التوكل على الله: مفتاح الفرج وسبيل النجاح في حياة المسلم

خطبة الجمعة - التوكل على الله - مفتاح الفرج وسبيل النجاح في حياة المسلم

الخطبة الأولى

الحمدُ لله الَّذي لا مانعَ لما وَهَب، ولا مُعْطيَ لما سَلَب، طاعةُ العامِلِينَ لَهُ أفْضلُ مُكْتَسب، وتَقْوى المتقين من أعْلَى ما وهب، هَيَّأ قلوبَ أوْلِيائِهِ للإِيْمانِ وكَتب، وسهَّلَ لهم في جانبِ طاعته كُلَّ نَصَب، أحمدهُ على ما مَنَحَنَا من فضْله وَوَهَب، وأشهَدُ أن لا إِله إلَّا الله وَحْدهُ لا شريكَ لَهُ هزَمَ الأحْزَابَ وحده وَغَلَب، وأشْهَدُ أن محمدًا عبدهُ وَرَسُولهُ الَّذي اصْطَفاه وانتَخَبَ، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى صَاحِبه أبي بكر الْفائِقِ في الفَضَائِلِ والرُّتَب، وعلى عُمَرَ الَّذي فرَّ الشيطانُ منهُ وهَرَب، وعَلَى عُثْمان ذي النُّوُريَنِ التَّقيِّ النَّقِّي الْحسَب، وَعَلى عَليٍّ صهرهِ وابنِ عمه في النَّسب، وعلى بقِيَّةِ أصحابه الذينَ اكْتَسَوا في الدِّيْنِ أعْلَى فَخْرٍ ومُكْتسَب، وعلى التَّابِعين لهم بإحْسَانٍ ما أشرق النجمُ وغَرَب. أما بعد: عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (الحشر:18). “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ” (البقرة:235) فاللهَ اللهَ عبادَ الله.

  إخوة الإيمانِ والإسلام: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في سورة الطلاق: “وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)” أخي المسلم سببانِ ونتيجتانِ في هذه الآيات الكريمة، ولكن لن تصلَ للنتيجةِ غالبا ما لم تحققِ السبب، أما السبب الأول فهو أن تتقيَ اللهَ تعالى، فتكونُ النتيجةُ أن يجعلَ اللهُ لك مخرجا، ويرزقُكَ من حيثُ لا تحتسب. فيا أخي المسلم أتريدُ النتيجةَ وهي أن يجعلَ اللهُ لك مخرجا في أمورِكَ؟! وأن يرزقَكَ اللهُ تعالى من حيث لا تحتسب؟! التزم السببَ الموصلَ للنتيجةِ وهو تقوى اللهِ تعالى، فكم من إنسانٍ اليومَ يريدُ النتيجةَ من غيرِ التزامٍ بالسببِ، يريدُ أن يجعلَ اللهُ له مخرجا ويفرِّجَ عنه وهو لا يتقيه سبحانه وتعالى؟! بعضُ الناسِ يقولُ: أنا أدعو كثيرا وكل ما فيها بتضيق عليّ، لأنه غالبا يدعو ويريدُ الفرجَ وهو ظالمٌ لنفسِهِ بتركِ صلاةٍ أو نحوِها من العبادات، أو وهو ظالمٌ لغيرِهِ بأكلِ مالِهِ ونحوِ ذلك، ثم يقول لك: كل ما فيها بتضيق؟! وأما السبب الثاني فهو التوكلُ على الله تعالى، ونتيجتُهُ أن يكونَ اللهُ تعالى حسبكَ أي كافيك ما أهمّكَ وما نزلَ بك، وأي نتيجةٍ عظيمةٍ هذه، ولكنْ حتى تحصِّلَها أخي المسلم توكّلْ على اللهِ تعالى، أي فوِّضْ أمرَكَ إلى اللهِ تعالى، فالتَّوَكُّلُ هُوَ الاعْتِمَادُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ لأِنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَسَائِرِ مَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ، فَلا ضَارَّ وَلا نَافِعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعَبْدُ ذَلِكَ وَوَطَّنَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ فِي أُمُورِ الرِّزْقِ وَالسَّلامَةِ مِنَ الْمَضَارِّ، واجتنبَ اللجوءَ إلَى المعصيةِ لَا سيَّمَا عندَ الضيقِ، وكما قال الإمام الغزالي رحمه الله: “متى رضيتَ باللهِ وَكيلا، وجدتَ إلى كلِّ خيرٍ سبيلًا”.

إخوة الإسلام: التوكلُ على الله تعالى لَا يُنافي الأخذَ بالأسبابِ، ففي صحيحِ ابنِ حبانَ أنَّ رجلًا قالَ للنبيِّ ﷺ: أُرْسِلُ ناقتِي وأتوكلُ؟ أيْ هلْ أتركُ ناقتِي مِنْ غيرِ أنْ أَرْبِطَهَا وأتَوَكَّلُ علَى اللهِ؟ فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ: “اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ” أيِ ارْبِطْهَا وَتَوَكَّلْ. وقد روى الإمام أحمد في مسندِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بن عباس رضي الله عنهما أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يَا غُلَامُ إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ – أي بطاعة الله تعالى – يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ – بالنصُّرةِ والحفظ – وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ“.وروَى البيهقيُّ فِي شعبِ الإيمانِ عنِ الجنيدِ البغداديِّ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ قالَ: “ليسَ التوكلُ الكسبَ ولا تركَ الكسبِ، التوكلُ شيءٌ فِي القلوبِ”. فجملةُ التوكّلِ تفويضُ الأمرِ إلَى اللهِ تعالَى والثِّقةُ بهِ معَ مَا قُدّرَ للعبدِ مِنَ التّسَبُّبِ. وقدْ روَى الحافظُ أبو نُعَيمٍ أنَّ رجلًا سألَ حاتما الأصم رضي الله عنه وكان صالحًا تقيًّا مشهورًا بشدةِ توكلِه على الله، فقال له: علَى أيِّ شيءٍ بَنَيْتَ أمرَكَ فِي التوكلِ؟ فقالَ: “علَى أربعِ خصالٍ: عَلِمْتُ أنَّ رِزْقِي لَا يَأْكُلُهُ غَيْرِي فَاطْمَأَنَّتْ بهِ نَفْسِي. وعَلِمْتُ أنَّ عَمَلِي لَا يَعْمَلُهُ غَيْرِي فَأَنَا مَشْغُوْلٌ بِهِ. وَعَلِمْتُ أَنَّ الموتَ يَأْتِي بَغْتَةً فَأَنَا أُبَادِرُهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ يَرَانِي فَأَنَا مُسْتَحٍ مِنْهُ”. فليتوكّلْ كلُّ واحدٍ منا على اللهِ تعالى في كلِّ أمورِه مع الأخذ بالأسبابِ، ولنتوكّلْ على اللهِ تعالى في طلبِ النصرِ على الأعداءِ، ولكن لنعلمْ جيّدًا أن ذلك يكون بالعملِ بأسبابِ النصرِ وأهمُّها وأولاها أن نرجعَ إلى طاعةِ اللهِ تعالى؛ فإن تقوى اللهِ أفضلُ العدةِ على العدوِّ وأقوى المَكيدةِ في الحَرْبِ، فقد روي عن سيدِنا خالدِ بنِ الوليدِ رضي الله عنه قال: ” أَرى واللهِ أنّا إن كنّا إنما نقاتلُ بالكثرةِ والقوةِ فهم أكثرُ منا وأقوى علينا، وإن كنّا إنما نقاتلُهم باللهِ [أي مستعينين بالله] وللهِ فما أَرى أنّ جماعتَهم ولو كانوا أهلَ الأرضِ جميعًا تُغني عنهم شيئًا” فهذا هو التوكّلُ الحقيقيُّ على الله تعالى إخوة الإسلام، ولكن هذا لا يعني بحالٍ أن لا نستعدَّ لأعدائِنا بالعددِ والعُدّةِ فاللهُ تعالى يقولُ: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” (الأنفال:60). نسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَ المسلمين في غزّة وكلِّ فلسطين وفي لبنان وأن يثبِّتَ قلوبَهم ويلهمَهم الصبرَ والسّكينةَ، ويرزقَهم القوةَ والنصرَ على اليهودِ وأعداءِ هذا الدِّين؛ هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم. 

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: 

  إخوةَ الإسلام: يقولُ اللهُ تعالى مخبرًا عن مؤمنِ ءالِ فرعون بعد أن دعاهم إلى الجنة وحذّرهم من النّار: “فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ” (غافر:44) وفي تفسيرِها يقول الإمام الطبري :”يقول: وأسلم أمري إلى الله، وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنه الكافي من توكل عليه”.

وقد سُئل الإمامُ شَقيقٌ البَلخيُّ رحمهُ اللهُ تعالى عن التوكلِ على اللهِ فقال: “التوكّل أن يطمئنَ قلبُكَ بموعودِ اللهِ” وقد قال اللهُ تعالى: “إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ” (غافر:51). نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا النصرَ على أعداءِ هذا الدّين، وأن يُريَنا عجائبَ قدرتِهِ باليهودِ الغاصبين الظالمين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

    عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء، اللهم إنّا نبرَأُ من حولِنا وقوَّتِنا وتدبيرِنا إلى حولِكَ وقوّتِكَ وتدبيرِكَ فأرنا يا اللهُ عجائبَ قدرتِكَ وقوّتك في اليهودِ الغاصبين، واجعلْ كيدَهم في نحرِهم يا قويُّ يا متين. اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ،  اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وارزقنا النصرَ على أنفسِنا وعلى أعداء الدين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

المعفوات في الطهارة-أحكامها وأنواعها وفق الفقه الإسلامي

المعفوات في الطهارة: أحكامها وأنواعها وفق الفقه الإسلامي

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: مقدمة:…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share