بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
قال الله تعالى
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً
سورة الأعراف (55)
لَا يَكَادُ يَمُرُّ عَلَينَا يَومٌ فِي حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ إِلَّا وَتَكُونُ لَنَا حَاجَةٌ مَا كَبِيرَةً كَانَت أَو صَغِيرَةً، لِذَلِكَ يَلجَأُ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ إِلَى حُلُولٍ مُختَلِفَةٍ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِم، لَكِنَّ رَسُولَنَا الكَرِيمَ ﷺ قَد دَلَّنَا عَلَى مَا يُسَاعِدُنَا فِي قَضَاءِ حَاجَاتِنَا مِنَ الأَسبَابِ البَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ أَقوَى وَأَنفَعُ مِنَ الأَسبَابِ الظَّاهِرَةِ، وَمِن هَذِهِ الأَسبَابِ صَلَاةُ الحَاجَةِ وَالدُّعَاءُ المَأثُورُ عَنهُ ﷺ.
ما هي صلاة الحاجة؟
صَلَاةُ الحَاجَةِ هِيَ صَلَاةٌ عَلَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ تُؤَدَّى عِندَمَا يَطرَأُ لِلعَبدِ حَاجَةٌ مُعَيَّنَةٌ صَغِيرَةٌ أَو كَبِيرَةٌ فَيُصَلِّيهَا طَلَبًا لِقَضَاءِ هَذِهِ الحَاجَةِ مِثلِ تَيسِيرِ رِزقٍ أَو زِوَاجٍ أَو تَوفِيقٍ فِي عَمَلٍ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ فِي حَيَاةِ الإِنسَانِ، وَهِيَ صَلَاةُ رَكعَتَينِ بِتَسلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ إِسبَاغِ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَدُعَاءٍ مَخصُوصٍ بَعدَهَا سَيَأتِي ذِكرُهُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
حكم صلاة الحاجة
لَا شَكَّ أَنَّ صَلَاةَ الحَاجَةِ سُنَّةٌ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ ﷺ الَّذِي عَلَّمَ هَذَا الرَّجُلَ الأَعمَى هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي فِيهِ تَوَجُّهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى اللهِ فِي الدُّعَاءِ فِي حَالِ غَيبَتِهِ، ثُمَّ عَلَّمَهُ هَذَا الصَّحَابِيُّ لِغَيرِهِ بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
كيف تصلى صلاة الحاجة؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
مَن تَوَضَّأَ فَأَسبَغَ الوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ يُتِمُّهُمَا أَعطَاهُ اللهُ مَا سَأَلَ مُعَجَّلًا أَو مُؤَخَّرًا
رواه أحمد في مسنده
أَخَذَ العُلَمَاءُ مِن هَذَا الحَدِيثِ ءَادَابًا نَبَوِيَّةً لِمَن أَرَادَ أَن يُصَلِّيَ صَلَاةَ الحَاجَةِ، فَيَفعَلُ مَا يَلِي:
- يُسبِغُ الوُضُوءَ: بِأَن يَأتِيَ بِالأَركَانِ وَالشُّرُوطِ وَالسُّنَنِ كَمَا يَنبَغِي.
- يُصَلِّي رَكعَتَينِ بِتَسلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُتِمُّهُمَا: أَي يَأتِي بِأَركَانِ وَشُرُوطِ الصَّلَاةِ تَامَّةً صَحِيحَةً وَيَأتِي بِالسُّنَنِ كَمَا يَنبَغِي.
- يَدعُو دُعَاءَ الحَاجَةِ الآتِي بَعدَ الصَّلَاةِ مُتَضَرِّعًا مَعَ استِحضَارِ الخَوفِ مِنَ اللهِ وَالخُشُوعِ فِي مَا مَرَّ.
نص الدعاء
بَعدَ الانتِهَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ يَقرَأُ المُصَلِّي هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي عَلِمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ وَهُم عَلَّمُوهُ لِمَن بَعدَهُم، وَهُوَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ.
شرح الدعاء
- قَولُهُ اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ: أَي أَطلُبُ مِنكَ يَا اللهُ.
- وَقَولُهُ أَتَوَجَّهُ إِلَيكَ: أَي أَلجَأُ لَكَ بِالدُّعَاءِ.
- وَقَولُهُ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ: أَي مُستَعِينًا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَكُونَ شَفِيعًا لِي عِندَكَ وَسَبَبًا لِاستِجَابَةِ دُعَائِي لِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
- وَقَولُهُ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ: أَي أَلجَأُ إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ مُستَعِينًا بِكَ لِتَكُونَ سَبَبًا لِاستِجَابَةِ دُعَائِي بِبَرَكَتِكَ.
- وَقَولُهُ لِيَقضِيَ لِي حَاجَتِي: أَي لِيَستَجِيبَ دُعَائِي وَيَحصُلَ مَا أَطلُبُهُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَهَذَا الدُّعَاءُ هُوَ دُعَاءٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَكِن بِاتِّخَاذِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَسِيلَةً وَسَبَبًا لِيَقوَى الدُّعَاءُ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِاستِجَابَةِ الدُّعَاءِ بِإِذنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّنَا نَدعُو سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ مِن دُونِ اللهِ وَلَيسَ المَعنَى أَنَّنَا نَعتَقِدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَخلُقُ مَعَ اللهِ تَعَالَى شَيئًا، بَل نَرجُو بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَن يَستَجِيبَ اللهُ دُعَائَنَا.
قصة الدعاء
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِيْ الْمُعْجَمِ الصَّغِيْرِ:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ (يَعنِي يَتَرَدَّدُ، يَذهَبُ وَيَجِيءُ) إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ (لِانشِغَالِهِ فِي أُمُورِ الخِلَافَةِ وَلَيسَ إِعرَاضًا عَنهُ)، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ (مَكَانَ الوُضُوءِ) فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي)، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ إِلَيَّ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ (نَوعٌ مِنَ البُسُطِ يَكُونُ ثَخِينًا وَغَلِيظًا)، وَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ، فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأْتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ (لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ كَلَّمَهُ فِي أَمرِهِ)، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ وَلَكِنْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ (أَي رَجُلٌ أَعمَى)، فَشَكَا عَلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “أَفَتَصْبِرُ؟” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ (أَي لَيسَ عِندِي مَن يَقُودُنِي لِقَضَاءِ حَاجَاتِي) وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ“، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضَرَرٌ قَطُّ (أَي زَالَ عَنهُ العَمَى)، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. انْتَهَىْ كَلَامُ الطَّبَرَانِيِّ.
سلسلة الإسناد ومصادر الحديث
- رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيْ الْمُعْجَمِ الْكَبِيْرِ وَالْمُعْجَمِ الْصَّغِيْرِ
- وَالْتِّرْمِذِيُّ فِيْ سُنَنِهِ
- وَابْنُ مَاجَهْ فِيْ الْسُّنَنِ
- النَّسَائِيُّ فِيْ السُّنَنِ الْكُبْرَى
- وَالْحَاكِمُ فِيْ الْمُسْتَدْرَكِ
- وَأَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ
- وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِيْ صَحِيْحِهِ
- وَالْنَّوَوِيُّ فِيْ الْأَذْكَارِ
- وَابْنُ الْأَثِيْرِ فِيْ أُسْدِ الْغَابَةِ
- وَالْبُخَارِيُّ فِيْ الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ
- وَالْمُنْذِرِيُّ فِيْ الْتَّرْغِيْبِ وَالْتَّرْهِيْبِ
- وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
- وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِيْ مُنْتَخَبِهِ وَالْطُّوْسِيُّ فِيْ مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى الْتِّرْمِذِيِّ
- وَالْبَيْهَقِيُّ فِيْ الْدَّعَوَاتِ الْكَبِيْرِ وَفِي دَلَائِلِ الْنُّبُوَّةِ
- وَالْسُّيُوْطِيُّ فِيْ الْفَتْحِ الْكَبِيْرِ وَفِيْ الْمَسَانِيْدِ وَالْمَرَاسِيْلِ
- وَابْنُ عَسَاكِرَ فِيْ تَارِيْخِ دِمَشْقَ
- وَالْتَّبْرِيْزِيُّ فِيْ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيْحِ
- وَالْرَّازِيُّ فِيْ الْعِلَلِ
- وَالْمِزِّيُّ فِيْ تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ
- وَالْفَسَوِيُّ فِيْ الْمَعْرِفَةِ وَالْتَّارِيْخِ
- وَابْنُ قَانِعٍ فِيْ مُعْجَمِ الْصَّحَابَةِ
- وَأَبُوْ نُعَيْمٍ فِيْ مَعْرِفَةِ الْصَّحَابَةِ
- وَابْنُ أَبِي الْدُّنْيَا فِي مُجَابُو الْدَّعْوَةِ
- وَالْحَلِيْمِيُّ فِيْ الْمِنْهَاجِ
- وَالْمُنْتَقِي الْهِنْدِيُّ فِيْ كَنْزِ الْعُمَّالِ.
ما يستفاد من الحديث
جَوازُ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ مَمَاتِهِ وَفِي سَائِرِ الأَحوَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ لِلأَعمَى وَالأَعمَى تَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي غَيرِ حَضرَتِهِ ﷺ ثُمَّ عَلَّمَهُ الصَّحَابَةُ لِمَن بَعدَهَم بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ.
تَعرِيفُ التَّوَسُّلِ وَهُوَ: طَلَبُ حُصُولِ مَنفَعَةٍ أَو اندِفَاعِ مَضَرَّةٍ بِذِكرِ اسمِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ إِكرَامًا لِلمُتَوَسَّلِ بِهِ.
الخَالِقُ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَكِن بِبَرَكَةِ الأَنبِيَاءِ قَد يَستَجِيبُ اللهُ الدُّعَاءَ.
يَجُوزُ لِلَّذِي لَهُ حَاجَةٌ أَن يَدعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَيَذكُرَ حَاجَتَهُ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ.
صِيَغ أخرى واردة في الحديث لدعاء الحاجة
هُنَاكَ صِيَغٌ أُخرَى لِدُعَاءِ الحَاجَةِ وَرَدَت عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، نَذكُرُ مِنهَا:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ“، رواه الترمذي وغيره.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا“، رواه أحمد في مسنده.
وَهُنَاكَ صِيَغٌ أُخرَى كَثِيرَةٌ وَرَدَت فِي الأَحَادِيثِ، وَفِيمَا ذَكَرنَاهُ كِفَايَةٌ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
خاتمة
يَنبَغِي عَلَى المُؤمِنِ أَن يَستَعِينَ بِاللهِ فِي كُلِّ أَمرٍ، وَيَتَوَجَّهَ إِلَيهِ عِندَ الشَّدَائِدِ وَفِي الرَّخَاءِ وَلَيسَ فِي الأُمُورِ الشَّدِيدَةِ فَقَطْ، فاللهُ تعالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل وَهُوَ طَلَبَ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَسأَلُوهُ.
فَلَا يَنبَغِي أَن يَترُكُ العَبدُ التَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ بِالسُّؤال وَيَذْهَبُ إِلَى مَخْلُوقٍ لَيسَ بِيَدِهِ مِنَ الأَمْرِ شَىءٌ فِي الحَقِيقَةِ، بَل يَتَوَجَّهُ بالسُّؤَالِ إِلَى اللهِ الَّذِي لَا تَنْفَدُ خَزائِنُهُ سُبحانَهُ وَتعالَى القادِرِ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، الَّذِي إِذَا سَأَلَهُ الإِنْسانُ اللهُ تعالَى يُثِيبُهُ عَلَى سُؤالِهِ.
فِلِمَاذَا يَتْرُكُ الإِنْسَانُ البَابَ المَفْتُوحَ وَيَذهَبُ إِلَى البَابِ الْمُغْلَقِ؟؟ لِماذَا يَترُكُ القَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَيَذهَبُ إِلَى العَاجِزِ؟ لِماذَا يَترُكُ الغَنِيَّ الَّذِي خَزائِنُهُ لَا تَنْفَدُ وَيَذهَبُ إِلَى الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ الفَقرُ وَلَوْ كانَ غَنِيًّا وخَزائِنُهُ مَعَ الإِنْفاقِ تَنْفَد؟
عَن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: “لِيَسْألْ أحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْألَ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ”، رواه الترمذي.
وَقَد قَالَ أَبُو القَاسِمِ السُّهَيلِيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أَبيَاتٍ تُظْهِرُ استِعَانَتَهُ بِاللهِ فِيهَا:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ
أَنْتَ الْعَلِيْمُ بِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا
يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ
فَبِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ
فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ
إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا
الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
- المُعجَمِ الكَبِيرِ وَالمُعجَمِ الصَّغِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلنَّسَائِيِّ.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
- مَحقُ التَّقَوُّلِ فِي مَسأَلَةِ التَّوَسُّلِ لِلكَوثَرِيِّ.
- مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ فِيْ فَوَائِدِ صَلَاةِ الْحَاجَةِ لِلْغُمَارِيِّ.
- إِرْغَامِ الْمُبْتَدِعِ الْغَبِيِّ بِجَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ لِلْغُمَارِيِّ.
- شِفَاءِ السَّقَامِ فِي زِيَارَةِ خَيرِ الأَنَامِ لِلسُّبكِيِّ.
- نَيلِ المَرَامِ بِتَوَسُّلِ الأَعمَى بِخَيرِ الأَنَامِ لِلدُّكتُورِ وَلِيد السَّمَامِعَة.