أصبحت كلمة “التنمر” تتردد كثيرًا في الآونة الأخيرة، بين الصغار والكبار، في المدارس والجامعات، في العمل وفي الشارع، فهذه الظاهرة لا تقتصر على الأطفال فقط، بل لعلها تغلغلت في المجتمعات بشكل عام.
مفهوم التنمّر
التنمّر كمصطلح قد يبدو حديثًا، ولكن …
بالرجوع إلى أشكاله وأنواعه نجد أنّ ديننا الحنيف قد نهى عن مثل هذه السلوكيات السلبية والتي فيها إيذاء للآخرين بغير حقّ، سواء أكان إيذاءً لفظيًا أو إيذاءً جسديًا أو حتى لو كان الإيذاء غير مباشرٍ كالمحاكاة أي تقليده والاستهزاء به.
بل وبالرجوع إلى كتاب الاشتقاق لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي يقول فيه: “واشتقاق النَّمْر من التَّنمُّر، وهو التوعُّد والتهدُّد. يقال: تنَّمر فلانٌ لفلانٍ، إذا أظهرَ تهدُّدًا؛ وأصلُه من شراسَة الخُلق، وبه سمِّي النَّمِر السَّبُع المعروف اهـ.
وقال أبو شجاع الدَّيلَمِيّ الهمذاني في كتابه الفردوس بمأثور الخطاب: “التنمر: كَلَام ممزوج بغضب”.
وقال ابن منظور في لسان العرب: “وَيُقَالُ للرجل السيء الخُلُقِ: قَدْ نَمِرَ وتَنَمَّرَ. ونَمَّرَ وجهَه أَي غَيَّره وعَبَّسَه”.
ويمكن تعريفه: بأنّه شكل من أشكال الإساءة والإيذاء الذي يُمارَس على فرد أو مجموعة، وتتنوع أشكاله لتشمل التنمّر الجسدي أو التنمّر اللفظي، المباشر وغير المباشر.
فإذًا هو مصطلح قديم وليس حديثًا.
أشكال وأنواع التنمّر
- التنمر عند الأطفال: في الروضة، في المدرسة، في البيت، في الحيّ …
- التنمر عند الكبار: في الجامعة، التنمر الإلكتروني، التنمر الإداري أو الوظيفي، …
يُعتبر الضرب من طرق التنمّر الشائعة بين الأطفال، وذلك لطبيعتهم الضعيفة وعدمِ قُدرَتِهِم عَلى دفع الإساءَةِ عنهم في الكثير من الأحيان، وليس الضرب شائعاً بين الكبار، بل يُمارسُ التنمّر عندهم بالطرق التالية:
- الأذى اللفظي كإطلاق الألقاب أو الكلمات المسيئة
- الأذى النفسي بالترهيب والتسلّط والتقليل من شأن الشخص
- الأذى العاطفي من خلال الإحراج المستمر للشخص ونشر الشائعات حوله
أسباب انتشاره
- سرعة الغضب وعدم الصبر
- عدم القدرة على كظم الغيظ
- التكبّر
- الحسد: وهذا والذي قبله يدخلان في أمراض القلوب
- الميل لانتقاد الغير
- والبعض يدخله تحت أغطية واهية: كما يُسمونه بالصراحة، أو الحرية الشخصية، أو المزاح، أو المداعبة والضحك …
- وقد يكون أكثر أسباب انتشار هذه الظاهرة في الوقت الحالي هو اقتحام وسائل التواصل الاجتماعي لحياتنا، إذ يقوم البعض ممَن هم خلف الشاشات بممارسة التنمّر الإلكتروني عن طريق ذمّ وسبّ مَن يَظهر أمامهم بغير حقّ ودون الالتفات إلى كم الضّرر الذي سيَلحَق بالشخص المقصود وآثاره السلبية التي قد تدمّر هذا الشخص.
- والسَّبب الرئيسي لذلك كلّه هو قلّة التقوى، فلو كان المرء يَتَّقِي الله في السرّ والعلن، لا يلجأ إلى المعصية بالإساءة لغيره بغير حقّ سواء كان بالشتم أو السبّ أو الضرب أو الاستهزاء أو الترويع والتخويف مثلًا.
أضرار التنمّر
التنمر مرض من أمراض العصر يُمكن تشبيهه بالأداة الحادة، إذ يعمل التنمر على إلحاق أذًى نفسيٍّ يسبب الألمَ للشخص المُتنمَّر عليه، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أنّ الحالة النفسية السيئة تؤثّر على صحة الإنسان سلبًا، ولها دور في تحفيز بعضِ الأمراض المزمنة بمشيئة الله تعالى.
ويمكننا إجمال بعض هذه الأضرار بما يلي:
- أضرار على الشخص المتنمِّر، منها:
- معصية الخالق عزّ وجلّ بسبب إلحاقه الضرر بالآخرين بغير حقّ.
- الأنانية وعدم الإيثار.
- المزاج العصبي والمتقلّب.
- نفور المجتمع منه.
- أضرار على الشخص المتنمَّر عليه:
- الأذى الجسدي والألم الناتج عن الضرب والإيذاء المباشر.
- الأذى النفسي الناتج عن الأذى الجسدي، وكذلك الناتج عن الإيذاء باللسان أو المحاكاة والتقليد والاستهزاء.
- الأذى النفسي قد يؤثر على صحة الإنسان سلبًا، وله دور في تحفيز بعض الأمراض المزمنة بمشيئة الله تعالى مثل الضغط والسكري والجلطات وغيرها.
- قد يلجأ البعض للانتحار بسبب ضعف الإيمان.
طرق الوقاية والعلاج
من أقوى طرق الوقاية والعلاج تعلّم ما افترض الله علينا، ومن جملة ذلك الشكر الواجب؛ فلا نستخدم نِعم الله في معصيته، فلا أستعمل اللسان مثلا في شتم المسلم ولعنه والإستهزاء به وكلّ كلام مؤذٍ له بغير حقّ
قال رسول الله ﷺ
سِباب المسلم فسوق
رواه البخاري
بل يجب أن أشكر الله تعالى على هذه النعمة بأن لا أعصيه بها.
كذلك لا نعصي الله باليد، فيحرم ضرب المسلم بغير حقّ، وكذلك ترويعه بنحو سلاح. وهنا نُقدّم نصيحة وهي أنّ ما يحرم النطق به يحرم كتابته، لأنّ القلم أحد اللسانين، وكذلك الحُكم فيما يُطبَع على الهاتف أو جهاز الحاسوب.
ومثل ذلك الرِّجل فيحرم المشي في المعصية كالمشي في سعاية بمسلم أو قتله بغير حقّ أو فيما يضرّه بغير حقّ، وكذلك سائر البَدَن الذي أنعم الله به علينا.
وقد يكون سبب التنمّر الكِبر، وهو من معاصي القلوب، وهو بأن ينظر إلى نفسه بعين التعظيم وإلى غيره بعين الازدراء والاحتقار، أو يردّ الحقّ على قائله مع علمه بأنّ الحقّ مع القائل، لأنّه صغير السنّ مثلًا أو أدنى رتبةً منه في العمل.
وفي الختام:
روى أبو داود في سننه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:
قال رسول الله ﷺ
أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ
فأسأل الله تعالى لي ولكم حُسن الخُلُق، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
جزاك الله خيرا ونفع بكم