الخطبة الأولى
الحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ عَدَد الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهْرِ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الْجَهْرِ، الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، ﴿هُوَ الَّذِيْ يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، الْقَدِيمِ فَلا إِلَهَ سِوَاهُ، ولا كَيْفَ لَهُ وَلا شَبِيهَ مُتَنَزِّهٍ عَنْ تَصَوُّرِ الْفِكْرِ. أَقْسَمَ فِي الْقُرْآنِ بمَا يشاءُ مِنْ خلقِهِ، ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالْشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ أَحْمَدُهُ تعالى وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فهو الغنيُّ عن العالمينَ والكلُّ إليه مُفتقِر. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، ولا هيئةَ ولا زوجةَ ولا ولدَ له، شهادةً تنجينا من عذابِ القبر، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم، فخْرُ ربيعةَ ومضر، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه أولي الفضلِ والقدر؛ أما بعدُ:
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)}(سورة الأحزاب). واجعلْ نصبَ عينَيكَ أخي المسلم قولَ اللهِ تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}(سورة العلق:14)فاللهَ اللهَ يا عباد الله.
إخوة الإسلام: اختصّ اللهُ تعالى أزمنةً بخصائصَ جليلةٍ لا تكادُ تجدُها في أيامِ العامِ، فيومُ الجمعةِ هو أفضلُ أيامِ الأسبوع، وشهرُ رمضانَ هو أفضلُ الشهورِ، والليالي العشرُ مِن شهرِ رمضانَ أفضلُ الليالي وليلةُ القدرِ هي خيرُ الليالي، وأفضلُ أيامِ السنةِ هي أيامُ عشرِ ذي الحجة، وكيف لا تكونُ أفضلَ أيامِ السنة؟!! وقد اجتمع فيها من أمّهاتِ العباداتِ ما لا يجتمعُ في غيرِها من صلاةٍ وصيامٍ وصدقةٍ وحجٍّ وغيرِ ذلك. فمَنْ لمْ يستطعِ الحجَّ فإنَّ لهُ أبوابَ خيرٍ جعلَهَا الشرعُ لهُ حتَّى يبقَى علَى مُثَابَرَةٍ علَى الطاعاتِ، وَنحنُ فِي هذهِ الأيامِ مقبلونَ علَى هذَا الموسمِ، علَى أيامٍ العملُ إذَا أَوْقَعْتَهُ فيهَا فهوَ أفضلُ مِنْ أَنْ تُوقِعَهُ فِي غيرِهَا مِنْ أيامِ العامِ وَذلكَ بنصِّ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ، فَقَدْ روى البخاريُّ في صحيحِهِ عنِ الصحابيٍّ الجليلِ عبدِ اللهِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: “مَا مِنْ أَيِامٍ العَمَلُ الصَالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِّهِ الأيَامِ – يَعْنِي أَيَامَ العَشْرِ من ذي الحِجَّةِ – قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا الجِهَادُ في سَبِيِلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الجِهَادُ في سَبِيِلِ اللهِ إِلَا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىٍء”، وقدْ دلَّ هذَا الحديثُ الشريفُ علَى أنَّ العملَ فِي هذه الأيامِ أفضلُ وأحبُّ إلَى اللهِ مِنَ العملِ فِي أيامِ الدُّنيَا ؛ فعملُ البرِّ والإحسانِ فيها يزيدُ علَى مَا سواهُ، والأعمالُ الصالحةُ تَزْكُو عندَ اللهِ أكثرَ مِمَّا إذَا عُمِلَتْ فِي غيرِهَا، فصلاتُكَ للفجرِ والظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ وكذا تصدُقكَ وذكرُكَ اللهَ عزَّ وجل وصلةُ أرحامِكَ ومساعدتكَ للفقراءِ والمحتاجين وإكثارُكَ مِنَ الدعاءِ في هذِهِ الأوقاتِ المُباركةِ وَنَخُصُّ بالدُّعاءِ إخوانَنَا في غَزَّةَ وفلسطينَ فَرَّجَ اللهُ تَعالَى عنهم وَرَفَعَ اللهُ تَعالى عَنهُمُ البَلاءَ، كلُّ هذا وغيرُهُ من الأعمالِ الصالحةِ يضاعفُ لك في هذه العشرِ ما لا يضاعفُ لك في غيرِها من أيامِ السنة، فلا تبخلْ على نفسِكَ فقد لا تُدركُ العشرَ من السنةِ المقبلةِ، فقد تكونُ لي ولكم هذه آخرَ العشرِ من العُمر.
إخوة الإيمان: وَمِنْ فضائلِ العشرِ مِنْ ذي الحجةِ أنَّ اللهَ تعالَى أقسمَ بهَا جملةً وببعضِهَا خصوصًا، فقدْ قالَ تعالَى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)}(سورة الفجر)وقد ثبت عن سيّدِ خلقِ اللهِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم أنه قال:{إِنَّ العَشْرَ عَشْرُ الأَضْحَى وَالوتْرَ يَومُ عَرَفَةَ وَالشَفْعَ يَومُ النَحْرِ}(1). فالليالي العشرُ هيَ عشرُ ذي الحجةِ وهذَا الصحيحُ الذي عليهِ جمهورُ المفسرينَ من السلفِ وغيرِهِم وهو الصحيحُ عنِ الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا. وَمِنْ فضائِلِهَا أن فيها أفضلَ أيامِ السنةِ يومِ عرفةَ ، والذي من فضائلِهِ أن من صامَهُ غفرتْ له الذنوبُ الصغائرُ لسنةٍ قبلَهُ وسنةٍ بعدهُ كما أخبرَ بذلك رسولُ اللهِ ﷺ حيث قال: “صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ”(2).
إخوة الإسلام: قد يسأل البعض، فيقول: وماذا أفعلُ في أيام العشرِ من ذي الحجة؟ فالجوابُ أخي المسلم احرصْ على التزودِ من كلِّ وجوهِ الخير، والتي منها الصيامُ؛ فقدْ جاءَ فِي بعضِ الأحاديثِ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصومُ تسعَ ذي الحجةِ، ويومَ عاشوراء(3)، وثلاثةَ أيامٍ مِنْ كُلِّ شهرٍ(4). ومنها ذكرُ اللهِ تعالى؛ لقولِهِ تعالَى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}(سورة الحج:28) وقدْ فُسِّرَتْ بأنَّهَا أيامُ العشرِ(5)، فأكثرْ أخي المسلم في هذه الأيامِ من التكبيرِ أي قولِ اللهُ أكبر: أي أن اللهَ تعالى أكبرُ عظمةً وقدرًا من كلِّ كبير، وليس معناهُ أن اللهَ تعالى أكبرُ حجمًا من غيرِهِ، فاللهُ تعالى لا حجمَ ولا شكلَ له، فمهما تصوّرتَ ببالكَ فاللهُ لا يُشبِهُ ذلك، وكذا أكثرْ من قولِ: سبحان الله، ومن قولِ: لا إلهَ إلا الله؛ فقد روى الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ عن الصحابيِّ الجليل عبدِ اللهِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا عن النبي ﷺ قال: “ما من أَيَّامٍ أعظمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَلاَ أَحَبُّ إلَيْهِ من الْعَمَلِ فِيهِنَّ من هذه الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ من التَّهْلِيلِ(6) وَالتَّكْبِيرِ(7) والتَّحْمِيدِ(8)“وأكثرْ أخي المسلم من قيامِ الليلِ والصدقةِ وقراءةِ القرءانِ قراءةً صحيحةً إن كنتَ قد تعلمتَهُ على معلمٍ ثقةٍ. ولا تضيعِ الأوقاتَ أخي المسلم بما بلا ينفعُ بل كن كما قال أحدُ الفقهاءِ الشعراء:
يا صاحبي إن قلبيَ اليومَ مكتئبٌ
لِمَا تذكرتُ من دهري الذي غلبا
وفاتني من خيارِ الناسِ كم رجلٍ
ما فارقَ الذِّكرَ طولَ العمرِ والكُتُبا
بكّاءُ ليلتِهِ سجّادُ خلوتِهِ
من خوفِ مالكِهِ يستعذِبُ التَّعبا
نسأل الله تعالى أن يتقبلَ منا طاعاتِنا وأن يعتِقَنا من النارِ، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
إخوةَ الإسلام: يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: “إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ؛ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئاً” رواه الإمام مسلم. فيُسنُّ ويستحبُّ لمن أرادَ أن يضحيَ أن لا يأخذَ شيئًا من شَعَرِهِ من ليلةِ اليومِ الأوّلِ من ذي الحجةِ إلى الفراغِ من ذَبحِ الأضحية، سواءٌ شعرَ رأسِهِ أو غيرِه، وسواءٌ أكان الأخذُ بقصٍّ أم نتفٍ أم غيرِه، وكذلك لا يأخذُ شيئًا من ظُفْرِهِ، إلا أنه لو فعل شيئا من ذلك فلا إثمَ عليهِ؛ بل يُكره ذلك عندَ السادةِ الشافعيةِ وأضحيتُهُ صحيحةٌ. والحكمةُ من ذلك أن يبقى كاملُ الأجزاءِ ليُعتَقَ كلُّه من النار، وأما التطيّبُ أو معاشرةُ الزوجةِ فلا تحرُمُ ولا تُكرهُ، نسألُ اللهَ تعالى أن يرحمنا ويتقبلَ منا طاعاتنا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- أخرجه الحاكمُ وأحمدُ والنسائيُّ والبزارُ وابنُ جريرٍ الطبريُّ وابنُ المنذرِ وابنُ مَردويْه وصَحَّحَهُ البيهقيُّ فِي الشعبِ.
- رواه الإمام مسلم في صحيحه.
- العاشر من محرم.
- أي أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهرٍ قمري. والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والبيهقي وأبو داود.
- رواه البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
- قول “لا إله إلا الله”.
- قول “الله أكبر”.
- قول “الحمد لله”.