نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ

نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ

سورة الحديد: 25

عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ

مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ ‌مَا ‌مِثْلهُ ‌آمَنَ ‌عَلَيْهِ الْبَشَرُ

رواه البخاري ومسلم

أَيَّدَ اللهُ تَعَالَى أَنبِيَاءَهُ بِالمُعجِزَاتِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى صِدقِهِم وَصِحَّةِ دَعوَتِهِم وَعَلَى حَقِّيَّةِ الإِسلَامِ فَمَا مِن نَبِيٍّ إِلَّا وَكَانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ وَعَلامَةٌ شَّاهِدَةٌ تَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ صَادِقٌ فِيمَا يُخبِرُ بِهِ، وَقَد أُعطِيَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ مِنَ المُعجِزَاتِ أَكثَرَ مِن غَيرِهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ بَينَ الأَلفِ وَالثَّلاثَةِ ءَالَافٍ عَدَدًا، وَمِن هَذِهِ المُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ نَبعُ المَاءِ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ وَتَكثِيرُهُ لِلمَاءِ القَلِيلِ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.

ذكر الحادثة

جَاءَ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالزَّورَاءِ (مَوضِعٌ بِالمَدِينَةِ قُربَ المَسجِدِ) وَحَانَت صَلَاةُ العَصرِ وَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَم يَجِدُوا مَاءً، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بوَضُوءٍ (أَي مَاءٍ لِلوُضُوءِ)، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ وَأَمَرَ النَّاسَ أَن يَتَوَضَّؤوا مِنهُ، ثُمَّ قَالَ: فَرَأَيتُ المَاءَ يَنبُعُ مِن تَحتِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَوَضَّؤوا مِن عِندِ آخِرِهِم (أَي تَوَضَّؤوا جَمِيعُهُم) فَقِيلَ لِأَنَسٍ: كَم كُنتُم؟ قَالَ: كُنَّا زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ، رواه الشيخان.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: عَن زِيَادِ بنِ الحَارِثِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ ﷺ لَهُ: “هَل مَعَكَ مِن مَاءٍ؟” فَقَالَ: لَا، إِلَّا شَيءٌ قَلِيلٌ لَا يَكفِيكَ، فَقَالَ ﷺ: “اجعَلهُ فِي إِنَاءٍ وَائتِنِي بِهِ“، فَفَعَلتُ فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي المَاءِ، فَرَأَيتُ بَينَ كُلِّ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِهِ ﷺ عَينًا تَفُورُ، فَقَالَ ﷺ: “نَادِ فِي أَصحَابِي مَن كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فِي المَاءِ“، فَنَادَيتُ فِيهِم فَأَخَذَ مَن أَرَادَ مِنهُم، رواه الطبراني وأبو نعيم والبيهقي.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَومَ الحُدَيبِيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ بَينَ يَدَيهِ رَكوَةٌ (إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِن جِلدٍ يُشرَبُ فِيهِ المَاءُ) يَتَوَضَّأُ مِنهَا، وَجَهَشَ النَّاسُ (أَي فَزِعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَجَأُوا إِلَيهِ) نَحوَهُ (أَي نَحوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ)، فَقَالَ: “مَا لَكُم؟“، قَالُوا: لَيسَ عِندَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا مَاءٌ نَشرَبُهُ إِلَّا مَا بَينَ يَدَيكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكوَةِ فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ كَأَمثَالِ العُيُونِ، فَشَرِبنَا وَتَوَضَّأنَا، قِيلَ لِجَابِرٍ: كَم كُنتُم؟ قَالَ: لَو كُنَّا مِائَةَ أَلفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمسَ عَشرَةَ مِائَةٍ، رواه الشيخان.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا يَومَ الحُدَيبِيَةِ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةٍ، وَالحُدَيبِيَةُ بِئرٌ، فَنَزَحنَاهَا (أَخَذنَا مَاءَهَا) فَلَم نَترُك فِيهَا قَطرَةَ مَاءٍ فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِن مَاءٍ فَمَضمَضَ وَبَخَّ فِي البِئرِ، فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ ثُمَّ استَقَينَا حَتَّى رَوِينَا، رواه البخاري.

وَالرِّوَايَاتُ فِي هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ، قَالَ البُلقِينِيُّ فِي التَّدرِيبِ: قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ: قِصَّةُ نَبعِ المَاءِ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ ﷺ تَكَرَّرَت مِنهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ وَوَرَدَت عَنهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ عُمُومُهَا العِلمَ القَطعِيَّ المُستَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ المَعنَوِيِّ.

عظمة هذه المعجزة

إِنَّ نَبعَ المَاءِ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ أَبلَغُ فِي المُعجِزَةِ مِن نَبعِ المَاءِ مِنَ الحَجَرِ حَيثُ ضَرَبَهُ مُوسَى ﷺ بِالعَصَا فَتَفَجَّرَت مِنهُ المِيَاهُ، لِأَنَّ خُرُوجَ المَاءِ مِنَ الحِجَارَةِ مَعهُودٌ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ مِن بَينِ اللَّحمِ وَالدَّمِ وَلَم يُسمَع بِمِثلِ هَذِهِ المُعجِزَةِ العَظِيمَةِ مِن غَيرِ نَبِيِّنَا ﷺ حَيثُ نَبَعَ المَاءُ مِن بَينِ عَظمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحمِهِ وَدَمِهِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ

مَا أَعطَى اللهُ نَبِيًّا مُعجِزَةً إِلَّا وَأَعطَى مُحَمَّدًا مِثلَهَا أَو أَعظَمَ مِنهَا

الخاتمة

إِنَّ لِهَذِهِ المُعجِزَةِ أَثَرًا قَوِيًّا فِي تَمكِينِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَتَثبِيتِهِم، فَقَد جَاءَت هَذِهِ المُعجِزَةُ بِمَواضِعَ عِدَّةٍ وَكَانَ الصَّحَابَةُ فِي كُلِّ هَذِهِ المَوَاضِعِ فِي ظُرُوفٍ قَاسِيَةٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ لِعُنصُرٍ أَسَاسِيٍّ مِن عَنَاصِرِ الحَيَاةِ ضِمنَ صِرَاعٍ قَوِيٍّ وَمَعَارِكَ طَاحِنَةٍ مَعَ أَهلِ الشِّركِ وَالكُفرِ، فَكَانَت هَذِهِ المُعجِزَاتُ عَونًا لَهُم عَلَى تَحَمُّلِ المَصَاعِبِ الَّتِي يُوَاجِهُونَهَا وَسَبِيلًا إِلَى تَحقِيقِ أَهدَافِهِمُ السَّامِيَةِ فِي نَشرِ الإِسلَامِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَعلُومَاتُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  2. فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
  3. عُمدَةِ القَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِبَدرِ الدِّينِ العَينِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. شَرحِ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسلِمٍ.
  6. إِكمَالِ المُعلِمِ بِشَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاضٍ.
  7. مُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ.
  8. حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ.
  9. دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ
الاكتئاب أسبابه وعلاجه

الاكتئاب أسبابه وعلاجه

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share