التسبيح، آثاره وفضله

خطبة الجمعة التسبيح آثاره وفضله

الخطبة الأولى

الحَمدُ للهِ اللَّطِيفِ الرَّؤُوفِ العَظِيمِ المَنَّانِ، الكَبِيرِ القَدِيرِ القَدِيمِ الدَّيَّانِ، الغَنِيِّ العَلِيِّ القَوِيِّ السُّلطَانِ، الحَلِيمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ الرَّحمَنِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، جَلَّ عَن شَرِيكٍ وَوَلَدٍ، وَعَزَّ عَنِ الاحتِيَاجِ إِلَى أَحَدٍ، وَتَقَدَّسَ عَن نَظِيرٍ وَانفَرَدَ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ وَأَوجَدَ مَا كَانَ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفضَلِ خَلقِهِ وَبَرِيَّتِهِ، المُقَدَّمِ عَلَى الأَنبِيَاءِ بِبَقَاءِ مُعجِزَتِهِ، الَّذِي انشَقَّ لَيلَةَ وِلَادَتِهِ الإِيوَانُ.

أَمَّا بَعدُ عِبَادَ اللهِ: فَإِنِّي أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، اتَّقُوا اللهَ القَائِلَ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾.

وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَن قَالَ سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خَطَايَاهُ وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ“.

وَقَد أَخرَجَ المُستَغفِرِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: تَوَلَّت عَنِّي الدُّنيَا وَقَلَّت ذَاتُ يَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “فَأَينَ أَنتَ مِن صَلَاةِ المَلَائِكَةِ وَتَسبِيحِ الخَلَائِقِ وَبِهَا يُرزَقُونَ؟”، قَالَ فَقُلتُ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: “قُل سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ سُبحَانَ اللهِ العَظِيمِ، استَغفِرِ اللهَ مِائَةَ مَرَّةٍ مَا بَينَ طُلُوعِ الفَجرِ إِلَى أَن تُصَلِّيَ الصُّبحَ تَأتِيكَ الدُّنيَا رَاغِمَةً صَاغِرَةً“.

إِخوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ التَّسبِيحَ وَذِكرَ اللهِ مِن أَيسَرِ العِبَادَاتِ وَأَسهَلِهَا، فَهُوَ لَا يَحتَاجُ الجُهدَ الكَبِيرَ، وَلَيسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، بَل يَستَطِيعُ الشَّخصُ أَن يُسَبِّحَ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ مِن أَحوَالِهِ، فِي البَيتِ وَالعَمَلِ، فِي السَّيَّارَةِ وَالشَّارِعِ، مَاشِيًا أَو رَاكِبًا، قَائِمًا أَو جَالِسًا، يَكفِيكَ أَن تُحَرِّكَ شَفَتَيكَ بِقَولِ (سُبحَانَ اللهِ) لِتَنَالَ أَجرَ التَّسبِيحِ العَظِيم، وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى بِنَا.

وَإِنَّ التَّسبِيحَ ـ مَعَ يُسرِ وَسُهُولَةِ فِعلِهِ ـ لَمِن أَفضَلِ الكَلَامِ عِندَ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِمَا يَحمِلُ مِنَ المَعَانِي الرَّاقِيَةِ العَالِيَةِ، مِن تَمجِيدٍ للهِ وَتَنزِيهٍ لَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَإِقرَارٍ وَاعتِرَافٍ بِعَظَمَةِ الخَالِقِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّ مَعنَى سُبحَانَ اللهِ: تَنَزَّهَ اللهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ سُبحَانَهُ صِفَاتُ النَّقصِ كَالعَجزِ وَالِاحتِيَاجِ وَصِفَاتِ الجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، فَهُوَ سُبحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

إِخوَةَ الإِسلَامِ: أَظهَرَ اللهُ فَضلَ التَّسبِيحِ فِي القُرءَانِ، حَيثُ ابتَدَأَت سَبعُ سُوَرٍ مِن سُوَرِ القُرءَانِ الكَرِيمِ بِالتَّسبِيحِ، وَأَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِالمُوَاظَبَةِ عَلَيهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الآيَاتِ، فَهُوَ مِن أَعظَمِ أَبوَابِ الخَيرِ وَالبَرَكَاتِ، فَمِن سِرِّهِ فَتحُ أَبوَابِ القَبُولِ وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ، وَمِن ثَمَرَتِهِ إِزَالَةُ وَهَنِ النَّفسِ، وَرَفعُ الهِمَّةِ، وَمِن مَنَافِعِهِ النَّجَاةُ مِن كُرُبَاتِ الدُّنيَا وَتَفرِيجُهَا، وَتَيسِيرُ الرِّزقِ، فَضلًا عَنِ الثَّوَابِ الكَبِيرِ الَّذِي أَخبَرَ بِهِ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ.

فَحَرِيٌّ بِنَا إِخوَةَ الإِيمَانِ أَن نُوَاظِبَ عَلَيهِ وَلَا نُغفِلَهُ، فَمِنَ الغَفلَةِ أَن يَترُكَ العَبدُ هَذَا الخَيرَ العَظِيمَ مَعَ أَنَّهُ سَهلٌ الحُصُولُ عَلَيهِ، فَقَط حَرِّك لِسَانَكَ بِهِ، وَاستَحضِر فِي قَلبِكَ الخُشُوعَ وَالخُضُوعَ للهِ تَعَالَى، وَصَحِّح قِرَاءَتَكَ لَهُ بِإِخرَاجِ الحُرُوفِ مِن مَخَارِجِهَا، بِتَأَنٍّ وَسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ.

نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَنَا مِنَ المُسَبِّحِينَ الذَّاكِرِينَ، وَأَن يَرزُقَنَا هَذَا الخَيرَ وَالثَّوَابَ العَظِيمَ، وَأَن يَتَوَفَّانَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم. 

الخطبة الثانية

إِنَّ الحَمدَ للهِ، لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، أَمَّا بَعدُ:

عِبَادَ اللهِ: أَكثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ بِدُعَاءِ سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ الوَارِدِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فَإِنَّ فِيهِ تَفرِيجًا لِلكُرُوبِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَهلِنَا فِي غَزَّةَ حَرَّرَهَا اللهُ، فَإِنَّنَا إِنِ انقَطَعَت بِنَا الأَسبَابُ الأَرضِيَّةُ لَا نَنسَى أَن نَلجَأَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي نُصرَةِ أَهلِنَا فِي غَزَّةَ. نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَتَوَلَّى أَهلَنَا فِي غَزَّةَ بِالنَّصرِ وَتَفرِيجِ الكَربِ، وَيَرحَمَ شُهَدَاءَهُم، وَيَشفِيَ جَرحَاهُم، وَيُنزِلَ السَّكِينَةَ عَلَى أَهلِهِم وَيُثَبِّتَهُم وَيَنصُرَهُم، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، قَد أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾، لَبَّيكَ اللهم صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللهم اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يَا اللهُ احفَظِ المُسلِمِينَ وَالمَسجِدَ الأَقصَى مِن أَيدِي اليَهُودِ المُدَنِّسِينَ، يَا اللهُ ارزُقنَا صَلَاةً فِي المَسجِدِ الأَقصَى مُحَرَّرًا، نَسجُدُهَا شُكرًا لَكَ عَلَى النَّصرِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يَا اللهُ انصُرِ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ انصُرِ المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ، يَا اللهُ يَا مَن لَا يُعجِزُكَ شَيءٌ ثَبِّتِ المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ وَأَمِدَّهُم بِمَدَدٍ مِن عِندِكَ، وَارزُقهُم نَصرًا قَرِيبًا مُؤَزَّرًا، اللهم عَلَيكَ بِاليَهُودِ أَعدَاءِ هَذَا الدِّينِ، اللهم أَحصِهِم عَدَدًا، وَاقتُلهُم بَدَدًا، وَلَا تُغَادِر مِنهُم أَحَدًا، يَا اللهُ يَا رَحمَنُ يَا رَحِيمُ اشفِ جَرحَى المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ وَفِلِسطِينَ، وَتَقَبَّل شُهَدَاءَهُم، وَأَنزِلِ الصَّبرَ وَالسَّكِينَةَ عَلَى قُلُوبِ أَهلِهِم، اللهم إِنَّا نَستَودِعُكَ غَزَّةَ وَأَهلَهَا، وَأَرضَهَا وَسَمَاءَهَا، وَرِجَالَهَا وَنِسَاءَهَا وَأَطفَالَهَا، فَيَا رَبِّ احفَظهُم مِن كُلِّ سُوءٍ، اللهم إِنَّا نَبرَأُ مِن حَولِنَا وَقُوَّتِنَا وَتَدبِيرِنَا، إِلَى حَولِكَ وَقُوَّتِكَ وَتَدبِيرِكَ، فَأَرِنَا يَا اللهُ عَجَائِبَ قُدرَتِكَ وَقُوَّتِكَ فِي اليَهُودِ الغَاصِبِينَ، اللهم ارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، يَا اللهُ بَلِّغنَا مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، اللهم أَنتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَنتَ الغَنِيُّ وَنَحنُ الفُقَرَاءُ، اللهم فَرِّج عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم أَغِث قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ وَاليَقِينِ، وَارزُقنَا النَّصرَ عَلَى أَنفُسِنَا وَعَلَى أَعدَاءِ الدِّينِ، اللهم اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، اللهم احفَظ بِلَادَ المُسلِمِينَ، اللهم أَصلِح بِلَادَ المُسلِمِينَ، اللهم أَدِم عَلَينَا الأَمنَ وَالأَمَانَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم أَذهِب عَنَّا أَشرَارَنَا وَمَن أَرَادَ الفُرقَةَ وَالِاختَلَافَ لَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَارزُقهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَأمُرُهُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُ عَنِ المُنكَرِ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى، وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

لماذا اشتهر عن متأخري المالكية سدل اليدين في الصلاة بدل قبضهما

لماذا اشتهر عن متأخري المالكية سدل اليدين في الصلاة بدل قبضهما

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share