المحتويات
بِسمِ اللهِ الرِّحمَنِ الرِّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصِّلَاةُ وَالسِّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمِّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمِّا بَعدُ:
مقدمة
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَبُّ الطِّعَامِ إِلَى اللهِ مَا كَثُرَت عَلَيهِ الأَيدِي»، رَوَاه ابنُ حِبّانَ والطّبرانيُّ والبيهقيُّ، فَالِاجتِمَاعُ عَلَى قَصعَةٍ أَي إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي الأَكلِ خَيرٌ مِنَ الِافتِرَاقِ، فَالأَكلُ جَمَاعَةً خَيرٌ مِنَ الأَكلِ فُرَادَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي صَحنٍ، فَالأَحسَنُ الِاجتِمَاعُ عَلَى الطِّعَامِ، وَالأَحسَنُ الأَكلُ مِن قَصعَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنِّ هَذَا أَقرَبُ إِلَى التِّوَاضُعِ، وَلِأَنِّ هَذَا أَيضًا أَقرَبُ إِلَى اجتِمَاعِ الأَحبَابِ وَالأَصحَابِ حَولَ مَائِدَةِ الطِّعَامِ، وَهُوَ صُورَةٌ مِن صُوَرِ التِّرَابُطِ بَينَ النِّاسِ، وَبَابٌ مِن أَبوَابِ التِّوَاصُلِ بَينَهُم.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ بَعضَ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأكُلُ وَلَا نَشبَعُ؟! قَالَ: «فَلَعَلَّكُم تَفتَرِقُونَ» قَالُوا: نَعَم، قَالَ: «فَاجتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُم، وَاذكُرُوا اسمَ اللهِ عَلَيهِ يُبَارَك لَكُم فِيهِ»، وَفِي هَذِهِ المَقَالَةِ سَنَتَنَاوَلُ بَعضَ أَحكَامِ الوَلَائِمِ الَّتِي يَجتَمِعُ عَلَيهَا المُسلِمُونَ وَنَتَعَرَّفُ بَعضَ آدَابِهَا.
التعريف بالوليمة
الوَلِيمَةُ مِن الوَلمِ وَهُوَ الِاجتِمَاعُ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ مِن عُرسٍ وَإِملَاكٍ أَو غَيرِهِمَا، لَكِنَّ استِعمَالَهَا مُطلَقَةً فِي العُرسِ أَشهَرُ، وَفِي غَيرِهِ تُقَيَّدَ فَيُقَالُ وَلِيمَةُ خِتَانٍ أَو غَيرِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصحَابُهُ: “تَقَعُ عَلَى كُلِّ دَعوَةٍ تُتَّخَذُ بِسُرُورٍ حَادِثٍ، مِن نِكَاحٍ أَو خِتَانٍ أَو غَيرِهِمَا، لَكِنَّ الأَشهَرَ استِعمَالُهَا عِندَ الإِطلَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَتُقَيَّدُ فِي غَيرِهِ”.
أنواع الوليمة
لِلوَلِيمَةِ أَنوَاعٌ مِنهَا:
- الوَلِيمَةُ: وَهِيَ وَلِيمَةُ العُرسِ.
- الخُرسُ: وَتَكُونُ لِسَلَامَةِ المَرأَةِ مِنَ الطَّلقِ.
- العَقِيقَةُ: وَتَكُونُ لِوِلَادَةِ مَولُودٍ.
- الإِعذَارُ: وَتَكُونُ لِخِتَانِ المَولُودِ.
- النَّقِيعَةُ: وَتَكُونُ لِقُدُومِ المُسَافِرِ.
- الوَكِيرَةُ: وَتَكُونُ لِإِحدَاثِ البِنَاءِ.
- الوَضِيمَةُ: وَهِيَ مَا يُتَّخَذُ لِلمُصِيبَةِ.
- المَأدُبَةُ: وَهِيَ مَا يُتَّخَذُ بِلَا سَبَبٍ.
حكم الوليمة
الوَلِيمَةُ لِلعُرسِ وَغَيرِهِ سُنَّةٌ، لِثُبُوتِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَولًا وَفِعلًا، وَتَتَأَكَّدُ لِلعُرسِ.
الأدلة على استحباب الوليمة
مِمَّا يَدُلُّ عَلَى استِحبَابِ الوَلِيمَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَولَمَ عَلَى بَعضِ نِسَائِهِ بِمُدَّينِ مِن شَعِيرٍ وَعَلَى صَفِيَّةَ بِتَمرٍ وَسَمنٍ وَأَقِطٍ، وَقَالَ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ وَقَد تَزَوَّجَ: «أَولِم وَلَو بِشَاةٍ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
ما هو الأقل في الوليمة؟
أَقَلُّ الكَمَالِ لِلمُستَطِيعِ شَاةٌ، وَإِن لَم يَتَمَكَّن اقتَصَرَ عَلَى مَا يَقدِرُ عَلَيهِ، قَالَ الشِّيرَازِيُّ فِي التَّنبِيهِ: وَبِأَيِّ شَيءٍ أَولَمَ مِن الطَّعَامِ جَازَ.اهـ وَقَدأَولَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَقَلَّ مِن شَاةٍ حَيثُ أَولَمَ عَلَى بَعضِ نِسَائِهِ بِمُدَّينِ مِن شَعِيرٍ وَعَلَى صَفِيَّةَ بِتَمرٍ وَسَمنٍ وَأَقِطٍ.
حكم إجابة الوليمة
إِجَابَةُ الدَّعوَةِ إِلَى الوَلِيمَةِ تَختَلِفُ بِحَسَبِ نَوعِهَا وَمَا تُتَّخَذُ لَهُ، فَفِي وَلِيمَةِ العُرسِ الإِجَابَةُ فَرضُ عَينٍ،وَالمُرَادُ الإِجَابَةُ لِوَلِيمَةِ الدُّخُولِ، فَقَد رَوَى الشَّيخَانِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إلَى الوَلِيمَةِ فَليَأتِهَا»، وَرَوَى مُسلِمٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ تُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَتُترَكُ الفُقَرَاءُ، وَمَن لَم يُجِب الدَّعوَةَ فَقَد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» قَالُوا: وَالمُرَادُ وَلِيمَةُ العُرسِ لِأَنَّهَا المَعهُودَةُ.
أَمَّا الإِجَابَةُ لِغَيرِ وَلِيمَةِ العُرسِ فَمُستَحَبَّةٌ، وَحَمَلَ بَعضُ العُلَمَاءِ خَبَرَ أَبِي دَاوُدَ: «إذ دَعَا أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليُجِب عُرسًا كَانَ أَو غَيرَهُ» عَلَى النَّدبِ فِي وَلِيمَةٍ غَيرِ العُرسِ، وَأَخَذَ بَعضُهُم بِظَاهِرِ الحَدِيثِ فَأَوجَبَ الإِجَابَةَ لِوَلِيمَةِ غَيرِ العُرسِ.
شروط الإجابة الوليمة
وَإِنَّمَا تَجِبُ الإِجَابَةُ أَو تُسَنُّ بِشُرُوطٍ:
- مِنهَا إسلَامُ دَاعٍ وَمَدعُوٍّ، فَيَنتَفِي طَلَبُ الإِجَابَةِ مَعَ الكَافِرِ لِانتِفَاءِ المَوَدَّةِ مَعَهُ.
- وَعُمُومٌ لِلدَّعوَةِ، بِأَن يَعُمَّ عَشِيرَتَهُ أَو جِيرَانَهُ أَو أَهلَ حِرفَتِهِ، أَغنِيَاءَهُم وَفُقَرَاءَهُم، أَمَّا إِذَا خَصَّ الأَغنِيَاءَ فَلَا تَجِبُ الإِجَابَةُ لِخَبَرِ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ تُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَتُترَكُ الفُقَرَاءُ» فَالشَّرطُ أَن لَا يَظهَرَ مِنهُ قَصدُ التَّخصِيصِ.
- أَن يَخُصَّهُ بِالدَّعوَةِ بِنَفسِهِ أَو يَبعَثَ إِلَيهِ شَخصًا، فَأَمَّا إِذَا فَتَحَ بَابَ دَارِهِ وَقَالَ: لِيَحضُر مَن أَرَادَ أَو بَعَثَ شَخصًا لِيُحضِرَ مَن شَاءَ أَو قَالَ لِشَخصٍ: احضُر وَأَحضِر مَعَكَ مَن شِئتَ فَقَالَ لِغَيرِهِ: احضُر، فَلَا تَجِبُ الإِجَابَةُ وَلَا تُستَحَبُّ.
- وَأَن يَدعُوَهُ لِلوَلِيمَةِ فِي اليَومِ الأَوَّلِ، فَلَو أَولَمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالإِجَابَةُ فِي اليَومِ الثَّالِثِ مَكرُوهَةٌ، وَفِي الثَّانِي لَا تَجِبُ قَطعًا، وَلَا يَكُونُ استِحبَابُهَا كَالِاستِحبَابِ فِي اليَومِ الأَوَّل، فَقَد رَوَى أَبِو دَاوُد وَغَيرُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الوَلِيمَةُ فِي اليَومِ الأَوَّلِ حَقٌّ، وَالثَّانِي مَعرُوفٌ، وَفِي الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمعَةٌ»، وَذَلِكَ مَا لَم يَكُن لِضِيقِ مَنزِلِهِ وَكَثرَةِ النَّاسِ وَإِلَّا فَإِن كَانَتِ الوَلِيمَةُ وَاحِدَةً وَدَعَا إِلَيهَا النَّاسَ أَفوَاجًا فَهِيَ مُستَحَبَّةٌ فِي كُلِّ الأَيَّامِ وَإِجَابَتُهَا وَاجِبَةٌ بِالشُّرُوطِ.
- وَمِنهَا أَن لَا يَكُونَ إِحضَارُهُ لِخَوفٍ مِنهُ أَو طَمَعٍ فِي جَاهِهِ أَو لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ، بَل تَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ أَوِ التَّوَدُّدِ.
- وَأَن لَا يُعذَرَ كَأَن لَا يَدعُوَهُ شَخصٌ آخَرُ إِلَى وَلِيمَةٍ أُخرَى، فَإِن دَعَاهُ آخَرُ قَدَّمَ الأَسبَقَ.
- وَكَأَن لَا يَكُونَ ثَمَّ مَن يَتَأَذَّى بِهِ أَو تَقبُحُ مُجَالَسَتُهُ كَالأَرَاذِلِ، فَإِن كَانَ ثَمَّ شَيءٌ مِن ذَلِكَ انتَفَى عَنهُ طَلَبُ الإِجَابَةِ لِمَا فِيهِ مِن التَّأَذِّي.
- وَمِنهَا أَن لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنكَرٌ كَشُربِ الخَمرِ وَالمُوسِيقَى، فَإِن كَانَ هُنَاكَ شَيءٌ مُنكَرٌ نُظِرَ، فَإِن كَانَ الشَّخصُ مِمَّن إِذَا حَضَرَ رُفِعَ المُنكَرُ فَليَحضُر إِجَابَةً لِلدَّعوَةِ وَإِزَالَةً لِلمُنكَرِ، وَإِلَّا يَحرُمُ الحُضُورُ لِأَنَّهُ كَالرِّضَى بِالمُنكَرِ وَإِقرَارِهِ، فَإِن لَم يَعلَم حَتَّى حَضَرَ نَهَاهُم، فَإِن لَم يَنتَهُوا فَليَخرُج، فَإِن لَم يُمكِنهُ الخُرُوجُ بِأَن كَانَ فِي اللَّيلِ وَيَخَافُ مِنَ الخُرُوجِ قَعَدَ كَارِهًا وَلَا يَستَمِعُ، وَمِنَ المُنكَرَاتِ فَرشُ الحَرِيرِ وَصُوَرُ الحَيَوَانَاتِ عَلَى السُّقُوفِ وَالجُدرَانِ.
من اعتذر عن حضور الوليمة
إِذَا اعتَذَرَ المَدعُوُّ إِلَى صَاحِبِ الدَّعوَةِ فَرَضِيَ بِتَخَلُّفِهِ زَالَ الوُجُوبُ وَارتَفَعَت كَرَاهَةُ التَّخَلُّفِ.
حكم الإجابة لصائم
الصَّومُ لَيسَ عُذرًا فِي تَركِ إِجَابَةِ الدَّعوَةِ، فَإِذَا حَضَرَ الصَّائِمُ فَفِي حُكمِهِ تَفصِيلٌ، فَإِن كَانَ صَومَ فَرضٍ حَرُمَ الفِطرُ، وَإِن كَانَ صَومَ نَفلٍ فَإِن لَم يَشُقَّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعوَةِ إِمسَاكُهُ استُحِبَّ إِتمَامُ صَومِهِ، وَإِن شَقَّ عَلَيهِ استُحِبَّ لَهُ الفِطرُ، وَذَلِكَ لِخَبَرِ مُسلِمٍ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إلَى طَعَامٍ فَليُجِب فَإِن كَانَ مُفطِرًا فَليَطعَم وَإِن كَانَ صَائِمًا فَليُصَلِّ»، أَي فَليَدعُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ «فَليَدعُ بِالبَرَكَةِ»، وَإِذَا دُعِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَا يُكرَهُ أَن يَقُولَ إنِّي صَائِمٌ، وَيُسَنُّ لِلمُفطِرِ الأَكلُ وَأَقَلُّهُ لُقمَةٌ.
مسائل تتعلق بالضيافة
هل الضيف يحتاج إلى الإذن للأكل مما قدم له؟
لِلضَّيفِ أَن يَأكُلَ إِذَا قُدِّمَ إِلَيهِ الطَّعَامُ مِن غَيرِ أَن يَأذَنَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَفظًا (أَي أَن يَقُولَ لَهُ: كُل)، إِلَّا إِذَا كَانَ يَنتَظِرُ حُضُورَ غَيرِهِ فَلَا يَأكُل حَتَّى يَحضُرَ أَو يَأذَنَ المُضِيفُ لَفظًا، وَكَذَلِكَ لَا يَأكُلُ مِمَّا قُدِّمَ لغَيرِهِ، وَأَمَّا الأَكلُ مِن بَيتِ الصَّدِيقِ وَبُستَانِهِ وَنَحوِهَا فِي حَالِ غَيبَتِهِ فَجَائِزٌ بِشَرطِ أَن يَعلَمَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكرَهُ ذَلِكَ مِنهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الأَذكَارِ: “يُستَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَن يَقُولَ لِضَيفِهِ عِندَ تَقدِيمِ الطَّعَامِ: بِسمِ اللهِ، أَو كُلُوا، أَو نَحوَ ذَلِكَ مِنَ العِبَارَاتِ المُصَرِّحَةِ بِالإِذنِ فِي الشُّرُوعِ فِي الأَكلِ، وَلَا يَجِبُ هَذَا القَولُ بَل يَكفِي تَقدِيمُ الطَّعَامِ إِلَيهِم، وَلَهُمُ الأَكلُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مِن غَيرِ اشتِرَاطِ لَفظٍ”.
هل يكرر المضيِّف للضيف قوله “كُل” أو نحو ذلك؟
قَالَ النَّوَوِيُّ: “بَابُ استِحبَابِ قَولِ صَاحِبِ الطِّعَامِ لِضَيفِهِ وَمَن فِي مَعنَاهُ إِذَا رَفَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ “كُل” وَتَكرِيرُهُ ذَلِكَ عَلَيهِ مَا لَم يَتَحَقَّق أَنَّهُ اكتَفَى مِنهُ، وَكَذَلِكَ يَفعَلُ فِي الشَّرَابِ وَالطِّيبِ وَنَحوِ ذَلِكَ: اعلَم أَنَّ هَذَا مُستَحَبٌّ، حَتَّى يُستَحَبُّ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ مَعَ زَوجَتِهِ وَغَيرِهَا مِن عِيَالِِه الَّذِينَ يُتَوَهَّمُ مِنهُم أَنَّهُم رَفَعُوا أَيدِيَهُم وَلَهُم حَاجَةٌ إِلَى الطَّعَامِ وَإِن قَلَّت”.
هل للضيف أن يحمل شيئا معه؟
لَيسَ لِلضَّيفِ التَّصَرُّفُ فِي الطَّعَامِ بِمَا سِوَى الأَكلِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يَحمِلَ مَعَهُ مِنهُ شَيئًا إِلَّا إِذَا أَخَذَ مَا يَعلَمُ رِضَى المَالِكِ بِهِ، وَيَختَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ القَدرِ المَأخُوذِ وَجِنسِهِ وَبِحَسَبِ حَالِ المُضِيفِ وَالدَّعوَةِ.
هل للضيف إطعام الهرة أو السائل؟
لَيسَ لِلضَّيفِ إِطعَامُ السَّائِلِ وَالهِرَّةِ.
هل للضيف أن يطعم غيره من الأضياف؟
يَجُوزُ أَن يُلقِمَ الأَضيَافُ بَعضُهُم بَعضًا، إِلَّا إِذَا فَاوَتَ المُضَيِّفُ بَينَهُم فِي الطَّعَامِ فَلَيسَ لِمَن خُصَّ بِنَوعٍ أَن يُطعِمُوا مِنهُ غَيرَهُم.
هل للضيف أن يأكل فوق قدر الشبع؟
يُكرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدرِ الشِّبَعِ سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِن مَالِهِ أَو مِن مَالِ غَيرِهِ لِأَنَّهَا مُؤذِيَةٌ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنهُم المَاوَردِيُّ بِتَحرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدرِ الشِّبَعِ وَذَلِكَ حَيثُ لَم يُعلَم رِضَا المُضَيِّفِ بِذَلِكَ.
بعض آداب الضيافة والأكل
المستحبات
- يُستَحَبُّ لِلمُضَيِّفِ التَّرحِيبُ بِالضَّيفِ وَحَمدُ اللهِ تَعَالَى عَلَى حُصُولِهِ ضَيفًا عِندَهُ وَسُرُورُهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيهِ لِجَعلِهِ أَهلًا لِتَضيِيفِهِ، فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَليُكرِم ضَيفَهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
- أَن يَقُولَ أَوَّلًا: بِاسمِ اللهِ، فَإِن نَسِيَ قَالَ إِذَا تَذَكَّرَ بِسمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَفِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَمِّ اللهَ، وَكُل بِيَمِينِكَ»، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَستَحِلُّ الطَّعَامَ أَن لَا يُذكَرَ اسمُ اللهِ عَلَيهِ» أَي لَا يَأكُلُ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا إِن لَم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عَلَيهِ.
- وَأَن يَأكُلَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ
- وَأَن يَحمَدَ اللهَ تَعَالَى فِي آخِرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي آخِرِ الشُّربِ فَيَقُولُ: “الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيرَ مَكفِيٍّ وَلَا مَكفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُستَغنًى عَنهُ رَبَّنَا”، كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَالمَكفِيُّ: الإِنَاءُ المَقلُوبُ لِلِاستِغنَاءِ عَنهُ كَمَا قَالَ: “غَيرَ مُستَغنًى عَنهُ” أَو لِعَدَمِهِ، وَقَولُهُ: “وَلَا مَكفُورٍ”، أَي هُوَ نِعمَةٌ مِن نِعَمِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى غَيرُ مَجحُودَةٍ بَل مَشكُورَةٌ غَيرُ مَستُورٍ الِاعتِرَافُ بِهَا وَالحَمدُ عَلَيهَا، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالشَّمَائِلِ لِلتِّرمِذِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِن طَعَامِهِ قَالَ: «الحَمدُ للهِ الَّذي أطعَمَنَا وَسَقانا وَجَعَلَنا مُسلِمِينَ».
- وَإِذَا أَكَلَ جَمَاعَةٌ فَمِنَ الأَدَبِ أَن يَتَحَدَّثُوا عَلَى طَعَامِهِم بِمَا لَا إِثمَ فِيهِ، قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ فِي الإِحيَاءِ: “مِن آدَابِ الطَّعَامِ أَن يَتَحَدَّثُوا فِي حَالِ أَكلِهِ بِالمَعرُوفِ وَيَتَحَدَّثُوا بِحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ فِي الأَطعِمَةِ وَغَيرِهَا”.
- وَأَن يَدعُوَ لِصَاحِبِ الوَلِيمَةِ وَيَشكُرَهُ عَلَى إِكرَامِهِ وَإِحسَانِهِ إِلَيهِ، وَمِن جُملَةِ الأَدعِيَةِ الَّتِي يَدعُو بِهَا مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «اللهم أَطعِم مَن أَطعَمَنِي، وَأَسقِ مَن أَسقَانِي» وَ«اللهم بَارِك لَهُم فِي مَا رَزَقتَهُم، وَاغفِر لَهُم وَارحَمهُم» وَ«أَفطَرَ عِندَكُمُ الصِّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ وَصَلِّت عَلَيكُمُ المَلَائِكَةُ».
المكروهات
- أَن يَأكُلَ مُتَّكِئًا.
- وَأَن يَأكُلَ مِمَّا يَلِي آكِلِيهِ.
- وَأَن يَأكُلَ مِن وَسَطِ القَصعَةِ وَأَعلَى الثَّرِيدِ وَنَحوَهُ، وَلَا بَأسَ بِذَلِكَ فِي الفَوَاكِهِ، وَفِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: “كُنتُ غُلَامًا فِي حِجرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَت يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحفَةِ (يَأكُلُ مِن أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ القَصعَةِ)، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ تَعَالَى، وَكُل بِيَمِينِكَ، وَكُل مِمَّا يَلِيكَ»“.
- وَيُكرَهُ أَن يَعِيبَ الطَّعَامَ، وَفِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: “مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِن كَرِهَهُ تَرَكَهُ“، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: «وَإِن لَم يَشتَهِهِ سَكَتَ».
- وَيُكرَهُ أَن يَأكُلَ بِشِمَالِهِ.
- وَيُكرَهُ أَن يَتَمَخَّطَ وَيَبصُقَ فِي حَالِ أَكلِهِم إِلَّا لِضَرُورَةٍ.
والأولى:
- أَن لَا يَأكُلَ الشَّخصُ وَحدَهُ.
- وَأَن لَا يَتَرَفَّعَ عَن مُؤَاكَلَةِ الغُلَامِ وَالصِّبيَانِ وَالزَّوجَةِ.
- وَأَن لَا يَتَمَيَّزَ عَلَى جُلَسَائِهِ بِنَوعٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَدَوَاءٍ وَنَحوِهِ.
- وَأَن يُؤثِرَهُم بِفَاخِرِ الطَّعَامِ، كَقِطعَةِ لَحمٍ وَخُبزٍ لَيِّنٍ أَو طَيِّبٍ وَنَحوِ ذَلِكَ.
- وَلَا بَأسَ بِقَولِهِ: لَا أَشتَهِي هَذَا الطَّعَامَ، أَو مَا اعتَدتُ أَكلَهُ، وَفِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَدِيثِ الضَّبِّ لَمَّا قَدَّمُوهُ مَشوِيًّا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَهوَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَيهِ فَقَالُوا: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَم يَكُن بِأَرضِ قَومِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ».
حكم التطفل
التَّطَفُّلُ هُوَ حُضُورُ الوَلِيمَةِ بِغَيرِ دَعوَةٍ أَو إِذنٍ، وَهُوَ حَرَامٌ إلَّا أَن يَعلَمَ رِضَا رَبِّ الطَّعَامِ لِصَدَاقَةٍ أَو مَوَدَّةٍ، رَوَى ابنُ حِبِّانَ فِي صَحِيحِهِ: «لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يَأخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيرِ طِيبِ نَفسٍ مِنهُ»، وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ تَحذِيرٌ بَلِيغٌ مِنَ استِعمَالِ مَالِ المُسلِمِ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ وَالجَلِيلِ وَالحَقِيرِ بِغَيرِ طِيبِ نَفسِ صَاحِبِهِ، حَتِّى مُجَرِّدِ دُخُولِ مِلكِ مُسلِمٍ بِغَيرِ رِضَاهُ لَا يَجُوزُ.
وَفِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: “دَعَا رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ لَهُ خَامِسَ خَمسَةٍ، فَتَبِعَهُم رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنا فَإِن شِئتَ أَن تَأذَنَ لَهُ وَإِن شِئتَ رَجَعَ»، قَالَ: “بَل آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ”.
حكم نثر نحو بعض الأشياء في الوليمة
نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَثرُ بعض الأشياء في الوليمة كَالحَلوَى وَاللَّوزِ وَالجَوزِ وَالتَّمرِ فِي الزِّوَاجِ عَلَى المَرأَةِ لِلنِّكَاحِ وَفِي خِتَانٍ وَفِي سَائِرِ الوَلَائِمِ فِيمَا يَظهَرُ عَمَلًا بِالعُرفِ، وَتَركُهُ أَولَى، وَالتِقَاطُ المَنثُورِ جَائِزٌ، لَكِنَّ الأَولَى تَركُهُ، إِلَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّ النَّاثِرَ لَا يُؤثِرُ بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ.
وليمة المولد النبوي الشريف
أَصلُ المَولِدِ هُوَ اجتِمَاعُ النَّاسِ وَقِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ وَرِوَايَةُ الأَخبَارِ الوَارِدَةِ فِي مَبدَأِ أَمرِ النَّبِيِّ ﷺ وَسِيرَتِهِ وَمَا وَقَعَ فِي مَولِدِهِ مِنَ الآيَاتِ ثُمَّ يُمَدُّ لَهُم سِمَاطٌ يَأكُلُونَهُ وَيَنصَرِفُونَ مِن غَيرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا مِنَ البِدَعِ الحَسَنَةِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيهَا صَاحِبُهَا لِمَا فِيهِ مِن تَعظِيمِ قَدرِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِظهَارِ الفَرَحِ وَالِاستِبشَارِ بِمَولِدِهِ الشَّرِيفِ.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو شَامَةَ شَيخُ النَّوَوِيِّ: وَمِن أَحسَنِ مَا ابتُدِعَ فِي زَمَانِنَا مَا يُفعَلُ كُلَّ عَامٍ فِي اليَومِ المُوَافِقِ لِيَومِ مَولِدِهِ ﷺ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالمَعرُوفِ وَإِظهَارِ الزِّينَةِ وَالسُّرُورِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الإِحسَانِ لِلفُقَرَاءِ مُشعِرٌ بِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعظِيمِهِ فِي قَلبِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَشُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا مَنِّ بِهِ مِن إِيجَادِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي أَرسَلَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ.
نَقَلَ الدِّميَاطِيُّ عَمَّن كَانَ يُقَالُ لَهُ سُلطَانُ العَارِفِينَ الإِمَامِ المِصرِيِّ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ البَيتَ وَالمَحَلَّةَ وَالمَسجِدَ الَّذِي يُحتَفَلُ فِيهِ بِمَولِدِ مُحَمَّدٍ ﷺ هَذَا البَيتُ تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ، هَذَا المَكَانُ تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ، تَتَغَشَّاهُ الرَّحمَةُ، وَيَأتِي جِبرِيلُ وَإِسرَافِيلُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فَيُصَلُّونَ [أَي يَدعُونَ] عَلَى مَن يَقعُدُ مُحتَفِلًا بِمَولِدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّ البَيتَ وَالمَحَلَّةَ وَالمَسجِدَ الَّذِي يُحتَفَلُ فِيهِ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا تُصِيبُهُ الآفَاتُ فِي ذَلِكَ العَامِ، يُبعِدُ اللهُ عَنهُ النَّكَبَاتِ وَالمَصَاعِبَ، وَيُحفَظُ مِنَ اللُّصُوصِ وَمِنَ العَينِ وَمِنَ الحَسَدِ، وَيَجعَلُ اللهُ تَعَالَى أَمَانًا لِأَهلِهِ فِي تِلكَ الدَّارِ فِي ذَلِكَ العَامِ، بِبَرَكَةِ الِاحتِفَالِ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
وَيُنقُلُ أَيضًا عَن إِمَامٍ كَبِيرٍ مِن أَئِمَّةِ الإِسلَامِ هُوَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي بَرَكَاتِ مَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قُرِئَ مَولِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الطَّعَامِ بَارَكَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَإِذَا قُرِئَ مَولِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى المَاءِ ثُمَّ شُرِبَ هَذَا المَاءُ، يَقُولُ الرَّازِيُّ: يَدخُلُ عَلَيكَ مَا شَرِبتَ مِن مَاءٍ قَد قُرِئَ عَلَيهِ مَولِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلفُ رَحمَةٍ، وَتَخرُجُ مِنكَ أَلفُ عِلَّةٍ هَذَا كُلُّهُ مِن بَرَكَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
وَيُروَى كَذَلِكَ عَن شَيخِ القُرَّاءِ الإِمَامِ ابنِ الجَزَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ الَّذِي يَحتَفِلُ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ العَامِ أَمَانٌ وَبُشرَى عَاجِلَةٌ بِبُلُوغِ المَرَامِ».
وَكَانَ إِمَامُ التَّابِعِينَ الحَسَنُ البِصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «وَدِدتُ أَنِّي أَملِكُ مِثلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا لِأُنفِقَهُ عَلَى قِرَاءَةِ مَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
وَكَانَ الإِمَامُ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «إِنَّ الَّذِي يَذهَبُ إِلَى مَكَانِ مَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَي حَيثُ يُحتَفِلُ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد فَازَ بِالإِيمَانِ».
وَيَقُولُ الإِمَامُ العَارِفُ بِاللهِ مَعرُوفٌ الكَرخِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ فِيمَن يَحتَفِلُ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مَن هَيَّأَ طَعَامًا فَرَحًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَوقَدَ سِرَاجًا وَلَبِسَ جَدِيدًا وَتَعَطَّرَ وَتَجَمَّلَ تَعظِيمًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ يُحشَرُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُكتَبُ فِي أَعلَى عِلِّيِينَ». كُلُّ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الِاحتِفَالِ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَا أَحبَابَ رَسُولِ اللهِ.
وَيُروَى عَن أَبِي مُوسَى رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: كَانَ بَعضُ النَّاسِ يَسأَلُ عَنِ الوَلَائِمِ وَالطَّعَامِ الَّذِي يُقَدَّمُ فِي مَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَنِمتُ فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي المَنَامِ فَسَأَلتُهُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ الوَلَائِمُ الَّتِي تُقَدَّمُ فِي مَولِدِكَ فَرَحًا بِكَ، مَا تَقُولُ فِيهَا؟ فَأَجَابَهُ المُصطَفَى ﷺ قَائِلًا: «مَن فَرِحَ بِنَا فَرِحنَا بِهِ».
وَقَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: مِن خَوَاصِّهِ أَيِ الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ أَنَّهُ أَمَانٌ فِي ذَلِكَ العَامِ، وَبُشرًى عَاجِلَةٌ بِنَيلِ البُغيَةِ وَالمَرَامِ، وَأَوَّلُ مَن أَحدَثَهُ مِنَ المُلُوكِ المَلِكُ المُظَفَّرُ أَبُو سَعِيدٍ صَاحِبُ إِربِلَ، وَأَلَّفَ لَهُ الحَافِظُ ابنُ دِحيَةَ تَألِيفًا سَمَّاهُ التَّنوِيرَ فِي مَولِدَ البَشِيرِ النَّذِيرِ، فَأَجَازَهُ المَلِكُ المُظَفَّرُ بِأَلفِ دِينَارٍ وَصَنَعَ المَلِكُ المُظَفَّرُ المَولِدَ، وَكَانَ يَعمَلُهُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَيَحتَفِلُ بِهِ احتِفَالًا هَائِلًا، وَكَانَ شَهمًا شُجَاعًا، بَطَلًا عَاقِلًا، عَالِمًا عَادِلًا، وَطَالَت مُدَّتُهُ فِي المُلكِ إِلَى أَن مَاتَ وَهُوَ يُحَاصِرُ الفِرِنجَ بِمَدِينَةِ عَكَّا سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.
قَالَ سِبطُ ابنِ الجَوزِيِّ فِي مِرآةِ الزَّمَانِ: حَكَى لِي بَعضُ مَن حَضَرَ سِمَاطَ المُظَفَّرِ فِي بَعضِ المَوَالِدِ فَذَكَرَ أَنَّهُ عَدَّ فِيهِ خَمسَةَ آلَافِ رَأسِ غَنَمٍ شِوَاءً، وَعَشَرَةَ آلَافِ دَجَاجَةٍ، وَمِائَةَ أَلفِ زِبدِيَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلفَ صَحنِ حَلوَى، وَكَانَ يَحضُرُ عِندَهُ فِي المَوَالِدِ أَعيَانُ العُلَمَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ، فَيَخلَعُ عَلَيهِم، وَيُطلِقُ لَهُمُ البَخُورَ، وَكَانَ يَصرِفُ عَلَى المَوَالِدِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلفِ دِينَارٍ.
وَاستَنبَطَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ تَخرِيجَ عَمَلِ المَولِدِ عَلَى أَصلٍ ثَابِتٍ فِي السُّنَّةِ، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَومَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُم، فَقَالُوا هُوَ يَومٌ أَغرَقَ اللهُ فِيهِ فِرعَونَ وَنَجَّى مُوسَى، وَنَحنُ نَصُومُهُ شُكرًا، فَقَالَ: «نَحنُ أَولَى بِمُوسَى».
الخاتمة
بَعدَ ذِكرِ هَذَا الجَمعِ الغَفِيرِ مِنَ العُلَمَاءِ، وَهُم جُزءٌ مِمَّن نَصُّوا عَلَى جَوَازِ عَمَلِ المَولِدِ، تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ لَا التِفَاتَ إِلَى مَن يُحَرِّمُ المَولِدَ بِدَعوَى أَنَّهُ بِدعَةٌ لَم يَفعَلهَا الرَّسُولُ ﷺ أَو أَنَّهُ مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، أَو لَم يَفعَلهُ الصَّحَابَةُ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّعَاوِي الوَاهِيَةِ البَاطِلَةِ الَّتِي لَا يُقَامُ لَهَا وَزنٌ فِي عِلمِ أُصُولِ الفِقهِ، بَل إِنَّ أُصُولَ الفِقهِ تَشهَدُ وَالقَوَاعِدُ الفِقهِيَّةُ تَشهَدُ عَلَى جَوَازِ عَمَلِ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ الَّذِي ذَكَرنَا تَعرِيفَهُ وَأَنَّهُ لَا يَحرُمُ، فَإِنَّ القَاعِدَةَ الفِقهِيَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عُلَمَاءُ أُصُولِ الفِقهِ أَنَّهُ لَيسَ التَّركُ دَلِيلًا لِلتَّحرِيمِ، فَتَركُ الرَّسُولِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ الكِرَامِ لِعَمَلِ المَولِدِ لَا يَدُلُّ بِحَالٍ عَلَى حُرمَتِهِ.
وَمِمَّا ذَكَرنَا اجتَمَعَ لَنَا شَيءٌ جَمِيلٌ مِنَ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ وَالآدَابِ وَالأَخلَاقِ النَّبَوِيَّةِ المُرشِدَةِ إِلَى الفَلَاحِ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَن نَتَمَسَّكَ بِهَا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخِّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنِّةِ النِّبَوِيِّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنُ التِّرمِذِيِّ.
- الشِّمَائِل لِلتِّرمِذِيِّ
- رَوضَةُ الطِّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النِّوَوِيِّ.
- فَتحُ الوَهِّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلِّابِ لِلشِّيخِ زَكَرِيِّا الأَنصَارِيِّ.
- إِعَانَةُ الطِّالِبِينَ لِلدِّميَاطِيِّ.
- الأَذكَارُ لِلإِمَامِ النِّوَوِيِّ.