ، وَكَانَ عَلَى رَأسِهِم جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَفِيهِم مِنَ الرِّجَالِ: عُثمَانُ وَقُدَامَةُ وَعَبدُ اللهِ أَولَادُ مَظعُونٍ وَأَبُو مُوسَى الأَشعَرِيُّ وَعَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ وَأَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وَغَيرُهُم، وَمِنَ النِّسَاءِ: رَمْلةُ بِنتُ أَبِي عَوفٍ وَسَودَةُ بِنتُ زَمْعَةَ وَفُكَيهَةُ بِنتُ يَسَارٍ وَغَيرُهُنَّ.

قَالَ بَعضُ مَن هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضوَانُ اللهِ عَلَيهِم: لَمَّا نَزَلنَا أَرضَ الحَبَشَةِ جَاوَرنَا بِهَا خَيرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدنَا اللَّهَ تَعَالَى، لَا نُؤذَى وَلَا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيشًا ائتَمَرُوا بَينَهُم أَن يَبعَثُوا فِينَا رَجُلَينِ جَلدَينِ، وَأَن يُهدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُستَظرَفُ مِن مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَعجَبَ مَا يَأتِيهِ مِنهَا الأُدُمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا، وَلَم يَترُكُوا قَائِدًا مِن قَادَاتِهِ إِلَّا وَأَهدَوا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا عُمَارَةَ بنَ الوَلِيدِ وَعَمرَو بنَ العَاصِ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادفَعَا إِلَى كُلِّ قَائِدٍ هَدِيَّتَهُ قَبلَ أَن تُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ فِيهِم، ثُمَّ قَدِّمَا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ اسأَلَاهُ أَن يُسَلِّمَهُم إِلَيكُمَا قَبلَ أَن يُكَلِّمَهُم، وَقُولُوا إِنَّهُم جَاءُوا بِدِينٍ مُبتَدَعٍ، لَا نَعرِفُهُ نَحنُ وَلَا أَنتُم، وَقَد بَعَثَنَا إِلَى المَلِكِ فِيهِم أَشرَافُ قَومِهِم لِيَرُدَّهُم إِلَيهِم، فَقَالُوا: نَعَم، ثُمَّ إِنَّهُمَا لَمَّا دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَجَدَا لَهُ، وَقَدَّمَا لَهُ هَدَايَاهُمَا، فَقَبِلَهَا، ثُمَّ قَالَا لَهُ: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ نَفَرًا مِن بَنِي عَمِّنَا سُفَهَاءَ، فَارَقُوا دِينَ قَومِهِم، وَلم يَدخُلُوا فِي دِينِكُم، جَاءُوا بِدِينٍ ابتَدَعُوهُ، لَا نَعرِفُهُ نَحنُ وَلَا أَنتَ، وَقَد بَعَثَنَا إِلَيكَ فِيهِم أَشرَافُ قَومِهِم، مِن آبَائِهِم وَأَعمَامِهِم وَعَشَائِرِهِم، لِتَرُدَّهُم عَلَيهِم، فَهُم أَعلَى وَأَعلَمُ بِهِم عَينًا وَبِمَا عَابُوا عَلَيهِم وَبِمَا عَيَّبُوهُم فِيهِ، وَلَم يَكُن شَيءٌ أَبغَضَ إِلَى عَمرِو بنِ العَاصِ وَعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ مِن أَن يَسمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَ جَعفَرٍ وَأَصحَابَهُ، فَقَالَ قَادَتُهُ: صِدقًا أَيُّهَا المَلِكُ، قَومُهُم أَعلَى بِهِم عَينًا وَأَعلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيهِم، فَأَسلِمهُم إِلَيهِمَا فَليَرُدَّاهُم إِلَى بِلَادِهِم وَقَومِهِم، قَالَ: فَأَينَ هُم؟ قَالَا: فِي أَرضِكَ، فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ ثُمَّ قَالَ: لَا وَاللهِ، لَا أُسلِمُهُم إِلَيهِمَا، وَلَا يُكَادُ قَومٌ جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلَادِي وَاختَارُونِي عَلَى مَن سِوَايَ، حَتَّى أَدعُوَهُم فَأَسأَلَهُم عَمَّا يَقُولُ هَذَانِ مِن أَمرِهِم، فَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسلَمتُهُم إِلَيهِمَا وَرَدَّدتُهُم إِلَى قَومِهِم، وَإِن كَانُوا غَيرَ ذَلِكَ مَنَعتُهُم مِنهُم وَأَحسَنتُ جِوَارَهُم مَا جَاوَرُونِي، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُم، فَلَمَّا جَاءَهُم رَسُولُ المَلِكِ اجتَمَعُوا ثُمَّ قَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ مَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، كَانَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَقَالَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ: أَنَا خَطِيبُكُمُ اليَومَ، وَقَد دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا كُتُبَهُم حَولَهُ، فَدَخَلَ جَعفَرٌ وَتَبِعَهُ المُسلِمُونَ، فَسَلَّمَ، فَقَالُوا: مَالَكَ لَا تَسجُدُ لِلمَلِكِ؟، قَالَ جَعفَرٌ: إِنَّا لَا نَسجُدُ إِلَّا للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقتُم فِيهِ قَومَكُم، وَلَم تَدخُلُوا فِي دِينِي وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِن أَهلِ هَذِهِ المِلَلِ، فَقَالَ جَعفَرٌ: أَيُّهَا المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أَهلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعبُدُ الأَصنَامَ وَنَأكُلُ المَيتَةَ وَنَأتِي الفَوَاحِشَ وَنَقطَعُ الأَرحَامَ وَنُسِيءُ الجِوَارَ وَيَأكُلُ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَينَا رَسُولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَهُ وَصِدقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعبُدَهُ وَنَخلَعَ مَا كُنَّا نَعبُدُ نَحنُ وَآبَاؤُنَا مِن دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوثَانِ، وَأَمَرَنَا أَن نَعبُدَ اللَّهَ وَحدَهُ لَا نُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَعَدَّدَ عَلَيهِ أُمُورَ الإِسلَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَرَنَا بِصِدقِ الحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةَ الرَّحِمِ وَحُسنَ الجِوَارِ وَالكَفَّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ وَقَولِ الزُّورِ وَأَكلِ مَالِ اليَتِيمِ وَقَذفِ المُحصَنَاتِ، فَصَدَّقنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَبَدنَا اللَّهَ تَعَالَى وَحدَهُ وَلَم نُشرِك بِهِ شَيئًا، وَحَرَّمنَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَينَا، وَأَحلَلنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَينَا قَومُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَن دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوثَانِ مِن عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَن نَستَحِلَّ مَا كُنَّا نَستَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَينَا وَحَالُوا بَينَنَا وَبَينَ دِينِنَا، خَرَجنَا إِلَى بِلَادِكَ، وَاختَرنَاكَ عَلَى مَن سِوَاكَ، وَرَغِبنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَونَا أَلَّا نُظلَمَ عِندَكَ أَيُّهَا المَلِكُ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَل مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُم مِن شَيءٍ، فَقَالَ لَهُ جَعفَرٌ: نَعَم، قَالَ فَاقرَأهُ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيهِ صَدرًا مِن «كهيعص»، فَبَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخضَلَ لِحيَتَهُ، وَبَكَت أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخضَلُوا كُتُبَهُم حِينَ سَمِعُوا مَا يُتلَى عَلَيهِم، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيْسَى لَيَخرُجُ عَن مِشكَاةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ لِعَمرٍو: أَعَبِيدٌ هُم لَكُم؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَلَكُم عَلَيهِم دَينٌ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: انطَلِقَا، فَوَاللَّهِ لَا أُسلِمُهُم إِلَيكُمَا أَبَدًا، وَلَا يُكَادُونَ.

وَلَمَّا خَرَجَا مِن عِندِهِ قَالَ عَمرُو بنُ العَاصِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ عَنهُم غَدًا بِمَا أَستَأصِلُ بِهِ خَضرَاءَهُم (أَي لَا أَدَعُ لَهُم أَصلًا)، فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ لَا تَفعَل، فَإِنَّ لَهُم أَرحَامًا، وَإِن كَانُوا قَد خَالَفُونَا، قَالَ: وَاللَّهِ لَأُخبِرَنَّهُ أَنَّهُم يَزعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابنَ مَريَمَ عَبدٌ، ثُمَّ غَدَا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّهُم يَقُولُونَ فِي عِيسَى قَولًا عَظِيمًا، فَاسأَلهُم عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ، فَأَرسَلَ إِلَيهِم لِيَسأَلَهُم عَنهُ، فَاجتَمَعَ المُسلِمُونَ وَلَم يَنزِل بِهِم مِثلُهَا، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَريَمَ إِذَا سَأَلَكُم عَنهُ؟، فَقَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَقَالَ جَعفَرٌ: لَا يَتَكَلَّم أَحَدٌ، أَنَا خَطِيبُكُم، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجلِسِهِ، وَعَمرُو بنُ العَاصِ عَن يَمِينِهِ، وَعُمَارَةُ عَن شِمَالِهِ، وَالقِسِّيسُونَ جُلُوسٌ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعفَرٍ وَأَصحَابِهِ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَريَمَ؟، فَقَالَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهَ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، نَقُولُ هُوَ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ العَذرَاءِ البَتُولِ، فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ الأَرضَ، فَأَخَذَ مِنهَا عُودًا ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ مَا قُلتَ هَذَا العُودَ (أَي مَا اعتَدَى عَلَى عِيسَى بِكَلَامِهِ، إِنَّمَا قَالَ الحَقَّ)، ثُمَّ قَالَ: مَرحَبًا بِكُم وَبِمَن جِئتُم مِن عِندِهِ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي نَجِدُ فِي الإِنجِيلِ، وَأَنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابنُ مَريَمَ، انزِلُوا حَيثُ شِئتُم، وَاللَّهِ لَولَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ المُلكِ، لَأَتَيتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَحمِلُ نَعلَيهِ، وَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكِسوَةٍ، ثُمَّ قَالَ: اذهَبُوا فَأَنتُم آمِنُونَ، مَن سَبَّكُم غَرِمَ، مَن سَبَّكُم غَرِمَ، مَن سَبَّكُم غَرِمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي جَبَلًا مِن ذَهَبٍ وَأَنِّي آذَيتُ رَجُلًا مِنكُم، ثُمَّ قَالَ: رُدُّوا عَلَيهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَخَرَجَا مِن عِندِهِ مَقبُوحِينَ، مَردُودٌ عَلَيهِمَا مَا جَاءَا بِهِ.

وَأَقَامَ المُهَاجِرُونَ بِأَرضِ الحَبَشَةِ عِندَ النَّجَاشِيِّ فِي أَحسَنِ جِوَارٍ، وَتَعَجَّلَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا سَمِعَ المُسلِمُونَ بِمُهَاجَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، رَجَعَ مِنهُم ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثَمَانِي نِسوَةٍ، فَمَاتَ مِنهُم رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَشَهِدَ بَدرًا مِنهُم أَربَعَةٌ وَعِشرُونَ رَجُلًا.

مصير عمارة بن الوليد

رُوِيَ فِي مَصِيرِ عُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ، وَكَانَت قُرَيشٌ فِي بِدَايَةِ الأَمرِ قَد سَاوَمَت عَلَيهِ أَبَا طَالِبَ لِيَستَبدِلَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيَأخُذُوا النَّبِيَّ ﷺ وَيَقتُلُوهُ، فَكَانَ مَصِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قَد أَلقَى العَدَاوَةَ بَينَ عَمرٍو وَعُمَارَةَ فِي مَسِيرِهِمَا قَبلَ أَن يَقدَمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ عَمرًا كَانَ رَجُلًا دَمِيمًا وَمَعَهُ امرَأَتُهُ، وَكَانَ عُمَارَةُ رَجُلًا جَمِيلًا، فَهَوِيَ امرَأَةَ عَمرٍو وَهَوِيَتهُ، فَعَزَمَا عَلَى دَفعِ عَمرٍو فِي البَحرِ، فَدَفَعَ عُمَارَةُ عَمرًا فِي البَحرِ، فَسَبَحَ عَمرٌو وَنَادَى أَصحَابَ السَّفِينَةِ، فَأَخَذُوهُ فَرَفَعُوهُ إِلَى السَّفِينَةِ، فَأَضمَرَهَا عَمرٌو فِي نَفسِهِ وَلَم يُبدِهَا لِعُمَارَةَ، بَل قَالَ لِامرَأَتِهِ: قَبِّلِي ابنَ عَمِّكِ عُمَارَةَ لِتَطِيبَ بِذَلِكَ نَفسُهُ، فَلَمَّا أَتَيَا أَرضَ الحَبَشَةِ وَرَدَّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خَائِبَينِ، مَكَرَ عَمرٌو بِعُمَارَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنتَ امرُؤٌ جَمِيلٌ، وَهُنَّ النِّسَاءُ يُحبِبنَ الجَمَالَ، فَتَعَرَّض لِامرَأَةِ النَّجَاشِيِّ، فَلَعَلَّهَا أَن تَشفَعَ لَنَا عِندَ المَلِكِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِنَا، فَفَعَلَ عُمَارَةُ، وَتَكَرَّرَ تَرَدُّدُهُ إِلَى امرَأَةِ النَّجَاشِيِّ، وَأَخَذَ عِطرًا مِن عِطرِهَا، فَلَمَّا رَأَى عَمرٌو ذَلِكَ أَتَى المَلِكَ فَذَكَرَ لَهُ أَمرَ عُمَارَةَ، فَأَدرَكَتِ المَلِكَ عِزَّةُ المَلِكِ وَقَالَ: لَولَا أَنَّهُ جَارِي لَقَتَلتُهُ، وَلَكِن سَأَفعَلُ لَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنَ القَتلِ، فَدَعَا بِالسَّوَاحِرِ فَأَمَرَهُنَّ أَن يَسحَرنَهُ، فَنَفَخنَ فِي إِحلِيلِهِ نَفخَةً طَارَ مِنهَا هَائِمًا عَلَى وَجهِهِ، حَتَّى لَحِقَ بِالوُحُوشِ فِي الجِبَالِ، فَكَانَ إِذَا رَأَى آدَمِيًّا يَنفِرُ مِنهُ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ العَهدِ بِهِ إِلَى زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَجَاءَ ابنُ عَمِّهِ عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَاستَأذَنَهُ فِي المَسِيرِ إِلَيهِ لَعَلَّهُ يَجِدُهُ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَسَارَ عَبدُ اللهِ إِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ، فَأَكثَرَ البَحثَ عَنهُ حَتَّى أُخبِرَ أَنَّهُ فِي جَبَلِ كَذَا، يَرِدُ مَعَ الوُحُوشِ إِذَا وَرَدَت وَيَصدُرُ مَعَهَا إِذَا صَدَرَت، فَسَارَ إِلَيهِ، فَكَمَنَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى المَاءِ، فَإِذَا هُوَ قَد غَطَّاهُ شَعَرُهُ وَطَالَت أَظَافِرُهُ وَتَمَزَّقَت عَنهُ ثِيَابُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ شَيطَانٌ، فَقَبَضَ عَلَيهِ عَبدُ اللهِ، وَجَعَلَ يُذَكِّرُهُ بِالرَّحِمِ وَيَستَعطِفُهُ، وَهُوَ يَنتَفِضُ مِنهُ وَيَقُولُ: أَرسِلنِي يَا بُجَيرُ، أَرسِلنِي يَا بُجَيرُ، وَأَبَى عَبدُ اللهِ أَن يُرسِلَهُ، حَتَّى مَاتَ بَينَ يَدَيهِ.

الخاتمة

انظُرُوا كَيفَ أَنَّ أَصحَمَةَ النَّجَاشِيِّ لَم يَلتَقِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، بَل سَمِعَ مِن أَصحَابِهِ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ فَقَط، فَآمَنَ بِهِ وَصَارَ وَلِيًّا صَالِحًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ، بَل وَشَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّلَاحِ حِينَ قَالَ: “مَاتَ اليَومَ رَجُلٌ صَالِحٌ“، أَمَّا أَبُو طَالِبٍ فَقَد مَكَثَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحوًا مِن خَمسِينَ سَنَةً مِن عُمُرِهِ، وَكَانَ يَعلَمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَسَمِعَ تَبشِيرَ الأَحبَارِ وَالرُّهبَانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَأَسلَمَ أَولَادُهُ كَجَعفَرٍ وَعَلِيٍّ وَعَقِيلٍ، وَأُمُّهُم فَاطِمَةُ بِنتُ أَسَدٍ، وَلَم يُسلِم هُوَ، فَالمَهدِيُّ مَن هَدَاهُ اللهُ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. سُبُلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ لِلإِمَامِ الصَّالِحِيِّ.
  2. الرَّوضِ الأُنُفِ لِلإِمَامِ السُّهَيلِيِّ
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share