شيء من سيرة نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام

نبي الله عيسى عليه السلام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

كَانَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ يَظهَرُ عَلَيهِ العَجَائِبُ بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ عِندَمَا وُلِدَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ ظَهَرَت أُمُورٌ عَجِيبَةٌ تَعظِيمًا لِشَأنِ هَذَا المَولُودِ وَلِمَا سَيَكُونُ مِن أَمرِهِ فِي المُستَقبَلِ مِن جَعلِهِ رَسُولًا يَدعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحدَهُ وَإِلَى الشَّرعِ القَوِيمِ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ.

ظهور العجائب عليه في صباه وبدء نزول الوحي عليه

عِندَمَا بَلَغَ ذَلِكَ المَولُودُ الرَّضِيعُ مِنَ العُمُرِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حَمَلَتهُ أُمُّهُ فَخُتِنَ، لِأَنَّ الخِتَانَ مِنَ الفِطرَةِ وَهُوَ مِن سُنَنِ الأَنبِيَاءِ مِن عَهدِ نَبِيِّ اللهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَسَمَّت مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ مَولُودَهَا «عِيسَى» كَمَا أَمَرَهَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ حِينَ بَشَّرَهَا بِهِ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَلَمَّا تَرَعرَعَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَفَشَا أَمرُهُ بَينَ اليَهُودِ أَرَادُوا بِهِ سُوءًا، فَأَغرَوا مَلِكَ الرُّومِ «هيرودس» بِقَتلِهِ، فَلَمَّا عَلِمَت أُمُّهُ مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ بِمُؤَامَرَةِ اليَهُودِ خَافَت عَلَيهِ وَانطَلَقَت بِهِ إِلَى مِصرَ، وَهِيَ الرَّبوَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي القُرءَانِ بِقَولِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾، [سورة المؤمنون: 50]، فَأَخبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ جَعَلَ عَبدَهُ وَرَسُولَهُ عِيسَى المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَأُمَّهُ مَريَمَ ءَايَةً لِلنَّاسِ أَي عَلَامَةً وَحُجَّةً قَاطِعَةً عَلَى قُدرَتِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ، وَكَذَلِكَ أَخبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنَّهُ ءَاوَى عَبدَهُ عِيسَى وَأُمَّهُ مَريَمَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ إِلَى رَبوَةٍ مِنَ الأَرضِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ يَجرِي فِيهَا المَاءُ، وَهِيَ عَلَى أَحَدِ الأَقوَالِ بِلَادُ مِصرَ الَّتِي قَصَدَتهَا مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ حَامِلَةً مَولُودَهَا عِيسَى المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَتَرَعرَعَ هُنَاكَ وَنَشَأَ وَعَاشَ بَينَ رُبُوعِهَا اثنَتَي عَشرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا بَلَغَ سَبعَ سِنِينَ أَسلَمَتهُ أُمُّهُ إِلَى الكُتَّابِ فَجَعَلَ لَا يُعَلِّمُهُ المُعَلِّمُ شَيئًا إِلَّا ابتَدَرَهُ إِلَيهِ.

وَيُقَالُ إِنَّهُ بَعدَ مَوتِ مَلِكِ الرُّومِ «هيرودس» أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عَبدَهُ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَرجِعَ مِن بِلَادِ مِصرَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ فِي فِلَسطِينَ، وَقَدِمَ عَلَيهِ ابنُ خَالَةِ أُمِّهِ يُوسُفُ النَّجَّارُ فَحَمَلَهُ وَأُمَّهُ عَلَى حِمَارٍ حَتَّى جَاءَ بِهِمَا إِلَى بَيتِ المَقدِسِ، وَقِيلَ: نَزَلَ هُوَ وَأُمُّهُ بِقَريَةٍ يُقَالُ لَهَا «نَاصِرَةُ».

وَلَمَّا بَلَغَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ الثَّلَاثِينَ مِنَ العُمُرِ أَوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيهِ أَن يَبرُزَ لِلنَّاسِ وَيَدعُوَهُم إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَدعُو النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُم: أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا اللهَ وَحدَهُ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَءَامِنُوا بِأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم، فَآمَنَ بِهِ اثنَا عَشَرَ شَخصًا يُسَمَّونَ «الحَوَارِيِّينَ» فَأَخَذَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يُوَزِّعُهُم فِي نَوَاحِي الأَرضِ يَدعُونَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحدَهُ وَنَشرِ دِينِ الإِسلَامِ الَّذِي هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ، وَقَد أَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِالمُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ فَكَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَشفِي المَرضَى وَالزَّمنَى وَالأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَغَيرَهُم مِنَ المَرضَى حَتَّى أَحَبَّهُ النَّاسُ وَكَثُرَ أَتبَاعُهُ وَعَلَا ذِكرُهُ وَشَأنُهُ بَينَ النَّاسِ، وَكَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَقضِي أَيَّامَهُ فِي التَّجوَالِ وَالسِّيَاحَةِ فِي الأَرضِ لِدَعوَةِ النَّاسِ إِلَى دِينِ الإِسلَامِ.

دعوته عليه الصلاة والسلام والكتاب الذي أُنزل عليه وأتباعه المؤمنون

أَرسَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِيسَى إِلَى بَنِي إِسرَائِيلَ يَدعُوهُم لِدِينِ الإِسلَامِ، وَعَلَّمَهُ التَّورَاةَ، وَأَنزَلَ عَلَيهِ كِتَابًا سَمَاوِيًّا وَهُوَ الإِنجِيلُ الَّذِي فِيهِ دَعوَةٌ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ خَالِقِ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَى الإِيمَانِ بِأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَفِيهِ بَيَانُ أَحكَامِ شَرِيعَتِهِ، وَفِيهِ البِشَارَةُ بِنَبِيِّ ءَاخِرِ الزَّمَانِ وَهُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَفِيهِ أَيضًا تَحرِيمُ الرِّبَا وَكُلِّ ضَارٍّ لِلعَقلِ أَوِ البَدَنِ وَأَكلِ لَحمِ الخِنزِيرِ، وَفِيهِ الأَمرُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

وَكَانَ أَصلُ دَعوَتِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ شَيئَينِ: إِفرَادُ اللهِ بِالعِبَادَةِ، وَالإِيمَانُ بِهِ أَنَّهُ نَبِيُّهُ، وَلَم يُسَمِّ نَفسَهُ ابنًا للهِ وَلَا سَمَّى اللهَ أَبًا لَهُ، وَكَانَت أَوَّلُ كَلِمَةٍ أَنطَقَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا وَهُوَ فِي المَهدِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، حَيثُ اعتَرَفَ بِالعُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى وَحدَهُ رَبِّ كُلِّ شَيءٍ وَخَالِقِ كُلِّ شَيءٍ.

وَلَقَد حَذَّرَ عِيسَى المَسِيحُ عَلَيهِ السَّلَامُ قَومَهُ بَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الكُفرِ وَالإِشرَاكِ، وَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ مَن يُشرِكُ بِاللهِ تَعَالَى فَقَد حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ الجَنَّةَ، وَمَأوَاهُ نَارُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا.

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، [سورة المائدة: 72].

أَي لَيسَ لِلكَافِرِينَ أَنصَارٌ يَحمُونَهُم مِن عَذَابِ اللهِ فِي الآخِرَةِ.

وَكَانَ أَتبَاعُ عِيسَى المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ وَءَامَنُوا بِهِ مُسلِمِينَ مُؤمِنِينَ، وَكَانَ مِن أَتبَاعِهِ وَتَلَامِذَتِهِ وَصَفوَتِهِ وَخَاصَّتِهِ «الحَوَارِيُّونَ» الَّذِينَ كَانُوا أَعوَانًا لَهُ يَنشُرُونَ دَعوَتَهُ وَشَرعَهُ وَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ الخَيرَ وَتَعَالِيمَ الشَّرعِ الحَنِيفِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إِلَى عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، [سورة المائدة: 111].

وَإِنَّمَا طَلَبُوا شَهَادَةَ عِيسَى ابنِ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِإِسلَامِهِم تَأكِيدًا عَلَى إِيمَانِهِم، لِأَنَّ الرُّسُلَ وَالأَنبِيَاءَ يَشهَدُونَ يَومَ القِيَامَةِ لِقَومِهِم وَعَلَيهِم، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى أَنَّ الإِسلَامَ وَالإِيمَانَ مُتَلَازِمَانِ.

قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، [سورة الصف: 14].

أُولَئِكَ أُمَّةُ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ الصَّادِقُونَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى هَديِ نَبِيِّهِم عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَعَلَى طَرِيقَتِهِ وَتَعَالِيمِهِ، حَتَّى بَعدَ رَفعِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى مِائَتَي سَنَةٍ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ صَارَ عَدَدُ المُؤمِنِينَ مِنهُم يَنقُصُ شَيئًا فَشَيئًا، وَصَارَ يَكثُرُ الَّذِينَ يَعبُدُونَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَيُحَرِّفُونَ مَا جَاءَ بِهِ مِن تَعَالِيمَ سَمَاوِيَّةٍ، وَحَرَّفُوا الإِنجِيلَ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ صَارَ المُسلِمُونَ مِن أَتبَاعِ عِيسَى يَفِرُّونَ بِدِينِهِم إِلَى الجِبَالِ يَعبُدُونَ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ، وَمَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ قَلُّوا حَتَّى لَم يَبقَ مِنهُم أَحَدٌ بَعدَ ذَلِكَ لَا فِي الجِبَالِ وَلَا فِي المُدُنِ وَهَذَا قَبلَ بِعثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَقَد مَدَحَ اللهُ تَعَالَى الَّذِينَ كَانُوا مِن أُمَّةِ عِيسَى المُسلِمِينَ المُؤمِنِينَ المُتَّبِعِينَ لِنَبِيِّهِم عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِالإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ، وَكَانُوا صَادِقِينَ لِأَنَّهُم كَانُوا أَهلَ رَأفَةٍ وَرَحمَةٍ، وَلِأَنَّهُم ابتَدَعُوا بِدعَةً حَسَنَةً وَهِيَ «الرَّهبَانِيَّةُ»، وَهَذِهِ الرَّهبَانِيَّةُ هِيَ الِانقِطَاعُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، حَتَّى أَنَّهُمُ انقَطَعُوا عَنِ الزِّوَاجِ رَغبَةً فِي تَجرُّدِهِم لِعِبَادَةِ خَالِقِهِم، لِذَلِكَ كَانُوا يَبنُونَ الصَّوَامِعَ وَهِيَ البُيُوتُ الخَفِيفَةُ مِن طِينٍ أَو مِن غَيرِ ذَلِكَ عَلَى المَوَاضِعِ المُنعَزِلَةِ عَنِ البَلَدِ لِيَتَجَرَّدُوا لِعِبَادَةِ خَالِقِهِم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾، [سورة الحديد: 27].

قصة جريج الراهب

كَانَ فِي أُمَّةِ عِيسَى الصَّالِحِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ استَقَامُوا بِطَاعَةِ اللهِ وَحدَهُ رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيجٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد كَانَ جُرَيجٌ مِنَ المُسلِمِينَ الَّذِينَ هُم عَلَى شَرِيعَةِ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ وَكَانَ تَقِيًّا صَالِحًا يَعِيشُ بَعِيدًا عَنِ النَّاسِ، وَكَانَ قَد بَنَى صَومَعَةً يَعبُدُ اللهَ تَعَالَى فِيهَا.

وَجَاءَ فِي قِصَّتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ امرَأَةً زَانِيَةً فَاسِقَةً قَالَت: أَنَا أَفتِنُ جُرَيجًا هَذَا، فَتَزَيَّنَت وَتَعَرَّضَت لَهُ، فَلَمَّا رَءَاهَا لَم يَهتَمَّ بِهَا، فَقَطَعَتِ الأَمَلَ فِي فِتنَتِهِ، ثُمَّ صَادَفَت رَجُلًا رَاعِيًا فَتَعَرَّضَت لَهُ فَزَنَى بِهَا فَحَمَلَت مِنهُ، ثُمَّ لَمَّا وَضَعَت حَملَهَا قَالَت: هَذَا الوَلَدُ مِن جُرَيجٍ، وَذَهَبُوا إِلَى جُرَيجٍ وَهَدَمُوا لَهُ صَومَعَتَهُ الَّتِي كَانَ يَعبُدُ اللهَ تَعَالَى فِيهَا، وَرَبَطُوهُ بِحَبلٍ وَجَرُّوهُ وَطَافُوا بِهِ بَينَ النَّاسِ إِهَانَةً لَهُ، فَقَالَ لَهُم: أَمهِلُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ رَكعَتَينِ، فَأَمهَلُوهُ فَصَلَّى رَكعَتَينِ ثُمَّ قَالَ لِلمَولُودِ الَّذِي وَلَدَتهُ هَذِهِ المَرأَةُ: يَا غُلَامُ مَن أَبُوكَ؟ فَقَالَ المَولُودُ: الرَّاعِي.

أَنطَقَ اللهُ تَعَالَى الغُلَامَ لِيُبَرِّئَ عَبدَهُ الوَلِيَّ الصَّالِحَ جُرَيجًا، فَعَادُوا يَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَيُقَبِّلُونَهُ لِيَرضَى، حَيثُ رَأَوا لَهُ هَذِهِ الكَرَامَةَ العَظِيمَةَ، وَهِيَ أَنَّهُ أَنطَقَ اللهُ لَهُ هَذَا الطِّفلَ المَولُودَ لِتَبرِئَتِهِ مِمَّا اتُّهِمَ بِهِ، فَقَالُوا لَهُ: نَبنِي لَكَ صَومَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُم جُرَيجٌ: لَا، أَعِيدُوهَا كَمَا كَانَت، أَي مِن طِينٍ، رَوَى هَذِهِ القِصَّةَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا.

الخاتمة

لِيَنظُرِ الوَاحِدُ مِنَّا إِلَى سِيرَةِ هَؤُلَاءِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلنَتَعَلَّمْ مِنهُمُ الدُّرُوسَ وَالعِبَرَ، فَإِنَّ مَا مَرُّوا بِهِ وَمَا عَاشُوهُ وَجَرَّبُوهُ يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ عَظِيمٍ وَحِكمَةٍ كَبِيرَةٍ، نَسأَلُ اللهُ تَعَالَى أَن يَحشُرَنَا مَعَ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ 
  2. صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ للْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ
  3. صَحِيْحِ مُسْلِمٍ لِلْإِمَامِ مُسْلِمٍ
  4. الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْقُرْطُبِيِّ
  5. تَارِيْخِ الطَّبَرِيِّ لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ
  6. الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابْنِ كَثِيْرٍ
السيدة الطاهرة مريم بنت عمران عليها السلام

السيدة الطاهرة مريم بنت عمران عليها السلام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share