قصة توبة مالك بن دينار رحمه الله

قصة توبة مالك بن دينار رحمه الله

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ فَيَدخُلُ الجَنَّةَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

فَالعِبرَةُ بِالخَوَاتِيمِ، وَقِصَصُ مَن تَابَ وَرَجَعَ بَعدَ أَن كَانَ فَاسِقًا مُسرِفًا عَلَى نَفسِهِ كَثِيرَةٌ، وَمِنَ الصَّالِحِينَ المَشهُورِينَ مَن كَانَ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ وَحَسُنَت تَوبَتُهُ حَتَّى صَارَ مِن أَكَابِرِ أَولِيَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمِنهُم مَالِكُ بنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ الَّذِي سَنَتَنَاوَلُ قِصَّتَهُ اليَومَ.

توبة مالك بن دينار رحمه الله

سُئِلَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَن أَصلِ تَوبَتِهِ فَقَالَ: وُلِدَ لِي بِنتٌ وَأَحبَبتُهَا حُبًّا كَبِيرًا، وَلَمَّا صَارَت تَمشِي ازدَادَت فِي قَلبِي حُبًّا، فَكُنتُ إِذَا شَرِبتُ المُسكِرَ جَاءَت إِلَيَّ وَجَاذَبَتنِي إِيَّاهُ فَوَقَعَ عَلَى ثَوبِي، فَلَّمَا تَمَّ لَهَا سَنَتَانِ مَاتَت، فَحَزِنتُ كَثِيرًا.

وَفِي يَومٍ نِمتُ ثَمِلًا مِنَ الخَمرِ، فَرَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ أَهلَ القُبُورِ قَد خَرَجُوا، وَحُشِرَ الخَلائِقُ وَأَنَا مَعَهُم فِي مَوقِفِ الحَشرِ، فَسَمِعتُ صَوتًا مِن وَرَائِي، فَالتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِثُعبَانٍ كَبِيرٍ مِن أَعظَمِ مَا يَكُونُ أَسوَدَ أَزرَقَ، مَنظَرُهُ مُخِيفٌ وَقَد فَتَحَ فَاهُ مُسرِعًا نَحوِي يُرِيدُ أَن يَأكُلَنِي.

فَأَسرَعتُ هَارِبًا فَزِعًا مَرعُوبًا، فَمَرَرتُ فِي طَرِيقِي بِشَيخٍ نَقِيِّ الثِّيَابِ جَمِيلِ الخِلقَةِ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ، فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَرَدَّ عَلَىَّ السَّلامَ، فَقُلتُ لَهُ: أَجِرنِي وَأَغِثنِي، فَقَالَ: أَنَا ضَعِيفٌ وَهَذَا أَقوَى مِنِّي وَمَا أَقدِرُ عَلَيهِ، وَلَكِن مُرَّ بِأَسرَعَ فَلَعَلَّ اللهُ سُبحَانَهُ يُسَبِّبُ لَكَ مَا يُنجِيكَ مِنهُ، فَوَلَّيتُ هَارِبًا عَلَى وَجهِي، فَصَعِدتُ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ فَأَشرَفتُ عَلَى طَبَقَاتِ النِّيرَانِ، فَنَظَرتُ إِلَى هَولِهَا وَكِدتُ أَهوِي فِيهَا مِن فَزَعِي مِنَ التِّنِّينِ، وَهُوَ مَا زَالَ يُلَاحِقُنِي، فَسَمِعتُ صَوتًا يَقُولُ: ارجِع لَستَ مِن أَهلِهَا، فَاطمَأَنَّيتُ إِلَى قَولِهِ وَرَجَعتُ.

رَجَعَ إِلَى الوَرَاءِ وَرَجَعَ التِّنِّينُ فِي طَلَبِهِ، قَالَ: فَأَتَيتُ الشَّيخَ فَقُلتُ يَا شَيخُ سَأَلتُكَ أَن تُجِيرَنِي مِن هَذَا التِّنِّينِ فَلَم تَفعَل، فَبَكَى الشَّيخُ وَقَالَ: أَنَا ضَعِيفٌ، وَلَكِن سِر إِلَى هَذَا الجَبَلِ فَإِنَّ فِيهِ وَدَائِعَ المُسلِمِينَ، يَعنِى أَولادَ المُسلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُم صِغَارٌ، فَإِن كَانَ لَكَ فِيهِ وَدِيعَةٌ فَسَتَنصُرُكَ، فَنَظَرتُ إِلَى جَبَلٍ مُستَدِيرٍ فِيهِ فَتَحَاتٌ مُعَلَّقَةٌ وَسُتُورٌ مِن حَرِيرٍ مِن أَجمَلِ مَا يَكُونُ، مُرَصَّعٍ بِالحُلِيِّ الكَثِيرَةِ.

وَهَرَبتُ إِلَى الجَبَلِ وَالتِّنِّينُ وَرَائِي، حَتَّى إِذَا اقتَرَبتُ مِنهُ صَاحَ بَعضُ المَلائِكَةِ: ارفَعُوا السُّتُورَ وَأَشرِفُوا، فَلَعَلَّ لِهَذَا البَائِسِ فِيكُم وَدِيعَةً تُجِيرُهُ مِن عَدُوِّهِ، فَإِذَا السُّتُورُ قَد رُفِعَت فَأَشرَفَ عَلَيَّ أَطفَالٌ بِوُجُوهٍ كَالأَقمَارِ، وَقَرُبَ التِّنِّينُ مِنِّي، فَتَحَيَّرتُ فِي أَمرِي، فَصَاحَ بَعضُ الأَطفَالِ: وَيحَكُم أَشرِفُوا كُلُّكُم فَقَد قَرُبَ مِنهُ، فَأَشرَفُوا فَوجًا بَعدَ فَوجٍ، فَإِذَا بِابنَتِي الَّتِي مَاتَت قَد أَشرَفَت عَلَيَّ مَعَهُم، فَلَمَّا رَأَتنِي بَكَت وَقَالَت أَبِي وَاللهِ، ثُمَّ قَفَزَت كَرَميَةِ السَّهمِ حَتَّى صَارَت أَمَامِي، فَمَدَّت يَدَهَا الشِّمَالَ إِلَى يَدِي اليُمنَى فَتَعَلَّقتُ بِهَا، وَمَدَّت يَدَهَا اليُمنَى إِلَى التِّنِّينِ فَوَلَّى هَارِبًا، ثُمَّ أَجلَسَتنِي وَقَعَدَت فِي حِجرِي وَقَالَت: يَا أَبَتِ ﴿أَلَم يَأنِ للذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللهِ﴾، فَبَكَيتُ وَقُلتُ يَا بُنَيَّة أَنتُم تَعرِفُونَ القُرءَانَ؟، فَقَالَت: يَا أَبَتِ نَحنُ أَعرَفُ بِهِ مِنكُم، قُلتُ: فَأَخبِرِينِي عَن هَذَا التِّنِّينِ الَّذِي أَرَادَ أَن يُهلِكَنِي، قَالَت: ذَلِكَ عَمَلُكَ السُّوءُ، قَوَّيتَهُ (لِكَثرَةِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي المَعَاصِي وَشُربِ الخَمرَ)، فَأَرَادَ أَن يُغرِقَكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، قُلتُ: أَخبِرِينِي عَنِ الشَّيخِ الَّذِي مَرَرتُ بِهِ فِي طَرِيقِي، قَالَت: يَا أَبَتِ، ذَلِكَ عَمَلُكَ الصَّالِحُ، أَضعَفتَهُ حَتَّى لَم يَكُن لَهُ طَاقَةٌ لِعَمَلِكَ السُّوءِ.

قَالَ: فَانتَبَهتُ فَزِعًا، فَلَّمَا أَصبَحتُ فَارَقتُ مَا كُنتُ عَلَيهِ وَتُبتُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا سَبَبُ تَوبَتِي.

الخاتمة

أَسرِع يَا مَن تَعصِي اللهَ كُلَّ يَومٍ إِلَى التَّوبَةِ، فَوَاللهِ إِنَّ فِي القِيَامَةِ مَوَاقِفَ تَجعَلُ الوِلدَانَ شِيبًا، مِن هَولِهَا تَضَعُ الحَامِلُ حَملَهَا، وَيَكُونُ النَّاسُ فَزِعِينَ مَرعُوبِينَ إِلَّا مَن كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ يُنجِيهِ.

تَخَيَّل أَخِي نَفسَكَ وَالصِّرَاطُ قَد مُدَّ فَوقَ جَهَنَّمَ، وَقَد كُلِّفتَ بِالمَشيِ عَلَيهِ وَالعُبُورِ فَوقَ النَّارِ، وَأَنتَ تَرَى النَّاسَ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَالصَّالِحُونَ قَد مَرُّوا وَسَلِمُوا، وَسَمِعتَ شَهِيقَ النَّارِ وَزَفِيرَهَا، وَرَأَيتَ شَرَرَهَا وَلَهِيبَهَا يَعلُو وَيَتَطَايَرُ، وَتَمَكَّنَ مِن نَفسِكَ الخَوفُ وَالفَزَعُ، وَمَلَأَ قَلبَكَ الحَسرَةُ وَالنَّدَمُ، تُقَدِّمُ رِجلًا وَتُؤَخِّرُ أُخرَى، مَاذَا سَتَتَمَنَّى فِي هَذَا الوَقتِ، أَلَن تَتَمَنَّى العَودَةَ فَتَعمَلَ صَالِحًا لِهَذَا الوَقتِ لِتَنجُوَ؟، فَأَنتَ الآنَ فِي الأُمنِيَّةِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  3. التَّوَّابِينَ لِابنِ قُدَامَةَ.
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه - من أعلام الصحابة المبشرين بالجنة

الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share