ظهور الفتن وانتشارها

ظهور الفتن وانتشارها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

يكثر الكلام عن الفتنة والفتن بين الناس وتكررت في القرءان الكريم كلمة الفتنة كثيرًا وكذا في الأحاديث الشريفة، فاحتِيجَ لِبيانِ المعنى اللغوي لكلمة الفتنة والاستعمالِ الشرعي لها فقد جاءت في القرءان الكريم بعدة معانٍ على حسب سياق الآيات ومعانيها.

تعريف الفتنة في اللغة

قال الأزهري وهو من أكابر اللغوين في كتاب تهذيب اللغة: مجموع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان وأصلُها مأخوذٌ مِن قولك: فتنتُ الفضةَ والذهبَ، أذبتهُما بالنار ليتميزَ الرديءُ مِن الجيِّد، ومن هذا قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي يُحرقون بالنار.

وقد لَـخَّص ابنُ الأعرابِيِّ معانيَ الفِتنةِ بقوله: الفتنةُ الاختبار، والفتنة المِحنَة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر والشرك، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار (لسان العرب لابن منظور).

معاني الفتنة في الكتاب والسنة

جاء ذكر الفتنة في القرءان الكريم فِي عدةِ مَواضعَ أشهرُها الآية المتداولة بين الناس وهي قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فهنا الفتنة على معنى أن الكفر والشرك أشدُّ من قتلِ النفس التي حرَّم الله لأن القتل هوَ أكبر ذنبٍ بعد الكفر بالله تعالى وليس المعنى أنَّ مَن يُحرِّشُ بينَ الناسِ ويعملُ الفِتَنَ ذَنبُهُ أشدُّ مِمَّن قَتَل نَفسًا، هذَا غَلَطٌ ومُخالِفٌ لِلنصُوصِ، وجاءَتِ بمعنى الابتلاء والاختبارِ كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، أي وهم لا يُبتَلُون، وجاءَت على معنى الإضلال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، فإنَّ معنَى الفتنةِ هنا الإضلال أي من يُردِ الله يُضِلُّهُ، لأنَّ الهِدايةَ والضَّلالَ بِخلقِ الله تعالى فَمَن يهدِ اللهُ فلا مُضلَ له ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وجاءت أيضًا على معنى تعذيب أهل الأخدود كما في سورة البروج مِن أنَّ قومًا حَرَّقُوا المؤمِنِينَ بالنَّار، وبهذا جاءت الآية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وهكذا في كثيرٍ من مواضع القرءان وردت كلمة الفتنة بمعانٍ مختلفة

خطورة الفتن

قال الله تعالى

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ

إنَّ التسويقَ للفِتنِ والترويجَ للفسادِ وزَرعَ القَلاقِلِ والنَّعَرَاتِ أمرٌ فِي غَايَةِ الخُطُورَةِ، لأنَّه قَد يَضِيعُ الحقُّ، ويَظهَر البَاطِلُ، ويَفشُو الجَهلُ، بَل وتُسفَكُ الدِّمَاءُ، وتُرَمَّلُ النساء، ويُيَتَّمُ الأطفالُ، ويَنتَشِر الخوفُ فِي العَالَمِين، وحينئذ تكون الفتنةُ أيضًا؛ لأنَّه بالقتلِ والفوضَى يُتَّهم هذا هذا ويُحَرَّض هذا على هذا والعَدُوُّ يَصطَادُ بالمَاءِ العَكِر بينَ هذا وهذا!. فكان النبي ﷺيستعيذ بالله مِن الفِتَنِ في الصلاة وغيرِ الصلاةِ. فالمالُ والأولادُ والرَّخاءُ والعَافِيةُ والغَضَبُ والمَصَائِبُ ونحوُها قد تَكُون فِتَنًا للمَرءِ لِيُبتَلَى أيَصبِرُ أم يَكفُرُ، واللهُ تعالى يعلَمُ الصابِرِينَ مِنَ الشاكرين ولكن لِيُبَيِّن للنَّاسِ من هُو أهلٌ للتقوَى ومَن هُو مُنافِقٌ يكفُر عندَ المصائب ويرتد عند النوازل ومن هو عابد لله في الرخاء والسراء وعند البلاء إلى أن يلقى الله تعالى.

وإنَّنَا اليومَ في مُعتَرَكِ فِتَنٍ عَظِيمَةٍ مِن هذِه، فِتَنٌ كِقِطَع الليلِ المُظلِمِ، يَتبَع بَعضُها بَعضًا، ويُنسِي بَعضُهَا بَعضًا، فَالمَال فِتنَةٌ هَلَك بِه كثيرٌ مِنَ النَّاس فِي هذهِ الأزمِنَةِ، والأولادُ فِتنَةٌ وكَم استَعصَى أمرُهُم عَلى مُعظَم أولِياءِ الأمُورِ، ومُخَالَطَةِ الأشرَارِ مِن المُنافِقِين فِتنَةٌ وكمِ امتَلَأت منهُم الديَارُ وعَظُمَت بِسَببهِم الأخطار، والنِّساءُ فتنَةٌ وكم جَلَبنَ من المصائِبِ على الكثِيرِينَ، وكم يَكِيدُ بِهِنَّ الأعداءُ لِإفسادِ مُجتَمَع المُسلمين، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله الهدى والسداد والصلاح في الحال والمآل.

التطرف من الفتن

قال رسول الله ﷺ

وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ

رواه الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ رضي الله عنهما

فلنتَّعِظْ بسببِ هلاكِ الأممِ الماضيةِ فإنّ السعيدَ من اتَّعَظَ بغيرِهِ، ولنَحذَرْ مِن الغلوّ أي مجاوزةِ الحدِّ في دينِ الله تعالى الذي يوصلُ إلى تكفيرِ المسلمينَ ومن ثَمَّ قتلِهم، وكذلك فلنحذرْ مِن التقصيرِ بحيث نَنزِلُ عن الحدِّ المجعولِ لنا في دينِنا الحنيف والذي يوصل إلى ما يعرفُ بالانحلالِ والبعدِ عن الدينِ، وقد مدح الله تعالى أمةَ المصطفى عليه الصلاةُ والسلامُ فقال:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي جَعَلَهُم اللهُ تعالى خِيارًا عُدولاً مُزكَّين بالعِلمِ والعَمَلِ، فالوسطُ من كلِّ شيءٍ أعدلُه، وعليه فالتطرفُ هو الجنوحُ فِكرًا وسُلوكًا إلى أقصى اليمين، أو أقصى طرفِ اليَسَارِ، أي إلى الإفراطِ أو التفريطِ، وكلاهما سببُهُمَا واحِدٌ وهوَ الجَهلُ في دينِ الله تعالى، وما أكثرَهُ في زَمَانِنَا، والتاريخُ يَشهَدُ على معاناةِ المجتمعاتِ الإسلامِيَّةِ عبرَ العصورِ من المتطرفينَ الغلاةِ وفتنتِهم، وهِيَ وعلى الرغم من تأرجُحِهَا بينَ مَدٍّ وجَزْرٍ، إلا أن أصحابَها كانوا – ولله الحمد – أقلَّ من القليل، وأذلَّ من الذليل، مَنبُوذِين مُلاحَقِينَ مَرفُوضِينَ مِن جُمهورِ الأُمةِ، الأمةِ التي مدحَها قائدُها عليه الصلاةُ والسلامُ بأنها لا تجتمعُ على ضلالة.

وها نحنُ في أيامِنا نرى أناسًا يعتنقونَ مذهبَ الخوارِجِ مِن جديدٍ، حيث كفَّروا المسلمينَ جملةً، رافعين قولَهم: “من دخلَ في دعوتِنا فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن لم يدخلْ فهو كافرٌ حلالُ الدمِ” شعارًا وقانونًا، فكفَّروا الحاكمَ والمحكومَ، بما يشملُ أولئك الذين يُردِّدون على المآذنِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها كلماتِ لا إله إلا الله، وهذا – وربِّ الكعبةِ – هو التطرفُ والغلوُّ بعينِه؛ وهذه هي الفتنةُ التي حذرنا منها رسولُ اللهِ ﷺ؛ حيث روى البخاريُّ عن الصحابيِّ الجليلِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:

قال رسول الله ﷺ

يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ ـ أي صغار السن ـ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ ـ أي العقول ـ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ

فلو نظرت إلى أحدِهِم لرأيتَه يقرأُ القرءانَ ويصلِّي ويصوم كثيرا ويقولُ لك قالَ اللهُ وقال رسولُ الله ﷺ، ولكنَه كذّابٌ منافق، فانتبِهْ واحذرْ أخي المسلم، وتسلّحْ بسلاحِ العلمِ الشرعيِّ عند أهلِه الثقات، فقد روى الطبراني عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ:

قال رسول الله ﷺ

سَتَكُونُ فِتَنٌ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا إِلَّا مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ

فاثبتوا على علم أهل السنة والجماعة وعلى منهاج المذاهب الأربعة.

هذا الفكرُ التكفيريُّ الظلاميُّ الفكرُ المُتطَرِّفُ فِكرُ الخَوَارِجِ يَبدَأُ رحلتَه هذه بالتكفيرِ ويُنهيها بالقتلِ والتفجير، فهو يعتقِدُ أن كلَّ من خالفهُ كافرٌ، وبالتالي فهو عندهم حلالُ الدمِ فيتجرؤُون على الاعتِدَاءِ على غيرِهم بالقتلِ بأي طريقةٍ كانَت، وهذا ما رأيناهُ في بلادِنا الحبيبةِ الأردن في الأيام الماضيةِ، حيث اعتدت تلك الثلّةُ من الظلَمةِ أصحابِ الفكرِ الظلامِي على مَن يَحمِي أمنَنَا ويُدافِعُ عنه، ساعين في ذلك إلى زرعِ الفتنةِ في مجتمعِنَا، ولكن خابوا وخسروا بإذنِ اللهِ تعالى، ولن يحصُدوا إلا السرابَ، ولن ينالوا إلا الخِزْيَ والعار.

فلنحذرْ جميعا من الفتنِ والانجرارِ إليها، ومن الشائعاتِ والترويجِ لها، ولنتذَكَّرْ أن بعضَ الناسِ في أيامِنا يصدُقُ عليهم قولُ اللهِ تعالى:

قال تعالى

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ

أعظم الفتن التي ينبغي الحذر منها

إنَّ أعظَمَ الفِتَنِ التي ينبغي أن نَحذَرَ ونُحَذِّرَ منها هي الكفرُ باللهِ تعالى، فَهذِهِ أعظَمُ فِتنَةٍ، فَلا صلاحَ لنا ولا قوَّةَ ما دمنا بعيدين عن دينِنا، فكيف إذا كان البعضُ ممن ينتسبون لهذا الدينِ يَسُبُّون اللهَ تعالى ودينَه والعياذُ بالله تعالى ثم بعضُهم يزعمُ أنه يدعو إلى الإصلاح؟!! فأكبرُ الذنوبِ هو الكفرُ بالله تعالى.

موقف المؤمن من الفتن

وموقفُ المؤمِنِ مِن الفِتَن الثبَاتُ على الحَقِّ والدُعاءُ، فكَم للدعاءِ من أثرٍ عظيمٍ فِي الثباتِ والنصرِ، والاستعاذةُ بالله تعالَى مِن الفِتن فِفي الحديث المتفق عليه: “وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المحيَا والممَات“، والعِبادَةُ وقتَ الفِتَنِ هي وَصِيَّةُ النبي ﷺ لأمتِهِ حيث قال “بادِرُوا بالأعمالِ الصالحةِ فتنًا كقِطعِ الليلِ المظْلِم، يصبحُ الرجلُ مؤمِنًا ويُمسِي كافِرا” رواه مسلم، وهذا الحديث كأننا نعيش في واقعِهِ، ألا تَرَى مِن الناس مَن يَبِيعُ الدينَ بشيءٍ مِنَ الدنيَا؟ وذلك لغلبَةِ الفِتَن وشدةِ الغَفلَةِ وكَثرَةِ الجَهلِ بِدِينِ اللهِ تَعَالَى، نسأل اللهَ العصمةَ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَر مِنهَا ومَا بَطن فإنه لاعاصمَ من الفتن إلا الله تعالى.