الزهد وحب الآخرة – قصة المرأة الصالحة بنت ملك من ملوك بني إسرائيل

الزهد وحب الآخرة - قصة المرأة الصالحة بنت ملك من ملوك بني إسرائيل

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقدمة عن الزهد وحب الآخرة

عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: «ازهَد فِي الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازهَد فِيمَا فِي أَيدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ»، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ.

الزُّهدُ لَهُ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الإِسلَامِ، فَهُوَ خُُلُقٌ عَظِيمٌ يَدعُو فِي المَقَامِ الأَوَّلِ إِلَى العَمَلِ لِلآخِرَةِ وَتَركِ الدُّنيَا الزَّائِلَةِ الفَانِيَةِ، فَإِنَّ الِانشِغَالَ فِي الدُّنيَا يُنسِي أَمرَ الآخِرَةِ وَالعَمَلَ لَهَا غَالِبًا، فَلَا بُدَّ لِلشَّخصِ مِن أَن يَترُكَ الغَفلَةَ وَالِانغِمَاسَ فِي الدُّنيَا، فَإِنَّ النِّهَايَةَ إِلَى الحُفرَةِ، وَالمَصِيرَ إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى نَارٍ، وَمَن لَم يَعمَل لِلجَنَّةِ وَلَم يَسلُك طَرِيقَهَا كَيفَ يَصِلُ إِلَيهَا، لِذَلِكَ حَثَّ الشَّرعُ الحَنِيفُ عَلَى الزُّهدِ وَرَغَّبَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، فَجَاءَت قِصَصُ الزَّاهِدِينَ مِن أَيَّامِ الرَّسُولِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَروَعَ الأَمثِلَةِ فِي الزُّهدِ وَتَركِ الدُّنيَا رَغبَةً فِي ثَوَابِ اللهِ، ثُمَّ مَن بَعدَهُم مِنَ الزَّاهِدِينَ إِلَى أَيَّامِنَا هَذِهِ، وَمِن هَذِهِ القِصَصِ مَا حَصَلَ مَعَ بِنتِ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ بَنِي إِسرَائِيلَ.

قصة المرأة الصالحة

امرَأَةٌ مِن بَنِى إِسرَائِيلَ ابنَةُ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ، كَانَت مُسلِمَةً عَابِدَةً صَالِحَةً، بَعدَ أَن تَقَدَّمَ لِخِطبَتِهَا رَجُلٌ مِن أَبنَاءِ المُلُوكِ وَأَبَت أَن تَتَزَوَّجَ بِهِ خَافَت عَلَى نَفسِهَا أَن تَنغَمِسَ فِي الدُّنيَا، وَأَحَبَّت أَن تَتَزَوَّجَ رَجُلًا صَالِحًا يُعِينُهَا عَلَى الآخِرَةِ، فَقَالَت لِجَارِيَةٍ لَهَا: اذهَبِي وَابحَثِي لِي عَن رَجُلٍ وَرِعٍ زَاهِدٍ نَاسِكٍ فَقِيرٍ.

فَانطَلَقَتِ الجَارِيَةُ تَبحَثُ لَهَا عَن هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَرَادَتهُ، فَوَجَدَت فَقِيرًا عَابِدًا وَرِعًا، فَأَخبَرَتهُ بِطَلَبِ سَيِّدَتِهَا وَجَاءَت بِهِ إِلَيها، فَقَالَت لَهُ: إِن شِئتَ أَن تَتَزَوَّجَ بِي ذَهَبتُ مَعَكَ إِلَى مَن يَعقِدُ نِكَاحِي عَلَيكَ، فَوَافَقَ وَعَقَدُوا النِّكَاحَ وَصَارَت زَوجَتَهُ، سُبحَانَ اللهِ، أَمِيرَةٌ خَافَت عَلَى نَفسِهَا مِنَ الدُّنيَا وَرَغِبَت فِي ثَوَابِ اللهِ، فَصَارَت تَبحَثُ عَن رَجُلٍ فَقِيرٍ لِتَتَزَوَّجَهُ وَيُعِينَهَا عَلَى أَمرِ ءَاخِرَتِهَا، وَرَجُلٌ فَقِيرٌ بِبَرَكَةِ زُهدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَقوَاهُ يُيَسِّرُ اللهُ لَهُ مَا يَشغَلُ فِكرَ كَثِيرٍ مِن شَبَابِ هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ الزِّوَاجُ بِدُونِ أَن يُفَكِّرَ وَيُتعِبَ نَفسَهُ، لِتَأتِيَ الأَمِيرَةُ ذَاتُ الجَاهِ وَالحَسَبِ وَالنَّسَبِ وَالجَمَالِ وَالمَالِ تَطلُبُهُ لِلزِّوَاجِ.

ثُمَّ قَالَتِ الأَمِيرَةُ لِزَوجِهَا: انطَلِق بِي إِلَى أَهلِكَ وَبَيتِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَملِكُ إِلَّا هَذَا الكِسَاءَ (الثَّوبَ) الَّذِي عَلَى ظَهرِي، هُوَ غِطَائِي فِي اللَّيلِ وَلِبَاسِي بِالنَّهَارِ، فَقَالَت: إِنِّي قَد رَضِيتُ بِكَ عَلَى ذَلِكَ.

وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَعمَلُ وَيَكسِبُ فِي النَّهَارِ، وَيَشتَرِي لَهَا فِي اللَّيلِ بِمَا تُفطِرُ عَلَيهِ، وَلَم تَكُن تُفطِرُ بِالنَّهَارِ، بَل تَصُومُ تَطَوُّعًا للهِ تَعَالَى، وَكَانَ إِذَا أَتَاهَا بِشَيءٍ أَفطَرَت عَلَيهِ وَحَمِدَتِ اللهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتَفَرَّغَت لِلعِبَادَةِ لَا تَنظُرُ إِلَى مَالِ أَبِيهَا وَلَا إِلَى مُلكِهِ وَسُلطَانِهِ.

وَلَّمَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ لَم يُفتَح عَلَيهِ بِشَيءٍ يَأتِيهَا بِهِ فَزِعَ مِن ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيهِ، وَقَالَ زَوجَتِي جَالِسَةٌ فِي بَيتِهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ تَنتَظِرُ أَن ءَاتِيَهَا بِشَيءٍ تُفطِرُ عَلَيهِ، وَحَزِنَ حُزنًا شَدِيدًا، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَدَعَا رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالَ: يَا رَبّ، إِنَّكَ تَعلَمُ أَنِّي مَا أَسأَلُكَ لِدُنيَايَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِرِضَا زَوجَةٍ صَالِحَةٍ، اللَّهُمَّ ارزُقنِي رِزقًا مِن لَدُنكَ فَإِنَّكَ خَيرُ الرَّازِقِينَ.

فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ نَزَلَت عَلَيهِ لُؤلُؤَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذَهَا وَذَهَبَ بِهَا إِلَى امرَأَتِهِ، فَلَمَّا نَظَرَت إِلَيهِ وَقَالَت لَهُ: مِن أَينَ أَتَيتَ بِهَذِهِ اللُّؤلُؤَةِ الَّتِي لَم أَرَ مِثلَهَا قَطُّ عِندَ أَهلِي، فَهِيَ بِنتُ المُلُوكِ وَتَعرِفُ الجَوَاهِرَ النَّفِيسَةَ، لَكِن هَذِهِ لَم تَرَ مِثلَ حُسنِهَا قَطُّ، فَقَالَ لَهَا: طَلَبتُ اليَومَ قُوتًا فَلَم يُفتَح لِي بِشَيءٍ، فَدَعَوتُ رَبِّي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَرَزَقَنِي هَذِهِ اللُّؤلُؤَةَ مِنَ السَّمَاءِ.

فَقَالَتِ: ارجِع إِلَى مَكَانِكَ الَّذِى دَعَوتَ اللهَ تَعَالَى فِيهِ، فَابتَهِل إِلَيهِ وَاسأَلهُ وَقُلِ: اللَّهُمَّ سَيِّدِي وَمَولايَ، إِن كَانَ هَذَا شَيئًا رَزَقتَنَا فِي الدُّنيَا فَبَارِك لَنَا فِيهِ، وَإِن كاَنَ مِمَّا ادَّخَرتَهُ لَنَا فِي الآخِرَةِ البَاقِيَةِ فَارفَعهُ.

فَذَهَبَ زَوجُهَا وَفَعَلَ ذَلِكَ، فَإذا اللؤلؤة تُرفعَ، فَرَجِعَ إِلَى زوجته وَأَخبَرَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الحَمدُ للهِ الَّذِى أَرَانَا مَا ادَّخَرَ لَنَا فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَت لَا أُبَالِي الآنَ أَن لَا أَقدِرَ عَلَى شَيءٍ مِن هَذِهِ الدَّارِ الفَانِيَةِ، وَشَكَرَتِ اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ.

انظُرُوا إِلَى صِدقِ هَذَينِ الزَّوجَينِ، جَمَعَهُمَا حُبُّ الآخِرَةِ وَالعَمَلُ لَهَا، كَانَا صَادِقَينِ فِي طَلَبِهِمَا لِلآخِرَةِ، فَأَظهَرَ اللهُ لَهُمَا شَيئًا مِمَّا أَعَدَّهُ لَهُمَا فِي الآخِرَةِ جَزَاءً عَلَى أَعمَالِهِمَا الصَّالِحَةِ.

الخاتمة: نظرة إلى الآخرة وأهمية الزهد في الدنيا

لِيَنظُر كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مَاذَا عَمِلَ لِلآخِرَةِ، مَاذَا قَدَّمَ لِقَبرِهِ، كَثِيرٌ مِنَ الأَزوَاجِ اليَومَ هَمُّهُمُ الدُّنيَا وَلَا يَلتَفِتُونَ إِلَى أَمرِ الآخِرَةِ، وَلَا يُعَامِلُونَ بَعضَهُمَا بِمَا يُوَافِقُ شَرعَ اللهِ، بَل يَنبَغِي عَلَى الزَّوجَينِ أَن يَهتَمَّا بِبِنَاءِ بَيتِهِمَا عَلَى تَقوَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ التَّقوَى هِيَ أَسَاسُ صَلَاحِ النُّفُوسِ، وَإِذَا كَانَتِ العَلَاقَةُ بَينَ أَيِّ شَخصَينِ مَبنِيَّةً عَلَى التَّقوَى كَانَت ثَمَرَةُ هَذِهِ العَلَاقَةِ طَيِّبَةً نَافِعَةً مُثمِرَةً.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

الصبر والتوكل على الله في مواجهة الشدائد - قصص ودروس من الأنبياء

الصبر والتوكل على الله في مواجهة الشدائد – قصص ودروس من الأنبياء

الخطبة الأولى   الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا نَاقِضَ لِمَا بَنَاهُ، وَلا حَافِظَ لِمَا أَفْنَاهُ، وَلا مَانِعَ لِمَا أَعْطَاهُ،…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share