أحكام الذهاب إلى المساجد والقصص والعبر في ذلك

أحكام الذهاب إلى المساجد والقصص والعبر في ذلك

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَوَابِ مَن يَمشِي إِلَى المَسجِدِ: «يُكتَبُ لَهُ بِرِجلٍ (أَي بِخَطوَةٍ) حَسَنَةٌ وَتُحَطُّ عَنهُ بِرِجلٍ سَيِّئَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إِذَا خَرَجَ إِلَى المَسجِدِ»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

فَالمَسَاجِدُ أَحَبُّ البِقَاعِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا بُنِيَت لِعِبَادَةِ اللهِ، فَفِيهَا تُقَامُ الصَّلَوَاتُ، وَتُتلَى التِّلَاوَاتُ، وَتَكُونُ الِاعتِكَافَاتُ، وَغَيرُهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالحَسَنَاتِ، وَلَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي المَسَاجِدِ مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ لَرَأَيتَهُم يَتَسَابَقُونَ إِلَيهَا، وَقَد عَظَّمَ اللهُ تَعَالَى شَأنَ المَسَاجِدِ وَشَرَفَهَا، فَهِيَ مِن شَعَائِرِ اللهِ، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ﴾، وَمِن تَعظِيمِ المَسَاجِدِ التِزَامُ أَحكَامِهَا، وَنَذكُرُ فِي هَذَا المَقَالِ جُملَةً مِن أَحكَامِ   الذَّهَابِ إِلَى المَسَاجِدِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

فضائل المشي إلى المساجد وأجر الخطوات

عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن غَدَا إِلَى المَسجِدِ أَو رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَو رَاحَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَمَعنَى «غَدَا» أَي ذَهَبَ إِلَيهِ فِي الغَدوَةِ، وَهُوَ مَا بَينَ طُلُوعِ الفَجرِ وَالزَّوَالِ، كَالذَّهَابِ لِصَلَاةِ الفَجرِ، وَمَعنَى «أَو رَاحَ» أَي ذَهَبَ إِلَيهِ بَعدَ الزَّوَالِ، كَالذَّهَابِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهرِ أَوِ العَصرِ، وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: المُرَادُ بِالغُدُوِّ الذَّهَابُ وَبِالرَّوَاحِ الرُّجُوعُ، وَالمُرَادُ إِذَا ذَهَبَ وَرَجَعَ فِي أَيِّ وَقتٍ كَانَ هَيَّأَ اللهُ لَهُ أَي أَمَرَ المَلَائِكَةَ فَجَعَلُوا لَهُ نُزُلًا فِي الجَنَّةِ، وَهُوَ مَا يُقَدَّمُ إِلَى الضَّيفِ مِنَ الطَّعَامِ.

وَهَذَا الحَدِيثُ وَاضِحُ الدِّلَالَةِ فِي فَضلِ المَشيِ إِلَى المَسَاجِدِ، كَيفَ لَا وَهِيَ أَفضَلُ البِقَاعِ عِندَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الدُّنيَا، كَيفَ لَا وَقَد وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن ‌تَطَهَّرَ ‌فِي ‌بَيتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ لِيَقضِيَ فَرِيضَةً مِن فَرَائِضِ اللهِ كَانَت خَطوَتَاهُ إِحدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخرَى تَرفَعُ دَرَجَةً».

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ (لِلصَّلَاةِ وَغَيرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ) وَانتِظَارُ الصَّلاةِ (أَي وَقتُهَا أَو جَمَاعَتُهَا، وَالمُرَادُ الصَّلَاةُ القَادِمَةُ عَلَيكَ) بَعدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

فَيَجلِسُ وَيَنتَظِرُ صَلَاةً أُخرَى وَيُعَلِّقُ فِكرَهُ بِهَا بِأَن يَجلِسَ فِي المَسجِدِ أَو فِي بَيتِهِ يَنتَظِرُهَا، أَو يَكُونَ فِي شُغلِهِ وَقَلبُهُ مُعَلَّقٌ، بِهَا وَالمُرَادُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا فِي وَقتِهَا.

وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَن نَبقَى مُعَلَّقِي القَلبِ بِأُمُورِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَنهَيتَ وَأَدَّيتَ العِبَادَةَ فِي وَقتِهَا فَاشغَل فِكرَكَ وَقَلبَكَ بِالعِبَادَةِ الَّتِي بَعدَهَا، لَا تُفرِغ قَلبَكَ مِن شَغلِهِ بِطَاعَةِ اللهِ وَلَو بِالتَّفكِيرِ وَالتَّرتِيبِ وَالتَّخطِيطِ لِذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا حَالَ الصَّالِحِينَ، فَقَد كَانَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَا يَنَامُ وَلَا يَترُكُ أَحَدًا يَنَامُ، فَلِهَذَا كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَنتَقِلُ مِن نَصرٍ إِلَى نَصرٍ، لَا يَهدَأُ وَلَا يَطمَئِنُّ إِلَّا عَلَى صَهوَةِ جَوَادِهِ فِي الجِهَادِ وَنَصرِ الإِسلَامِ لَيلًا وَنَهَارًا، وَكَانَ هَذَا حَالَ أَصحَابِ الرَّسُولِ ﷺ.

دعاء الخروج إلى المسجد

إِذَا خَرَجتَ إِلَى المَسجِدِ فَاذكُر دُعَاءَ الخُرُوجِ إِلَى المَسجِدِ، فَقَد رَوَى أَحمَدُ وَغَيرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَن قَالَ إِذَا خَرَجَ إِلَى المَسجِدِ: اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ وَبِحَقِّ مَمشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَم أَخرُج أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمعَةً، خَرَجتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابتِغَاءَ مَرضَاتِكَ، فَأَسأَلُكَ أَن تُنقِذَنِي مِنَ النَّارِ وَتَغفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ، أَقبَلَ اللهُ عَلَيهِ بِوَجهِهِ (أَي رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وَاستَغفَرَ لَهُ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ»، فَيَنبَغِي عَلَى مَن عَرَفَ فَضلَ هَذَا الدُّعَاءِ أَن لَا يَترُكَهُ، حَيثُ إِنَّهُ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ يَرضَى اللهُ عَنكَ وَيَدعُو لَكَ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ كُلُّهُم مِن أَولِيَاءِ اللهِ تَعَالَى بِأَن يَغفِرَ اللهُ ذَنبَكَ، وَمَا أَحوَجَنَا إِلَى مِثلِ هَذَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.

التبكير لصلاة الجمعة

وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسجِدِ يَكتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ (المُبَكِّرِ) كَمَثَلِ الَّذِي يُهدِي (يَذبَحُ) بَدَنَةً (ناقة)، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوا صُحُفَهُم وَيَستَمِعُونَ الذِّكرَ». 

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ (أَي ثَلَاثُ أَشيَاءَ) لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِيهِنَّ (أَي مِنَ الفَضلِ وَالثَّوَابِ) لَرَكَضُوا الإِبِلَ (أَي بِالرُّكُوبِ عَلَيهَا) فِي طَلَبِهِنَّ ( أَي تَحصِيلِهِنَّ): الأَذَانُ، وَالصَّفُّ الأَوَّلُ، وَالغُدُوُّ إِلَى الجُمُعَةِ (أَيِ البُكُورُ إِلَيهَا)». 

وَفِي الصَّحِيحَينِ: «لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَم يَجِدُوا إِلَّا أَن يَستَهِمُوا (أَي أَن يَقتَرِعُوا) عَلَيهِ لَاستَهَمُوا، وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي التَّهجِيرِ (أَيِ التَّبكِيرِ) لَاستَبَقُوا إِلَيهِ». وَقَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ بَعدَ أَن رَوَاهُ: أَفضَلُ تِلكَ الخِصَالِ الغُدُوُّ إِلَى الجُمُعَةِ، أَيِ الذَّهَابُ إِلَيهَا بُكرَةَ النَّهَارِ. 

فكان التَّبكِيرُ أَيِ الإِتيَانُ إِلَى الجُمُعَةِ بَاكِرًا مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يَنشَغِلَ المُصَلِّي عَنِ الجُمُعَةِ بَعدَ أَذَانِهَا بِشَيءٍ ءَاخَرَ كَالتِّجَارَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الجُمعَةَ (أَي لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ) فَاستَمَعَ وَأَنصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَين الجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ». قَالَ النَّوَوِيُّ: “قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَى المَغفِرَةِ لَهُ مَا بَينَ الجُمُعَتَينِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّ الحَسَنَةَ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، قَالَ بَعضُ أَصحَابِنَا: وَالمُرَادُ بِمَا بَينَ الجُمُعَتَينِ مِن صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَخُطبَتِهَا إِلَى مِثلِ الوَقتِ مِنَ الجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى تَكُونَ سَبعَةَ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقصَانٍ وَيُضَمُّ إِلَيهَا ثَلَاثَةٌ فَتَصِيرُ عَشَرَةً”.

قصة فيها بيان لفضل المشي إلى المساجد

عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ (وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعرُوفَةٌ مِنَ الأَنصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم) أَن يَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُم: «إِنَّهُ قَد بَلَغَنِي أَنَّكُم تُرِيدُونَ أَن تَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ؟» فَقَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ، قَد أَرَدنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُم (أَيِ الزَمُوا دِيَارَكُم وَابقَوا فِيهَا)، تُكتَب آثَارُكُم (أَي يُكتَب لَكُم أَجرُ خَطَوَاتِكُم إِلَى المَسجِدِ بِكُلِّ خَطوَةٍ حَسَنَةٌ)، ديَارَكُم تُكتَب آثَارُكُم»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ بِكُلِّ خُطوَةٍ دَرَجَةً»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ أَيضًا بِمَعنَاهُ مِن رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. كَانَت دِيَارُ بَنِي سَلِمَةَ عَلَى بُعدٍ مِنَ المَسجِدِ (كَانَت عِندَ مَسجِدِ القِبلَتَينِ اليَومَ)، وَكَانَتِ المَسَافَةُ تُجهِدُهُم فِي سَوَادِ اللَّيلِ وَعِندَ وُقُوعِ الأَمطَارِ وَاشتِدَادِ البَردِ، فَأَرَادُوا أَن يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُربِ المَسجِدِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ  أَن تَعرَى المَدِينَةُ، أَي أَن تَخلُوَ وَتَصِيرَ عَرَاءً، فَرَغِبَهُم فِيمَا عِندَ اللهِ تَعَالَى مِنَ الأَجرِ عَلَى نَقلِ الخُطَا إِلَى المَسجِدِ، فَلَمَّا بَلَغَ حَالُ بَنِي سَلِمَةَ أَنَّهُم يُرِيدُونَ الانتِقَالَ قُربَ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُمُ الزَمُوا دِيَارَكُم، وَابقَوا فِيهَا وَلَا تَنتَقِلُوا بِالقُربِ مِنَ المَسجِدِ حَتَّى يَبقَى لَكُمُ الثَّوَابُ الَّذِي يُسَجَّلُ لَكُم بِمَجِيئِكِم مِن بُيُوتِكُم إِلَى المَسجِدِ وَرُجُوعِكُم إِلَى بُيُوتِكُم بَعدَ انقِضَاءِ الصَّلَوَاتِ.

 وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَتَتَبَّعُ أَحوَالَ أَهلِ المَدِينَةِ وَيَتَتَبَّعُ أَحوَالَ أَصحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَهَذَا مِن رَأفَتِهِ بِهِم وَحِرصِهِ عَلَى أَمرِ آخِرَتِهِم، أَي يَكتُبُ المَلَكَانِ بِأَمرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَكُم ثَوَابَ هَذِهِ الآثَارِ وَالخُطَا إِلَى المَسجِدِ، فَسَلَّاهُم وَصَبَّرَهُم بِأَنَّهُ وَلَو فَاتَكُم بَعضُ الفَوَائِدِ كَالقُربِ مِنَ المَسجِدِ وَالتَّبكِيرِ إِلَى الجُمُعَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَد عَادَ عَلَيكُم بَعضُ العَوَائِدِ وَهُوَ أَنَّ خُطَاكُم فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فِيهَا هَذَا الثَّوَابُ لَكُم، فَإِنَّ اللهَ لَا يَضِيعُ عِندَهُ أَجرُ مَن أَحسَنَ عَمَلًا وَلَو كَانَ هَذَا العَمَلُ قَلِيلًا صَغِيرًا غيرَ مُجهِدٍ، وَإِنَّ مَن تَفَكَّرَ بِأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا فَإِنَّهُ يَزدَادُ فِي الطَّاعَاتِ وَلَا يَتَقَاعَسُ عَنِ الخَيرَاتِ، بَل وَيَطرُقُ أَبوَابَ الفَضَائِلِ وَلَا يَمَلُّ حَتَّى يَأتِيَهُ الأَجَلُ وَيَخرُجَ مِن هَذِهِ الدُّنيَا عَلَى حَالٍ مُرضِيَةٍ حَسَنَةٍ.

تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم﴾

وَقَالَ أَهلُ التَّفسِيرِ وَالسِّيَرِ: إِنَّ بَنِي سَلِمَةَ هُم مَن نَزَلَت فِيهِمُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن سُورَةِ يَس: ﴿إِنَّا نَحنُ نُحيِي المَوتَىٰ وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم وَكُلَّ شَيءٍ أَحصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، [سورة يس: 12]، وَقِيلَ: هِيَ آثَارُ المَشَّائِينَ إِلَى المَسَاجِدِ، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَيضًا أَنَّ مَعنَى: ﴿وَآثَارُهُم﴾ خُطَاهُم إِلَى المَسَاجِدِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَولَى مَا قِيلَ فِيهِ.

وَقَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: مَشَيتُ مَعَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسرَعتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمَّا انقَضَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: مَشَيتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسرَعتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمَّا انقَضَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: «أَمَا عَلِمتَ أَنَّ الآثَارَ تُكتَبُ».

قصة أخرى تدل على أجر من مشى إلى المسجد

عَن أَبِي المُنذِرِ أُبيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: “كَانَ رَجُلٌ لَا أَعلَمُ رَجُلًا أَبعَدَ (مِن حَيثُ المَسَافَةِ) مِنَ المَسجِدِ مِنهُ، وَكَانَ لَا تُخطِئُهُ (أَي لَا تَفُوتُهُ) صَلَاةٌ (فِي المَسجِدِ)، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اشتَرَيتَ حِمَارًا تَركَبُهُ في الظَلمَاءِ (فَيَقِيكَ مِن أَذَى الحَشَرَاتِ المُنتَشِرَةِ فِي أَوَّلِ الظُّلمَةِ) وَفِي الرَّمضَاءِ (فِي شِدَّةِ الحَرِّ)، فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي (أَي مَا يُفرِحُنِي) أَنَّ مَنزِلِي إِلَى جَنبِ المَسجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَن يُكتَبَ لِي مَمشَايَ إِلَى المَسجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعتُ إِلَى أَهلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ: «قَد جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ لَكَ مَا احتَسَبتَ».

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِثبَاتُ الثَّوَابِ فِي الخُطَا فِي الرُّجُوعِ مِنَ الصَّلَاةِ كَمَا يَثبُتُ فِي الذَّهَابِ.

إذن، هل الحكم أنه يستحب أن أذهب إلى مسجد أبعد؟

فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ المَذكُورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ البُعدَ مِنَ المَسجِدِ أَفضَلُ، فَلَو كَانَ بِجِوَارِ مَسجِدٍ، فَهَل لَهُ أَن يُجَاوِزَهُ إِلَى الأَبعَدِ؟ اختُلِفَ فِيهِ، فَرُوِيَ عَن أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِزُ الجَدِيدَ إِلَى القَدِيمِ، وَرُوِيَ عَن غَيرِهِ: الأَبعَدُ فَالأَبعَدُ مِنَ المَسجِدِ أَعظَمُ أَجرًا، وَكَرِهَ الحَسَنُ وَغَيرُهُ هَذَا وَقَالَ: لَا يَدَعُ مَسجِدًا قُربَهُ وَيَأتِي غَيرَهُ، وَهَذَا مَذهَبُ مَالِكٍ.

الخاتمة

أَخِي المُسلِمَ: إِن كُنتَ مِمَّن قَصَّرُوا فِي زِيَارَةِ المَسَاجِدِ فَالوَقتُ لَم يَفُت، وَاظِب عَلَى زِيَارَةِ المَسجِدِ عَلَى الأَقَلِّ فِي الأُسبُوعِ مَرَّةً وَإِن كَانَ قَلِيلًا، فَبِذَلِكَ تَنَالُ فَضلَ المَشيِ إِلَى المَسجِدِ وَالِاعتِكَافِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَغَيرَ ذَلِكَ الكَثِيرَ، شَارِك إِذَا استَطَعتَ فِي تَنظِيفِ المَسَاجِدِ وَتَطيِيبِهَا بِالبَخُورِ الطَّيِّبِ، كَالُّلبَانِ أَوِ العُودِ الَّذِي كَانَ يُبَخَّرُ بِهِ مَسجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن عَهدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ إِلَى يَومِنَا هَذَا كُلَّ جُمُعَةٍ، تَبَرَّع وَشَارِك مَثَلًا فِي أَعمَالِ الصِّيَانَةِ أَوِ التَّنظِيفِ فِي المَسجِدِ لِتَعزِيزِ ارتِبَاطِكَ بِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ﴾، [سورة الحج: 32].

فَلَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي المَسَاجِدِ مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ لَرَأَيتَهُم يَتَسَابَقُونَ إِلَيهَا، فَإِنَّهُ لَيَحزُنُنَا مَا آلَ إِلَيهِ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَتَجِدُهُم لَا يَدخُلُونَ المَسجِدَ إِلَّا مَرَّةً فِي الأُسبُوعِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَمِنهُم مَن لَا يَدخُلُ المَسجِدَ إِلَّا مَرَّتَينِ فِي السَّنَةِ، فِي الفِطرِ وَالأَضحَى، وَمِنهُم مَن لَا يَدخُلُهُ بِالمَرَّةِ، فَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
  6. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  7. فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  8. المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  9. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  10. إِعلَامِ السَّاجِدِ بِأَحكَامِ المَسَاجِدِ لِلزَّركَشِيِّ.