المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
الْوُضُوءُ هُوَ أَوَّلُ مَقَاصِدِ الطَّهَارَة فُرِضَ عِنْدَمَا فُرِضَتِ الصَّلاةُ.
تعريف الوضوء
- الوضوء لغة: النظافة والخلوص من الأدناس سواء كانت حسية كالنجاسات أو معنوية كالرياء
- شرعا: هو فعل ما تستباح به الصلاة.
أركان الوضوء
الفرق بين الركن والشرط
الرُّكْنِ فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ الشَّرْطُ، فالشرط هُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّىْءِ وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ كَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلاةِ
وَأَمَّا الرُّكْنُ فَهُوَ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الشَّىْءِ عَلَيْهِ وهو جُزْءٌ مِنَ الشَّىْءِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
ثم إن الركن والفرض والواجب بمعنى واحد في الفقه الشافعي إلا في باب الحج فالركن غير الواجب.
من أين عرفت فروض (أركان) الوضوء؟
إنَّ فُرُوضَ الْوُضُوءِ سِتَّةٌ، أَرْبَعَةٌ منها عُرِفَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَغَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ هَذِهِ الأَرْبَعَةُ دَلِيلُهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
قال الله تعالى
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
وَاثْنَانِ بِالسُّنَّةِ فقط فالنِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ دَلِيلُهُمَا الْحَدِيثُ. فالنية من قوله ﷺ:
قال رسول الله ﷺ
إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ
رواه الشيخان
وأما الترتيب فمن قوله عليه الصلاة والسلام:
قال رسول الله ﷺ
ابدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ
الفرض الأول: النية
تجب النية في الوضوء وهي قصد الشىء مقترنا بفعله ومحلها القلب، فلا بُدَّ فِي الوضوء لِصِحَّتِهِ مِنْ نِيَّةٍ مُجْزِئَةٍ كَأَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ لِلصَّلاةِ بِقَلْبِهِ فَلا يَكْفِي التَّلَفُّظُ بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارِهَا بِقَلْبِهِ وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ الْوُضُوءِ أَوِ الْوُضُوءَ فَقَطْ.
متى تكون النية؟
يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ أَيْ مُقْتَرِنَةً بِغَسْل أوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ أَيْ عِنْدَ إِصَابَةِ الْمَاءِ لِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ فَإِذَا قَرَنَ النِّيَّةَ بِأَوَّلِ غَسْلِ الْوَجْهِ كَفَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ، فلَوْ غَسَلَ الشخص جُزْءًا مِنْ وَجْهِهِ قَبْلَ هَذِهِ النِّيَّةِ ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ غَسْلِ مَا غَسَلَهُ قَبلَ النِّيَّةِ.
الفرض الثاني: غسل الوجه
فلا بد من غسل الوجه جَمِيعِهِ في الوضوء وَالْمُرَادُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ فَلا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنِ وَالْفَمِ وَالأَنْفِ.
حدّ الوجه
- حَدُّه طولا مِنْ أَوَّلِ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ إِلَى الذَّقَنِ. وَالذَّقَنُ هُوَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ أَسْفَلَ الأُذُنِ يَجْتَمِعَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ فَيُسَمَّى مُجْتَمَعُهُمَا الذَّقَنَ.
- حَدُّهُ عَرْضًا فَهُوَ مِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ أَيْ مِنْ وَتِدِ الأُذُنِ إِلَى وَتِدِ الأُذُنِ وَلا يَدْخُلُ الْوَتِدُ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلا تَدْخُلُ الأُذُنَانِ فِي الْوَجْهِ وَلا يَجِبُ غَسْلُهُمَا إِنَّمَا الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ مَا بَيْنَهُمَا.
فَمَا كَانَ ضِمْنَ هَذَا مِنْ شَعَرٍ وَبَشَرٍ أَيْ جِلْدٍ فَغَسْلُهُ فَرْضٌ، وَمِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الْوَجْهِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ عِنْدَ إِطْبَاقِ الْفَمِ بِخِلافِ مَا لا يَظْهَرُ عِنْدَ الإِطْبَاقِ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ غَسْلُهُ.
ولا يَجِبُ غَسْلُ مَا يَنْحَسِرُ عَنْهُ الشَّعَرُ كَالنَّاصِيَّةِ (لمن كان عنده صلع في مقدم الرأس لا يجب غسل المكان الأصلع) فَمَنْ كَانَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعَرُ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ.
قال العلماء: يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَجْهِ مِنْ سَائِرِ جَوَانِبِ الْوَجْهِ لِلتَّحَقُّقِ مِنِ اسْتِيعَابِهِ وَهَذَا يَحْصُلُ ولو بِقَدْرٍ قَلِيلٍ.
حكم غسل اللحية في الوضوء
يُسْتَثْنَى مِنْ غسل الوجه بَاطِنُ لِحْيَةِ الرَّجُلِ الْكَثِيفَةِ (واللحية هي ما ينبت على الذقن فقط دون ما ينبت أسفل الخدين من الجانب) وَبَاطِنُ عَارِضَيْهِ الْكَثِيفَيْنِ (وهما ما ينبت على العظمين الذين ينبت عليهما الأسنان السفلى) فلا يجب غسل الباطن منهما بل يكفي غسل الظاهر، فَإِنْ خَفَّ شَعَرُ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضَيْنِ وَجَبَ غَسْلُ بَاطِنِهِ كَذَلِكَ.
كيف نميز بين الكثيف والخفيف؟
الْكَثِيفُ هُوَ مَا لا تُرَى الْبَشَرَةُ (الجلد) مِنْ خِلالِهِ في مجلس التخاطب، وأما الخفيف فترى البشرة من خلاله.
شعور الوجه
للوجه شعور عدة منها:
- اللحية: هي الشعر النابت على الذقن
- العارضان: هما الشَّعَرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمَيْنِ جَانِبَيِ الْوَجْهِ الْمُلْتَقِيَيْنِ فِي أَسْفَلِهِ
- العذار: هو الشعر المحاذي للأذن فوق العارض وهو ما يسمى بالعامية (السالف)
- الحاجب
- الأهداب (الرموش).
- الشارب
- العنفقة: هي الشعر النابت تحت الشفة السفلى
- الغمم: هو الشعر النابت على الجبهة
الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين
يجب غسل اليدين من رؤوس الأصابع إلى المرفقين أي مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ في الوضوء وَالْمِرْفَقُ هُوَ مُجْتَمَعُ عَظْمَيِ السَّاعِدِ وَعَظْمِ الْعَضُدِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَةِ/6] أَيْ مَعَ الْمَرَافِقِ فَإِذَا تُرِكَ الْمِرْفَقَانِ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ مِرْفَقَيْهِ وَلا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَوْ قُطِعَ من اليد بَعْضُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ.
ويَجِبُ أَيْضًا غَسْلُ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَلَوْ كَانَ كَثِيفًا طَوِيلًا. وَيَجِبُ غَسْلُ الظُّفْرِ أَيْضًا.
وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّقِّ أَيْ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ شُقُوقٌ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا.
وَيَكْفِي غَسْلُ قِشْرِ الْجُرْحِ وَلا يَجِبُ رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ فَلَوْ أَزَالَهُ بَعْدَ إِتْمَامِ الْوُضُوءِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا ظَهَرَ.
وإِنْ كَانَ عَلَى يَدِهِ سِلْعَةٌ أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ زَائِدَةٌ نَبَتَتْ عَلَى يَدِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا.
مسألة الوسخ تحت الظفر
وَأَمَّا الْوَسَخُ الَّذِي تَحْتَ الظُّفْرِ الْمَانِعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْفَى عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ: لا يُعْفَى عَنْهُ.
مسألة الشوكة في اليد
إذا شاكت الشَّوْكَةُ شخصا فَإِنِ اسْتَتَرَتْ وَتَجَاوَزَتِ الْجِلْدَ فَلا يَجِبُ إِخْرَاجُهَا لِغَسْلِ مَوْضِعِهَا أَمَّا إِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً لَمْ تَسْتَتِرْ فَيُخْرِجُهَا وُجُوبًا.
الفرض الرابع: مسح بعض الرأس
يجب مسح الرأس في الوضوء والْوَاجِبُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَسْحُ شَىْءٍ مِنْ شَعَرِ الرَّأْسِ وَلَوْ بَعْضَ شَعْرَةٍ أَوْ جُزْءًا مِنَ الرَّأْسِ لا شَعَرَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّعَرِ أَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الرَّأْسِ، وَحَدُّ الرَّأْسِ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعَرِ غَالِبًا إِلَى النُّقْرَةِ فَلَوْ مَسَحَ الْقَدْرَ الَّذِي يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ عِنْدَ مَدِّهِ لِجِهَةِ نُزُولِهِ لم يَكْفِ.
الفرض الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين
يجب غسل الرجلين ولا يكفي مسحهما من رؤوس الأصابع إلى الكعبين في الوضوء، والكعبان هما العظمان اللذان يشبهان الكرة ويكونان بين الساعد والقدم وليس هو زاوية الرجل من الأسفل بل هذا يسمى العَقِب.
وَيجب غسل مَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَسِلْعَةٍ وَشُقُوقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا فِي غَيْرِ لابِسِ الْخُفِّ أَمَّا مَنْ لَبِسَ الْخُفَّ الْمُسْتَوْفِيَ لِلشُّرُوطِ فَيَكْفِيهِ مَسْحُ الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ومن يريد لبسه عليه أن يتعلم أحكامه.
الفرض السادس: الترتيب
أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ الْمَقْرُونِ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ بِأَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ مَا قَدَّمَهُ، وإِنْ حَصَلَ التَّرْتِيبُ تَقْدِيرًا فَيَكْفِي ذَلِكَ كَأَنْ غَطَسَ فِي مَاءٍ مَعَ النِّيَّةِ فَخَرَجَ وَلَو لَمْ يَمْكُثْ زَمَنًا يُمْكِنُهُ التَّرْتِيبُ الْحَقِيقِيُّ فِيهِ.
والله أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.