خطبة الجمعة | ليلة القدر وزكاة الفطر

ليلة القدر

إنَّ الحَمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضدَّ ولا نِدَّ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنَا محمَّدًا عبْدُهُ ورَسولُهُ وصَفِيُّهُ وحَبيبُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى كلَّ رسولٍ أرسلَهُ، اللهم صلِّ علَى سيدِنَا محمدٍ طبِّ القلوبِ ودوائِهَا وعافيةِ الأبدانِ وشفائِهَا ونورِ الأبصارِ وضيائِهَا وعلَى آلِهِ وصحبِهِ وسلِّمْ، أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإنِّي أوصيكُمْ ونَفْسيَ بِتَقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ فِي محكمِ التنزيلِ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، عِبَادَ اللَّهِ، يقولُ الحبيبُ المصطفى ﷺ  فيمَا رواهُ أحمدُ: «أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْءَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»، فكَمْ هوَ عظيمٌ شهرُ رمضانَ، وكمْ هيَ عَظيمةٌ ليالي رمضانَ، وأعظمُ لياليهِ بلْ أعظمُ ليالي السنةِ هيَ ليلةُ القدرِ الشريفةُ، هيَ الليلةُ التي أُنزِلَ فيها القرآنُ على النبيِّ ﷺ، يقولُ تعالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقد روَى النسائيُّ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا قولَهُ: أُنزلَ القُرءانُ جُملةً واحدةً مِنَ اللوحِ المحفوظِ إلى بَيتِ العِزَّةِ وهو بَيتٌ في السماءِ الدُّنيا في ليلةِ القَدرِ وكانت في تلكَ السنةِ ليلةَ الرابعِ والعِشرين مِن رمضان. ثم صارَ جبريلُ عليه السلام يُنْزِلُهُ على رسولِ اللهِ ﷺ  شيئًا فشيئًا على حَسَبِ ما يُؤْمَرُ مِن اللهِ عزَّ وجلّ، على حَسَبِ الأسبابِ والحوادِث، إلى أن تمَّ نُزولُه في ثلاث وعشرينَ سَنَة. 

عباد الله: يقول تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، أي وما أعلمَكَ يا محمّدُ ما ليلةُ القدرِ، وهذَا علَى سبيلِ التَّعظيمِ والتَّشويقِ إلى خَبَرِها تعظيمًا لِشَأْنِها، وليلةُ القدرِ تكونُ غالبا في العَشْرِ الأواخرِ من رمضانَ، فقدْ وردَ عنهُ ﷺ: «التَمِسُوها في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رمضانَ». متفقٌ عليهِ، والحِكمةُ مِنْ إخفائِهَا لِيَتَحَقَّقَ اجتهادُ العبادِ في ليالي رمضانَ كُلِّها طَمَعًا منهم فِي إدراكِهَا، كمَا أخفَى اللهُ ساعةَ الإجابةِ في يومِ الجمُعةِ. 

عباد الله: يقول تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أي أنَّ العبادةَ في ليلةِ القدْرِ أفضلُ مِنَ العبادةِ في ألفِ شَهْرٍ ليسَ فيهَا ليلةُ القدرِ، وهيَ ثمانونَ سنةً وثلاثةُ أعوامٍ وثلُثُ العامِ. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي في ليلةِ القدرِ يَنْزِلُ جبريلُ عليه السلامُ معَ جمْعٍ كبيرٍ منَ الملائكةِ فيَنزِلُونَ بكلِّ أَمْرٍ قضاهُ اللهُ في تلكَ السنةِ مِن أرزاقِ العبادِ وءاجالِهم إلى قابلٍ، أي إلى السَّنَةِ القابلةِ لأنَّ ليلةَ القدرِ هي الليلةُ التي يتمُّ فيها تقسيمُ القضايا التي تحدُثُ للعالَمِ مِن تلكَ الليلةِ إلى مثلِهَا في العامِ القابِلِ، كما جاءَ ذلك في الحديثِ الذي رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﷺ:  «إذا كانت ليلةُ القَدْرِ نَزَلَ جبريلُ في كَبْكَبَةٍ -أي جماعةٍ- منَ الملائكةِ يُصَلُّونَ ويُسَلِّمُونَ على كُلِّ عَبْدٍ قائِمٍ أو قاعِدٍ يَذْكُرُ اللهَ عزَّ وجلَّ فيَنْزِلُونَ مِنْ لَدُنْ غُروبِ الشمسِ إلى طُلُوعِ الفَجر»، رواهُ السيوطيُّ، والملائكةُ إخوةَ الإسلامِ أجسامٌ نورانيةٌ لا يأكُلُونَ ولا يَشربونَ ولا ينامونَ ولا يتناكحونَ لَيْسُوا ذكورًا ولا إناثًا، لا يَعصُونَ اللهَ ما أمَرهُم ويَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُون. ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أي أنَّها خيرٌ وبرَكةٌ إلى طُلوعِ الفجرِ، ورسولُ اللهِ ﷺ حثَّ أُمَّتَهُ على قيامِ ليلةِ القدرِ قائلًا: «مَنْ قامَ ليلةَ القدْرِ إيمانًا واحتِسَابًا غُفِرَ لهُ ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِه»، متَّفَقٌ عليهِ. وقد سألتِ السيّدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنهَا النبيَّ ﷺ  أنَّها إذَا رأتْ ليلةَ القدْر بِمَ تدعُو، قالَ لها قولي: «اللهم إنّكَ عفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعفُ عنِّي»

إخوةَ الإيمانِ أذكرِكم أيضًا فِي هذهِ الأيامِ المُبارَكةِ بزكاةِ الفطرِ وقدْ قالَ العلماءُ: إنَّها تَجِبُ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ شَوَّال عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، إِذَا فَضَلَتْ عَنْ دَيْنِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَقُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ، وَقَدْ قُدِّرَتْ بِـ(180) قِرْشًا، فَلَوْ دَفَعْتَ أَكْثَرَ تَكُونُ لَكَ صَدَقَةَ خَيرٍ بِإِذنِ اللهِ.

اللهم اجْعَلْنَا مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ الذَّينَ لا يَنْسَوْنَ بَذْلَ الْمَالِ فِي الْخَيْرِ عِنْدَ الاِسْتِطَاعَةِ. أقولُ قوليَ هذَا وأستغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولكُمْ.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنَا ومن سيئاتِ أعمالنَا، وأُصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ الهُدى مُحَمَّدٍ، أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُم ونَفْسيَ بِتَقْوى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ فاتقوه: يَقولُ اللهُ تعالى عن ليلةِ القدرِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وإنْ كانَ شاعَ عندَ بعضِ العَوَامّ أنَّ هذهِ اللَّيلةَ هيَ ليلةُ النّصْفِ منْ شعبانَ فهذا غيرُ صحيحٍ. والصَّوابُ أنَّ هذهِ الليلةَ هيَ ليلَةُ القَدْرِ، ومَعْنَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أنَّ اللهَ يُطْلِعُ ملائِكَتَهُ في هذهِ اللَّيْلَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ على تَفاصِيلِ ما يَحْدُثُ في هذِهِ السَّنَةِ إلى مِثْلِهَا مِنَ العامِ القابِلِ مِنْ مَوْتٍ وحَيَاةٍ ووِلادَةٍ وأَرْزَاقٍ ونحوِ ذلكَ. وكلُّ هذا الذي حصلَ وسيحصُلُ إنَّما هوَ بمشيئةِ اللهِ عزَّ وجلَّ الأزليةِ التي لا تتغيرُ ولا تتبدلُ، ولا يجوزُ للإنسانِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ مَشيئَةَ اللهِ تَتَغَيَّرُ، فلا تَتَغَيَّرُ مَشيئَةُ اللهِ بِدَعْوَةِ داعٍ أوْ صَدَقَةِ مُتَصَدّقٍ أو نَذْرِ ناذِرٍ.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، يَأمُرُكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾.

اللهم صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللهم اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، اللهم مَن أَحيَيتَهُ مِنَّا فَأَحيِهِ عَلَى الإِيمَانِ، وَمَن تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسلَامِ، اللهم اغفِر لِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، اللهم لَا تَحرِمنَا أَجرَهُم، وَلَا تَفتِنَّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللهم لَنَا وَلَهُم. اللهم احْفَظْ بِلَادَنَا وَمَا فِيهَا وَمَنْ فِيهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم جَنِّبْنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، اللهم سَلِّمْ بِلَادََنَا وَمَنْ فِيهَا مِنْ كَيدِ الكَائِدِينَ وَحَسَدِ الحَاسِدِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم انصُرِ الإِسْلَامَ وَالمُسلِمِينَ، اللهم أَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، اللهم عَلَيكَ بِالكَفَرَةِ أَعدَاءِ الدِّينِ، اللهم اضرِبِ الكَافِرِينَ بِالكَافِرِينَ، اللهم أَخرِجِ المُسلِمِينَ مِن بَينِ أَيدِيهِم سَالِمِينَ، اللهم سَلِّم غَزَّةَ، اللهم ارفَعِ البَلَاءَ عَنِ الضِّفَّةِ، اللهم ارفَعِ البَلَاءَ عَنِ المَسجِدِ الأَقصَى، اللهم ارفَعِ البَلَاءَ عَن فِلَسطِينَ، اللهم ارفَعِ البَلَاءَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي سَائِرِ البُلدَانِ. اللهم اجعَل بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً رَخَاءً آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَوَفِّق مَلِكَ البِلَادِ إِلَى خَيرِ البِلَادِ وَالعِبَادِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَدخِلنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرَارِ، بِرَحمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ. عِبَادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

الواجبات-القلبية-1-الايمان-بالله-والتوحيد

الواجبات القلبية (1) | الإيمان بالله والتوحيد أساس صلاح القلب

المقدمة الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَهُ الحَمدُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، صَلَوَاتِ اللهِ البَرِّ الرَّحِيمِ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share