الربا

الربا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

ما هو الربا

الرِّبَا لُغَةً: الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ، يُقَالُ رَبَا يَربُو رِبًا وَرَبَاءً بِمَعنَى النُّمُوِّ وَالزِّيَادَةِ، وَمِنهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، أَي يَزِيدُهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الرِّبَا رِبًا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَطلُبُ زِيَادَةً مِن جِهَتِهِ لِيَستَفِيدَ مِنهَا.

وَشَرعًا: مقابلةُ عِوَضٍ بآخَرَ مَجهُولِ التَّمَاثُلِ فِي مِعيَارِ الشَّرعِ حَالَ العَقدِ (يَعنِي عِندَ العَقدِ لَا يُعلَمُ هَل العِوَضَانِ بِنَفسِ الوَزنِ أَو بِنَفسِ الكَيلِ أَو نَحوَ ذَلِكَ لِأُمُورٍ سَتَأتِي) أو مَعَ تَأخِيرٍ فِي العِوَضَينِ أَو أَحَدِهِمَا قَبضًا أو استِحقَاقًا (يَعنِي تَأَخَّرَ أَخذُ أَحَدِ العِوَضَينِ وَلَم يَحصُل فِي الحَالِ).

حكم الربا

يَحرُمُ مِنَ الرّبَا:

  • فِعلُهُ (أي فِعلُ عَقدِهِ)
  • وأَكْلُهُ (أي أكلُ مالِهِ النَّاتِجِ عَنهُ)
  • وأَخْذُهُ (أَي يَحرُمُ أَخذُ المَالِ كَذَلِكَ لِتَأكِيدِ الحُرمَةِ وَلَو لَم يَأكُلهُ الإِنسَانُ)
  • وكِتَابَتُهُ (أَي كِتَابَةُ عَقدِهِ وَلَو لَم يَكُن هُوَ طَرَفًا فِيهِ)
  • وشَهَادَتُهُ (أَي الشَّهَادَةُ عَلَى عَقدِهِ)

كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي شَرعِ اللهِ تَعَالَى.

دليل حرمة الربا

من القرءان

يَدُلُّ عَلَى تَحرِيمِ الرِّبَا قَبلَ الإجماعِ ءَايَاتٌ مِنهَا:

قَولُهُ تَعَالَى

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

سورة البقرة: 275

وَمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، أَي أَنَّ ءَاكِلَ الرِّبَا يَومَ القِيَامَةِ يَمشِي وَيَتَخَبَّطُ كَالَّذِي يَتَخَبَطُّهُ الشَّيطَانُ بِسَبَبِ المَسِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

وَقَولُهُ تَعَالَى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

سورة البقرة: 278،279

تَوَعَّدَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَن يَأكُلُ الرِّبَا بِالحَربِ، أَي تَوَعَّدَهُ أَن يُصِيبَهُ العِقَابُ الشَّدِيدُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَقَد قَالَ العُلَمَاءُ: الذَّنبُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ وَعِيدٌ بِالعِقَابِ هَذَا مَعنَاهُ أَنَّهُ ذَنبٌ كَبِيرٌ.

من الحديث

يَدُلُّ عَلَى تَحرِيمِ الرِّبَا مِنَ الحَدِيثِ أَخبَارٌ مِنهَا:

قَولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ

لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ءَاكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ اهـ

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّه ﷺ قَالَ: كُلُّهُم سَوَاءٌ

رواه البخاري ومسلم

أَي أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ وَقَعُوا فِي المَعصِيَةِ الكَبِيرَةِ، وَمَعنَى قَولِهِ ﷺ: “وَمُوكِلَهُ” أَي الَّذِي يُطعِمُ أَهلَهُ مِنَ الرِّبَا.

من أنواع الربا

هَذَا التَّعرِيفُ السَّابِقُ لِلرِّبَا (مقابلةُ عِوَضٍ بآخَرَ مَجهُولِ التَّمَاثُلِ فِي مِعيَارِ الشَّرعِ حَالَ العَقدِ أو مَعَ تَأخِيرٍ فِي العِوَضَينِ أَو أَحَدِهِمَا قَبضًا أو استِحقَاقًا) لَا يَشمَلُ كُلَّ أَنوَاعِ الرِّبَا، بَل يَشمَلُ ثَلَاثَةَ أَنوَاعٍ مِنهَا فَقَط، وَهِيَ:

  1. ربا الفضل: وَهُوَ بَيْعُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ الرِّبَوَيَيْنِ (أَي النَّقدَينِ وَهُمَا الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَالمَطعُومَاتِ) وَهُمَا مُتَّفِقَا الْجِنْسِ بِالآخَرِ زَائِدًا عَلَيْهِ كَبَيْعِ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ أَوْ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ صَاعِ قَمْحٍ بِصَاعَيْ قَمْحٍ.
  2. ربا اليد: وَهُوَ بَيْعُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ الرِّبَوَيَيْنِ بِالآخَرِ مَعَ تَأْخِيرِ قَبْضِهِمَا أَوْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا بِأَنْ يَفْتَرِقَ الْمُتَبَايِعَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِشَرْطِ اتِّفَاقِ الْعِوَضَيْنِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا.
  3. ربا النَّساء: بِفَتْحِ النُّونِ أَيِ التَّأْجِيلِ وَهُوَ الْبَيْعُ لِلْمَطْعُومَيْنِ أَوْ لِلنَّقْدَيْنِ الْمُتَّفِقَيِ الْجِنْسِ أَوِ الْمُخْتَلِفَيْهِ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ لِأَجَلٍ وَلَوْ كَانَ الأَجَلُ قَصِيرًا جِدًّا كَلَحْظَةٍ أَوْ دَقِيقَةٍ أَيْ أَنْ يُشْرَطَ ذَلِكَ لَفْظًا وَلا يَحْصُلُ الأَجَلُ بِدُونِ الذِّكْرِ.

وَهُنَاكَ نَوعٌ رَابِعٌ لِلرِّبَا وَهُوَ رِبَا القَرضِ، وَسَيَأتِي الكَلَامُ عَلَيهِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

الأشياء التي يدخل فيها الربا (الربويات أو علة الربا)

الرِّبا يكون في النقدين (وهما الذهب والفضة) وفي المطعومات أي ما يُقْصَدُ غَالِبًا لِطُعْمِ الآدَمِيَّينَ إما للاقتِيَاتِ عَلَيهِ (أي لِاتخاذه قوتا، والقوت هو ما يقوم به البدن من الطعام) كالقمح والذُّرَة والأرُزِّ أو تَفَكُّهًا أي تلذُّذًا كالمِشْمِش والتُّفاح أو تأدُّمًا (أَي مَا يُؤكَلُ مَعَ الخُبزِ) كالتَّمرِ والفُجْل أو تَدَاوِيًا ويُلحَقُ به مَا يَكُونُ لإصلاحِ الطعَامِ ونَحوِهِ كالمِلح والبُنِّ، وَلَا يَجرِي الرِّبا في غيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقصَدُ لطُعمِ الآدَمِيِّينَ وَلَو كَانَ طَعَامًا لِلبَهَائِمِ والجِنِّ كالتِّبْنِ والعَظم ونحوه.

قالَ رسول الله ﷺ

الذّهَبُ بالذّهَبِ والفِضَّةُ بالفِضَّةِ والبُرُّ بالبُرِّ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ والتَّمرُ بالتَّمْرِ والمِلْحُ بالْمِلحِ مِثْلًا بِمثْلٍ سَواءً بسَواءٍ يَدًا بيَدٍ فَإذَا اخْتَلفَتْ هَذِه الأصنَافُ فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُم إذَا كانَ يَدًا بيَدٍ

رواه مسلم

الشافعيُّ رضي الله عنه أخذ من هذا الحديث أن النقدين لا يجوزُ بيعُ الواحد منهُما بجنسِهِ مع التفاضل لأنهُ ذُكِرَ بالحديث الذهبُ بالذهب والفضةُ بالفضة ثم الذي ذُكِرَ بعد ذلك البُرُ بالبر والشعير بالشعير هذا من القوت وذُكِرَ بعد ذلك التمرُ بالتَّمرِ والمِلحُ بالملح استنبط منهُما أن ما يؤكلُ في العادة للأكل من الناس إذا كان للتفكُه أو للتداوي (الملح يُستعمل لإصلاح الأكل مع ذلك النبي قال الملح بالملح) أو ما شابه كُلُّ ذلك طالما أنهُ طعام يُقصدُ في العادة للأكل فإنهُ يحرُمُ بيعُ الشىءِ منهُ بجنسِهِ مع التفاضل.

فَالخُلَاصَةُ أَنَّ هُنَاكَ عِلَّتَانِ (أَي سَبَبَانِ) لِلرِّبَا:

  1. كَونُ الشَّيءِ نَقدًا (ذَهَبًا أَو فِضَّةً).
  2. كَونُ الشَّيءِ مَطعُومًا.

متى يكون البيع من الربا وكيف أخلص منه؟

لَا يَكُونُ البَيعُ مِنَ الرِّبَا إِلَّا فِي نَوعَينِ مِنَ الأَشيَاءِ: النَّقدِ وَالمَطعُومَاتِ، وَالمُرَادُ بِالنَّقدِ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَالمُرَادُ بِالمَطعُومَاتِ مَا يَأكُلُهُ الإِنسَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَجُوزُ بَيعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَلَا الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ وَلَا الذَّهَبِ بِالفِضَّةِ سَوَاء كَانَا عُملَةً أَو غَيرَ ذَلِكَ إِلَّا بِشُرُوطٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيعُ القَمحِ بِالقَمحِ مَثَلًا أَو الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ أَو القَمحِ بِالشَّعِيرِ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِنَ المَطعُومَاتِ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَيضًا، وَهَذِهِ الشُّرُوطِ هِيَ:

  1. التماثل: أَي أَن يَكُونَ العِوَضَانِ مُتَمَاثِلَينِ وَزنًا إِذَا اتَّحَدَ الجِنسُ، فَلَا يَصِحُّ بَيعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مَثَلًا أَو الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ أَو القَمحِ بِالقَمحِ إِذَا اختَلَفَا فِي الوَزنِ أَو الكَيلِ أَو نَحوَ ذَلِكَ (أي معَ زِيادَةٍ في أحَدِ الجَانِبَينِ على الآخَرِ بالوَزنِ أو الكيل أو غير ذلك كبَيعِ دِينارٍ بدِينَارَين أو دِرهَمٍ بدِرهمَينِ أو صاعِ قَمحٍ بصَاعَي قَمْح)، فَإِذَا انتَفَى هَذَا الشَّرطُ مَعَ اتِّحَادِ الجِنسِ وَقَعَ الشَّخصُ فِي رِبَا الفَضلِ.
  2. التقابض: أَي أَن يُسَلِّمَ البَائِعُ المَبِيعَ فِي الحَالِ وَيُسَلِّمَ المُشتَرِي الثَّمَنَ فِي الحَالِ فِي مَجلِسِ العَقدِ بِلَا تَأجِيلٍ، سَوَاء اتَّحَدَ الجِنسُ أَم لَم يَتَّحِد، فَإِذَا انتَفَى هَذَا الشَّرطُ أَي تَأَخَّرَ قَبضُهُمَا أَو قَبضُ أَحَدِهِمَا بِأَنْ يَفتَرِقَ الْمُتَبايِعَانِ قَبلَ القَبضِ وَقَعَ الشَّخصُ فِي رِبَا اليَدِ.
  3. انتفاء الأجل: فَلَو بِيعَ شَىءٌ مِن ذَلِكَ مُؤَجَّلًا كَأَن قَالَ لَهُ أُسَلِّمُكَ بَعدَ شَهرٍ أَو أَدفَعُ لَكَ بَعدَ شَهرٍ أَو بِلَا قَبضٍ وَقَعَ الرِّبَا فَلَم يَصِحَّ البَيعُ، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الجِنسُ أَم لَم يَتَّحِد، فَإِذَا انتَفَى هَذَا الشَّرطُ وَقَعَ الشَّخصُ فِي رِبَا النَّسَاءِ بفتْحِ النُّونِ أي التّأجِيلِ ولو كَانَ الأجَلُ قَصِيرًا جِدًّا كلَحظَةٍ أو دَقِيقَة، أي أنْ يُشرَطَ ذلك لفظًا بأنْ يقولَ أحَدُهما “بِعتُكَ هذا الدِّينَارَ بهذا الدِّينَارِ” أو “هَذا الدِّينَارَ بهذه الدّرَاهِم” أو “هَذا القَمْحَ بهذا القَمح” أو “هذا القَمحَ بهذا الشَّعِير” وَيَزِيدَ فِي كُلٍّ مِن ذَلِك شَرطَ الأَجَلِ كَأَن يَقُولَ “على أنْ تُسَلِّمَنِيْهِ غَدًا” أو “في ساعَةِ كَذا” أو “لسَاعَةِ كذا” أو “في الدَّقِيقَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الآنَ” أو نَحوَ ذلكَ فَهذَا ربًا مُحَرَّمٌ، ولا يَحصُلُ الأجَلُ بدُونِ الذِّكْرِ.

خلاصة

لَا يَحصُلُ الرِّبَا إِلَّا فِي النَّقدِ أَوِ المَطعُومِ، أَي بِأَن يَشتَرِيَ نَقدًا بِنَقدٍ أَو مَطعُومًا بِمَطعُومٍ أَي مَعَ اتِّحَادِ عِلَّةِ الرِّبَا مِن غَيرِ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، فَإِن اتَّحَدَا فِي الجِنسِ كَالفِضَّةِ مَعَ الفِضَّةِ وَالشَّعِيرِ مَعَ الشَّعِيرِ مَثَلًا فَيُشتَرَطُ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ، وَإِن اختَلَفَ الجِنسُ كَالفِضَّةِ مَعَ الذَّهَبِ وَالشَّعِيرِ مَعَ القَمحِ فَيُشتَرَطُ شَرطَانِ التَّقَابُضُ وَالحُلُولُ.

أَمَّا إِن اختَلَفَت عِلَّةُ الرِّبَا كَأَن اشتَرَى نَقدًا بِمَطعُومٍ أَو العَكس أَو كَانَ العِوَضَانِ أَو أَحَدُهُمَا لَيسَ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ فَلَا رِبَا فِي ذَلِكَ وَلَو لَم يُرَاعِ هَذِهِ الشُّرُوطَ.

حكم بيع الفلوس بعضها ببعض

ظَهرَ مِن ذلكَ أيضا أنّهُ لا ربا في الفُلُوسِ أو العملة الورقية عند الشافعية أي إذَا بِيْعَ الفَلْسُ بالفَلْسِ فهوَ حَلالٌ بل يجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بأَلفِ فَلْسٍ كما هو مذكور في حواشي الروضة.

وإنّما كانَ الرّبا خَاصًّا بالنَّقْدِ دُونَ الفُلُوسِ مَثَلًا مِن بَينِ الأثمانِ لأنَّ النَّقدَ هو المذكورُ في حديثِ الرّبا الذي فيه قولُه ﷺ: “الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ رِبًا إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ” ولأنّ النّقدَ أي الذهبَ والفضةَ مَرجِعُ الأثمانِ أي تعرف به قيمة الأشياء، فلو تعامل الناسُ بغير الذهب والفضة، يبقى مرجِعُ الأثمان الذهب والفضة لذلك كان لهُما خُصوصية.

من الدليل على عدم ربوية الفلوس

إنْ قَالَ قَائِلٌ: إنّما لم تُذكَر هَذه الأثمانُ مِنَ الأوراقِ المصطَلَح علَيها في العُصُورِ الأخيرةِ في النّصّ القُرءاني أو الحَدِيثيّ لأنّها لم تَكُن مُستَعملَةً في العَصرِ الأوّلِ فلَو كَانَت مُستَعملَةً في العصر الأوّلِ لَنُصَّ علَيها كمَا نُصَّ على الذّهَبِ والفِضَّةِ، فالجوابُ أنّ العُملَةَ مِنَ النُّحَاسِ كانَت مَوجُودَةً في العَصرِ الأوّلِ بدَلِيل ما ذكَرَهُ بَعضُ الحُفّاظِ أنّ ابنَ عُمرَ رضيَ الله عنهما كانَ يتَمثَّلُ بهذا البيتِ: [الوافر]

يُحِبُّ الخَمْرَ مِن مَالِ النَّدَامَى *** ويَكرَهُ أنْ تُفَارِقَهُ الفُلُوسُ

ومعَ ذلكَ لم يُنَصَّ علَيها في الحديثِ.

فإنْ قيلَ: الحُجَّةُ في إيجَابِ الزّكَاةِ في الأثمان غَيرِ الذّهَب والفِضّةِ القِيَاسُ، فالجَوابُ أنّ هَذه الأثمانَ لَيسَت فِيهَا جَوهَريّةُ الأثمانِ التي في النَّقدَين الذّهَبِ والفِضَّةِ، وهَذا القِيَاسُ قِيَاسٌ معَ الفَارِق ولذَلكَ لم يَلتَفِتْ إلَيهِ أَكثَرُ المجتَهِدينَ، ولم يُوجِب عُلمَاءُ المالكِيّةِ والحنَابِلَةِ الذينَ ظَهَرَت في زَمانِهم هَذه الأثمانُ فيها الزّكاةَ إلا أُنَاسٌ لا اعتِمَادَ علَيهِم، والشّافعِيّةُ الذينَ أَدرَكُوا هَذه الأثمانَ نَصُّوا على أنّهُ لا زكاةَ فيها مِنهُم الشّيخُ محمَّدُ الأَنْبَابيّ المصريّ الذي كان يُلَقَّبُ الشّافعِيَّ الصّغِير كما نقل ذلك عنه صاحب كتاب موهبة ذي الفضل.

فائدة

تُعْتَبرُ الْمُمَاثَلَةُ في الْمَكِيلِ كَيْلًا والْمَوْزُونِ وَزنًا، والْمُعْتَبَرُ غالِبُ عادةِ أهلِ الحِجازِ في عهدِ رسول الله ﷺ (يعني ما كان يعتبر في عهد الرسول ﷺ موزونا يعتبر فيه الوزن وما كان يعتبر مكيلا يعتبر فيه الكيل وهكذا)، وما جُهِلَ (يعني لم يعلم ما كان يعتبر في زمن الرسول ﷺ في الحجاز هل هو مكيل أو موزون أو غير ذلك) يُراعَى فيهِ عادةُ بَلَدِ البَيْعِ.

ربا القرض

هَذَا هُوَ النَّوعُ الرَّابِعُ مِن أَنوَاعِ الرِّبَا، وَهُوَ كُلُّ قَرضٍ شُرِطَ فيهِ جَرُّ منفَعةٍ للمُقرِضِ سَواءٌ كانتِ المنفَعَةُ لهُ وَحدَهُ أَم لهُ وللمُقتَرِضِ وسَواءٌ كانتِ المنفَعَةُ زِيادَةً أم غَيرَ زيادَةٍ، وهَذَا النَّوعُ مِنَ الرِّبَا هُوَ الَّذِي كَانَ مَعرُوفًا مَشهُورًا بَينَ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبلَ نُزُولِ ءَايَةِ التَّحرِيمِ، ولا يُشتَرطُ في حُرمَةِ ربَا القَرضِ أنْ يَكُونَ القَدْرُ الذي يَشتَرِطُه الْمُقرِضُ مِنَ الزّيادَةِ عندَ ردِّ القَرْضِ كثِيرًا بل القَلِيلُ والكَثِيرُ في الحُرمَةِ سَواءٌ.

قَالَ اللهُ تَعالى

وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

سورة البقرة: 279

أي إنْ أرَدتُم التّوبةَ مِنْ مَعصِيَةِ الرّبا فَاقتَصِرُوا على رأسِ المالِ ولا تَطلبُوا شيئًا سِوى رأسِ المال.

من صور ربا القرض

  1. أَنْ يَكُونَ للرّجلِ على الرَّجُلِ دَينٌ إلى أجَلٍ ثم إذا حلَّ الأجَلُ يقولُ صاحبُ الدَّينِ للمَدين “إمّا أنْ تَدْفعَ وإمّا أنْ أَزِيدَ علَيكَ” (يعني أزيد في المال) قالَ بعضُ الحنفيّةِ هذا أوّلُ ما نزَلَ تَحريمُهُ مِنَ الرِّبا اهـ.
  2. الربا الذي بالبُنوكِ ونحوِها مِما يُشتَرطُ فيهِ الزّيادَةُ وهوَ أشَدُّ أنواع الرِّبا.
  3. الرّبا الذي بغَيرِ الزّيادَةِ في قَدْرِ الدَّينِ، وَهُوَ مثلُ ما يَفعَلُهُ بَعضُ النّاسِ مِنْ أنَّ أحَدَهُم يُقرِضُ شَخصًا مَالًا إلى أجَلٍ ويَشتَرِطُ علَيهِ أنْ يُسكِنَهُ بَيتَهُ مجّانًا أو بأُجرَةٍ مُخَفَّفةٍ إلى أنْ يؤدّيَ الدَّينَ، ويُسَمُّونَهُ في بعضِ البِلادِ استِرهَانًا، وهُوَ حَرامٌ بالإجماعِ اتّفقَ على تَحرِيمِهِ الْمُجتَهِدونَ الأئمّةُ الأربعَةُ وغَيرُهم.
  4. ما يَفعَلُهُ بَعضُ النّاسِ مِنْ أنّهُم يَبِيعُونَ الشّىءَ بأقسَاطٍ مُؤجَّلَةٍ إلى ءاجَالٍ مَعلُومَةٍ معَ شَرطِ أنّهُ إنْ أخَّرَ شيئًا منْ هذهِ الأقسَاطِ يُضافُ علَيه كذا منَ الزّيادةِ، ولَولا هذا الشَّرطُ لَكَانَ بيعًا جائزًا مَهما حصَلَ مِنَ الرِّبحِ بسبَبِ التّقسِيطِ مما هوَ زائدٌ على الثَّمَنِ لَو كَانَ حَالًّا.

تنبيه

إنْ أرَادَ المقتَرِضُ مُكافَأةَ المَعرُوفِ بِالمَعرُوفِ فرَدَّ الدَّينَ مع زيادَةٍ مِن تِلقَاءِ نَفسِهِ كانَ جَائزًا، لأنَّ القَرضَ حسَنَةٌ مِنَ الحسَنَاتِ إذَا كانَ على الوَجهِ الشَّرعيّ أي فيهِ ثَوابٌ.

حكم البيع بالتقسيط

أَصْلُ بيعِ التّقسِيطِ جائزٌ إذا افتَرقا على بيَانِ أنّهُ يُرِيدُ بيعَ النَّسِيئَةِ لا الحالِّ أو الحَالَّ لا النَّسِيئَةَ، وأمَّا إذَا تَفرَّقا قَبلَ البَيانِ ثم أخَذَ الشّىءَ فهو حرامٌ وذلك كأنْ يَقُولَ البَائِعُ للمُشتَرِي بِعتُكَهُ بكذا نَقدًا أو بِكَذَا نَسِيئَةً فيَقُولَ المُشتَرِي قَبِلتُ مِن غَيرِ أَن يُبَيِّنَ أَنَّه اختَارَ النَّقدَ أَو النَّسِيئَةَ فَيَأخُذَ المَبِيعَ مِن غَيرِ بَيَانٍ وهُوَ المُرادُ بِمَا وَرَدَ النَّهيُ عنهُ مِن بَيعَتَين في بَيعَةٍ.

أَمَّا مَا يَفعَلُهُ بَعضُ النّاسِ مِنْ أنّهُم يَبِيعُونَ الشّىءَ بأقسَاطٍ مُؤجَّلَةٍ إلى ءاجَالٍ مَعلُومَةٍ معَ شَرطِ أنّهُ إنْ أخَّرَ شيئًا منْ هذهِ الأقسَاطِ يُضافُ عَلَيهِ كَذَا مِنَ الزّيادةِ فَهُوَ مِنَ الرِّبَا، فَالفَرقُ هُوَ شَرطُ الزِّيَادَةِ إِذَا تَأَخَّرَ فِي سَدَادِ الأَقسَاطِ، وَلَولَا هَذَا الشَّرطُ لَكَانَ بيعًا جائزًا مَهما حصَلَ مِنَ الرِّبحِ بسبَبِ التّقسِيطِ مما هوَ زائدٌ على الثَّمَنِ لَو كَانَ حَالًّا.

دليل حرمة ربا القرض

الدَّلِيلُ عَلَى حُرمَةِ رِبَا القَرضِ:

قَولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ

كُلُّ قَرضٍ جَرَّ مَنفَعَةً فَهُوَ رِبَا

رواه البيهقي

وَهَذَا الحَدِيثُ أَخرَجَهُ الحَارِثُ فِي مُسنَدِهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ البُوصِيرِيُّ فِي إِتحَافِ الخِيَرَةِ: (هَذَا إِسنَادٌ ضَعِيفٌ لِضَعفِ سِوَارِ بنِ مُصعَبٍ الهَمَدَانِيِّ وَلَهُ شَاهِدٌ مَوقُوفٌ عَلَى فُضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَالبَيهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الكُبرَى).

وَمَعَ ضَعفِ هَذَا الحَدِيثِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ وَإِن كَانَ إِسنَادُهُ ضَعِيفًا، فَالقَرضُ شَرَعَهُ اللهُ لِلمُوَاسَاةِ بَينَ العِبَادِ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ جَرِّ المَنفَعَةِ، القَرضُ شُرِعَ لِلإِحسَانِ إِلَى النَّاسِ لَيسَ لِطَلَبِ الرِّبحِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُختَصَرَةٌ مِن:

  1. فتح الوهاب للشيخ زكريا الأنصاري.
  2. أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري.
  3. متن الغاية والتقريب لأبي شجاع وشروحاته.
  4. روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي.
  5. مغني المحتاج للشربيني.
  6. حاشية البجيرمي.
  7. التنبيه للشيرازي.
  8. المهذب للشيرازي.
النكاح وما يتعلق به

أحكام النكاح وما يتعلق به

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد: تعريف…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share